عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 18-03-2009, 03:46 PM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
شكرَ لغيره: 573
شُكِرَ له 2,676 مرة في 650 حديث
افتراضي

الرأيُ الذي أراه صوابًا أنك إذا قلتَ : ( أنت تجود ) ، و ( مثلك يجود ) ، فإن المثال الأول حكمٌ غير معلَّلٍ . والمثال الثاني حكمٌ معلَّلٌ . وقد قلتُ في أوراق لي : ( ومثل هذا قولك للرجلِ يعمل الخطأ : ( مثلك لا يفعل هذا ) لتبيِّن له وجه المنع ؛ وهو أن ذلك إنما هو لصفاته ، لا لذاته . ولو قلتَ : ( أنت لا تفعل هذا ) ، لظنَّ أن امتناع ذلك بالنظر إلى ذاته . وليس في هذا كما ترى حجَّة على المخاطب ، ولا إقناع له . وربَّما ظنَّه تحيُّزًا ، وتحكمًا ) ا . هـ . ومثل هذا قول جرير يهجو الفرزدقَ :
نفاك الأغرُّ ابن عبد العزيز ومثلك يُنفَى مِن المسجدِ
يريد أن مَن اجتمع فيه مثل صِفاتك ، كان حقًّا أن ينفَى من المسجدِ .
وهذا أبلغُ من التجريدِ من وّجوه :
الأول : ما فيه من إيجازِ القِصَر ؛ حيث حكمتَ على المثيل بدلالة اللفظ ، وحكمت على المراد الإخبارُ عنه بالكناية ، لأنه إذا ثبت الحكمُ للشيء ، ثبت أيضًا لمثيله . فلهذا كان معنَى قول جرير : ( ومثلك ينفى ... ) ، ( هذا الجنس حقّه أن ينفى ... ) .
الثاني : تعليل الحكم ، وظهوره بمظهر الإنصافِ ؛ إذ تكونُ بيَّنت أنَّ الحكمَ حقّ لكلّ مَن اجتمعت فيه هذه الصفات .
الثالث : ما فيه من الكناية التي تثبِت الحكم ، ثم يفهمُه المخاطَب من غير تصريحٍ به ؛ ألا ترى أن قولك : ( مثلك لا يفعل هذا ) أدعى للقَبول ، وألطفُ من قولك : ( لا ينبغي لك أن تفعل هذا ) ، لخلوِّه من التصريح .

وليس منها المبالغة التي ذكرها الشيخُ ، لأنه فهِم أن المثلية تقتضي فرعيَّة المحكوم عليه به . وليس الأمر كذلك ؛ فالمثلية تقتضي التساوي ، لأن معنى ( مِثل ) ( مماثل ) . و ( المماثلة ) على بنية ( المفاعلة ) التي يكون الفاعل ، والمفعول فيها سواءً في الفاعلية ، والمفعولية ، كـ ( المضاربة ) ونحوها . أما الذي يقتضي الفرعية ، فالتشبيه ، إذا قلتَ : ( هذا يشبه هذا ) .

وكلُّ ما سلفَ من القول يجري في قوله : ليس كمثله شيءٌ ؛ فيكون المعنى : أن الخالقَ المتفرِّد بالكمال ، والبقاء لا يمكن أن يكون مثلَه شيءٌ من خلقِه ؛ كأنه قال : ( كلُّ مَن كان خالقًا ، امتنع أن يكون له مثيل . والله هو الخالق وحدَه ؛ فلا يمكن أن يكون له مثيل ) . ولو قال : ( ليس مثلَه شيء ) لم ينبِّه على العلة التي استحقَّ بها امتناع المثلية ، وصار نفيًا محضًا مجرَّدًا عن الدليل ، بعيدًا عن الإقناعِ . وهذا كقوله في سورة النحل : أفمن يخلق كمن لا يخلق ، ولم يقل : ( آلله كمثل معبوداتكم الأخرى ) ؛ فنبَّه كما ترى على العلة . وذلك أن هذه السورة مكيَّة . وهذا الخِطابُ أدنى أن يوافق حالَ كفَّار قريش ، لما اقترن به من الحجة المنطقيَّة .

فإن قلتَ :
أليس مقتضى هذا إثبات المثيل لله ؟
قلتَ :
لا ؛ فهذه كنايةٌ ؛ والكناية لا يجِب ثبوت ملزومِها .

والله أعلمُ بمراده .
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس