عرض مشاركة واحدة
  #101  
قديم 26-05-2018, 12:09 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,556
شكرَ لغيره: 5,984
شُكِرَ له 4,611 مرة في 1,462 حديث
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم.
ويجوز أن يكون المرادُ في بيت حكيم بن قبيصة وفي البيت الذي أنشده المرزوقي تشبيهَ السنام نفسه دون ما حوله بقرية النمل التي تراها في الصورة كاملةً وليس فقط الذي في المربع، فيكون الذي في البيتين تشبيه السنام وحده دون ما حوله بهذه القرية بكمالها، ويكون هذا تعظيما لسنامها وتبيينا لضخامته، لأن القرية في الحقيقة أكبر من سنام الناقة وبينهما بون، ولا يمنع من إرادة السنام أنه قال (على سرواتها) وقول الآخر (إلى سراة)، فإن السنام على سراة الناقة والسنام أيضًا سَراةٌ للناقة، فإذا فُسّر الذي على سرواتها في بيت حكيم بأنه السنام وما حوله كما ذكرنا في الوجه الأول صح ذلك، وإذا فُسّر بأنه السنام وحده صحّ أيضا، لأن الجميع على سراة الناقة، وكذلك إذا فُسّرت سراتها في البيت الثاني بأنها السنام وما حوله كما ذكرنا في الوجه الأول صح هذا، وإذا فُسّرت بالسنام وحده فهو صحيح، لأن ذلك كله سَراة للناقة.
وعلى الوجه الثاني جاء قول بشر بن أبي خازم يصف ناقة:
لَـها قَرِدٌ كَجُثِّ النَّملِ جَعدٌ تَغَصُّ بِهِ العَراقي والقُدوحُ
لأن هذا في صفة السنام خاصة، فشبّه السنام نفسه دون ما حوله بجُثّ النمل، والقَرِد هو الذي تجعّد وبَرُه وتلبّد وانعقدت أطرافه كالذي تراه في الصورة، وهو كقول بشامة بن الغدير في المفضليات:
لها قَرِدٌ تامِكٌ نيُّه تزلّ الوليّة عنه زليلا
وكقول المثقّب العبدي في المفضليات أيضًا:
كساها تامكًا قَرِدًا عليها سَواديُّ الرَّضِيحِ مع اللَّجِينِ
ثم أكّد بشر بن أبي خازم وصفه بالقَرَد فقال (جَعدٌ)، وهو مثل (قَرِدٌ)، فشبّه السنام في عِظَمه بجُثّ النمل الذي رأيته في الصورة، وقد يكون جُثُّ النمل أصغر من هذا الذي في الصورة وقد يكون أعظم منه.
ثم نخرج إلى مسألة لغوية فنبحثها بحث تأمل لا بحث نسخ ولصق فنقول:
لماذا قال ذو الرمة (كجرثومة النمل) فسماها جرثومة؟ ولم قال حكيم بن قبيصة (قُرى نمل) ولم يسمها جرثومة؟ ولم قال صاحب البيت الذي أنشده المرزوقي (بيت النمل) ولم يسمها جرثومة؟ ولم قال بشر بن أبي خازم (كجُثّ النمل) ولم يسمّها جرثومة؟
والجواب:
أن ذا الرمة كان يسوغ له أن يسمي المشبَّه به قرية النمل وأن يسمّيه بيت النمل وقد يسوغ له أيضًا أن يسميه جُثَّ النمل ولكن تسميته جرثومة أحسن منها كلها، وسترى سبب ذلك، فاختار أحسنها، وأما حكيم بن قبيصة وصاحب البيت الذي أنشده المرزوقي وبشر بن أبي خازم فقد يسوغ لهم أن يسمّوا المشبَّه به جرثومة، وأما تسميته قرية وتسميته بيتًا وتسميته جُثًّا فتسوغ كلها لكلٍّ واحد منهم.
أما ذو الرُّمّة فيسوغ له تسميتُه قريةً لأنه متصلٌ بقرية النمل التي تحت الأرض وهو مدخل لها فهو كالجزء منها فيسوغ تسميته قرية، فهو كتسمية حكيم ذاك التراب العظيم قرية على أن قرية النمل في الحقيقة إنما تكون تحت الأرض، فكما ساغ لحكيم بن قبيصة تسمية ذاك التراب العظيم قرية يسوغ لذي الرمة تسمية التراب الصغير قرية فحكمهما واحد، وقرية النمل تكون تحت الأرض في الحالين كليهما.
وكذلك تسميته بيتًا مثل تسميته قرية، فكما ساغ تسمية التراب العظيم بيتًا وبيت النمل في الواقع تحت التراب فكذلك يسوغ لذي الرمة تسمية التراب الصغير بيتًا وبيت النمل تحت التراب، والحال فيهما واحدة.
وأما أن يسميه ذو الرمّة جُثًّا فهذا قد يجوز، لأن الجُثّ في اللغة كما قال في اللسان: "ما أشرف من الأرض فصار له شخص، وقيل: هو ما ارتفع من الأرض حتى يكون له شخص مثل الأكمة الصغيرة"، فأما على القول الثاني من هذين فلا يصلح أن يسمَّى ما في بيت ذي الرمة جُثًّا، لأنه صغير جدًّا ولا يبلغ أن يكون كالأكمة الصغيرة ولا قريبًا منها، وأما على القول الأول منهما فقد يسوغ لأنه شيء أشرف من الأرض قليلًا أي ارتفع وصار له شخص لكنه شخص صغير، وأحسب أن الـجُثّ اسم للشيء الذي يكون أكبر من هذا الذي في بيت الرمّة.
وأما تسمية ذي الرمة له بالجرثومة فهي أحسن منها كلها، لأنها أدلُّ على الشيء الذي يريده، وهو التراب الصغير، فلو سماها قرية لجاز أن يذهب وهم السامع إلى تلك القرية العظيمة التي يُشبّه بها السنام، فهذه قرية وتلك قرية، وكذلك لو سماها بيتًا، ولو سماها جُثًّا على اعتبار جوازه لجاز أيضا أن يذهب وهم السامع إلى ذلك التراب العظيم فهو جُثُّ نمل أيضًا، وأما تسميته بالجرثومة فأحسب أنها في الأصل تُعيّن هذا التراب الصغير دون ذاك التراب العظيم.
وبيان ذلك أن الجرثومة في كلام العرب هي أصل الشيء، هذا هو معنى الجرثومة، وجرثومة كل شيء أصله، ثم سمّت العرب التراب الذي يجتمع على أصل الشجرة جرثومة، وإنما سُمّي جرثومة في ما أرى لأنه اجتمع على جرثومة الشجرة أي على أصلها واتصل به وصار كالجزء منه فسمّي باسمه، فقيل للتراب الذي يجتمع على أصل الشجرة جرثومة، ثم سمّت العرب التراب الصغير الذي يخرجه النمل ويجمعه حول مدخل جحره جرثومة تشبيها له بالتراب الذي يجتمع حول أصل الشجرة، وهو أشبه شيء به، فتخيل شكل التراب الذي يجتمع دائرة حول أصل جذع الشجرة ويكون مدخل جذع الشجرة من أعلاه في وسطه تجد أنه أشبه شيء بتراب النمل الذي أراده ذو الرمة، ويشبههما أيضًا تراب الآري الذي يُجمع حول الوتد ويكون في وسطه من أعلاه مدخل الوتد وهو الشبه الذي رآه ذو الرمة وعناه، فسمّت العرب تراب النمل هذا جرثومة تشبيها له بالتراب الذي يجتمع على أصل الشجرة، لأن تراب النمل ليس أصلًا لشيء فيكون جرثومة له ولا هو مجتمع على جرثومة شيء فيسمّى جرثومة لاتصاله به، وإنما سُمّي بذلك فقط تشبيها له بالتراب الذي يجتمع على أصل الشجرة.
وأنت ترى في كتب اللغة كلاما كقول صاحب اللسان: "الجُرْثُومة: الأصل؛ وجُرْثُومة كل شيء أَصلُه ومُجْتَمَعُه، وقيل: الجُرْثُومة ما اجتمع من التراب في أُصول الشجر؛ عن اللحياني. وجُرثومة النمل: قَرْيته. الليث: الجُرْثومة أصل شجرة يجتمع إليها التراب".
وهذا الذي ذكره كله صحيح، ولا أنكر شيئا منه، وكل واحد من هذه يسمَّى جرثومة كما ذكر، وإنما أردتُّ أن أبيّن لك التطور الذي حصل في استعمال هذه اللفظة، فالجرثومة في الأصل هي أصل الشيء، ثم سمّي التراب الذي يجتمع على أصل شجرة جرثومة لاتصاله بجرثومتها أي بأصلها كما ذكرنا، ثم سمّي التراب الصغير الذي يخرجه النمل ويجمعه حول جحره جرثومة تشبيها له بالتراب الذي يجتمع على أصل الشجرة.
فإذا كان كذلك فإن جرثومة النمل في الأصل ينبغي أن تكون الصغيرة التي أرادها ذو الرمة لأنها هي التي تشبه التراب الذي يجتمع على أصل الشجرة وأما التراب العظيم فلا يشبهها في الشكل.
لكن هل يُتوسع في ذلك فتُسمى كل قرية نمل جرثومة ولو لم تشبه التراب الذي يجتمع على أصول الشجر ويكون التراب العظيم الذي أراده حكيم بن قبيصة وصاحبه وبشر بن أبي خازم جرثومة أيضًا؟
لا أدري.
لكني أرى أن الأصل في التسمية هو ما ذكرتُ لك من التطور فيها، وأنت ترى أن ذا الرمة سمى تلك الصغيرة جرثومة وأن ثلاثة أصحابه لم يسموا التراب العظيم جرثومة وإنما سماه أحدهم قرية وسماه الثاني بيتًا وسماه الثالث جُثًّا.
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :