عرض مشاركة واحدة
  #89  
قديم 10-04-2018, 08:12 PM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,553
شكرَ لغيره: 5,979
شُكِرَ له 4,601 مرة في 1,459 حديث
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
في الوحشيات (110):
تكلّفني ظعينتُنا حِمارًا لعِصمَةَ أو لحارثةَ الضَّنِينِ
ولستُ بقانصٍ فأدُسَّ وَجْرًا خلالَ الماء في قَصَبٍ وطِينِ
ولكني إذا اجتمعتْ لُجَيمٌ وعَزَّ كَسِيبَةُ اللحم السَّمينِ
أُخالسُ أو أُمالسُ أو أُماضي بمثل الوَرْسِ يَخرُجُ كلَّ حِينِ

هكذا في نشرة الشيخين الميمني وشاكر.
وفي المخطوطة الأخرى من الوحشيات حواشٍ مكتوبة على هذه المقطوعة:
فقال في تفسير البيت الأول: "أي تكلفني أخلاق رجل كالحمار في البلادة مثل عصمة أو حارثة"، وليس الأمر كما قال، ولا أراد أن امرأته تكلفه أخلاق رجل كالحمار، بل أراد أنها تكلفه صَيدَ حمار، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فقوله (تكلفني ظعينتُنا حمارًا) معناه (تكلفني ظعينتُنا صَيدَ حِمارٍ)، وسأشرح ذلك.
وقال في تفسير البيت الثاني: "أي لستُ رجلًا همّه أن يصيد سمكة ولكن همي أن أفعل كيت وكيت إذا أقحط الناس أو اشتد البأس"، وليس المعنى كما ذكر، ولا أراد الشاعر السمك والحيتان، وإنما أراد صيد حُمُر الوحش، وسأبين ذلك.
وقال في تفسير (أخالس) في البيت الرابع: "المخالسة أن تختلس الطعنة من عدوك ويختلس منك مثلها"، ولم يرد الشاعر اختلاس الطعنة كما ذكر، وإنما يصف الشاعر قِداح الـمَيسِر.
وقال في تفسير (بمثل الورس): "أي بدم مثل الورس فحذف الموصوف"، وليس كذلك ولا أراد الشاعر الدم، بل المشبه بالورس قِدح الميسر، وسنبين ذلك.
وقال في تفسير (يخرج كل حين): "أي لا ينقطع الدم عنه فهو يخرج إلى أن يموت صاحبه"، وليس الأمر كما قال، وإنما الذي يخرج كل حين هو قِدح الميسر، والمقصود أن القِدح يخرج من خريطة الميسر قبل غيره في كل مرة يَيسِرون فيها، وسأبينه أيضا.
وفي هذه المخطوطة: (كعصمة أو كحارثة الضنين)، وهي أجود من الأولى، أي تكلفني أن أصيد حمارًا كما يفعل عِصمة -وهو اسم رجل- وكما يفعل حارثة البخيل.
ونأتي إلى تفسير الأبيات فنقول:
ظعينتُه: امرأتُه.
يقول: تكلّفني أن أخرج خروجَ هذين الرجلين عِصمَةَ وحارثةَ البخيل إلى الشرائع التي تردها حُمُرُ الوحش لأصطاد لهم حِمارًا منها يصيبون من لحمه ويخصبون.
ثم يخبر أنه أبى عليها، كأنه كان يرى أن ذلك من الكسب الشَّين، ونفى عن نفسه أن يكون قانصًا يحفر الأوجار يعرقب بها الوحش، والأوجار جمع وَجْر وهي حفرة تُحفَر وتُدَسّ فلا تراها الوحش حتى إذا مرّت بها عرقبتها.
وإنما جعل الوَجْرَ في قَصَبٍ وطينٍ لأنه يكون عند شريعة الماء التي تردها الوحش، ولا معنى لحفره في الأرض الفضاء التي لا يعلم أتمرّ بها الوحش أم لا، وإنما يجعلون هذه الأوجار عند الماء لأنهم يعلمون أن الوحش ترد الماء وتمشي في هذا المكان فتعرقبها، ولذلك جعل الوَجْر في طين لقربه من الماء، وأما القَصَبُ فليس هو مقصورًا على ما يسمّيه الناسُ اليوم قَصَبَ السكّر ونحوه، بل القَصَب في اللغة كلّ نباتٍ يكون ساقُه أنابيبَ وكُعوبًا، وهذه الضروب من النبات أكثر ما يكون نباتُها على جوانب الماء، وأكثر ما يكون على الماء هي، ولعلك لا ترى ماءًا بأرض إلا رأيتَ عليه شيئًا من القَصَب، وهذا القَصَب يعين القانص على حمر الوحش لأن الوَجْرَ يكون أخفى بين هذا القَصَب فلا تراه الوحش.
ولما نفى عن نفسه أن يكون قانصًا أخبر أنه صاحبُ مَيسِر على طريقة العرب في الافتخار بذلك، وإنما يفتخرون به لأنهم يَيسِرون في وقت الجدب والشدّة على جَزور ثم يجعلون لحمها للفقراء والضعفاء منهم، وإذا أردتَّ أن تفهم طريقة الميسر فاقرأ كتاب (الميسر والقِداح) لابن قتيبة، ولو لم يكن لهذا الإمام غير هذا الكتاب على صغر جِرمه لكان كافيًا في الدلالة على إمامته وتبريزه وتقدّمه، وقوله (بمثل الوَرْسِ يخرُجُ كلَّ حِينِ) يريد به قِدحًا من قِداح الـمَيسِر، وجعله كالورس لأنهم يصفون القِدح بالصفرة، قال طرفة أو عدي بن زيد يصف قِدحًا:
وأصفر مضبوحٍ نظرتُ حَوِيرَه على النار واستودعتُه كفَّ مُجمِدِ
وقال طفيل الخيل يصف قِدحًا:
وأصفرَ مَشهومِ الفؤادِ كأنه غداة الندى بالزعفران مُطَيَّبُ
والورس صبغ أصفر، وقوله (يخرج كلَّ حِينِ) تفهمه إذا قرأتَ كتاب القتبي، ومختصر ذلك أنهم يجعلون القداح في خريطة واسعة لها فم ضيق لا يخرج منه إلا قدح واحد ويجلجلونها ثم يدفعونها دفعة قوية تقذف واحدًا من القداح من فم هذه الخريطة، فيفوز صاحب القدح الخارج، فهذا معنى خروجه، وأما خروجه كل حين فمعناه أن هذا القدح لا يدخل في ميسر إلا كان أول خارج من الخريطة فيفوز صاحبه، وهذا شيء عجيب لا يعرف الناس سرّه، وقد يكون لملاسة القدح وخفته وغير ذلك أثر في هذا، وقد كان لابن مقبل قدحٌ هذه صفته، وفيه يقول:
خروجٌ من الغُمَّى إذا صُكَّ صكَّة بدا والعيونُ المستكفّة تلمحُ
أي يخرج هذا القِدح من ضيق الخريطة التي يجمعون فيها القداح.
حتى ضُرِب المثل بقِدح ابن مقبل، قال الكميت بن زيد لما هرب من السجن:
خرجتُ خروجَ القِدْح قِدْحِ ابن مقبلٍ على الرغم من تلك النوابح والـمُشلي
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :