الحديث: قصص الملائكة
عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 29-08-2016, 10:45 PM
د:إبراهيم المحمدى الشناوى د:إبراهيم المحمدى الشناوى غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Feb 2012
التخصص : طبيب
النوع : ذكر
المشاركات: 771
شكرَ لغيره: 560
شُكِرَ له 823 مرة في 459 حديث
افتراضي

[باب]
[معني كلمة ملائكة]

يطلق لفظ (الملَك) على الواحد والجمع[1]:
فمن إطلاق لفظ (الملَك) على المفرد قولهﷺ: «هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ...» [2] وسيأتي -إن شاء الله - عند ذكر الملائكة الذين نزلوا من السماء أول مرة.
ومن إطلاقه على الجمع قوله : وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]
وأما معنى الملك في اللغة فهو بإيجاز: القوى الشديد، أو الرسول. وسنزيد ذلك بيانا فى البحث الآتي.

بحث فى كلمة مَلَك:
الملائكة مختلف فى واحدها وأصلها كما يلي:
(1) قال قوم: أصل مَلَك مَلْأَك على وزن مَفْعَل؛ فالهمزة عين الكلمة. والجمع ملائكة، على وزن مَفَاعِلَة.
وممن ذهب إلى هذا الرأى: صاحب الكشاف، والنسفى، والجَمَل، وغيرهم.
(2) وقال قوم: أصلها مَأْلَك، على وزن مَفْعَل؛ فالهمزة فاء الكلمة، ثم دخلها القلب المكاني، فأخرت الهمزة فجعلت بعد اللام، فصارت مَلْأَك، على وزن مَعْفَل، بتأخير الفاء. والجمع ملائكة، على وزن مَعافلة.
وممن ذهب إلى هذا الرأى: الكسائى، وابن برى، والبغوى، والخازن، والبيضاوي، والليث، والأزهري، وجمهور أهل اللغة.
وعلى كِلَا القولين، أُلْقِيَتْ حركة الهمزة (وهى الفتحة) على الساكن الصحيح قبلها (وهو اللام) ثم حذفت الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال، وحين الجمع رد إلى أصله، فقيل ملائكة، وملائك بالهمزة.
(3) وقال قوم: عين الكلمة واو، وهو من لاك الشئَ يلوكُهُ: إذا أداره في فيه. فكأن صاحب الرسالة يديرها في فيه.
قال المواردي: وإنما سميت الرسالة ألوكاً؛ لأنها تؤلك في الفم. والفرس يألك اللجام، ويعلكه بمعني: يمضغ الحديد بفمه.[3]
وعلي هذا، فأصل كلمة ملَك مَلَاك، علي وزن مَفْعَل، ولكنه أجوف، ثم حذفت عينه (الألف) تخفيفاً؛ فيكون أصل ملائكة ملاوكة، فأبدلت الواو همزة علي غير قياس -كما أبدلت واو مصائب- فصارت ملائكة.
وممن ذهب إلي هذا الرأي أبو عبيدة. وضُعِّف هذا الرأي؛ لأنه لم يشتهر لاك بمعني أرسل.
(4) وقال آخرون: مَلَك فَعَل، من الملك وهو: القوة؛ أي أن الميم أصل؛ ولا حذف فيه، ولكنه جمع علي فعائلة شذوذاً.
(5) وقال النضر بن شميل: لا اشتقاق للمَلَك عند العرب.[4]
قلت: وأما من حيث المعنى المشتق منه الملك فقد اختلفوا أيضاً علي قولين:
أحدهما: أنه من الألوكة بمعنى الرسالة. وهذا يشير إلي أن الهمزة أصلية والميم زائد. يقال: أَلَكَ بين القوم أَلْكًا وألوكاً: كان رسولاً بينهم. وتقول: أَلِكْني إليها أي: أرسلني إليها. قال الهذلي:
أًلِكـْني إليها وخــير الرســـول(م) أعلمهم بنواحـي الخــبر
والألوك والمألَكة والمألُكة: الرسالة. قال لبيد :
وغـلام أرســـلته أمــــه بألـوكٍ فبذلنـا ما ســــأل
وقال عدي بن زيد:
أبلـغ النعمـان عـني مألَـُكــاً[5] إنه قد طال حبسي وانتظـاري

ومن رجح أنه من الألوكة قال: لأن الملائكة رسل الله إلي الناس أو كالرسل إليهم؛ فمعنى الرسالة يعم الملائكة كلهم. قالوا: أما بالنسبة إلي مُبَلِّغِ الوحيِ فظاهرٌ أن معني الرسالةِ يشمله. وأما بالنسبة إلي غيره؛ فلأنهم وسائط بين أمر الله وبين الناس يرسلهم إليهم: لحفظهم في عموم الأوقات، ولرفع أعمالهم، وتصويرهم في الأرحام، وقبض أرواحهم، وتحصيل أرزاقهم، وتدبير أمورهم. كما قال : وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا [النازعات: 1] إلى قوله : فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [النازعات: 5]
فهم رسل الله كافة. وذلك إذا لم يعتبر في الرسالة معرفةُ المرسَلِ إليهم الرسولَ وجهةَ رسالته،
أو كالرسل إن اعتبر ذلك.
أو رسل الله؛ لأنهم وسائط بين الله وبين أنبيائه: يبلغون إليهم رسالاته بالوحى، والإلهام، والرؤيا الصادقة. أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه.
أو كالرسل، في وصول آثار لطفه؛ لأن منهم الذين يستغفرون للذين آمنوا.
قالوا: والتحقيق أن تحقق المعنى اللغوى في بعض الأفراد كافٍ في النقل، لاسيما في الأفراد الكثيرة. ([6])

ثانيهما- أنه من المَلْكِ[7] بمعنى القوة؛ فالهمزة زائدة، قاله ابن كيسان. وذلك لدوران (م.ل.ك) مع الشدة في مَالِك، ومَلْكٍ، ومِلْكٍ. ويقال: مَلَكَ العجينَ: إذا شدد عجنه. قال التفتازاني: وظاهر كلام صاحب الكشاف أن الهمزة زائدة، وأن اشتقاقه من ملك. ولعل التفتازاني أخذ هذا المعنى من كلامه؛ حيث شبهه بالشمائل، وهمزته زائدة. ورُدَّ ذلك بأنه قد يكون أراد الشبه الصوري (أي أن صورة الملائك مثل صورة الشمائل ومَلْأَك مثل شَمْأَل) مع قطع النظر عن زيادة الهمزة وأصالتها.
قيل: الوجه أن تكون الهمزةُ زائدةً، والميم أصلياً. واشتقاقه من مَلَكَ؛ لأن الملك[8] اسم جنس يعم جميع الملائكة؛ لوجود معنى القوة والشدة في جميعهم، بخلاف معنى الألوكة فإنه لا يعم الجميع؛ لقوله تعالي: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:75] واعتبار المعنى لترجيح تسمية الكل باسم الملك أولي وأصوَبُ، من اعتبار المعنى الخاص لبعضهم؛ إذ لو كان مرجح التسمية هذا المعنى الخاص -أي الألوكة- لما صح أن يسمي غير الرسل منهم باسم الملك؛ لعدم وجود المرجح؛ فالأولي أن يكون من ملك العجين؛ لعموم هذا المعنى بكل من يسمي باسم الملك.[9]

__________________________________________________ ___
[1] فهو اسم جنس إفرادي واسم الجنس ألإفرادي هو ما يصدق علي الكثير والقليل بلفظ واحد كالماء والهواء والخل والزيت ... الخ فالماء مثلاً يطلق على النقطة الواحدة كما يطلق علي ماء البحر كله فكذلك كلمة ملك .
[2] صحيح: مسلم (806)
[3] تفسير المواردي : 1/ 59 .
[4] انظر تفسير القرطبي ( ط. الشعب ) 1/224، والكشاف للزمخشري ( ط. الدار العالمية ) 1/71، ومفاتيح الغيب للرازي (ط. دار الغد العربي ) 1/572، تفسير الخازن ( ط. دار الفكر ) 1/44، وتفسير البغوي بحاشية الخازن 1/44، وتفسير النسفي بحاشية الخازن أيضاً ( طبعة آخري ) 1/44، وحاشية الجمل علي الجلالين (ط. عيسي الحلبي ) 1/37، وإعراب القرآن للعكبري بحاشية الجمل أيضاً ( ط . عيسي الحلبي ) 1/87- 88، وتفسير الآلوسي (إدارة الطباعة المنيرية) 1/218، وحاشية القونوي علي البيضاوي 2/4 – 5، ومعه حاشية ابن التمجيد علي البيضاوي 2/4-5، وحاشية الصاوي علي الجلالين (ط. عيسي الحلبي) 1/19، وفتح البيان في مقاصد القرآن لصديق حسن خان (ط. دار الفكر العربي) 1/103.
[5] مألكا: بفتح اللام وضمها
[6] حاشية القونوى ( الحافظ إسماعيل بن محمد بن مصطفي القونوي ) علي القاضي البيضاوي 2/4 .
[7] من باب ضرب يقال: مَلَكْتُ العجينَ مَلْكًا إذا شَدَدْتَهُ وقَوَّيْتَهُ.
[8] المِلْك بكسر الميم اسم، والمَلْك بالفتح مصدر، والفعل (مَلَكَ).
[9] حاشية: ابن التمجيد علي القاضي 2/5
منازعة مع اقتباس
الجليس الذي شكرَ لـ ( د:إبراهيم المحمدى الشناوى ) هذه المشاركةَ :