عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 05-09-2017, 03:04 PM
صالح سعيد النائلي صالح سعيد النائلي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2016
التخصص : نحو
النوع : ذكر
المشاركات: 72
شكرَ لغيره: 289
شُكِرَ له 80 مرة في 42 حديث
افتراضي

مِن عَبث المعاصِرين (3)
--------------
كِتابَا الدكتور محمد العدناني رحمة الله عليه في الأخطاء الشائعةِ والأغلاطِ المعاصِرة على كِبَر حجمِهما مِن أحسنِ ما وقعتْ عليه عيني من الكُتب ضبطاً وشَكلاً للحروف؛ فإن القارئ فيهما لَيمُرُّ كثيراً على الصَّفحات فلا يَعثُر فيهنَّ على حركةٍ في غيرِ موضعِها أو حرفٍ تَصحَّف إلى ما يُشبهُه، مع أن الكلمات مَشكولٌ أكثرُها، وهذا مما يُحمَد لَه، ومما يَدلُّك على اعتنائه بِقُرَّائه؛ سواءٌ أكان ذلك مِن عَمله الشخصيِّ، أم بإشرافِه ومُراجعتِه فقط.
إلا أنَّ المَخبَرَ لم يكن في منزلةِ المَنظَر؛ إذ سوَّد مواضعَ فيهما بكلامٍ بعضُه من باب العبث الذي حدَّثتُك عن أشياءَ منه فيما مَضى.
مِن ذلك أنه قال في «معجم الأخطاء الشائعة» (356) تحت عنوان: (الذُّبْحَة القَلبِيَّة أو الذَّبْحَة):
(ويُخطئون من يقول: مات فلانٌ بالذَّبحة القلبية، ويقولون: إن الصواب هو: الذُّبْحة، أو الذُّبَحة، أو الذُّباح، أو الذِّبْحَة، أو الذِّبَحة.
ولكنَّ مجمع القاهرة أقرَّ في معجمِه (الوسيط) استِعمال (الذَّبْحة) أيضاً لِشيوع فتحِ الذال في البلاد العربية، ولِكثرةِ مَن يموتون بها في هذه الأيَّام). اهـ
أقول: إن كان جادًّا فيما قاله فإنَّا لله وإنا إليه راجعون؛ فإن كِلا الاستِدلالَين من العبث؛ أما الثاني فظاهر، وأما الأول فإن كتابه موضوعٌ – كما يظهر من عُنوانِه – لتتبُّع الخطأ الشائع وتصحيحِه، فكيف يَقضي لمثل هذا الخطأ بالصحَّة لأجل شُيوعِه؟ أليس هذا هدماً لما سَعى في بِنائه، ونَقضاً لِما اجتهدَ في إنشائِه؟ ولو صحَّ له مثلُ هذا الاستدلال لكان تجويز استعمال (النَّوايا) مثلاً – ومكانُها من الشيوع والذُّيُوع معروفٌ - أَولى مما فَعله في كتابَيه جميعاً مِن تخطئتِها، مع تصريحِه بإجازة مجمع اللغة العربية بدمشق لها، وبِفتح مثلِ هذا الباب يَتَّسع الخرقُ على الراقِع.
وإن كان مازحاً فإنَّ كتابَه ليس موضوعاً للمُزاح، والمسألةَ التي يَخوضُ فيها لا تَحتمل شيئاً منه، كما أن سابقَ الكلام ولاحقَه وما عُهِد منه في غيرِ هذا الموضِع مما يُنادِي بخلافِه، فإني قرأتُ كتابَيه قديماً بضعَ مرَّات، واستقريتُ بعض موادِّهما مِراراً لا أُحصِيها كثرةً، فما أذكُر رُؤيتَه مَازحاً في مسألةٍ من مسائل البحث. سلَّمنا أنه كان مازحاً، فأينَ القرينةُ على ذلك؟ هلَّا فَعل مثلاً كما يَفعلُ القومُ اليومَ حين يَرسمون هذه الهاءات المُتزاحِمةَ هكذا (هههههه).
ومِن ذلك أنه قال في مقدمة الكتاب المذكور أيضاً ما نصُّه: (أما الأمورُ التي ألزمتُ نفسي بها في هذا المعجم فكثيرةٌ، منها:
(أ‌) استِنكارُ بعضِ ما جاء على لسان الأعراب الأميِّين من أخطاء: مثلِ كسرِ حرف المضارعة في (إخال)، ورفعِ الأسماء الخمسةِ بالألف، كقولِهم: مكرَهٌ أخاك لا بطلٌ، وتحبيذُ الرجوع إلى القياس والعقل.
فنحنُ لا نستطيعُ الاعتمادَ على ما قاله جميعُ الأعراب ؛ لأن بعضَهم لا يخلو من الغباوة). اهـ
أقول: هذا كلامُه بحروفه، وقد والله استَحييتُ من نقلِه؛ فإنه كلامٌ لا يقولُه عاقل، غيرَ أنه لا مناصَ من التعرُّض لِما فيه؛ خشيةَ الاغترار به إن أُقرَّ على حاله؛ فإني قد نَذرتُ نفسي لمثلِ ذلك دفاعاً عن هذه اللغة المباركة، وإصلاحاً لِما يُفسِده منها بعضُ أصحاب الشهادات العالِية ممَّن تصدَّر وتكلَّم في كلِّ غادِيةٍ ورائِحة، وما شَمَّ للتحقيق في فنِّ العربية من رائِحة. ورَحم الله عبداً عَرف حدَّه، فوقف عِندَه.
أمَّا كسرُ (إِخال) فراجعٌ إلى كسر أحرُف المضارعة، ومما قاله فيها سيبويه في «الكتاب»: هذا بابُ ما تَكسِر فيه أوائلَ الأفعال المضارِعة للأسماء، كما كَسرتَ ثانِيَ الحُروف حين قُلتَ: فَعِلَ، وذلك في لُغة جَميع العرب إلا أهلَ الحِجاز، وذلك قولُهم: (أنتَ تِعْلَمُ ذاك) بكسر التاء، و(أنا إِعْلَمُ) بِكسر الهمزة، و(هي تِعْلَمُ) بكسر التاء، و(نحن نِعْلَمُ ذاك) بِكسر النون، وكذلك كل شيء فيه فَعِلَ من بنات الواو والياء ... إلخ كلامه، وفي «الارتشاف» وغيرِه أنها لغة قيسٍ وتَميم ورَبيعةَ ومَن جاوَرهم، وعليها جاء ما أنشده ابنُ الأنباري في «شرح المفضليات» لِلمَرار الفَقعسي وهو:
قد تِعْلَمُ الخَيلُ أيَّاماً تُطاعِنُها = مِن أيِّ شِنشِنةٍ أنتَ ابنَ مَنْظُورِ
قال: قال أبي: أَنشدَنِيه أبو جَعفر: (قد تِعْلَم) بكسر التاء، وقال: هي لغةُ بني أسدٍ، يَقولون: تِعْلَمُ، وإِعْلَمُ، ونِعْلَمُ، ومِثلُه كثير. اهـ كلامُه.
وقال ابنُ جِني في «المنصف»: يَقولون: (أنت تِرْكَبُ، وتِذْهَبُ) ... قال أبو ذُؤَيبٍ:
فغَبَرْتُ بَعدهُمُ بِعَيشٍ ناصِبٍ = وإِخالُ أَنِّي لاحِقٌ مُستَتبَعُ
وأَنشدني عقيلي فَصيح لِنفسه:
فَقَومي هُمْ تَميمٌ يا مُمارِي = وجُوثةُ ما إِخافُ لَهُم كِثارَا
فكَسر الهمزة مِن (إِخاف). اهـ كلامُه.
وفي «المحكم» لابنِ سِيده: وكان ابنُ دُريد يُنشِدُ هذا البيتَ:
كانَ لَنا وَهْوَ فَلُوٌّ نِرْبَبُهْ
كَسر حرف المضارعة لِيُعلِم أنَّ ثانيَ الفِعل الماضي مَكسورٌ كما ذَهب إليه سِيبويه في هذا النَّحو. اهـ كلامُه.
وأنشد سيبويهِ:
لو قُلتَ: ما في قَومِها لَم تِيثَمِ = يَفضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ
أي: لو قُلتَ: ما في قومها أحدٌ يَفضُلها في ذلك لم تَأثمْ.
وأنشدُوا أيضاً:
قُلتُ لِبَوَّابٍ لَدَيه دارُها: = تِئْذَنْ فَإنِّي حَمؤُها وجارُها
أي: لِتَأذنْ، فحَذف اللامَ وكَسر حَرفَ المُضارَعة.
وأنشدُوا أيضاً لمُتمم بن نُوَيرة:
قَعِيدَكِ أَنْ لا تُسْمِعِينِي مَلامَةً = وَلا تَنْكَئِي قَرْحَ الفُؤَادِ فَيِيجَعَا
ويُروى: فإِيجَعا، كَسر أوله فانقلبت الواو بعده ياءً، والأصل: فيَوْجَعَا أو فأَوجَعا. وأنشدوا غيرَ ذلك.
وذكر أبو حاتِم السِّجستاني أنَّه سمع حترش بن ثمال - وهو عَربي فصيح - يَقول في خُطبتِه: (الحمدُ لله إِحمَدُه وإِستَعِينه وإِتَوكَّلُ عليه)، فكَسر الأَلِفات كلَّها.
وقُرئ في الشواذِّ: ألم إِعْهَدْ إليكم، ولا تِرْكَنُوا إلى الذين ظَلموا فتِمَسَّكُمُ النَّارُ، وإيَّاك نِسْتَعين، يومَ تِبْيَضُّ وُجوهٌ وتِسْوَدُّ وُجوهٌ، فكيفَ إِيسَى على قَومٍ كافِرِينَ، قُل إنْ ضَلِلْتُ فإنما إِضَلُّ على نفسي، فإنَّهم يِئْلَمُون كما تِئْلَمُون، ولا تِعْثَوْا فِي الأرض مُفسِدينَ، تِعلَمُ ما في نفسي ولا إِعلَمُ ما في نفسِك وغيرُ ذلك.
وقد نصَّ النحاةُ واللغويُّون على أن (إخال) بالكسر أفصَحُ من (أخالُ) بالفتح، قال ابنُ هشام في (التخليص): (إخال بِكسر الهمزة في لُغةِ جميعِ العرب إلا بَنِي أسد؛ فإنهم يَفتحونها وهو القياس). اهـ كلامُه، قُلتُ: فكأن العربَ - إلا قبيلةَ بني أسدٍ ومحمداً العدنانيَّ - أجمعتْ على هذا الحرف، على أنهم أحسنُ حالاً منه؛ فإنهم فتحواَ الهمزة وسكتوا عمَّا وراء ذلك بِخلافه، مع أنه قال في مقدمة «معجم الأغلاط»: (وأرى أن نقبلَ كلَّ ما وافق عليه البصريُّون وخطَّأه الكوفيون، وكلَّ ما وافق عليه الكوفيون وخطَّأه البصريون؛ لِكي نُقلِّلَ عثرات أُدبائنا). اهـ كلامُه، فاعجَبْ إن كنتَ تُريد العجب.
ثم إني كنتُ تعرَّضتُ لهذه المسألة باختصارٍ في شرحي على «شذا العرف»، وختمتُها يَومئذٍ بقولي: وقد اشتهر هذا الكسر في لفظ: «إِخَالُ»، حتى لا تِكادُ العرب تقوله بالفتح، وما زعمه العدنانيُّ في مقدِّمة كتابه «معجم الأخطاء الشائعة» مِن أنَّ كسر حرف المضارعة في «إِخال» مِن الأخطاء التي جاءت على لسان الأعراب الأُمِّيِّين، إنما يدلُّ على أنه مِمَّن تصدَّى لتخطئة الألفاظ وتصحيحِها قبل الإحاطة بما لا يَسَعُه جهلُه مِن مسائل الصرف والنحو والبلاغة وغيرِها. اهـ فلمَّا كنتُ في الدرس ورأى تلميذي الكسرةَ التي على تاء (تِكاد) – وهو يَعلمُ مبلغَ ما أُلزمُ به نفسي في محاولةِ الضبطِ والإتقان، وأني لا إِكادُ أُخطئ في مثلِ ذلك - فَطِن إلى ما قصدتُه، فلِله درُّه!

---- تَتلوه تَتمَّتُه ----
منازعة مع اقتباس
الجليس الذي شكرَ لـ ( صالح سعيد النائلي ) هذه المشاركةَ :