عرض مشاركة واحدة
  #18  
قديم 07-05-2019, 03:15 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,593
افتراضي

اقتباس:
وأنا لا أرى صوابًا في عدولك عن رواية (لا تخلوا)؛ لما يأتي:
1- أن الأخذ بالمروي إن كان يؤدي المعنى أولى من تمحل وجه آخر لم يرد.
هذا كلام جميل، ولكن ليس على إطلاقه، فإن لهذا الأمر حالين:
1 - الأول منهما أن أكون أحقّق كتابًا أريد إخراجه للناس، فحينئذ لا يجوز لي أن أغيّر الوجه الوارد إن كان له معنى صحيح، بل أُثبتُه كما هو، وأُعلّق إن شئتُ في الحاشية، بل لعله لا يجوز لي أن أغيّره ولو كنتُ أرى أنه لا معنى له، لأنه قد يكون له معنى يخفى علي، ثم يهتدي إليه غيري، فيجب أن أُبقي الكتاب على حاله، وأُعلّق بما شئتُ في الحاشية، لأن إخراجي الكتاب محققا معناه أنني أقول للناس هذا كتاب فلان أَدّيتُه إليكم كما بلغني، فينبغي أن أُؤدّيه كما أَدَّتْه إلي المخطوطات، إلا في أشياء قليلة كالتحريف في الآيات أو أن يكون الخطأ كالشمس في رابعة النهار كأن يقع في كتاب مثلا (الناتقة الذبياني!) ونحو ذلك، فهذا يغيره المرء ولا بدّ.
فكلامكم حق في هذه الحال الأولى لا في الحال الثانية التي سنذكرها.
2 - الثاني منهما أن أكون أتأمل الشعر وأدرسه لنفسي وأتفهّمه فأرى أن المعنى على الروايات كلها غير صحيح، وأن الوجه ينبغي أن يكون كذا، وأعتقد هذا لنفسي لا أذهب وأغيّره في ديوان الحماسة، فإنه يحقّ لي في مثل هذا أن أردّ ما شئتُ من الروايات وأن أعتقد فيها ما أشاء وليس لأحد أن يلزمني بتلك الروايات، ويحقّ هذا لكل واحد من الناس كما يحقّ لي، بل يحقّ لي أيضا ولغيري أن أنشر رأيي هذا وأذيعه كما أفعل هنا في الملتقى، فإن الناس يقرأون كلامي وينظرون فيه، فمن شاء قبله ومن شاء ردّه، وأنا لم أغيّر ما في الكتب ولا جنيتُ على أحد، إنما بيّنتُ الشيء الذي أراه، والقارئ بالخيار، يأخذ من كلامي ما يشاء ويدع.
اقتباس:
2- أنك رددته بحجة أنه غير مألوف في كلام العرب مثل (لا تخلوا الدم)، وأنا أقول إن المعهود من كلام العرب في الطل بمعنى الإهدار أن يكون قبل وقوع القتل لا بعده.
قولكم (إن المعهود من كلام العرب في الطل بمعنى الإهدار أن يكون قبل وقوع القتل لا بعده) غير صحيح.
بل أكثر استعمال الطلّ يكون بعد وقوع القتل، وأما الهدر فأكثر استعماله يكون قبل القتل، هكذا رأيتُها، وأنا لم أر تفريقًا صريحًا في كتب اللغة بين الإهدار والطلّ، بل رأيتهما كالشيء الواحد وهو أن لا يكون في الدم عقل ولا قود، بل يذهب باطلًا، فلا أدعي بينهما فرقًا في أصل المعنى، لكني أحسب أن بينهما فرقًا في كثرة الاستعمال قبل القتل وبعده، فإني رأيت الطلّ أكثر استعماله أن يكون بعد وقوع القتل أو الجناية، وهذا عكس ما ذكرتموه من أنه يكون قبل وقوع القتل لا بعده، فقد عكستم الأمر، وتبيّن لي أن الهدر أكثر استعماله يكون قبل وقوع الجناية أو القتل، وسترى شواهد ذلك، فنبدأ بالإهدار ثم نأتي إلى الطل، فمن شواهد وقوع الإهدار قبل القتل:
1 - قال في خبر في الأغاني: " قال حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال حدثني بعض رواة عذرة:
أن السلطان (أهدر) دم جميل لرهط بثينة إن وجدوه قد غشي دورهم. فحذرهم مدة، ثم وجدوه عندها، فأعذروا إليه وتوعدوه وكرهوا أن ينشب بينهم وبين قومه حربٌ في دمه، وكان قومه أعز من قومها، فأعادوا شكواه إلى السلطان، فطلبه طلباً شديداً، فهرب إلى اليمن فأقام بها مدة...
".
فترى أن السلطان أهدر دمه قبل قتله، أي: من قتله منكم في المستقبل فدمه باطل لا يُطلب به القاتل.
2 - وفي الأغاني أيضا في خبر آخر:
"قال: حدثنا العمري، عن الهيثم بن عدي، عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة:
أن حارثة بن بدر الغداني كان سعى في الأرض فسادا، (فأهدر) علي ابن أبي طالب عليه السلام دمه، فهرب فاستجار بأشراف الناس، فلم يجره أحد، فقيل له: عليك بسعيد بن قيس الهمداني فلعله أن يجيرك. فطلب سعيداً فلم يجده، فجلس في طلبه حتى جاء، فأخذ بلجام فرسه فقال: أجرني أجارك الله، قال: ويحك، مالك؟ قال: أهدر أمير المؤمنين دمي. قال: وفيم ذاك؟ قال: سعيت في الأرض فساداً. قال: ومن أنت؟ قال: حارثة بن بدر الغداني ...
".
فترى هنا أيضا أن إهدار دمه كان قبل قتله.
3 - وفي العقد الفريد: "الشيباني قال: قال سعيد بن سلم: (أهدر) المهدي دم رجل من أهل الكوفة كان يسعى في فساد دولته وجعل لمن دله عليه أو جاءه به مائة ألف درهم. قال: فأقام الرجل حينًا متوارياً ثم إنه ظهر بمدينة السلام، فكان ظاهراً كغائب، خائفاً مترقباً. فبينا هو يمشي في بعض نواحيها إذ بصر به رجل من أهل الكوفة فعرفه...".
فترى هنا أيض أن إهدار دمه كان قبل قتله.
4 - وفي خبر كعب بن زهير في جمهرة أشعار العرب:
"وعن الشعبي قال: لما بلغ رسول الله، ، أن كعب بن زهير بن أبي سلمى هجاه ونال منه، (أهدر) دمه، فكتب إليه أخوه بجير بن زهير، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، يعلمه أن النبي، ، قد قتل بالمدينة كعب بن الأشرف، وكان قد شبب بأم الفضل بن العباس وأم حكيم بنت عبد المطلب، فملا بلغه كتاب أخيه ضاقت به الأرض ولم يدر فيما النجاة، فأتى أبا بكر، ، فاستجاره، فقال: أكره أن أجير على رسول الله، ، وقد أهدر دمك ...".
والخبر مشهور، وترى هنا أيضا أن إهدر دمه كان قبل قتله.
وغير هذا.
وأما الطلّ فإني رأيت أكثر استعمالهم أن يكون بعد الجناية، أو بعد القتل، فمن ذلك:
1 - أنشد في الأشباه والنظائر:
إذا قَتَلوا طُلَّتْ دماءٌ (قَتيلهم) وإنْ قُتِلوا لم يقشَعِرُّوا من القتلِ
فأخبر أن قتيلهم الذي يقتلونه يُطَلّ دمُه، أي بعد قتله، لا أنهم يقولون للناس قد أهدرنا دم فلان قبل أن يقتلوه، بل المقصود أنهم يقتلونه ثم يذهب دمُه باطلا بعد قتله، والبيت واضح الدلالة على هذا.
2 - وقال الحماسي:
وما مات منا ميّتٌ حتف أنفه ولا طُلّ منا حيث كان (قتيلُ)
فقوله (قتيل) معناه أنه قد قُتِل، فيقول من قُتِل منا لم يذهب دمُه بعد قتله باطلا، بل نثأر به.
3 - وقال الحماسي أيضًا وهو كعب بن زهير:
لقد ولى أليته جُوَيٌّ معاشرَ غيرَ مطلولٍ أخوها
وخبر هذه الأبيات أن الخزرج قتلت جُوَيًّا المزني هذا، ثم ثأرت به مزينة، ثم قال كعب هذه الأبيات بعد إدراك الثأر، فأراد أن من قُتِل من مزينة كما قُتِل جُوَيٌّ هذا لا يذهب دمُه باطلًا بعد قتله، بل يدركون ثأره، ولم يُرِد أنه لا يُهدِر دماءهم أحدٌ كسلطان ونحوه بأن يقول: أهدرتُ دمَ فلانٍ المزني فمن لَقِيَه فليقتله، لم يُرد كعبٌ هذا.
4 - قال ابن عنقاء الفزاري:
كلا الفريقين أغنى قتل صاحبه هذا القتيلُ (بـمَيْتٍ) غَير مَطلول
يقول: هذا الذي قُتل اليوم إنما قُتل ثأرا بميتٍ غير مطلول قد قُتل من قبل، فالذي وصفه بأنه غير مطلول هو ميتٌ قد قُتل من قبل، فمعناه أن المطلول هو الميت المقتول الذي لا يُدرَك ثأره بعد قتله.
وغير هذا، فقد تبيّن أن ما ذكرتموه من أن المعهود في كلام العرب هو أن الطلّ يكون قبل القتل هو عكس للواقع، بل المعهود في كلامهم أن يكون بعد القتل.
وسأعود إن شاء الله إلى باقي كلامكم.
ودمتم بخير حال.
منازعة مع اقتباس