عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 12-05-2018, 01:12 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,515
شكرَ لغيره: 5,793
شُكِرَ له 4,468 مرة في 1,422 حديث
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
- 1 -
(أ)
المقطوعة رقم: 14

قال بعض بني قيس بن ثعلبة، ويقال إنها لبشامة بن حزن النهشلي:
1 - إِنّا مُحَيّوكِ يا سَلمى فَحَيّينا وإِن سَقَيتِ كِرامَ الناسِ فَاسقِينا
2 - وإِن دَعَوتِ إِلى جُلّى ومَكرُمَةٍ يَومًا سَراةَ كِرامِ الناسِ فَادعِينا
3 - إِنّا بَني نَهشَلٍ لا نَدّعي لِأَبٍ عَنهُ ولا هُو بِالأَبناءِ يَشرينا
4 - إِن تُبتَدَر غايَةٌ يَومًا لِمَكرُمَةٍ تَلقَ السَّوابِقَ مِنّا والـمُصَلّينا
5 - وليس يَهلِكُ مِنّا سَيِّدٌ أَبَدًا إِلّا افتَلَينا غُلامًا سَيِّدًا فينا
6 - إِنّا لنُرخِصُ يَومَ الرَّوعِ أَنفُسَنا ولو نُسامُ بِها في الأَمنِ أُغلِينا
7 - (بيضٌ مَفارِقُنا تَغلي مَراجِلُنا نَأسو بِأَموالِنا آثارَ أَيدينا)
8 - لو كانَ في الأَلفِ مِنّا واحدٌ فَدَعَوا مَن فارِسٌ خالَهُم إِيّاهُ يَعنونا
9 - إِذا الكُماةُ تَنَحَّوا أَن يُصيبَهُمُ حَدُّ الظُّباةِ وَصَلناها بِأَيدينا
10 - ولا تَراهُم وإِن جَلَّت مُصيبَتُهُم مع البُكاةِ على مَن ماتَ يَبكونا
11 - ونركَبُ الكُرهَ أَحيانًا فَيَفرُجُهُ عَنّا الحِفاظُ وأَسيافٌ تُواتينا
وقد اعتمدتُّ في أرقام المقطوعات على رواية المرزوقي بتحقيق عبد السلام هارون وأحمد أمين، لأن روايات الحماسة في بعضها زيادة مقطوعات، فيختلف الترقيم في الروايات.
ومرادنا نحن هو البيت السابع، بل مرادنا منه هو الجزء الأول الذي لوّنته بالأحمر، وهذا الموضع الذي هو كلمتين أكثر موضع إشكالًا في ديوان الحماسة، بل قد يكون أكثر موضع إشكالا في شعر العرب كله، وقد اختُلف فيه كثيرًا، حتى قال المظفر العلوي في «نضرة الإغريض»: "وقال بَشامةُ النّهشَلي وتُروَى لغيره:
بيضٌ مفارِقُنا تَغْلي مراجِلُنا نأسُو بأموالِنا آثارَ أيدينا
رأيتُ بخطّ الشيخ أبي زكريا التبريزي كتابًا قد خرّجَ فيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب ما يُوفي على مِئَتي وجْهٍ في قوله (بيضٌ مفارِقُنا) حسْبُ، وقد شيّد بناء تلك المعاني بأشعار عربية وألفاظ مقبولة
".
وقال الصفدي في «نصرة الثائر»: "وكنتُ وقفتُ بالديار المصرية على جزء فيه كلام لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب على قول الشاعر:
بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنا نأسو بأموالنا آثار أيدينا
وقد ذكر في قوله (بيض مفارقنا) مئتي وجه وثلاثة أوجه، في احتمال معنى هاتين اللفظتين
".
فهل تراني مبالغًا إذ قلتُ إنه قد يكون أكثر موضع في شعر العرب إشكالًا، لكنا لم نقف على كتاب أبي عبد الله الخطيب، ولا نعرف الأوجه التي ذكرها، فسنذكر بعض ما قاله شارحو الحماسة في تفسير هذا الموضع.
قال المرزوقي: "بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنا نأسو بأموالنا آثار أيدينا
يروى: (بيض معارفنا)، وهي الوجوه. والمراد بذلك نقاء العرض وانتفاء الذم والعيب. ويقال: امرأةٌ حسنة المعارف، أي الوجه بما يشتمل عليه. وقيل الأنف وما والاه. وقيل: الحسن في الأنف، والملاحة في الأسنان. وواحد المعارف معرفٌ ومعرفٌ، وكأن الوجه سمي بها لأن معرفة الأجسام وتمييزها تقع بها. والأشهر والأحسن (بيضٌ مفارقنا)، ويجوز أن يكون أراد ابيضت مفارقنا من كثرة ما نقاسي الشدائد، وهذا كما يقال أمرٌ يشيب الذوائب. وفي القرآن: يوماً يجعل الولدان شيبا، و(تغلي مراجلنا) أي حروبنا، كقول الآخر:
تفور علينا قدرهم فنديمها ونفثؤها عنا إذا حميها غلا
ويجوز أن يكون المراد: ابيضت مفارقنا لانحسار الشعر عنها، باعتيادنا لبس المغافر والبيض، وإدماننا إياه،ويكون هذا كما قال:
قد حصّت البيضةُ رأسي فما أطعم نومًا غير تهجاع
وتكون المراجل على هذا كنايةً عن الحروب أيضًا.
ويجوز أن يكون المراد: ابيضت مفارقنا من كثرة استعمالنا للطيب، ويكون كقول الآخر:
جلا الأذفر الأحوى من المسك فَرقَهُ
ويكون على هذا معنى (تغلي مراجلنا) أي قدورنا للضيافة، ويجوز أن يريد: مشيبنا مشيب الكرام، لا مشيب اللئام. وأنشد ابن الأعرابي في نوادره:
وشبتَ مشيب العبد في نقرة القفا وشيبُ كرام الناس فوق المفارق
وعلى هذا يحمل المراجل على أن المراد بها قدور الضيافة. فأما قوله:
نأسو بأموالنا آثار أيدينا
فإنما يريد ترفعهم عن القود ودفع أطماع الناس عن مقاصتهم، فيداوون جراحاتهم ببذل الأروش والديات. والأسو: مداواة الجرح وإن استعمل في موضع الإصلاح. قال:
والأساة الشفاة للداء ذي الريبة والمدركون للأوغام
ويقال للضار النافع: يشج ويأسو. ومنه اشتقاق الإسوة، ويقال الأسوة أيضاً. ويروى أن مصعب بن الزبير لما انهزم الناس عنه يوم مسكن جعل يقاتل ويتمثل:
وإن الأولى بالطف من آل هاشمٍ تأسوا فسنوا للكرام التأسّيا
وفي البيت مع حسن المعاني التي بينتها توازن في اللفظ مستقيم، وسلامةٌ مما يجلب عليه التهجين
".
وقال الشنتمري: "قوله (بيض مفارقنا) يُتأول على معانٍ، أجودها أن يريد بالمفارق الطُّرُق، أي هي معمورة إلينا لما يُعلم من كرمنا، فقد ابيضت وتبينت العمارة، لأن الطريق إذا عُمر ابيض وتبيّن، وإذا انقطعت عنه السابلة تعفى أثره وخفي، ولذلك قال (تغلي مراجلنا)، أي هي معدة للأضياف لا تنقطع موادها".
فهذا وجه آخر غير الأوجه التي ذكرها المرزوقي، وباقي كلام الشنتمري يشبه كلام المرزوقي، ويشقّ علي أن أكتبها كلها، فمن أرادها فليرجع إليها.
والأوجه التي ذكرها المرزوقي والشنتمري كلها ذكرها قبلهما أبو عبد الله النمري، ولعلهما أخذا منه، فقد ذكر هذا الوجوه كلها تقريبا، ثم قال: "وقد روى قوم لا علم لهم: (بيض معارفنا) و(مغارفنا)، وقال (المعارف) الوجوه، و(بيض مغارفنا) لجمود الدسم عليها، وأهل العلم على تلك الرواية لا غير".
وقال الفسوي: "ويروى (بيض مغارفنا) جمع مغرفة".
وقد كنتُ قبل أن أقرأ كلام النمري والفسوي أقول: أخشى أن (مفارقنا) و(معارفنا) محرفتان عن (مغارفنا). وكنتُ حينئذ لم أقف على (مغارفنا) في شيء من الروايات وإنما هو شيء ابتدعتُه، ثم وجدتُّ النمري يذكره في الروايات، ولكني كنت أقول: إذا كان كذلك فينبغي أن تكون (سُودٌ مَغارِفُنا) لا (بيض مغارفنا)، لأن المعنى عليها أجود وسنبيّن سبب ذلك، فكنت أقول: هب هذه الكلمة فيها تصحيف للشبه بين (مفارقنا) و(معارفنا) و(مغارفنا)، فكيف تصنع بالكلمة الأولى وكلهم قد رووا (بيض)، فكيف تصحفت هذه إلى (سود)، حتى وجدتُّ كلام أبي محمد الأعرابي الذي تعقب به النمري، فإنه قال:
"سألتُ أبا الندى عن قوله:
بيض مفارقنا تغلي مراجلنا
قال: هذه رواية ضعيفة، فإن بياض المفارق قرع، ومرجل الحائك يغلي كما يغلي مرجل الملك، قال: والرواية الصحيحة:
شُعثٌ مقادمنا نهبى مراجلنا
قال: ومعناه أننا أصحاب حروب وقِرى
".
ولم أفرح بكلام الأعرابي لصحة روايته، فإني أعتقد أنها غير صحيحة، وإنما فرحتُ بها للكلمة الأولى وهي (شُعثٌ)، فإن هذه قد تلتبس في الرسم بـ (سُودٌ)، وأنت لا تراها الآن تشبهها بخطنا هذا الواضح، وأما الخطوط القديمة مع خلو كثير منها من النقط فتلتبس فيها هذه بهذه، وهذه كلمة (سود) كتبتُها بخط يشبه خطوط بعض الناس:

فهذه تلتبس بـ (شعث) إذا كانت (شعث) غير منقوطة، وما أكثر ترك النقط في الزمن الأول، وأما (مقادمنا) فلا يخفى الشبه بينها وبين (مفارقنا) و(معارفنا) و(مغارفنا).
وأريد أن أنبه على أنني لا أجزم بصحة ما سأقوله، فالبيت بيت مشكل، وإنما هو رأي رأيتُه واجتهاد اجتهدتُّه، يصيب أو يخطئ.
فأقول مستعينا بالله:
قد تعجب من الاقتراح الذي ستراه في تسلسل وقوع التصحيف وتراه شبيها بقصص الأطفال، ومن عرف كيف يتصحف الكلام ويتحرف ثم يتصحف المصحَّف تصحيفًا آخر وثالثًا لم يعجب من وقوع ما سنذكره، وقد تنكره لسبب آخر وذلك أن تقول: كيف يقع هذا من العلماء الجِلَّة الأوائل؟! فإن قلتَ هذا فإني أحيلك إلى كتب التصحيف ككتاب «شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف» لأبي أحمد العسكري و«التنبيه على حدوث التصحيف» لحمزة بن الحسن الأصفهاني، وغيرهما.
فالذي أقترحه أن الرواية:
(سُودٌ مَغارِفُنا)
وأنها كانت في كتاب قديم مكتوبة هكذا، ولا تستنكرْ أن تكون القصيدةُ غير موجودة إلا في هذا الكتاب، فإن كل واحد من العلماء قد يروي أشياء لا يشاركه غيره من العلماء في روايتها، وإذا روى العالم شيئا من هذه النوادر التي ليست عند غيره فإنه ربما ينفس بها ويضن، فلا يكاد يذيعها، ولذلك شواهد لا أريد أن أطيل بذكرها، وانظر مثلا في المجلس (155) من «مجالس العلماء» في صفحة (264) كيف استأثر الأصمعي بالقصيدة عن إسحاق الموصلي ولم ينشده إياها كاملة، روى الزجاجي بسنده عن إسحاق الموصلي قال: "أنشدني الأصمعي أرجوزة لدكين الراجز حتى انتهى إلى موضع منها، فقال لي: هذا آخرها. فاجتمعنا بعد ذاك بمدة عند الفضل بن الربيع، فجرى ذكر الأرجوزة، فأقبل ينشدها، وعارضتُه أنشد معه منها، فأمسك حتى انتهيت إلى الموضع الذي أنشدنيه على أنه آخر الأرجوزة فوقفتُ، فقال لي: أَمِرَّ يا أبا محمد. قلتُ: هذا آخرها. قال: تركتَ والله أحسنَها. ثم أقبل ينشد، فأنشد لعمري أحسنَها، فقلتُ: أما أنشدتني هذه وقلتَ لي هذا آخرها؟ فقال لي: يا أبا محمد:
يُصان وهو ليوم الروع مبذولُ".
وقال صاعد البغدادي في مقدمة كتابه الجليل «الفصوص»: "حتى ولاني الوزير أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف تغمد الله خطاياه خزانة كتبه، فأصبتُ فيها خطوط العلماء وأصولَهم التي استأثروا بها لأنفسهم دون الناس، إذ لا بد لكل عالم من أثيرة مجموعة لخاصته، غير ما يذيعه للطلبة عنها. ووجدتُّ في كتب الخلافة التي خرجت في نهب دار المقتدر بخط الأصمعي والفراء وأبي زيد وابن السكيت وابن الأعرابي وإسحاق بن إبراهيم الموصلي وأبوي العباس المبرد وثعلب وغيرهم عيونا من علم العرب لم يصنَّف في شيء من الكتب ضنًّا بها واختصاصًا بحسنها، فنقلتُ منها بخطي موفيًا على ثلاثة آلاف ورقة".
فكذلك قد تكون هذه القصيدة مما نفس به بعض الأئمة القدماء، ثم أصابه بعد موته بعض خاصته.
فأما قوم فصحفوا (سود مغارفنا) إلى (شعث مقادمنا)، وقد ذكرنا الشبه بينهما.
وأما بعضهم فصحف (مغارفنا) إلى (معارفنا) وقرأها (سود معارفنا)، ثم أنكر أن يصف الشاعر قومه بسواد الوجوه، فاجترأ على تغيير (سود) إلى (بيض) ولم يشك في صحة فعله، لأنه يبعد أن يصف الشاعر في افتخاره وجوه قومه بالسواد، فصارت عنده: (بيض معارفنا)، وقد يكون هذا من طبقة الأئمة الكبار الذين أُخذت عنهم الرواية.
ثم أُخذ عن صُحُف هذا الإمام أو عن صُحُف بعض تلاميذه فصحّف الآخذ (معارفنا) إلى (مفارقنا)، فصارت عندهم (بيض مفارقنا)، ومن أخذ عن هذا الإمام مباشرة رواها عنه (معارفنا).
فمن ها هنا تشعبت الرواية، فأما كلمة (سود) التي في الأصل القديم فصارت إلى شيئين:
1 - قرأها بعضهم قراءة صحيحة (سود) ثم أنكرها وغيرها إلى (بيض)، وأخذ عنه الناس.
2 - وقرأها بعضهم (شعث) وأخذت عنه بعد ذلك.
ورواية (شعث مقادمنا) لم تقع في شيء من روايات الحماسة التي رأيتها، ولعل هذه الرواية قد أُخذت عن ابن الأعرابي، قال البغدادي في الخزانة: "والبيت وقع في شعرين: أحدهما للمرقش الأكبر رواه المفضل بن محمد الضبي له، وكذلك ابن الأعرابي في نوادره، وأبو محمد الأعرابي فيما كتبه على شرح الحماسة للنمري، وهو:
يا دار أجوارنا قومي فحيينا وإن سقيتِ كرام الناس فاسقينا
وإن دعوتِ إلى جُلَّى ومكرمةٍ يومًا سراة خيار الناس فادعينا
شُعثٌ مقادمنا نهبى مراجلنا نأسو بأموالنا آثار أيدينا
المطعمون إذا هبّت شآميةٌ وخير نادٍ رآه الناس نادينا".
ولم أجدها في نوادر ابن الأعرابي المطبوعة وهي غير كاملة، ويكفي ذكر البغدادي لذلك.
وأما المفضل الضبي فلم يروها وإن كانت وقعت في المفضليات، ولو كان رواها لقلنا إنما أُخذت عنه لأنه أقدم من ابن الأعرابي، لكنه لم يروها، وليس كل شعر في المفضليات هو مما رواه المفضل، بل زيد عليها، وارجع في ذلك إلى مقدمة الشاكرين للمفضليات، وإنما أدخل هذه الأبيات في المفضليات محمد بن حبيب، قال التبريزي في شرح المفضليات عند هذه الأبيات: "ولم يروها المفضّل، ورواها ابن حبيب"، ولم يروها الأنباري الكبير أيضا في روايته للمفضليات، ومحمد بن حبيب من تلاميذ ابن الأعرابي وممن رووا عنه، وقد روى عنه ديوانَ الفرزدق، وهو موجود ومطبوع برواية محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي، فهذه الأبيات التي أدخلها محمد بن حبيب في المفضليات هي نفسها التي أنشدها ابن الأعرابي في نوادره، فظاهر الأمر أن ابن حبيب قد أخذها عن ابن الأعرابي.
وأما أبو محمد الأعرابي فهو متأخر، ولعلها وصلته من طريق تتصل بابن الأعرابي.
وأما كلمة (مغارفنا) فصارت إلى أربعة أشياء:
1 - قرأها بعضهم قراءة صحيحة ورواها كما وجدها وبقيت الرواية موجودة.
2 - وقرأها بعضهم (معارفنا) ورواها عنها الناس.
3 - وصارت عند بعضهم (مفارقنا).
4 - وقرأ بعضهم (مقادمنا).
وأنت تعلم أنه يستحيل أن يكون الشاعر قال هذه كلها، فالتصحيف حاصل ولا بد.
وقد رغبتُ عن الوجوه التي ذكروها كلها ولم أر شيئا منها جديرًا بالصواب، حتى صرتُ إلى (مغارفنا) وأعجبني موقعها لذكره للمراجل معها وهي القدور، فما أليط المغارف بالقدور وألصقها بها، لكني لم أوثر أن تروى (بيض مغارفنا) وأن تُفَسَّرَ بما رواه النمري وبما أنكره من قولهم: "لجمود الدسم عليها". ولم أوثره لأن الشاعر يذكر أن مراجلهم تغلي فإذا كانت المراجل تغلي والمغارف تدخل فيها وتخرج منها فأي دسم يبقى جامدًا على هذه الحرارة والماء الحميم؟!
على أن لهذا وجهًا، وهو أن تكون المراجل تغلي بما فيها ولـمّا ينضج ما فيها بعد، وتكون المغارف متروكة إلى حين نضج ما في القدور، ويكون على المغارف دسم جامد مما غرفوه في اليوم الذي قبله إذ كانوا يَقرون كل يوم.
ووجه آخر أنهم يدخلونها في القدور لتقليب ما فيها ويخرجونها، فإذا أدخلوها ذاب الودك وإذا أخرجوها جمد عليها من فوره لشدة البرد، وإنما يكون ذلك في الشتاء، والشتاء عند العرب هو وقت الجدب والشدة، فلذلك افتخر بالقرى فيه، ونحو منه قول الراعي وهي في الحماسة:
فباتت تَعُدُّ النجم في مستحيرةٍ سريعٍ بأيدي الآكلين جمودُها
أي يجمد الدسم على يد الآكل من فوره لشدة البرد، والدليل على أنهم في الشتاء قول الراعي في أولها:
عجبتُ من السارين والريح قرة إلى ضوء نار بين فردة والرحا
والريح قرة: أي باردة، ويدل على ذلك في البيت نفسه قوله: (تَعُدُّ النجم)، وهو موضع لطيف خفي، قال أبو محمد الأعرابي:
"ولا يجوز أن يكون النجم ها هنا إلا الثريا، وذلك أن في البيت خبيئة لم يخرجها أبو عبد الله [يعني النمري]، وذلك أن الثريا لا تكاد تُرى في قعر الجفنة وغيرها من الأواني إلا أن تكون قمةَ الرأس [أي فوق الرأس]، ولا تكون قمةَ الرأس إلا في صميم الشتاء، ويقال حينئذ أفغر النجمُ، ومنه قول الكميت:
إذا النجم أفغرا
وقوله (تعد النجم) أي لصفاء الودك في الجفنة يُعرف عدد الثريا فيها، وهذا معنى مليح، وذلك أن نجوم الثريا لا يكاد يعدها إلا ذو بصر حديد، ولذلك يقول القائل:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت يراها حديد العين سبعة أنجم".
قلتُ: قال في اللسان: "وأفغر النجمُ، وذلك في الشتاء، لأن الثريا إذا كبّد السماء من نظر إليه فغر فاه أي فتحه، وفي التهذيب: فغر النجمُ وهو الثريا، إذا حلّق فصار على قمة رأسك، فمن نظر إليه فغر فاه".
قلتُ: أي أفغر النجمُ الناظرَ إليه، أي جعله يفغر فاه، لأنه يكون في كبد السماء فوق رأس الإنسان، فإذا أراد الإنسان أن ينظر إليه فغر فاه، لأن الإنسان إذا نظر إلى ما فوق رأسه انفتح فمه بغير إرادته، وجرّب ذلك، ارفع رأسك إلى أعلى كأنك تنظر إلى شيء فوقك وستجد أن فمك ينفتح وربما يشق عليك إغلاقه وأنت على تلك الحال.
وهذه الرواية (بيض مغارفنا) وتفسيرها أحب إلي من جميع ما رووه وفسروا به البيت، وأحسب أنك إذا وازنت بينها الآن بعد ما شرحتُ لك وبين (بيض مفارقنا) و(بيض معارفنا) و(شعث مقادمنا) وجدتَّ أن (بيض مغارفنا) أشرف منها وأعلى، ودع عنك إنكار النمري على من رواها وعدّه إياه ممن لا علم له.
وأحسن منها في ما أرى -والله أعلم- أن تكون (سُودٌ مَغارِفُنا)، وهو شيء لم أجد أحدًا قبلي قدّره أو اقترحه، بل اللفظة (سُودٌ) لم يذكرها أحد منهم أصلا، لكني قدّرتُ أن (شُعثٌ) إنما جاءت من تحريفها، وأن (بيضٌ) إنما جاءت من تغييرها عمدًا. وأما (مغارفنا) فإنما ذكرها النمري والفسوي وأنكرها النمري وذم رواتها، وسأقيم حجتي على ما اقترحتُه إن شاء الله.
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :