عرض مشاركة واحدة
  #82  
قديم 01-11-2015, 09:11 PM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,553
شكرَ لغيره: 5,979
شُكِرَ له 4,601 مرة في 1,459 حديث
افتراضي

في المقطوعة (192):
أمية بن كعب:
إني وإن كنتُ حديثَ السِّنِّ وكان في العَين نُبُوٌّ عَنّي
فإن شيطاني كبيرُ الجِنِّ يذهبُ بي في الشَّرِّ كلَّ فنِّ
=============
هذه الكلمة الحمراء أثبتها الشيخان في نشرتهما هكذا اعتمادا على المخطوطة التركية، ثم وُجدت مخطوطة إيران فلم تغيّر شيئا، وهي مصورة عندي، واللفظة فيها أيضا كما هنا، فالمخطوطتان متفقتان عليها، وقد يكون أبو تمام أثبتها في اختياره هكذا، على أني أخشى أنها من تحريف ناسخ.
والجزم بوجود تحريف سواء أكان من أبي تمام أم من أحد غيره قد لا يظهر للناظر من أول وهلة، ولذلك لم ينبه الأشياخ الميمني وشاكر ويوسف على هذه اللفظة بشيء ولا الشيخ عسيلان.
وإنما حصل غموض تحريفها من ثلاثة أوجه:
1 - ذكر الشيطان قبلها، فإن الشيطان لم يزل دعاءا إلى الشر نهاءا عن الخير، وهو الذي يذهب بالإنسان في طرق الشر ومسالكه، فمن لم يتأمل الكلام كله لبّس عليه ذكر الشيطان هنا، ولم يستنكر ورود لفظة الشر معه، أما على تأمل الكلام كله فإن المعنى خبيث مستنكر، وسنبين ذلك.
2 - الرسم، فإن هذه اللفظة شبيهة جدا باللفظة الصحيحة التي سنذكرها، فهي حرية أن تلتبس على الناسخ أو على قارئ المخطوطة بها.
3 - النطق، فهي قريبة في النطق أيضا من اللفظة الصحيحة، فأخلق بأن تشتبه على السامع هذه بتلك لتشابه صوتهما.
______________
واللفظة الصحيحة -إن شاء الله- هي: الشِّعْر، وصوابه إن شاء الله:
يذهبُ بي في الشِّعْر كُلَّ فَنِّ
والذي يصحّح ما ذكرتُه أمور:
أ - أنني وجدتُ البيت برواية "الشِّعْر" في مراجع كثيرة، منها:
1 - الفاخر للمفضل بن سلمة (تـ 291ه)، تحقيق عبد العليم الطحاوي: 5.
2 - تفسير الطبري (تـ 310هـ)، في تفسير سورة الشمس، تحقيق التركي:24/445.
3 - الزاهر في معاني كلمات الناس لابن الأنباري (تـ 328ه)، تحقيق حاتم الضامن: 1/197.
4 - الخصائص لابن جني (تـ 392هـ)، تحقيق محمد علي النجار:1/217.
5 - مقامات بديع الزمان الهمذاني (تـ 398هـ)، المقامة الأسودية، بشرح محمد عبده: 139، وبشرح محيي الدين: 174، وطبعة دار صادر: 74.
6 - ثمار القلوب للثعالبي (تـ 429هـ)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم: 72.
7 - ربيع الأبرار للزمخشري (تـ 538هـ)، تحقيق عبد الأمير مهنا:3/53.
8 - التذكرة الحمدونية لابن حمدون (تـ 562ه)، تحقيق إحسان عباس وبكر عباس: 9/401.
9 - الحماسة البصرية لعلي بن أبي الفرج البصري (تـ 656ه)، تحقيق عادل سليمان جمال: 4/1573.
10 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (تـ 656ه)، تحقيق محمد إبراهيم: 19/241.
ولم أجد البيت في شيء من المصادر كما أُثبت في الوحشيات، ومن وجده فليخبرني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
ب - أن العلماء يوردونها في معرض الكلام عن خرافة العرب في شياطين الشعر، ولم يفهم أحد منه غير هذا، ففهمهم تأكيد لما جاء في كتبهم ونفي لاحتمال التحريف فيها، وهو كما فهموا، فإن هذا القائل لما قال:
فإن شيطاني أمير الجن يذهب بي في الشعر كل فنّ
أراد شيطان شعره على ما تدّعيه العرب، وأنه يذهب به في الشعر كل مذهب، ويزيده وضوحا ما رواه الزمخشري في (ربيع الأبرار)، قال: "الفراء: أنشدني صبي من الأعراب أرجوزة، فقلتُ: لمن هي؟ فقال: لي، فزبرته، فأدخل رأسه في فروته ثم قال:
إني وإن كنت صغير السن وكان في العين نبوّ عنّي
فإن شيطاني أمير الجن يذهب بي في الشعر كل فنِّ"
فأنت ترى أن هذا الصبي الأعرابي أنشدها ردًّا على من أنكر عليه أن يكون هو صاحب الأرجوزة، فزعم أن شيطانه يذهب به في الشعر كل مذهب، وأنه أهل لأن يأتي بتلك الأرجوزة وأمثالها.
وأما إنشاد العلماء لها في معرض الحديث عن شياطين الشعر فكثير، وأكتفي منه بكلام الثعالبي في (ثمار القلوب)، قال الثعالبي:
"(إِبْلِيس الأباليس)
قَالَ جرير من قصيدته الَّتِى فِيهَا: (وَابْن اللَّبُون إِذا ما لُزّ فى قَرَنٍ لم يَسْتَطِع صولة البزل القناعيس) :
إنى ليلقي علي الشّعْر مكتهل من الشَّيَاطِين إِبْلِيس الأباليس
وَكَانَت الشُّعَرَاء تزْعم أَن الشَّيَاطِين تلقى على أفواهها الشّعْر وتلقنها إِيَّاه وتعينها عَلَيْهِ وتدعى أَن لكل فَحل مِنْهُم شَيْطَانا يَقُول الشّعْر على لِسَانه فَمن كَانَ شَيْطَانه أَمْرَد كَانَ شعره أَجود.
وَبلغ من تحقيقهم وتصديقهم بِهَذَا الشَّأْن أَن ذكرُوا لَهُم أَسمَاء، فَقَالُوا: إِن اسْم شَيْطَان الْأَعْشَى مسحل وَاسم شَيْطَان الفرزدق عَمْرو وَاسم شَيْطَان بشار شنقناق، وفى مسحل يَقُول الْأَعْشَى:
وَمَا كنت ذَا قَول وَلَكِن حسبتنى إِذا مسحل يبري لي القَوْل أنطق
خليلان فِيمَا بَيْننَا من مَوَدَّة شريكان جنيٌّ وإنس موفق
وَقَالَ يذكرهُ:
حباني أخي الجنيُّ نفسي فداؤه بأفيح جياش العشيات مرجم
وَقَالَ أَيْضا فِيهِ:
دَعَوْت خليلي مسحلا ودعوا لَهُ جهنام جدعا للهجين المذمم
وَقَالَ حسان بن ثَابت:
إِذا مَا ترعرع منا الْغُلَام فَلَيْسَ يُقَال لَهُ من هُوَهْ
إِذا لم يسد قبل شدّ الْإِزَار فَذَلِك فِينَا الذى لا هوه
ولي صَاحب من بني الشيصبان فحينا أَقُول وحينا هوه
شيصبان وشنقناق رئيسان عظيمان من الْجِنّ بزعمهم، لما ادّعى بشار أَن شنقناق يرغب فى مصاحبته ومعاونته قَالَ:
دعانى شنقناق إِلَى خلف بكرَة فَقلت اتركاني فالتفرد أَحْمد
يَقُول: أَحْمد لي في الشّعْر أَلا يكون عَلَيْهِ معِين، فَقَالَ أعشى بنى سليم ردًّا عَلَيْهِ:
إِذا ألف الجني قردا مشنَّفًا فَقل لخنازير الجزيرة أبشري
فجزع بشار لذَلِك كجزعه من قَول حَمَّاد عجرد فِيهِ:
وَيَا أقبح من قرد إِذا مَا عمي القردُ
لِأَنَّهُ كَانَ يعلم مَعَ تغزله أَن وَجهه وَجه قرد، وفى زعمهم أَن مَعَ كل شَاعِر شَيْطَانا يَقُول أعشى بني سليم:
وَمَا كَانَ جنيُّ الفرزدق قدوة وَمَا كَانَ فِيهَا مثل فَحل المخبل
وَمَا في الخوافي مثل عَمْرو وَشَيْخه وَلَا بعد عَمْرو شَاعِر مثل مسحل
وَقَالَ الفرزدق وَهُوَ يمدح أَسد بن عبد الله القسري:
ليبلغن أَبَا الأشبال مدحتنا من كَانَ بالغور أَو مروي خُرَاسَانا
كَأَنَّهَا الذَّهَب الإبريز حبرها لِسَان أشعر خلق الله شَيْطَانا
وَقَالَ أَبُو النَّجْم:
إني وكل شَاعِر من الْبشر شَيْطَانه أُنْثَى وشيطاني ذكر
فَمَا يراني شَاعِر إِلَّا استتر فعل نُجُوم اللَّيْل عاينَّ الْقَمَر
وَقَالَ آخر:
إني وَإِن كنت صَغِير السن وَكَانَ فى الْعين نبوٌّ عَني
فَإِن شيطاني أَمِير الْجِنّ يذهب بي في الشّعْر كل فنِّ
وَقَالَ ابْن مَيّادة:
وَلما أتاني مَا تَقول محَارب تغنت شياطيني وجن جنونها
وَقَالَ مَنْظُور بن رَوَاحَة:
فَلَمَّا أتاني مَا يَقُول ترقصت شياطين رأسي وانتشين من الْخمر
وَقَالَ الزَّفَيان العُوافيّ:
أَنا العُوافيُّ فَمن عاداني أذقته بَوَادِر الهوان
حَتَّى ترَاهُ مطرق الشَّيْطَان علمني الشّعْر معلمان
يعْني مُعلِّمًا من الْإِنْس ومُعَلِّمًا من الْجِنّ.
وَقَالَ أَبُو السمط لعلي بن الجهم:
إِن ابْن جهم فى المغيب يعيبني وَيَقُول لي حسنا إِذا لاقاني
وَيكون حِين أغيب عَنهُ شَاعِرًا ويضل عَنهُ الشّعْر حِين يراني
وَإِذا الْتَقَيْنَا ذاد شعري شعره ونزا على شَيْطَانه شيطاني
إِن ابْن جهم لَيْسَ يرحم أمه لَو كَانَ يرحمها لما عاداني
وَكَانَ الفرزدق يَقُول: شَيْطَان جرير هُوَ شيطاني إِلَّا أَنه من فمي أَخبث.
وَقيل لجَعْفَر بن يحيى: لَو قلت الشّعْر، فَقَالَ: شَيْطَانه أَخبث من أَن أسلطه على عقلي."
قلت: وفي شعرهم شواهد كثيرة غير هذا، منها قول سويد بن أبي كاهل:
وأَتانِي صَاحِبٌ ذُو غَيِّثٍ زَفَيَانٌ عِنْدَ إِنْفادِ القُرَعْ
قالَ: لَبَّيكَ، وما اسْتَصْرخْتُهُ حاقِرًا لِلنَّاسِ قَوَّالَ القَذَعْ
ذُو عُبَابٍ زَبِدٍ آذِيُّهُ خَمِطُ التَّيَّارِ يَرْمي بِالقَلَعْ
زَغْرَبِيٌّ مُسْتَعِزٌّ بَحْرُهُ ليس لِلماهِرِ فيهِ مُطَّلَعْ

ـــــــــــــــــــــــــــ
ج - أن المعنى على الرواية المثبتة في الوحشيات في طبعة الميمني وشاكر وفي طبعة العسيلان معنى خبيث لا يتكلم به عربي، فإن العربي لا يفخر بأنه يذهب في كل فن من فنون الشر، أعني أهل الجاهلية وصدر الإسلام لا المجّان الذي حدثوا بعد.
وأما تمدح بعض العرب بالشر أو مدحهم به أو تأبينهم به كقول مسافع العبسي:
سلامٌ بني عمرو على حيث هامكم جمال النديّ والقنا والسنوّرِ
أولاك بنو خير وشرٍّ كليهما جميعًا ومعروف ألمَّ ومنكرِ
وما أشبهه فإنهم يريدون به حصرا قمع الأعداء والإيقاع بهم والسطوة عليهم، لا يريدون غير ذلك، فهو كقول النابغة الجعدي:
فتى تمّ فيه ما يسرُّ صديقه على أّن فيه ما يَسوءُ الأعاديا
أما أن يفتخر الرجل منهم بأن شيطانه يذهب به في كل فن من فنون الشر فهذا مسلك خبيث لا يسلكه عربي، فإن فنون الشر تشمل أشياء كثيرة جدا لا يفتخر أحد من العرب مهما بلغ مجونه بأنه يأتيها كلها لا يتحاشى منها شيئا.
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :