عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 28-12-2008, 07:57 PM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي الدرس السادس : الهمزة في أول الكلمة ( تابع 3 )

فصَّلنا القولَ في ما خلا في المسألة الأولى من مسائلِ همزةِ الوصلِ .

-المسألة الثانية : إذا اتصلَ بهمزة الوصلِ حرفٌ قبلَها ، فهل تكون في حُكم المتوسِّطة ؟
اعلم أنَّ همزةَ الوصلِ إذا اتَّصلَ بها حرفٌ لا حاجزَ بينها وبينَه ، وهو الفاء ، والواو ، فإنك تبقيها على أوَّليتِها ، ولا تقدِّرُها في حكمِ المتوسِّطةِ ؛ فتكتبها ( فاؤْمر - واؤمر ) ، و ( فائتِ – وائت ) . وإنما التزمتَ هذا ، لأنَّك لو غيَّرتَها هنا للزمَك هذا في همزة القطع ؛ فكنتَ تكتب ( سأُصَلِّي ) هكذا ( سَؤُصَلِّي ) على ما يقتضيه حكمُ المتوسطة كما سيأتي . وفي هذا تغييرٌ لصورةِ الكلمةِ تغييرًا مخِلاًّ . فإن تركتَها هناكَ ، وغيرتَها هنا ، كانَ في هذا تناقضٌ . ولا شيءَ أقبحُ من تناقُضِ الأحكامِ .

-فإن قيلَ :
قد ذكرتَ أنَّ الأصلَ الأوَّل من أصولِ الإملاءِ أنَّ الكلمةَ تُكتبُ بحسَب ما تئولُ إليه إذا خُفِّفت . ولو خففتَ ( فائتِ ) لقلتَ : ( فاتِ ) ؛ فكان ينبغي أن تُكتب ( فأتِ ) .

قلتُ :
هذا الأصلُ الإملائيُّ ليس مطَّردًا ؛ إذ لو طردناهُ ، لكانَ فيهِ عُسرٌ على خاصَّة الناسِ ؛ فكيفَ بعامَّتهم .
من أجلِ ذلكَ جعلنا هذا الأصلَ مرعيًّا إلا إذا عارضَ قاعِدة يُرادُ طردُها ، لأنَّ طردَ القواعدِ التي سنذكرُها ، والتي لا تَخرجُ عن هذا الأصلِ إلا قليلاً ، أيسرُ بكثيرٍ من طَرْد هذا الأصلِ ، وأخفُّ مئونةً على المتعلِّمِ من أن يكونَ المرجِعُ إليه وحدَه .

وإنَّما خرجنا عن هذا الأصلِ ، حتى لا تكثرَ الشواذُّ ، والاستثناءاتُ ، والمسائلُ الفرعيََّة ، وحتى لا يقعَ التناقضُ بينَ حكمِ همزةِ القطعِ ، وحكمِ همزةِ الوصلِ ، وحتَّى لا يفضيَ هذا إلى الإثقالِ على المتعلِّم بشروطِ تحوُّلِها إلى حكمِ المتوسُّطةِ ، كوجوبِ كونها فاءً ، أو واوًا ، دونَ ( ثمَّ ) ، وكوجوبِ أن يَّكون ما بعدَ همزةِ الوصل ؛ أي : فاء الكلمة ، همزةً .
وأمرٌ آخرُ يمنعُنا منَ الاعتداد بالأصلِ هنا ؛ وهو أنَّ الأصلَ إنما يجري إذا جرَى ، على الكلمةِ المفردةِ . فأمَّا إذا اتصلت كلمةٌ بكلمةٍ ، فإنَّهما تُعدَّان كالمنفصلتينِ ، وتقضي في الثانية كما لو لم يتصل بها شيءٌ . ألا ترى لو أنك لم تعتدَّ بهذا ، لكان يجب عليك أن تكتب ( ثم ائتوا ) هكذا ( ثم أتوا ) ، لأنك إذا خففتَها ، نطقتَها كذا . فأمَّا إذا اتصلت بآخر الكلمةِ كلماتٌ أخرَى ، فإنك تعدُّها من تمامِ الكلمةِ ، لكثرة التغيير في الآخِرِ ، وكثرةِ ما يلحقونه بالكلمةِ من هذا المكانِ . ولم يفعلوا هذا في أول الكلمةِ ، لقلتِهِ .

-وبعدُ ،
فهذه أحكامُ همزةِ الوصلِ إذا كانت في أوَّل الكلمة ، قدَّمناها لكَ بعللِها ، ولم نشأ أن يكون اعتمادُك على فَهمِها بالحفظِ المجرَّدِ ؛ فتلك آفةٌ ابتلِيَ بها المتأخرون من أهلِ زماننا هذا ، ومَن قبلَهم . وهي آفةٌ لم يعرِفها المتقدِّمونَ ، ولا نالَهم من ضرِرها ما نالنا .

-ثم اعلمْ أنَّ أحكامَ همزة الوصلِ التي ذكرنا كانَ الحقَّ أن تكونَ من مباحث علم التصريفِ ، لأنَّ الإملاءَ يتعلَّق برسمِ الكلمةِ ، وهل هو موافِقٌ للنطقِ ، أم غيرُ موافقٍ . وجميعُ أحكامِ همزةِ الوصلِ إنما يوافِق رسمُها نطقَها ؛ فهي إذًَا جاريةٌ على الأصلِ ؛ فلِمَ إذًا ذكرنا أحكامَها هنا ؟
إنما فعلنا ذلكَ ، لبُعدِ الناسِ اليومَ عن معرفةِ كيفيةِ نُطقِها ؛ فلا يدرونَ مثلاً كيف ينطقونَ كلمة ( الاستماع ) أهكذا ، أم ( الإستماع ) ؟ إلا بقيَّةً قليلةً لم تفسُد سليقتُها . ولو عرفَ الناسُ كيفَ ينطقونَها وأمثالَها ، لسهُل الأمرُ جدًّا ، ولقلنا لهم : ( إذا أردتَّ أن تعرِفَ أتكتبُ الهمزة بالقطع ، أم بالوصل ، فضعْ قبلَها حرفَ الواو مثلاً ؛ فإن نطقتَها ، فضعْ لها همزةً ، وإلا فلا تضعْ ) ، ولكنَّ الذين تسعِفهم سلائِقهم بهذا قليلٌ . ولو كانوا كثيرًا ، لكنَّا في غنًى عن كلِّ هذه الأحكامِ ، ولما اضطُرِرنا إلى اجتلابِها من موضِعِها في علمِ التصريفِ إلى علمِ الإملاءِ .
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس