عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 18-05-2012, 09:02 PM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,591
افتراضي تعقب لابن الأثير في شواهد عكس الظاهر

قرأت قديما كلاما لابن الأثير -- في (المثل السائر) ثم أنسيته، ولما ذكرته اليوم أردت أن أنبه عليه، فإنه قال --:
"وأما قول القائل
( وَلا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنجَحِر ... )
فإنه لا قرينة تخصصه حتى يفهم منه ما فهم من الأولِ بل المفهوم أنه كان هناك ضب ولكنه غير منجحر
ولقد مكثت زماناً أطوف على أقوال الشعراء قصداً للظفر بأمثلة من الشعر جارية هذا المجرى فلم أجد إلا بيتاً لامريء القيس وهو:
( عَلَى لاحِبٍ لا يُهتَدَى لِمَنَارِهِ ... إِذَا سَافَهُ الْعَوْدَ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرا )
فقوله ( لا يهتدى لمناره ) أي أن له مناراً إلا أنه لا يهتدى به، وليس المراد ذلك بل المراد أنه لا منار له يهتدى به"

وهذا القول لعمري لا يُعتد به ولا يُلتفت إليه، ولا أدري كيف يصدر عن رجل مثله في العلم.
فقد زعم أن هذا المذهب لا يوجد في شعر العرب وأنه مكث زمانا يطلبه فلم يجد فيه غير قول امرئ القيس، وهذا أمر عُجاب، بل هذا المذهب مطروق كثير الدوران في شعر العرب، وهو أسلوب عربي صحيح أصيل.
فمما جاء عليه قول أبي ذؤيب الهذلي:
متفلق أنساؤها عن قانئ كالقرط صاو، غُبْرُهُ لا يُرْضَعُ
لم يرد أن له غبرا لكنه لا يرضع، بل أراد أنه ليس له غبر فيرضع، نص على ذلك الأصمعي في ما نقله عنه الأنباري في شرح المفضليات، ونص عليه السكري في شرح أشعار الهذليين.
ومنه قول النابغة:
يحفه جانبا نيق وتتبعه مثل الزجاجة لم تُكْحَلْ من الرَّمَدِ
لم يرد أن بها رمدا لكنها لم تكحل منه، بل أراد أنه ليس بها رمد فتحتاج أن تكحل منه.
ومنه قول اللعين المنقري:
ما في الدوابر من رجلي من عقل عند الرهان ولا أُكوَى من العَفَلِ
لم يرد أن به عفلا لكنه لا يكوى منه، إنما أراد أنه ليس به عفل فيحتاج إلى أن يكوى منه.
ومنه قول المزرد بن ضرار:
مقربة لم تقتعد غير غارة ولَمْ تَمْتَرِ الأَطْباءَ مِنها السَّلائِلُ
لم يرد أن لها سلائل لكنها لم تمتر أطباءها، إنما أراد أنها لا سلائل لها.
ومنه قول عمرو بن أحمر:
لا تفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضَّبَّ بها يَنْجَحِرْ
قال السكري:
"ومثله:
سمعت صياح فراريجها وصوت نواقيس لم تضرب
وإنما أراد ذاك الوقت، وليس ثم فراريج ولا نواقيس"
ومنه قول الفقعسي على أحد التفسيرين فيه:
أيبغي آل شداد علينا وما يُرْغَى لِشَدَّادٍ فَصِيلُ
وهو أنه ليس لهم فصيل فيرغى.
انظر شرح المرزوقي له في شرح الحماسة.
ومنه قول إياس بن مالك:
فما كلت الأيدي ولا انأطر القنا ولا عثَرتْ منا الجُدودُ العواثرُ
والمقصود أنه ليس لهم جدود عواثر فتعثر بهم، لا أن لهم جدودا هذه صفتها لكنها لم تعثر بهم ذلك اليوم.
ومنه قول العتبي:
وقد كنت ذا ناب وظفر على العدى فأصبحتُ لا يخشون نابي ولا ظُفْري
أراد أنه لم يبق له ناب ولا ظفر، ولم يرد أن له نابا وظفرا لا يخشونها.
وغير ذلك كثير في شعر العرب.
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس