عرض مشاركة واحدة
  #93  
قديم 06-03-2017, 10:20 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,555
شكرَ لغيره: 5,984
شُكِرَ له 4,606 مرة في 1,461 حديث
افتراضي

أحسن الله إليك ونفع بك.
أما إنشاء حديث خاص بتوضيح التشبيهات بالصوت فسنرى ما يجتمع عندنا منه فإن كان شيئًا مغنيًا فصلناها في حديث وحدها.
وأما البيت الذي سألتم عنه فقال البطليوسي في (الاقتضاب):
"قال أبو علي: هكذا رويتُه عن ابن قتيبة: (المنغصّ) بالغين المعجمة والصاد غير المعجمة وهو من الغصص ومعناه المختنق، ورويتُه عن غير ابن قتيبة: المنقض بالضاد المعجمة والقاف هو الصواب، شبّه صوت انقضاض القطا إذا انقضت بأصوات الحصى إذا قرع بعضها ببعض، والمنقزّ: المتواثب، يقال: قزّ وانقزّ إذا وثب".
وقال الجواليقي في شرح أدب الكاتب:
"والمنقضّ: المنحطّ الذي هوى في طيرانه ليسقط، والمنقزّ: من القزّ وهو الوثب والقفز، ويروى: المنغَصّ والمنفَزّ".
فحاصل كلامهما في الرواية أنه روي:
كأن أصوات القطا المنقضّ
وروي:
كأن أصوات القطا المنغَصّ
وقد حكم أبو علي بأن الأولى هي الصواب وكذلك أراها.
وأما المعنى فالذي عند البطليوسي: "شبّه صوت انقضاض القطا إذا انقضت بأصوات الحصى إذا قُرع بعضها ببعض".
والخلل في هذا الأحمر، فالخلل عنده في تفسير المشبَّه به، وأما تفسير المشبَّه فليس صريحًا فيه الصواب ولا الخطأ.
والذي عند الجواليقي: "والمنقضّ: المنحطّ الذي هوى في طيرانه ليسقط".
والخلل عنده في تفسير المشبَّه، ولم يفسر المشبَّه به.
- فنبدأ بكلام الجواليقي لنصحّح الخطأ في تفسير المشبَّه أولا، فقوله: "المنقض: المنحطّ الذي هوى في طيرانه ليسقط"، معناه الذي أفهمه منه أن الشاعر يشبّه القطا في حال انقضاضها وهويّها قبل أن تصل إلى الأرض وتقع عليها، لأنه قال: "في طيرانه"، وقال: "ليسقط"، فمعناه أن التشبيه لها وهي ما زالت في طيرانها لكنها تنزل وتنحطّ متجهة إلى الأرض.
ولا أرى هذا الذي ذكره صوابًا، بل أرى أن الشاعر أراد تشبيه أصواتها إذا لامست الأرض واصطكت بها ووقعت عليها، وسنبيّن وجه الشبه فيه.
والذي عند البطليوسي: "شبّه صوت انقضاض القطا إذا انقضت"، وهذا لا يتضح فيه هل أراد قبل بلوغها الأرض أو أراد إذا بلغتها، فلذلك قلتُ قبل: وأما تفسيره للمشبَّه فليس صريحًا فيه الصواب ولا الخطأ. ولا أدري هل هو تفسيره أو تفسير أبي علي.
- ثم نثنّي بكلام البطليوسي أو كلام أبي علي الذي يحكيه البطليوسي لنصحّح الخطأ في تفسير المشبَّه به، قال البطليوسي -في تفسير المشبَّه به- أو هو من كلام أبي علي: "بأصوات الحصى إذا قُرع بعضها ببعض"، وهذا أيضًا لا أراه صحيحًا، فإنه شبَّه بأصوات الحصى، نعم، وهذا صريح في البيت، لكنه لم يذكر قرع بعضه ببعض، بل قال: "المنقَزّ"، ومعناه كما ذكر: الواثب أو القافز، فلفظ البيت وهو: "المنقَزّ" لا يدل على ما ذكره، فإنه لا يلزم من انقزاز الحصى ووثبه أن يصطك بعضُه ببعض ويقرعَ بعضُه بعضًا، لكنه يلزم من انقزاز الحصى ووثبه أن يقعَ على الأرض ويصكَّها ويقرعَها فإنه لا يبقى طائرًا في السماء، فالصوت الذي أراده الراجز هو صوت اصطدام هذا الحصى المتواثب بالأرض إذا قرعها، وليس إذا قُرع بعضه ببعض، فهذا ما استبنّاه من اللفظ، وكذلك المعنى يدل على خلاف ما قال، فإن صوت قرع القطا للأرض إذا وقعت عليها لا يشبه صوت قرع الحصى بعضه ببعض وإنما يشبه صوت قرع الحصى للأرض.
وأما الجواليقي فلم يفسّر المشبّه به.
فالراجز أراد أن يشبّه أصوات القطا الكثيرة إذا وقعت على الأرض وصكتها بأرجلها بأصوات الحصى إذا طارت وتقافزت ثم سقطت وصكّت الأرض، والصوتان متشابهان.
وأنت ترى أن الراجز قال: "بالليل"، فهو يصف وقوعها إذا وقعت بالليل لتعرّس وتستريح، وهذا ما شرحناه من قبل في هذا الحديث شرحًا وافيًا.
فإن قيل: ما معنى تقافز الحصى؟ وهل الحصى جنادب أو جداجد لتقفز وتثب؟
- قلنا: لا يكون تقافز الحصى إلا بشيء يحرّكها ويحذف بها، فإنها لا تقفز بذاتها، وهذا الذي يجعلها تقفز وتثب هو الحيوان الذي يعدو على الأرض عدوا شديدا وله جِرم كبير ثقيل، وقد جاء وصف ذلك في شعرهم كثيرًا، فمنه في وصف الخيل قول الطفيل الغنوي:
وَهَصنَ الحصى حتى كأنّ رُضاضَه ذرى بَرَدٍ من وابلٍ مُتَحلِّبِ
وظاهر البيت أنه شبّه ما تكسّر من الحصى بالبَرَد في شكله وحجمه، وهو كذلك ولكن ليس التشبيه مقصورًا عليهما كما يسبق إلى الخاطر، بل شبهه به أيضًا في انقضاضه وصكّه الأرض وفي صوته الذي يحدثه، فلذلك شبهه بالبَرَد دون غيره من الأشياء التي تشبه رضاض الحصى، وما ذاك إلا لأنه أراد في التشبيه الحركةَ التي يكون فيها هذا الرضاض وهو يخرّ إلى الأرض ثم يقرعها كما يفعل البَرَد النازل من السماء ثم أراد أيضًا الصوت الذي يحدث عن ذلك.
ومنه في صفة الإبل قول امرئ القيس:
تُطايِرُ ظِرّانَ الحصى بمناسم صِلابِ العُجى مَلثومُها غيرُ أمعَرا
كأنّ الحصى من خلفها وأمامها إذا نَـجَلَتهُ رِجلُها خَذفُ أعسَرا
وقول الأعشى:
ثم يُضحي من فَورِه ذا هِبابٍ يَستَطيرُ الحصى بِخُفٍّ كثيفِ
وقول الحطيئة:
تُطيرُ الحصى بعُرى الـمَنسِمَين إذا الحاقِفاتُ أَلِفنَ الظِّلالا
وقول الكميت بن معروف:
إذا اختَلَفَت أخفافُهُنَّ بقَفرَةٍ تَراقى الحصى من وَقعِهِنَّ تَراقِيا
ومنه في صفة حمر الوحش قول زهير بن أبي سلمى:
فأجازَها تَنفي سَنابِكُهُ الحصى مُتَحلِّبَ الوَشَلَينِ قارِبَ ضَرغَدِ
وقول كعب ابنه:
تَهادى حَوافِرُهُنَّ الحصى وصُمُّ الصُّخورِ بها يَرتَمينا
ومنه في صفة الثور الوحشي قول عَبْدَة بن الطبيب:
له جَنابانِ من نَقعٍ يُـثَوِّرُهُ فَفَرجُهُ من حصى الـمَعزاءِ مَكلولُ
وهو كثير في الشعر، فإذا طارت الحصى من حوافر الخيل وحمر الوحش ومن أخفاف الإبل والنعام وأظلاف بقر الوحش ثم صكت الأرض متفرقةً مواضعُ وقوعها مختلفةً لحظاتُ سقوطها تقع واحدة ثم تسقط أخرى وثالثة ويتتابع ذلك تتابعًا كثيرًا فإن ذلك يشبه أصوات السرب الكبير من القطا إذا هوى هُويًّا سريعا ثم صكّ الأرض واحدة منه تلو أخرى ويكثر ذلك ويتتابع حتى يقع السرب كله.
وهذا وهذا يشبهان جدًّا صوت الوابل -وهو المطر العظيم القَطر الشديد الوقع- وصوت البَرَد، ولذلك قال طفيل كما أنشدنا:
وَهَصنَ الحصى حتى كأنّ رُضاضَه ذرى بَرَدٍ من وابلٍ مُتَحلِّبِ
ومما يشبه هذه الثلاثة جدًّا أيضًّا صوت قرع الجمرات بالحصى، وهو صوت حصى لكنها ليست حصى قذفتها الحوافر والأخفاف وإنما هي ما يرميه الـحُجّاج على الجمرة، ولذلك قال الشريف الرضي:
يُصيبُكَ بالقَطرِ شَفّانُهُ كما قَرَعَ الجَمرَةَ الحاصِبُ
شبّه وقع قطر المطر بوقع الحصى وصوتها إذا صكّت الجمرة، وهو يشبهه جدًّا.
- وبقي أن نقول: إن الطفيل شبه الرضاض بالبَرَد هكذا بإطلاق ولم يخصّص التشبيه بالصوت، لأنه أراد أن يشمل تشبيهُه جِرمَ الرضاض وشكلَه وسقوطَه وصوتَه، فتلك أربعة أشياء، فإن مقدار جِرم الرضاض مشابه لجِرم البَرَد أو ما يُسمَّى اليوم الحجم، وكذلك شكله، وكذلك سقوطه وخروره، وكذلك صوته. ومثله ما فعله الشريف الرضي فإنه مقاربٌ لهذا فلم يخصّ الصوت بالتشبيه. وأما الراجز الأول فإنه خص الصوت بالتشبيه إذ كانت القطا لا تشبه الحصى في أحجامها ولا في أشكالها، وأما تشبيه الهُوِيّ والـخُرور فإنه مستفاد من تشبيه الصوت فإنه لا يكون صوت للحصى بغير أن تطير وتقع إلى الأرض فتصوّت.
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس