عرض مشاركة واحدة
  #45  
قديم 13-02-2011, 02:01 PM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
شكرَ لغيره: 573
شُكِرَ له 2,682 مرة في 650 حديث
افتراضي

أخي الحبيب الأديب/ صالحًا العَمْريَّ،

زعمتَ -أيَّدَك الله- أنَّ قولَ الشاعرِ:
هما حجَرانِ من جَبَلي طُمَيٍّ إذا قيلَ ارشَحا لا يرشَحان
صحيحُ الرِّوايةِ، مستقيمُ اللفظِ، وأنَّ (طُميٍّ) [كذا على الحكاية] أصلُه (طَميَّة) بعد التصغير، أو هو (طَميّ) مكبَّرًا. وهو ذلك الجبلُ المشهورُ الذي هو أذْكرُ جبَلٍ في الباديةِ، وأنهم لم يعْدُوا أن حذفُوا التاءَ. وذلكَ أمرٌ معهودٌ في كلامِهم، وسُقتَ بعضَ الشواهدِ، وأنَّهم إنما جعلُوا (طَميَّة) جبلينِ لأنَّه مناوِحٌ لعُكَّاشٍ، وهم يروونَ في أساطيرِهم أنَّه تزوَّجها.
وقد قرأتُ هذا الكلامَ في حينِه، فما زِلتُ في شَكٍّ منه. وذلكَ أنَّ فيه أمرين قلَّما اجتمعَا في كَلِمةٍ إلا كان اجتماعُهما موجِبًا للنظرِ فيها، والاستِثباتِ من صحَّتِها.
فأمَّا أوَّلهما، فهو حذفُ التاءِ. وذلكَ ما يسمِّيه النحاة ترخيمًا في غير النِّداء. وقد جاء في الشعر نَزْرًا، قالَ امرؤ القيس:
لنِعم الفتى تعشو إلى ضوءِ نارِه طريفُ بنُ مالٍ ليلةَ الجوعِ، والخَصَرْ
يريدُ (مالكٍ).
والآخَر تسمية (عُكَّاشٍ) بـ(طميةَ) لما أن ثنَّاه معه، فقالَ: (جبلَي طميٍّ). وهذا وإن كان جائزًا في قياسِ العربيَّةِ البعيدِ، فإنه ليسَ من عوائِد العربِ في مثل هذا الموضعِ، ولا هو من المألوفِ من سُننِهم. نعم قد ثنَّوا اللفظين المختلفين بلفظِ أحدِهما إذا كان يطبِّقُهما جنسٌ واحدٌ. وقد أجرَوا هذا في أسماء المواضعِ كما أجرَوه في غيرِه، فقالوا: (الضَّمْرانِ) يريدون (الضَّمْر)، و(الضائِن)، وقالوا أيضًا: (النائعان) يريدون (النائع)، و(النُّويع). هذا فضلاً على تثنيتهم اللفظين المتماثلين، كما قالوا: (أبانانِ) يريدونَ (أبانًا الأسود، والأبيض). فأمَّا إذا ذكَروا الجبَلين وهم يريدونَ إضافتَهما، فإنهم لا يضيفونهما إلى اسمِ أحدِهما، وإنَّما يضيفونهما إلَى ما لهما به وُصلةٌ، وتعلُّقٌ، كأن يضيفوهما إلى القبيلةِ التي هما في بلادِها، كما قالُوا: (جبلا طيِّئ) يريدون (أجأ)، و(سلمَى)، أو يضيفوهما إلى جبَلٍ مصاقبٍ لهما أكبرَ منهما، أو هو أصلٌ لهما، كما قالُوا: (ابنَا شَمام)، أو إلى وادٍ حولَهما، كما قالُوا: (جبلا نَعمان). و(نَعمان) وادٍ.
وعلَى أنَّه لو كانَت إضافتُهم الجبلينِ إلى اسمِ أحدِهما مذهبًا مأتيًّا، وعادةً مطروقةً، لم يكن ذلكَ بمغنٍ له عن الدليلِ الذي يثبِت أنهم يقرِنونَ طميَّةَ إلَى عُكَّاشٍ، فيقولون: (طميَّتان)، كما قالُوا: (الضَّمْران)، و(النائِعان)، وغيرَهما. ولم نرَهم فعلُوا ذلك.
وليسَ كلُّ ما أيَّدَه سماع، جازَ الحملُ عليه، والمصيرُ إليه. وذلك أنَّ للعربِ في كلامِها مُسْترادًا لا يكاد يخطِئُه الخبيرُ به، يهديه إليه حَدسُه، وطُولُ مخالطتِه له، كما قالَ الحارث بن خالد المخزوميُّ:
لو بُدِّلت أعلَى مساكنِها سِفلاً، وأصبحَ سِفلُها يعلو
فيكاد يعرِفُها الخبيرُ بها فيردُّه الإقواءُ، والمَحْلُ
لعرفتُ مغناها بما احتمَلتْ منِّي الضلوعُ لأهلِها قبلُ
فلمَّا أضمرتُ في نفسي فسادَ هذه الكلمةِ، ورُجحانَ تصحيفِها، طفِقتُ أقلِّبُها، فاستعجمتْ عليَّ، فما زِلتُ أحسِنُ التأتِّيَ إليها بالرِّفق، والملاطفةِ حتَّى أصحَبت بعد تمنُّعٍ، وذلَّت بعد تعزُّزٍ، وأُرِيتُ أنها مصحَّفةٌ عن (طِمِرٍّ). وصوابُ البيتِ:
هما حجَرانِ من جَبَلي طِمِرٍّ إذا قيلَ ارشَحا لا يرشَحان
وذلكَ أنَّ الراءَ ربَّما طالَ طرفُها، وارتفعَ، فأشبَهت الياءَ، والتبَست بها.
و(طِمِرّ) وادٍ، أو جبَلٌ يُنسَب إليه جبَلانِ أسودانِ متقابلان بنخلةَ الشاميَّةِ بينَ ذاتِ عرقٍ، والسِّتار. ويقالُ لهما: (ابنا طِمِرّ)، قالَ الراجزُ:
وضمَّهنَّ في المسيلِ الجاري
ابنا طِمِرٍّ، وابنتا طَمارِ
و(ابن) في كلامِ العربِ كلمةٌ تجري مَجرَى الإضافة، فكما أنَّ الابنَ مُلحَقٌ بأبيه، ومنسوبٌ إليه. فكذلكَ ما كان من غيرِ الحيَوانِ، كقولِهم: (ابن الفلاة) للحرباء، و(ابن الليالي) للقمر.
فقد رأيتَ أنَّ لفظَ (جبَلَي طِمِرّ) أليقُ موقِعًا، وأوفقُ ائتلافًا من (جَبَلي طمِيّ)، إذْ كانَ موفَّرًا لم يُحذف منه شيءٌ، وكانَ لـ(طِمِرّ) جبَلانِ يُنسَبانِ إليه مقترِنَينِ، وعلَى أنَّه أيضًا أدنَى إلى بلادِ النَّخَع من (طَمِيّة).

وذكرتَ وفقك الله- بيتًا نسبتَه لـ(ثروان العُكْلي). وصوابُ اسمِه (أبو ثَروان العُكلي). وهو أعرابيٌّ يروي عنه أبو زكرياءَ الفراء.
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( فيصل المنصور ) هذه المشاركةَ :