عرض مشاركة واحدة
  #29  
قديم 04-08-2015, 01:52 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,591
افتراضي

(13)
عاب المتنبي قول أبي تمام:
رقيقُ حواشي الحلم لو أن حلمه بكفّيكَ ما ماريتَ في أنه بُردُ
فقد روى الحاتمي في مناظرة جرت بينه وبين أبي الطيب ذكرها في (الرسالة الموضِحة) أن المتنبي قال: "فهل امتدح أحدٌ قبله أحدا برقة الحلم؟ ووصفه بالركانة والثخانة أولى، ألا ترى إلى قول عدي بن الرقاع:
أبت لكم مواطن طيبات وأحلام لكم تزن الجبالا
قال: ثم إنه شبه الحلم في رقته بالبُرد، ورقة البرد دال على هلهلة نسجه، وليس ذلك من أوصافه ولا ممادحه"
ولم يُجب الحاتمي عن هذا بشيء.
فالمتنبي عاب على أبي تمام أمرين:
1 - وصف حلم الممدوح بالرقة.
2 - وصف البُرد بالرقة.
وقد أصاب المتنبي في انتقاده الأول لو أن أبا تمام وصف الحلم بالرقة لكنه لم يصفه بذلك كما سنبين فالعيب في كلام المتنبي وفهمه، وأخطأ المتنبي في انتقاده الثاني من وجهين سنبينهما.
فجاء أبو هلال العسكري وأخذ على أبي تمام ما أخذه المتنبي في المأخذ الأول، وهو قوله في (الصناعتين):
"وما وصف أحدٌ من أهل الجاهلية ولا أهل الإسلام الحلم بالرّقة، وإنما يصفونه بالرجحان والرزانة، كما قال النابغة:
وأعظمُ أحلامًا وأكبر سيداً وأفضلُ مشفوعًا إليه وشافعا
وقال الأخطل:
صمٌّ عن الجهل عن قيل الخنا خرُس وإن ألـمَّت بهم مكروهةٌ صبرُوا
شمسُ العداوةِ حتى يستقادَ لهمْ وأعظمُ النّاسِ أحلامًا إذا قدرُوا
وقال أبو ذؤيب:
وصبرٌ على حدثِ النّائباتِ وحلمٌ رزينٌ وعقلٌ ذكيّ
وقال عديّ بن الرّقاع:
أبتْ لكم مواطِن طيّبات وأحلام لكم تزنُ الجبالا
وقال الفرزدق:
إنَّا لتوزنُ بالجبال حُلومنا ويزيد جاهلُنا على الجهَّالِ
ومثل هذا كثير.
وإذا ذمّوا الرجل قالوا: خفّ حلمه وطاش، كما قال عياض بن كثير الضبي:
تنابلةٌ سودٌ خفافٌ حلُومُهُم ذوو نيربٍ في الحيِّ يغدو ويطرقُ
وقال عقبة بن هبيرة الأسدي:
أبنُو المغيرةِ مثلُ آل خويلدٍ يا للرِّجال لخفَّةِ الأحلامِ
لا، بل أحسبني سمعت بيتاً لبعض المحدثين يصف فيه الحلمَ بالرّقةِ وليس بالمختار".
وجاء القاضي الجرجاني فأخذ على أبي تمام ما أخذه المتنبي في مأخذه الثاني، وهو قوله في (الوساطة):
"البُرد لا يوصف بالرقة، وإنما يوصف بالصفاقة والدقة، وقد أقام الرقة مقام اللطف والرشاقة في موضع آخر، فقال:
لك قدٌّ أرقُّ من أن يحاكى بقضيب في النعت أو بكثيب
والقد لا يوصف بالرقة".
وهذا موافق لمأخذ المتنبي الثاني على بيت أبي تمام، وهو أن البرد لا يُنعت بالرقة، وزاد الجرجاني أن أبا تمام وضع الرقة موضع الدقة كما وضعها موضعَ اللطف والرشاقة في بيت آخر.
ثم جاء العلامة الكبير أحمد تيمور باشا فوافق أبا هلال على انتقاده، وردّ على الجرجاني في انتقاده، ولم يُشر إلى كلام المتنبي، وكلام المتنبي قد جمع النقدين، قال العلامة تيمور في (أوهام شعراء العرب في المعاني):
"أما الذي انتقده أبو هلال فصحيح، وأما قول الجرجاني بأن البُرد لا يوصف بالرقة فقد نقل التبريزي في شرحه لديوان أبي تمام عن المرزوقي: أن الرقة تستعمل في صفة الفاخر من الثياب وغيره حتى يقال: عندي ثوب أرق من الهواء".
وفي كلام العلماء المتتابع أشياء مضطربة، منها:
1 - أنهم زعموا أن أبا تمام وصف الحلم بالرقة، ولا أدري كيف تتايعوا فيه، وإنما الذي وصفه أبو تمام بالرقة حواشي الحلم لا الحلم نفسه، وفرق بين معظم الشيء وبين حواشيه وأطرافه.
2 - أنهم زعموا أن أبا تمام وصف البُرد بالرقة، وهذا غير صحيح أيضا، لأنه لا يُفهم من كلامه رقة البُرد بل يُفهم منه رقة حواشي البرد، لأنه قال: حلمه رقيق الحواشي لو كان في كفك لتوهمته بردا، فلو قال قائل: لماذا تتوهمه بردا؟ قيل: لأن البُرد رقيق الحواشي مثله.
فليس في كلامه وصف البُرد بالرقة أصلا.
3 - إنكار المتنبي والجرجاني أن يوصف البُرد بالرقة، على أن ذلك لا عيب فيه إن لم يكن هو الممدوح المستحسن، وسننشد شاهدا له.
4 - غفلتهم عن تشبيه العرب الشيء الرقيق بحاشية البُرد، وهو ما أراده أبو تمام، وسننشد شاهدا له.
5 - اعتراض الشيخ تيمور على الجرجاني بأن من الثياب الفاخرة ما يكون رقيقا، ولم يُسدَّد الشيخ تيمور في هذا، فليس كلام القوم عن الثياب كلها، وإنما هو عن ضرب من الثياب وهو البُرد، ولا شك أن في الثياب ما يكون أرق من الهواء لكن كلامهم عن ضرب خاص من الثياب هو البُرد.
ـــــــــــــــــــــــ
فأقول: قد أخطأ المتنبي والجرجاني في منع وصف البُرد بالرقة، وقد وجدتُ في شعر العرب القديم بيتا نَدْرا صرح فيه باسم البُرد -لم يقل الثوب- وصرَّح فيه بلفظ الرقَّة وجاء بذلك في معرض المدح للبُرد ولابسه، فدل ذلك على أن رقّة البُرد مما يُمدَح، قال المصعب الزبيري في (نسب قريش):
"وكان يقال لعبد الله الـمُطْرَف من حسنه وجماله، وله يقول ابن الرئيس الثعلبي:
جميلُ المحيا واضحُ اللون لم يطأ بحزن ولم يألم له النكبَ إصبعُ
من النفر الشم الذين إذا انتدوا وهاب اللئامُ حلقةَ الباب قعقعوا
إذا النفرُ الأُدم اليمانون نمنموا له حَوكَ بُردَيه أرقُّوا وأوسعوا
جلا الغِسْلُ والحَمّامُ والبيضُ كالدُّمَى وطيبُ الدِّهان رأسَه فهو أفرعُ
وقال غيره: "أنزع"، يريد أن شعره يذهب به الطيب
".
فهذا مدح كما ترى، وقد وصف بُردَه بالرقة والسعة، فلو كان أبو تمام وصف البُرد صراحة بالرقّة ما كان قوله معيبا بل ذلك هو الممدوح، والمعيب اعتراض خصمه عليه، على أن المفهوم من قول أبي تمام هو وصف حواشي البرد بالرقة، وليس في قوله هذا ما يُعاب فقد يكون البرد صفيقا وله حواش رقيقة وشبّه الحلم به في هذه الصفة، فلم يجعل الحلم نفسه رقيقا، وإنما حواشيه وأطرافه.
وقد وقفتُ على شعر نادرٍ في وصف حواشي البُرد بالرقّة وجعلها أصلا في تشبيه الشيء الرقيق، أنشد السرقسطي في (الدلائل):
ألم تعلما أن المصلَّى مكانه وأن العقيقَ ذا الظلال وذا البَردِ
وأنَّ به لو تعلمان أصائلا وليلا رقيقا مثل حاشية البُردِ
فهل يُعاب أبو تمام أن وصف حواشي البُرد بالرقّة؟! إنما العيب على من اعترض عليه، وذلك من ثلاثة أوجه:
1 - أنه زعم أن أبا تمام وصف البُرد نفسه بالرقة وهو إنما وصف بالرقة حواشيَه.
2 - أنه خفي عليه أن البُرد الجيد قد يوصف بالرقة كما في أبيات الثعلبي فلا يكون أبو تمام معيبا به لو أنه قاله.
3 - أنه خفي عليه أن حواشي البرد أيضا قد توصف بالرقة وتُجعلَ أصلا لتشبيه الشيء الرقيق كما في بيتي الدلائل.
وقد يكون البُرد غليظ الحاشية، وفي خبر جذبة الأعرابي لبُرد الرسول عليه الصلاة والسلام: "وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية"، فنصهم على غلظ حاشية ذلك البُرد دليل على أن في البرود ما يكون رقيق الحاشية.
وقوله: "إذا النفر الأدم اليمانون": لأن أهل اليمن كانوا مشهورين بحوك البرود متقنين لها، وقال جرير يصف خيلا:
وطوى الطرادُ مع القياد بطونَها طي التجار بحضرموت بُرودا
وفي كلام خالد بن صفوان: "هم بين حائك بُرْد..."
وقد بقي فيها ما يحتاج إلى نظر وتأمل، والله أعلم.
منازعة مع اقتباس