عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-12-2017, 12:59 AM
علي أدهم علي أدهم غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Dec 2017
التخصص : مترجم
النوع : ذكر
المشاركات: 1
شكرَ لغيره: 1
شُكِرَ له مرة واحدة في حديث واحد
افتراضي الهَيَمان في القراءة - ترجمة رسالة "سينيكا" الثانية

بعد ما بَلَغني عنكَ من رسائلِكَ وكلامِ غيرِك، صِرتُ أؤنِس فيك سِيَمَ[1] المرءِ الواعِد..لأنكَ لا تَهرعُ هنا وهناك، مُشوِّشًا نَّفسَك بكَـثرةِ تَغييرِ سُكناك.. فلَعَمْري ما مِـثلُ هذا التَّقلقُلِ والاختلال[2] إلا أمارةٌ على ما في العقل من اعتلال، ولا أرى ما هو أَدَلُّ على استقامة العقلِ من القُدرةِ على القرارِ بالمكان والخلوةِ بالنفس في بعض الأحيان.

لكن حذارِ من الهَيَمان والتشتُّتِ اللذَيْنِ يمكن أن تُصيبَك بهما طريقةُ القراءة تلك التي أشرتَ إليها: القراءةُ في مُختلِفِ المؤلَّفات، والتنقل بين كُـتَّابٍ أشْتَات[3]. إذا أردتَ أن تَجنيَ من قراءتك فِكَـرًا[4] تَثبُت بذاكرتك ولا تَنْـفَكّ، فعليك أن تُطِيل مُقامَك بين نُـخبة[5] المفكرين الذي لا يرقى إلى نُبُوغهم شكّ، وأن تُغرِق نفسَك في كُتبِهم حتى تَستَغرِق كل أفكارِهم.

اعلمْ أنّ الهَيَمانَ والجُمود في المكان سِيَّان.. فمَن يُنفق عُمرَه في السفر بين البُلدان، يَكون بينه وبين كثيرٍ مِّن الناس بعضُ العِرْفان[6]، لكن ينتهي من لَّفِّه ودَوَرانه محرومًا من الخِلَّان..ومِثلُ حالِه حالُ القُرَّاء الهَيْمانين، مَن لم يُوَطِّدوا معرفتهم بأيٍّ من نُخبة المفكّرين، بل يَمُرُّون على كتبهم أجمعين، مرورَ السِّهام بأقواس النَّـبَّالين[7]. لا خير لامرئٍ في طعام يُّتقيَّـأ قبل أن تَمتصّه الأمعاء، ولا أعْوَق للشفاء من كثرة تغيير الدواء.. فالجُرح لا يَبرأ إذا جَرَّبتَ في علاجه مَراهم عَديدَه، والنبات لا يَشتدُّ عُودُه إذا ما كرَّرتَ نقلَه وتَهيِيدَه[8]. مهما يِكُنِ الشيء فعّالًا نَّجِيعا[9]، فلن يَّنفعَك حين تَمُر عليه مَـرًّا سريعا.. وكثرةُ الكُتُب لذلك ما هي إلا إلهاءٌ وتشتيت لِبالِك.

وبعد.. فإن لم يَكُن لك قِبَلٌ[10] بقراءة كل الكتب التي بين يَديْك، فحَسْبُك منها ما لا يَشُق عليك وحَنانَيْك[11]. قد تقولُ: «لكنِّي أحب أن أقرأ عديدًا من المؤلفات وأن أُطالِعها في مختلِف الأوقات»، وأقول: إنَّ تَذوُّق طَبَق تلو الآخر بلا اشتهاء واستِمْراء[12] لَّعلامةٌ من علامات النفس المَلُولَة[13] صعبة الإرضاء، ناهيك بأنَّ كثرة ألوان الطعام لا تُغذِّي الجسم بل تُصيبه باتِّخام. فعليك بِكَنَفِ[14] كُتّابك المألوفين، وإذا ما تُقْتَ تغييرًا في أي حين، فارتدَّ إلى كِتابِ أحدٍ مِّن السابقين.

اغتنم مِّن قراءتك كلَّ يوم ما يُثبِّـتُك في وجه الفقر والموت وغيرهما من العُسَر[15]، واقرأ حتى تُلِمَّ بالعديد من الفِكَر، ثم اختَرْ منها فكرةً لتَصرِف يومَك مُمعِنًا فيها النظر.. ذلك سبيلي: أعَضُّ[16] على فكرةٍ مِّن مَّا يَمُرُّ عليَّ في قراءتي وتحصيلي. فكرة يَوْمي هذا وجدتُها في إحدى مقولات أَبِيقُور[17] (ما قرأتَه صحيح.. فحتى معسكر العدو أتردد إليه، لاستطلاعه، لا الفرارِ إليه والسيرِ على ما يسير عليه).. قال: «الفَقرُ إذا اجتمعتْ معه القناعَه، كانتْ من مَّدارِك الشرف والرِّفاعه».. وعندي أنهما لا يجتمعان، فإذا حضرَتِ القناعة غاب الفقر وبان[18].. وليس الفقير بقِلّة المال والعَرْض[19]، إنما الفقير مَن لَّا يَقنعُ ولو أُوتِيَ مُلك الأرض. سلامٌ على الأموال المخزونة والمحظورَه[20]، سلامٌ على كثرة القُطعان[21] والأرباح المَظفورَه[22]، إذا غَفَل عنها صاحبها إلى ما في يد سِواه، ولم يهتمَّ إلا بما يَطمع في جَـنَاه[23]. تَسألني: فما أنسب حَدٍّ للثروة؟ فالجوابَ أعطيك: أن تملك الضروريات، وأن تملك ما يكفيك.

[1] جمع سِيمَة: علامة.
[2]تَقلقُل واختلال: اضطراب.
[3]متفرِّقون.
[4]الفِكَر: جمع فَكْرة.
[5]المختارون الأكْفاء.
[6]العِرفان: المعرفة.
[7]مُحتِرفو رَمْي السِّهام.
[8]تحريكه.
[9]نافِع.
[10]قدرة.
[11]ارحم نفسك وتحنَّن عليها.
[12]استمرأ الطعامَ استمراءً: استطابه، ووجده هنيئًا مريئًا.
[13]السريعة المَلل.
[14]جانبهم وظِلّهم.
[15]جمع عُسْرة: الشّدائد.
[16]عضَّ على الشيء: لزمه واستمسك به.
[17]فيلسوف يونانيّ.
[18]رحل وابتعَد.
[19]المتاع.
[20]الموجودة في الحظائر.
[21]جمع قطيع.
[22]ظَفِر الشيءَ وبه: ناله وفاز به، فهو مظفور.
[23]جَنى الشيء جَنًى وجَنْيًا: كسبه، مجاز.
منازعة مع اقتباس
الجليس الذي شكرَ لـ ( علي أدهم ) هذه المشاركةَ :