عرض مشاركة واحدة
  #98  
قديم 18-04-2018, 11:16 PM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,535
شكرَ لغيره: 5,876
شُكِرَ له 4,521 مرة في 1,440 حديث
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم.
قال ذو الرمة:
خَليلَيَّ عُوجا عَوجَةً ناقَتَيكُما على طَلَلٍ بَينَ القَرينَةِ والحَبْلِ
لِمَيٍّ تَرامَت بِالحَصى فَوقَ مَتنِهِ مَراويدُ يَستَحصِدنَ باقِيَةَ البَقلِ
إِذا هَيَّجَ الهَيفُ الرَّبيعَ تَناوَحَت بِها الـهُوجُ تَحنانَ الـمُـوَلَّهَةِ العُجلِ
بِجَرعائِها مِن سامِرِ الحَيِّ مَلعَبٌ وَآرِيُّ أَفراسٍ كَجُرثومَةِ النَملِ

والمقصود الشطر الأخير من هذه الأبيات، وليس في شرح ديوان ذي الرمّة لهذا الشطر كبير غناء.
فما آريّ الفَرَس وما جُرثومة النمل وما الشبه بينهما؟
أما الآريّ فجاء في اللسان أربعة تفسيرات له:
1،2 - "قال ابنُ السِّكِّيتِ في قَولهم للمَعْلَف آرِيٌّ قال: هذا مِمَّا يَضَعُهُ النَّاسُ في غَير مَوضِعِه، وإِنَّما الآرِيُّ مَحْبِس الدَّابَّة".
فالأول أن الآريَّ هو مَعلَف الدابّة، وقد أنكره ابن السكّيت، وكأنه من كلام العامة في وقتهم.
والثاني أنه محبس الدابّة، وهو شبيه بالصواب لكنه غير مقيّد تقييدًا يكشفه، وسأبيّن ذلك.
3،4 - "وقد تُسَمَّى الآخِيَّة أَيضا آرِيًّا، وهو حَبْلٌ تُشَدُّ به الدَّابَّةُ في مَحْبِسها؛ وأَنشد ابنُ السِّكِّيتِ للمُثَقِّب العَبْدِيِّ يَصِفُ فَرَسًا:
داوَيتُهُ بالـمَحْض حتَّى شَتا يَجْتَذِبُ الآرِيَّ بالمِرْوَدِ
أي مع المِرْوَدِ، وأَرادَ بآرِيِّه الرَّكاسَةَ المدفونةَ تَحتَ الأَرض المُثْبتةَ فِيهَا تُشَدُّ الدابةُ مِن عُرْوَتها البَارِزَةِ فَلا تَقْلَعُها لِثَبَاتِها في الأَرض
".
فالتفسير الثالث أنه الحبل الذي تُشَدّ به الدابّة في محبسها.
والتفسير الرابع أنه الوتدُ أو المرودُ الذي يُدفَن في الأرض ويُغرَس فيها.
فأما في اللغة: فالتفسير الأول -وهو الـمَعلَف- لا أُراه صحيحًا، كما ذكر ابن السكيت.
وأما الثاني فيحتاج إلى ما يكشفه ويجلّيه، وإنما كان محتاجًا إلى ذلك لأن المحبس كلمة عامّة، فلو وضعتَ الفرس في إسطبل كان ذلك محبسًا له، ولكنه ليس آريًّا، وكذلك لو ربطت الفرس بشجرة كان ذلك محبسًا ولا أحسبه يسمّى آريًّا، وإنما الآري محبس خاص، وذلك أن العرب لا تكاد تضع الخيل في غرف وإسطبلات، وكذلك كثير من ديار العرب يقل فيها الشجر فلا يكادون يجدون شجرة يربطون أفراسهم بها، فاتخذوا لذلك هذا المحبس الخاص وهو الآريّ، فيكون حبسُ الفرس أشبه شيء بنصب الخِباء، وذلك أنهم يأخذون وتِدًا فيدقّونه حتى يغيب بعضه في الأرض ثم يربطون حبل الفرس بهذا الوتد كما يُربَط الطُّنب واحد أطناب الخِباء بالوتد، ثم يزيدون شيئا مهما جدًّا في حديثنا هذا، يزيدون شيئا من تراب حول الوتد، وذلك أن الوتد قد يكون قصيرًا فلا يغيب منه في الأرض شيء كثير فيبقى يَنود ويتحرك ويكون غير ثابت فيجمعون حول الجزء الظاهر منه فوق الأرض ترابًا يركمونه عليه ليسنده ويقوّيه، وقد يكون الوتد طويلًا ولكن تكون الأرض صلبة ويشق عليهم دقّه حتى يثبت فيها جدًّا فيغيّبون في الأرض ما تيسّر من الوتد ثم يجمعون حول ظاهره التراب كما ذكرنا، فهذا المحبس للفرس هو الآريّ عند العرب، وكذلك للخباء يسمى هذا آريًّا أيضًا، فلذلك كان التفسير الثاني الذي فسّر الآري بمحبس الخيل محتاجًا إلى ما يقيّده ويوضّحه.
وأما الثالث والرابع فهي صحيحة على طريقة العرب في تسمية الشيء باسم بعضه وتسمية بعضه باسمه، لأن الآريّ الذي شرحناه مشتمل على ثلاثة أشياء:
أ - حبل.
ب - وتد.
ج - تراب يجمع حول الوتد.

فالتفسير الثالث هو الحبل، سُـمّي آريًّا لأنه جزء من الآريّ، والتفسير الرابع هو الوتد سمّي آريًّا أيضًا لأنه جزء منه، لكن الذي في كلامه يُفهَم منه أنه وتد من حديد لما ذكره من العروة التي تكون في رأسه، والغالب عند العرب استعمال وتد من خشب وعيدان، ولم يكن الحديد في زمنهم متيسّرًا تيسّره في زمننا هذا، ومما يدلّك على أن الغالب فيه أن يكون عودًا من خشب شعرُهم، ولا نريد الإطالة بذكره لكن منه قول الكميت بن زيد في صفة الوتد:
ولا شجيجٌ أقام في دمنة المنزل لا ناكحٌ ولا عَزبُ
أشعثُ ذو لمّة تخطأه الدهن غنيًّا وما له نشبُ
قلّده كالوشاح جال على الكاعب من مُنهجاتِه الطُّنُبُ

والشاهد فيه أنه جعله شجيجًا وأشعثَ وذا لمّة، لأن العود إذا ضُرب رأسه ودُقّ ليغيب في الأرض تشجّج أعلاه وشَعِث وصار شعثُه يشبه لمة الإنسان، وليس الحديد كذلك، وكلاهما يسمّى وتدًا سواء أكان من حديد أم كان عودًا.
وأما في بيت ذي الرمة: فالتفسير الأول والثالث والرابع غير مقصودة، فليس الآريُّ في بيت ذي الرمة المعلفَ ولا الحبلَ ولا الوتِدَ، ولا يشبه شيءٌ منها جرثومة النمل، وأما التفسير الثاني فكذلك ليس مرادًا إن كان المحبس إسطبلًا، ولا مرادًا إن كان المحبس شجرة يُربَط بها، بل ليس مرادًا إذا كان الآريُّ هو ما شرحناه أولًا بجملته، بل المراد هو الجزء الثالث فقط من أجزاء الآريّ الذي شرحناه سابقًا، وهو التراب الذي يكون حول الوتد، ولم يفسّر أحدٌ منهم كما رأيت الآريَّ بهذا الجزء، على أن أكثر ما يقع في شعر العرب من ذكر الآري يُرادُ به هذا التراب سواءٌ أكان ذلك في مرابط الخيل أم في أطناب البيوت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
فنعود إلى بيت ذي الرمّة، قال:
بِجَرعائِها مِن سامِرِ الحَيِّ مَلعَبٌ وَآرِيُّ أَفراسٍ كَجُرثومَةِ النَملِ
فتراه قد شبّه آريَّ الفرس بجرثومة النمل، والمراد كما ذكرنا هو التراب وحده فقط دون غيره من التفسيرات السابقة كلها، ويدل على ذلك أمران:
الأول: أن ذا الرمة يصف طللًا كما ترى في البيت الأول من أبياته، فإذا كان كذلك فليس في هذا الطلل فرسٌ ولا حبلٌ ولا وتد، بل هذه أشياء قد أخذها أهلها وذهبوا.
ولا تقل: ألم يذكر الكميت أن الوتد الشجيج أقام في دمنة المنزل بعد أهله، فكيف تزعم هنا أنهم أخذوا وتدهم وذهبوا به؟!
فهذا جوابه: أن الذي يصفه الكميت وتد خباء وليس مرودًا، والمرود الوتد الذي يُربَط به الفرس، ودليل ذلك أنه ذكر في البيت الثالث أن على الوتد بقية من طُنُب بالٍ، والطنب للبيوت ولا يسمى حبلُ الفرس طُنُبا، فدلّ على أنه يصف وتد خباء لا وتد فرس.
وليست الحجة فقط في قول الكميت هذا بل هي في العقل والمنطق، ألا ترى أن القوم إذا كان ارتحالهم بخبائهم مرة أو مرتين في السنة لم يبالوا بترك هذه العيدان التي هي الأوتاد، فما أكثر العيدان في الأرض إذا كان ذلك في السنة مرة أو مرتين، وأما الفرس فإن صاحبها يحبسها ويطلقها في اليوم الواحد مرات كثيرة، فيجوز أن يترك الوتد الذي عند بيته ثابتًا ويجوز أن يأخذه معه كل ما خرج على فرسه، فإنه قد يحتاج إلى حبسها في المذهب الواحد مرات عديدة، فكما يأخذ حبلها معه ليحبسها لا يُستبعد أيضًا أن يأخذ وتدها لئلا يحتاج في كل مرة يحبسها فيه إلى وتد جديد، فعلى هذا لا يُستبعد أنهم يأخذون أوتاد الخيل معهم لاحتياجهم إليها في سيرهم كثيرًا، وليست كذلك أوتاد البيوت.
وأما الحبل فإنهم يأخذونه أيضًا ولا يتركونه، لحاجتهم إليه، إلا أن يكون مُنهِجًا أي خلقًا باليًا كما في بيت الكميت الثالث، فقد ذكر أن هذا الوتد المقيم عليه حبلٌ مُنهِجٌ بالٍ هو منه بمنزلة الوشاح.
الثاني: وهو الأهم، أن الذي يشبه شكل جرثومة النمل هو التراب دون دخول غيره من أجزاء الآريّ معه، فتخيل الآن شكل الوتد والتراب حوله، ثم تخيل شكل التراب الذي يبقى بعدما يذهب القوم بفرسهم وحبلهم ووتدهم، أليس يبقى ترابًا مركومًا مجتمعًا كنصف كُرَة وفي وسطه في أعلاه ثقب هو الموضع الذي كان فيه الوتد، فهذا أشبه شيء بجرثومة النمل، وهي التراب الذي يخرجه النمل في حفره، ويجمعه حول مدخل جحره ويُبقي في وسطه مدخلا له، فدونك الآن صورة جرثومة النمل فتأمل شبهها بالتراب الذي وصفناه في ذكر الآريّ:



ثم أَعد تأملها تارة أخرى، ألستَ تراها أشبه شيء بها؟
وللحديث بقية طويلة إن لم تملوا إن شاء الله.
الصور المصغرة للصور المرفقة
اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	جحر النمل 1.jpg‏
المشاهدات:	215
الحجـــم:	66.7 كيلوبايت
الرقم:	1749   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	جحر النمل 2.jpg‏
المشاهدات:	212
الحجـــم:	27.8 كيلوبايت
الرقم:	1750  
الملفات المرفقة
نوع الملف: pdf جحر النمل.pdf‏ (198.2 كيلوبايت, عدد مرات السماع 44)
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :