عرض مشاركة واحدة
  #100  
قديم 29-04-2018, 03:42 PM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,553
شكرَ لغيره: 5,979
شُكِرَ له 4,601 مرة في 1,459 حديث
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم.
وهذا حين نعود إلى النمل وإلى بيوت النمل.
قد ذكرنا أن ذا الرمة شبه آري الفرس بجرثومة النمل، ورأينا جرثومة النمل وعرفناها، وهي تراب يخرجه النمل من الأرض ويركمه، وقد عرفنا شكلها وعرفنا حجمها تقريبا، لكن قد يكون ما يخرجه النمل من الأرض مختلفًا شكله عما رأينا، وأما حجمه فيكون أعظم وأضخم مما رأينا، فهذا يختلف عن ذاك، ولست أدري ما سبب الاختلاف، هل هو راجع إلى اختلاف أنواع النمل أو غير ذلك، لا أدري، لكن الاختلاف موجود وواضح جدًّا، وكأن الأول للضرب الصغير من النمل والثاني الذي سنراه بعد قليل للنمل العظيم، فأما الأول فقد رأينا ذا الرمة شبه به آريَّ الفرس، وهو يشبهه جدًّا، وأما الثاني فشبه به الأعرابي سنامَ الناقة وأعلاها وهو يشبهها جدًّا أيضًا.
وقد يعجب القارئ من هذا ويقول: كيف يشبه سنامُ الناقة وأعلاها بيتَ النمل؟!
وهذا يقوله من لا يعرف العرب الأوائل، ومن يظن أن تشبيهاتهم تلفيق وترقيع، ومن لا يدرك فطنتهم وذكاءهم الفطري الشديد.
فإن كنتَ -ولا كنتَ- من هؤلاء فسترى هذا التشبيه ثم احكم بنفسك.
قال الأعرابي الحماسي وهو حكيم بن قَبِيصَة لابنه بشر وكان قد هاجر من البادية إلى الأمصار:
لَعَمرُ أَبي بِشْرٍ لقد خانَهُ بِشْرُ على ساعةٍ فيها إلى صاحبٍ فَقرُ
فما جَنَّةَ الفِردَوسِ هاجَرتَ تَبتَغي ولكن دعاكَ الخبزُ أَحسَبُ والتمرُ
أَقُرصٌ تُصَلِّي ظَهرَهُ نَبَطِيَّةٌ بتَنُّورِها حتّى يَطيرَ له قِشْرُ
أَحَبُّ إليكَ أَم لِقاحٌ كثيرةٌ مُعَطَّفَةٌ فيها الجليلةُ والبَكرُ
كأَنَّ أَداوَى بالمدينةِ عُلِّقَت مِلاءً بأَحقِيها إذا طَلَع الفَجرُ
كأَنَّ قُرَى نَـملٍ على سَرَواتها يُلَبِّدُها في لَيلِ سارِيةٍ قَطرُ

ومقصودنا هو البيت الأخير، وهو في وصف هذه اللقاح، وهي النوق التي فيها اللبن، وسَرَواتها هي أعاليها، جمع سَرَاة، وسَرَاة كل شيء أعلاه، فشبه أَسنِمَتَها وما حول هذه الأسنمة بقُرَى النمل، والضمير في قوله (يُلَبِّدها) عائد على قرى النمل لا على السروات، أي يُلَبِّد هذه القُرَى مَطَرٌ، فشبه أسنمتها وما حولها بقرى النمل، ثم زاد في صفة قرى النمل تخصيصًا وتقييدًا بأن جعلها قد لَبَّدها القَطر، وستفهم سبب هذه الزيادة وأنها ليست لغوًا ولا عبثًا، وذلك بعد أن ترى هاتين الصورتين:
1 - هذه صورة بعير، وقد جعلتُ مربعًا على أعلاه، وجعلتُ فيه السنام وما حوله، وأعني بالذي حوله: ما أمامه وما خلفه، فالذي أمام السنام هو الغارب، والذي خلفه هو الرِّداف، وإنما أدخلت ما حوله معه ليكون الشبه تامًّا بصورة قرية النمل التي سأضعها، فإن قرية النمل قد تشبه السنامَ وحده وسننشد لذلك بيتًا لبشر بن أبي خازم، وقد تشبه السنام وما حوله كما في بيت الحماسي وفي بيت آخر ستراه في كلام المرزوقي، وأنا ما وجدتُّ إلا صورة واحدة تشبه فيها قريةُ النمل السنامَ وما حوله، وأنت ترى أن الأعرابي لم يخص أسنمتَها بالتشبيه، وإنما شبه ما على سرواتها بقُرى النمل، والذي على سرواتها يدخل فيه أسنمتُها وما حولها، فهذه صورة البعير والمربع على سنامه وغاربه ورِدافه:

2 - هذه صورة قرية نمل، وقد صورها شاب عربي في زيارة لإحدى دول أفريقيا، وقد وضعتُ مربعا على ما يشبه سنامَ البعير وغاربَه ورِدافَه، فتأمل شدة الشبه بينهما:

ولعلك ترى شدة الشبه بين قرية النمل وسنام البعير وما حوله، وهو شبه في:
أ - الشكل العام.
ب - اللون.
ج - الحجم.
وهذا هو قوله: (كأن قرى نمل على سرواتها).
ولكن بقي أن نعرف فائدة قوله: (يلبّدها في ليل سارية قطر)، فإن هذا شبه في التفاصيل الصغيرة وليس في الشكل العام، وذلك أنه أراد أن يصف أوبارها بالجعودة والتلبّد، وإذا كان التراب ناعما منهالًا لم تشبه نواحيه الوَبَر المتلبّد وإن أشبه السنام وما حوله في الشكل العام واللون والحجم كما ذكرنا، فجعل هذا التراب مما أصابه مطرٌ وقَطرٌ فلبّده ليشبه الوبر المتلبّد، فهذا وجه شبه رابع زائد على الثلاثة التي ذكرناها، وهو مستفاد من قوله: (يلبّدها في ليل سارية قَطْرُ)، ومن غريب المصادفة أن صورة قرية النمل التي وجدتُّـها كأنها قد أصابها مطرٌ فلبّدها، فصار التراب فيه نُقَر صغيرة وتخطيط وتخديد وليس ناعمًا أملس، وهذه النُّقَر الصغيرة والتخطيط والتخديد هي التي تشبه تجعُّدَ أوبار الإبل، فتأملها مرّةً بعد مرّة، ثم احكم بنفسك على حكيم بن قَبِيصة، على أن التشبيه قديم في ما أظن، وليس حكيم بن قبيصة أبا عُذره، فقد وقع في شعر بشر بن أبي خازم وهو جاهلي، وحكيم بن قبيصة أحسبه شاعرًا إسلاميا.
قال الشنتمري في شرحه: "وقرى النمل: بيوتها، شبه أوبارها المتلبدة بتراب أخرجته النمل من قُراها ثم وقع المطر عليه فتلبّد".
والصحيح أنه لم يشبّه أوبارها المتلبّدة فقط، وإنما شبه أربعة أشياء كما ذكرنا، والوَبَر المتلبّد واحد منها.
وقال المرزوقي: "وقوله (كأن قرى نمل على سرواتها) يشبه قول الآخر:
إلى سَراةٍ مثل بيت النمل غنيّةٍ من وَبَرٍ وخَملِ
السروات: الأعالي، وقرية النمل ربّما تُرى كأعظم جُثوة، ولذلك شبه ارتفاع أسنمتها وكثرة اللحم والشحم عليها بها، ومعنى (يلبّدها): يصلّبها
".
وهذا البيت الذي أنشده المروزقي فيه أيضا تشبيه سَراتها ببيت النمل، والسَّراة يدخل فيها السنام وغيره، وتراه أيضًا يذكر أنها كثيرة الوَبَر والخَمْل وهذا يشبه بيت النمل إذا لبّده المطر.
وقال الديمرتي: "سراته: أعلاه، شبّه أسنمتها بقرى النمل، والقُرى: ما يجمع حول جحره من التراب، ويكون بالماءِ دَبَةً عظيمةً [كذا، ولا أدري ما صوابه]، ربّما يُرَى واحدُه مثل قَشٍّ كبير، وتكون أبواب جحره إلى أعلاها. (يلبّدها): أي يلبّد القطر القُرى".
والله أعلم.
وسأتمّ الحديث إن شاء الله.
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :