عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 31-10-2010, 10:18 AM
عائشة عائشة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jun 2008
السُّكنى في: الإمارات
التخصص : اللّغة العربيّة
النوع : أنثى
المشاركات: 6,711
شكرَ لغيره: 8,608
شُكِرَ له 12,756 مرة في 5,282 حديث
افتراضي البيان .. والطريق المهجور

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كتب د. محمود الطناحي -- مقالتين مُتتاليتين في مجلَّة الهلال (مارس- إبريل 1995) بعنوان «البيان.. والطريق المهجور»، وهما في القسمِ الأوَّل من «مقالاته» المطبوعةِ مِن قِبَلِ دار البشائر الإسلاميَّة. وسأختارُ منَ المقالتَيْن بعضَ الفقراتِ، وسأجعلُ لِكُلٍّ عنوانًا.

نِعمةُ البَيانِ
استهلَّ الطناحيُّ -- مقالتَهُ بقولِه: (مِنْ أجلِّ نِعَمِ اللهِ تعالَى علَى عبادِهِ: نِعمة البَيان، وقد امتَنَّ اللهُ علَى عبادِهِ بهذه النِّعمةِ، فذكَرها في أشرفِ سياقٍ، فقالَ -تقدَّسَتْ أسماؤُه-: ﴿الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ القُرْآنَ . خَلَقَ الإِنسَانَ . عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾).

المُرادُ بالبَيانِ
ثُمَّ أوضحَ أنَّ المُرادَ بالبَيانِ هو: الإحسان في تأدية المعاني، وليس هُو مجرَّد الكشف عمَّا في النَّفسِ. ونقلَ عن الرُّمَّانيِّ قولَهُ -في كتابه «النكت في إعجاز القرآن»-: (وليس يحسن أن يُطلقَ اسم بيان علَى ما قبُحَ من الكلام؛ لأنَّ اللهَ قد مَدَحَ البيان، واعتدَّ به في أياديه الجِسام؛ قال: ﴿الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ القُرْآنَ . خَلَقَ الإِنسَانَ . عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾؛ ولكنْ: إذا قُيِّدَ بما يدلُّ علَى أنَّه يعني به إفهام المُراد؛ جازَ).

اللُّغة العربيَّةُ مُعينةٌ علَى حُسْنِ البَيَانِ
واللُّغةُ العربيَّةُ مُعينةٌ علَى حُسْنِ البَيانِ؛ يقولُ الطناحيُّ: (ونحنُ -أمَّةَ العربِ- أمَّةُ بيانٍ وفصاحة، ولُغتنا مُعينةٌ علَى ذلك؛ بَما أُودِعَ فيها مِن خصائص شعريَّة في الحروف والأبنية والتَّراكيب، ثمَّ هذه الثَّروة الهائلة من الأسماء والأفعال، والمترادف والمشترك والأضداد، ولغُتنا مُعينة -أيضًا- على البيان والفصاحة؛ بهذه القوانين الرحبة الواسعة من الحقيقة والمجاز، والسَّماحة في تبادل وظائف الأبنية؛ كالَّذي يُقال من مجيء فعيل بمعنى فاعل وبمعنى مفعول وبمعنى مُفْعِل، وتبادل وظائف الإفراد والتَّثنية والجمع، ووقوع بعضها موقع بعض، والتَّساهل في التَّعبير عن الأزمنة؛ كالتَّعبير عن الماضي بالمستقبل، وبالمستقبل عن الماضي، إذا اقترن بالفعل ما يدلُّ على زمانه، ووقوع بعض حروف الجرِّ مكان بعض، وتذكير ما حقُّه التَّأنيث، وتأنيث ما حقُّه التَّذكير، والحَمْل على المعنى، والحَمْل على اللَّفظ، وحريَّة التَّعامل مع الضَّمائر غيبة وحضورًا فيما يُعرف بالالتفات، والتَّعويل على القرائن والسِّياق في تخليص الكلام من كثير من الفضول والزَّوائد، وهو باب الحذف؛ الَّذي يجعله ابن جنِّي من باب «شجاعة العربية»، وهو تعبيرٌ عجيبٌ؛ انظره في كتابه الفذّ: «الخصائص» 2/360، إلى سائر قوانين اللُّغة وأعرافها، حتَّى علم النَّحو الَّذي يُظنُّ به العُسر والتشدُّد، ولو تأمَّلتَه حقَّ التَّأمُّلِ؛ لوجدتَّ فيه الكثير من الرُّخَص والإباحة، علَى ما قاله الأصمعيُّ: «مَنْ عَرَفَ كلامَ العَرَبِ لَمْ يَكَدْ يُلَحِّنُ أحَدًا»).

أوَّل مَنْ أصَّلَ فَنَّ البيانِ
يقولُ --: (ولعلَّ أوَّل من أصَّلَ هذا الفنَّ هو أديب العربيَّة الكبير: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، حين صنعَ كتابَه الَّذي جَعلَ عنوانَه دالاًّ بصريح اللَّفظِ علَى الغاية الَّتي تغيَّاها منه، وكان كتابُ الجاحظ هذا مع كتاب مُعاصره والرَّاوي عنه: أبي محمَّد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قُتيبة «عيون الأخبار»: هما الأساس الأوَّل في إرساء قواعد هذا الفنّ «البيان»، بذكر الأدوات الموصلة إليه، والمعينة عليه، من ذكر كلام العرب وخطبها وشعرها ومحاوراتها وأجوبتها المُسكتة).

توالي التَّأليف في الأدب
ثُمَّ يقولُ: (وتوالت الكُتُبُ في هذا الطَّريق؛ ككُتُب الأمالي والمجالس والمختارات والحماسات، مع عناية ظاهرة باللُّغة والغريب، تمثَّلَتْ في أمالي أبي علي القالي، ومجالس أبي العبَّاس ثعلب.
ولم تكن كتب هذا اللَّون من التَّأليف قاصرةً على الأُدباء واللُّغويِّين فقط؛ بل دخل فيها الحُفَّاظ والفقهاء -أيضًا-؛ كالَّذي رأيناه من كتاب «بهجة المَجالس وأُنس المُجالس وشحذ الذهن والهاجس» لفقيه الأندلس الحافظ المحدِّث أبي عمر بن عبد البرِّ القرطبيّ، صاحب كتاب «التَّمهيد لما في الموطَّإِ من المعاني والأسانيد»، وصاحب «الاستيعاب في طبقات الأصحاب». وكتابه هذا «بهجة المجالس» من المجاميع الأدبيَّة العظيمة، ويقول فيه ابن سعيد -بعد ذكر مصنَّفاته في الفقه والحديث والتراجم-: (مع أنه في الأدب فارس، وكفاك دليلاً على ذلك كتاب «بهجة المجالس»). «المُعرب في حلى المَغرب» 2/408. وهذا ابن عبد البرّ الفقيه المحدِّث هو الَّذي جمع ديوان أبي العتاهية، وعن نسخته كانت نشرة الدكتور شكري فيصل --.
وهكذا كان الأدب مشرعًا يرده النَّاس جميعًا، وغبرت أجيال ونشأت أجيال، حتَّى جاء ابن خلدون في القرن التاسع ليخبرنا أنَّ كتب الأدب هي: «أدب الكاتب» لابن قتيبة، و«الكامل» للمبرِّد، و«البيان والتبيين» للجاحظ، و«الأمالي» -أو «النَّوادر»- لأبي علي القالي، ويُريد ابن خلدون أن يقول: إنَّ هذه الأُصول هي مكوِّنات الأديب).

رِجالُ البَعْثِ والإحياءِ في العَصْرِ الحَديثِ
يقولُ الطناحيُّ: (وطُوِيَتْ أيَّام ونُشِرَتْ أيَّام، حتَّى كان العصر الحديث، وجاء رجال البعث والإحياء، هؤلاء الَّذين ردُّوا النَّاس إلى أصولهم الأدبيَّة، وكشفوا عن تلك المناجم الغنيَّة الضَّاربة في التَّاريخ بعروقِها؛ فكان الشَّاعر محمود سامي البارودي و«مختاراته»، والشيخ حسين المرصفي و«الوسيلة الأدبيَّة»، والشَّيخ سيد بن علي المرصفي و«رغبة الآمل من شرح كتاب الكامل»، وما قرأه على تلاميذه من «شرح حماسة أبي تمَّام»، وبعدهما كان الشَّيخ حمزة فتح الله وكتابه الجيِّد «المواهب الفتحيَّة»؛ فكانت هذه الآثار كلُّها زادًا ومددًا للجيل التَّالي).

الرَّافعيّ .. والمنفلوطيّ
ثُمَّ يقولُ: (وفيما يتَّصِلُ بالبيانِ: كان هناك اسمان كبيران: مصطفى صادق الرَّافعي، ومصطفى لطفي المنفلوطيّ.
وقد شقَّ علينا الرَّافعي في أوَّل الأمرِ.
ووجدنا في المنفلوطيِّ واحةً خصبة عامرةً بالنَّدَى والأزاهير، فأيُّ جنَّةٍ فتحَها لنا هذا المنفلوطيُّ في ذلك الزَّمان؟ وكم دموع أراقها! وكم قلوب خفقَتْ على بيانِه الحُلو الآسرِ؛ الَّذي انسابَ في «العبرات» و«الشاعر أوسيرانو دي برجراك» و«الفضيلة» و«ماجدولين»! ولئن كنَّا قد فرغنا من المنفلوطيِّ بعد حينٍ؛ فإنَّ أثره الضَّخم الَّذي لا يُنسَى: أنَّه حبَّب إلينا القراءة جملة؛ فإنَّ هذه الليالي الَّتي قضيناها مع بيانِه المعجب الأخَّاذ لم تضعْ سُدًى؛ لأنَّها وثَّقَتْ صلاتِنا بالأدبِ عامَّة، وبالبيان خاصَّة.
ومِن عَجَبٍ أنَّ المنفلوطيَّ هو الَّذي رَدَّنا إلى الرَّافعيِّ، وعند هذا الرَّافعيِّ وجدنا دنيا أُخرَى حافلة بالغرائب والعجائب؛ لكنَّ صورة الرَّافعيِّ لم تأخذ حجمَها الحقيقيَّ عندي إلاَّ بعد أن اتَّصلتُ بتراث الآباء والأجداد، فيما قرأتُ وفيما نسختُ وفيما حقَّقْتُ، وأيضًا: حين توثَّقَتْ علاقتي بصاحبِه ووارثِ أدبِه وعلمِه: أبي فهر محمود محمد شاكر؛ فعرفتُ أنَّ هذا من ذاك، وأنَّها ذُرِّيَّةٌ بعضها مِن بعض، وإن كنتُ أرَى أنَّ بيانَ أبي فهر لا يُشبهه بيان، وأنَّ عِلمه لا يقرن به عِلْم).


أكتفي بهذا القَدْرِ من مقالتِه الأُولَى.
ولي عودةٌ -إن شاء اللهُ- إلى مَقالتِهِ الأُخْرَى؛ الَّتي تحدَّثَ فيها عن أسبابِ تردِّي الكتابةِ، ومُجافاةِ حُسْنِ البَيانِ.
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( عائشة ) هذه المشاركةَ :