ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة النحو والتصريف وأصولهما
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 24-12-2015, 05:28 PM
خبيب بن عبدالقادر واضح خبيب بن عبدالقادر واضح غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2012
التخصص : طلب العلم
النوع : ذكر
المشاركات: 274
شكرَ لغيره: 442
شُكِرَ له 669 مرة في 231 حديث
افتراضي ماذا بعد الآجرّوميّة؟ وفنون في ذلك

بسم الله الرّحمٰن الرّحيم


استرشدتَّ - أخي الفاضلَ! - إلىٰ كتابٍ ينفعُك في صناعةِ العربيّةِ، بعد أن ألممتَ بـ"التّحفة السّنيّة"، واحتويتَ على "المقدّمة الآجرّوميّة"، فدُللتَ علىٰ "خلاصةِ النّحو"، وأن يُمهَّد لها بشيءٍ مِن تقييدِ المعاصرين.

فلم يَكفِك ذٰلك، حتّىٰ رُحتَ ترجو أخاك العاطلَ، وتطلبُه سرًّا وجهرًا، وأسرَرْتُ لك بأنّ هٰذا شيءٌ مِن شأنِ النّاسِ أن لا تستتبَّ فيه آراؤُهم، والصّمتُ خيرٌ لي، وربّما وجدنا مِن الإخوةِ مَن يفيدُ بخيرٍ ممّا نروم، ولم ينفعْك كلُّ ذٰلك عذرًا. ولا أملك لك إلّا الإجابةَ، وهاهو ما اتّفق علنًا كما سألتَ عنه علنًا. وأسأل الله السّداد لي ولك.

أوّلُ هٰذا الأمرِ أنّ يمشيَ الإنسانُ علىٰ ما سلكه مَن مضىٰ، وما عليه درسُ العلمِ في بلادِه، فيكونَ متّبعًا، قافيًا للأثرِ، لا راكبًا كلَّ محدَثٍ وجديدٍ. فإنّ الأمرَ كلَّما كان آثَرَ: كان أفضلَ.

وكان الدّرسُ عندنا في المغربِ قديمًا يُبدأُ بكتابِ "الجمل" لأبي القاسمِ الزّجّاجيّ (ت: 337) ، حتّىٰ يُصارَ إلىٰ "كتاب" سيبويه ، إمام النّحوِ، و"الجمل" كتابٌ ميسَّرٌ، غزيرُ المثُل، وكان مِن الكتب المباركة، لم يشتغل به أحدٌ إلّا انتفع، وكثُرتْ الشّروحُ عليه مِن أجلِ ذٰلك.
ووضَع أبو بكرٍ الزُّبيديُّ (ت: 379) كتابَه "الواضح"، وهو كتابٌ سهلٌ، يُغري ناظرَه، وفيه مِن علمِ النّحوِ والتّصريفِ أصولُه ولبابُه، مع حسنِ انتقالٍ، وحسنِ تصرُّفٍ، وخلَطه بمصطلحاتِ الكوفيّين. والزُّبَيديُّ معروفٌ بنفاذِه في علمِ اللّغةِ والعربيّة والشّعر، وإمامتِه في ذٰلك، وقربِ عبارتِه، . وكان يُشيدُ بكتابه أبو محمّدِ بنُ حزمٍ (ت: 456) ، ويقول: إنّه يكفي مَن أراد هٰذا العلمَ ليستعينَ به علىٰ فهمِ الكتابِ والسّنّة.
ثمّ وضع النّاسُ بعد ذٰلك كتبًا، كـ"الكرّاسة" للجُزوليِّ (ت: 607)، وغيرِه، إلىٰ أن جاء ابنُ مالكٍ (ت: 672) ، فصار أمرُه كما قيل:
وقلّدتُّ إذ ذاك الهوىٰ لمرادِها كتقليدِ أعلامِ النّحاةِ ابنَ مالكِ
ورحل إلى الشّرق، واشتهر، وكان يصنّفُ الكتابَ لِمَن سأله مِن الطّلبة، فينظرُ فيه، ويملِّسُه، ويُقرئُه، ويشرحُه، ثمّ يكونُ له غيرُه، يزيدُ ويَنقُص، حتّىٰ صارتْ له كتبٌ كثيرةٌ في هٰذا الشّأنِ، تقومُ بها مدرسةٌ وافيةٌ بدرسِ العربيّة، وأشهرُ كتبه: "عمدة الحافظ وعدّة اللّافظ"، وهو للمبتدئين، و"الكافية الشّافية"، وهو نظمٌ للمتقدّمين، وانتهىٰ أمرُه معهم إلى كتابِه "التّسهيل"، وشرَح الثّلاثةَ، غيرَ أنّه لم يقضِ "التّسهيل".
واختصر "الكافيةَ" مبقيًا علىٰ جلِّ المهمّاتِ، وعامّةِ المقاصدِ، وحذَف كثيرًا مِن الْمُثُل والشّواهد، فكانتْ له "الخلاصةُ" المعروفة، وطارتْ في الآفاق، وحلَّتْ بكلِّ نادٍ مِن نوادي العلم، ووقعتْ مِن النّاسِ موقعًا حسَنًا، فانتصَوْها، وأقبلوا عليها، وصارتْ معتمدَهم في الدّرسِ والتّحصيل، فلا يُحصىٰ كم حافظٍ لها، وشارحٍ، ومُشيدٍ بها، وناصح.
وائْـتـثَر ابنَ مالكٍ جماعةٌ مِن العلماءِ بعده، منهم أبو محمّدِ بنُ هشامٍ الأنصاريُّ المصريُّ (ت: 761) ، وكان قد انتهىٰ إليه علمُ العربيّةِ في زمانِه، مع ما أُوتيَه مِن حسنِ البيانِ، وجزالةِ المنطق، وخفّةِ النّفسِ، ولينِ المعشرِ، وتصدَّر لإقراءِ العربيّة، فانتفع به الخلق، ووضَع مقدّمتَه "قطر النّدىٰ وبلّ الصّدىٰ"، ووطّأها بشرحٍ جلّىٰ مواردَها، وأتمّ شواهدَها، وفصّل قواعدَها، وامتطىٰ فيها أن تكونَ سبيلًا إلى علمِ "الخلاصة"، ولم يفصِحْ عن ذٰلك. ووضع قبله "شذور الذّهب"، وحشّىٰ عليه. وكانتْ لبعضِ إخوانِك كلمةٌ في الفرقِ بينهما، لعلّك مطّلعٌ عليها في موضعِها مِن هٰذه الحلْقة.
فصار تعلُّمُ النّحوِ عندنا ينحو مسلكَ ابنِ هشامٍ في "قطرِه"، و"شذورِه"، حتّىٰ يَلِجَ "الخلاصةَ" لابن مالكٍ، علىٰ هٰذا درَج النّاسُ، وعليه تعلَّمْنا، وعليه نسير.
وقبل "الخلاصةِ" أبوابٌ مهمّةٌ، يحسُن علمُها، كأحكامِ الجمل، وأشباه الجملِ، ومعاني بعضِ الحروف، وتصريفِ الأفعال، وما يلاقيها مِن الأسماءِ في الاشتقاقِ، ومقدّمات التّصريفِ في الزّيادة، والإبدال، والإدغام، فيعرفها متفرّقةً في مظانِّها، حتّىٰ إذا بلَغ "الخلاصةَ" كان مستعدًّا لحَيِّ كلِّ ذٰلك في قالَبٍ واحدٍ هو "الخلاصة". ومِن أحسنِ الكتبِ الّتي تضمَنُ ذٰلك بعد "القطرِ" و"الشّذورِ": "قواعدُ الإعراب" لابن هشامٍ، و"لاميّة الأفعال" لابن مالكٍ، و"التّصريف الملوكيّ" لابن جنّي، أو إن شاء كتابًا لِمَن تأخّر فـ"نزهة الطّرف" للميدانيّ، أو "نزهة الطّرف" لابن هشام.
والعادةُ الجاريةُ: أن تُقرأَ "اللّاميّة"، وقد يُقرأُ "قواعد الإعراب"، وعلى "اللّاميّة" احمرارٌ لبعضِ الشّنقيطيّة، و"توشيحٌ" يجمع الاحمرارَ وغيرَه، لِكاتبِ هٰذه الكلمةِ، بلغ بها خمسةً وستّين ومئتيْ بيتٍ، وقد قرأنا "اللّاميّة" مفردةً وبالزّيادات، وقرأنا "نظم المجراديّ"؛ وهو تلخيصٌ لـ"قواعد الإعراب"، وتعاورْنا "قواعدَ الإعرابِ" مع الزّملاء.

وفي "الخلاصةِ" مِن لطائفِ الإشاراتِ، ومجامعِ المهمّات، وحسنِ التّعليلِ والتّرتيبِ ما يرفعُها عن مقامِ المبتدئين، ويبوِّئها تلك المكانةَ الّتي حَدَتْ أبا حيّان (ت: 745) أن يقولَ فيها:

ألفٌ نَظِيمٌ للخلاصةِ أم دُرُّ أتلك معانٍ تحت ذا النّظمِ أم سحرُ
فما عرَف الأقوامُ مقدارَ فضلِها ولٰكن! ثناهم أنّ مسلكَها وَعْرُ
كما يتركُ الحسناءَ مَن باتَ مغرمًا بها مستهامًا ليس يمكنه الْمَهرُ
أتيتَ بلفظٍ باذخٍ يا ابنَ مالكٍ فأنت به حيٌّ وإن ضمَّك القبْرُ
وقد حرَص الشّاطبيُّ (ت: 790) علىٰ تحقيقِها وتجليتها وامتثالها في شرحِه العظيمِ الكبيرِ، وبيّن فيه غيرَ مرّةٍ أنّ "الخلاصةَ" لم تُوضَعْ لمبتدئٍ أجنبيٍّ عن هٰذا العلمِ؛ لأنّها تعتمدُ مسالكَ مِن الاستدلالِ خفيّةً، لا يدركها المبتدئ، وفيها ضربٌ مِن التّعليلِ، والاستقراءِ، والبحثِ، وقد سلك فيها مسلكَ الاجتهادِ في التّحصيلِ، والمبتدئُ لا يُكلَّف بذٰلك، ولا يقدرُ عليه، وإنّما يقومُ له مَن شدا مِن العربيّةِ طَرَفًا صالحًا، وأراد التّبلُّغَ، فإن قيل للمبتدئ - وما أكثر ما يقال -: اعن بالألفيّة = فذٰلك مضيعةٌ له، وقطعٌ لسبيلِه.
ومَن درَس "الجرّوميّةَ" فليس بمؤهَّلٍ لينظر في "الخلاصةِ" باستقلالٍ؛ فبينهما مِن المفاوزِ ما بينهما، وإنّما يَبْتغي إليها وسيلةً، ويستشفعُ بذرائعَ بين بين، وتلك هي "القطرُ" وما في فلكه. و"القطرُ" أحسنُ أن يبدأَ به؛ لأنّه مختصرُ العبارة، وافٍ بالمقصود، وهو يبني علىٰ ما عرَف، ويزيدُه شيئًا لا يعرفُه، وهٰكذا شيئًا فشيئًا.
ولقد سمعنا مَن يقولُ: ينبغي أن يُنتقل مِن "الجرّوميّة" إلى "الألفيّة"، لا يُخلَّل بينهما بشيءٍ، وهٰذا قولٌ ينبغي أن لا يُؤخَذ إلّا بثَبَتٍ، وأن يُنظرَ فيه، لعلّه خَلْفٌ مِن الرّأيِ، وسوءٌ في التّقديرِ، وذٰلك أنّ الجرُّوميَّ لن يقومَ بـ"الألفيّةِ" مِن مَرَّتِه، ولن يستطيعَ! إلّا أن يدرُسَها نحوًا مِن خمسِ مرّاتٍ، ويكونَ في ذٰلك مِن التّطويلِ أضعافُ أضعافِ ما يقرؤها بعد أن يتأهَّل! اللّٰهمّ إلّا امرأً عنده استعدادٌ خاصٌّ، وأُلهِم مِن التّوفيقِ ما لا يَخرِم السُّنّةَ الجاريةَ في الكونِ؛ فإنّ النّسبةَ بين "الجرّوميّة" و"الخلاصةِ" كما بين الرّضيعِ فطَمَه أهلُه، يرادُ له أن يتجاوزَ مرحلةَ الصِّبا، والفُتوَّةِ، واللّعِب، واللّهوِ، حتّىٰ يكونَ مِن يومِه متماسكًا، في الجِدِّ والقِراع، حصيفَ الرّأيِ، منتهيَ القوّةِ، مُنبعِثَ العزيمةِ؛ ليؤُمَّ في حوالِك الظّروفِ، ومواقعِ الخطَر!!! فالخروجُ منه إليه هو كهٰذا! وأنت تعالجُ النّاسَ، وتلحظُ وترىٰ.
ومرادُهم أنّ علمَ العربيّةِ ليس مقصودًا لذاتِه، فينبغي التّخفُّف منه، والاكتفاءُ بقدَرِ الحاجةِ، وأن يكونَ كالملحِ في الطّعامِ. وهٰذا مرادٌ صحيحٌ، لا ينكرُه أحدٌ. والشّأنُ ليس فيه، ويُعجِبُني قولُ الشّيخِ حسنِ بن عبد الرّازقِ في "ألفيّتِه" في علمِ البيان، الموسومة بـ"لآلئ التّبيان":
فقولُهمْ: ﭐلنَّحْوُ في الكلامِ مطَّلَبٌ كالمِلحِ في الطَّعامِ
ما وجهُهُ كونَ القليلِ مصلِحَا لٰكنّه - إن كنتَ ممّن نقَّحا -
هو الصّلاحُ إنْ غدا مستعمَلا أو الفسادُ إن توارىٰ مهمَلا
وبعضُهم تُسوِّلُ له نفسُه أن يصيحَ في الأمّةِ بأنّ "الجرُّوميّة" - مثلًا - تكفي!! عجبًا له!! مَن أقنَعتْه "الجَرُّوميَّةُ" فأجنبيٌّ مِن الشّريعةِ، وهو في حضيضٍ، وسوف يكونُ «مقلِّدًا» في ما ينتحلُ مِن معاني العلمِ ومَوالجِه، لا محالةَ في ذٰلك، وعليك بعد ذٰلك مِن الاضطرابِ والخللِ!
فعجبٌ للنّاسِ! كم يستهويهم كلُّ طارفٍ، وكم يجدون اللّذّة في كلِّ جديدٍ! وكم يَوَدُّونَ لو يُميتون ما عَلِموا وعرَفوا لِمَا جهِلوا وأنكَروا، ولم يكن عليه آباؤُهم المحسنون! أوَليس يرون ما حاق بمَن قصَّر في التّقدير، وغلِط في التّصرُّف؟ ألا يتّعظون؟ ألا يَرْعَوُون؟!
أم هي عجلةٌ تحملُ النّاسَ على التّخفُّف مِن العلمِ بأقلِّ القليل، ثمّ يصير الواحدُ إلى الوظيفة، أو غيرِ ذٰلك، وينالُ الأوسمةَ والألقابَ!!
والسّلفُ رحمهم الله ما كانوا هٰكذا، كان العلمُ عندهم شغلَ العمر، لا يصرفهم عنه شيءٌ، ولا يتلهَّون بنوعٍ منه عن نوعٍ، حتّىٰ لَيكونُ الواحدُ منهم كوزنِ الأمّةِ منّا، بل يَزِنُها ولا تَزِنُه!
والعاقل ليس له أن يقول: إنّه لا بدَّ لكلِّ طالبِ علمٍ أن يتعلَّم كيتَ وكيتَ، ولا يقرأَ كيتَ وكيتَ، مِن الكتبِ، ولا العلومِ، فكلُّ أحدٍ فموكولٌ إلىٰ ما بلغه، وفضلُ الله واسعٌ، ولٰكن! هٰذه منافذُ الشّريعة، فمَن رامَ الشّريعةَ مِن غيرِ منافذِها وأبوابها؛ فقد رام عَجْزًا! وقد أتاه مِن الفساد في نفسِه ودينِه وأمّتِه وهو يظنُّ أنّه يُصلْح!
وكلامُ النّاسِ في هٰذا النّحوِ كثيرٌ، وحسبُنا ما سطَر الشّاطبيُّ في "الموافقات"، دَلالةً عليه، وتصحيحًا له.
وكثيرٌ مِن المعاصرين يرومون التّسهيل، ويأتون منه بالغرَض، ولٰكنَّ التّسهيلَ لا ينفي الخللَ، ولا يوجبُ الرَّشَدَ، وإذا صار التّسهيلُ القصدَ في العلمِ فهو علىٰ حسَب الإتقانِ، ضربةَ لازبٍ، فيفوتُ المستسْهِلَ مِن ضبطِ أصولِ العلمِ، وحيازةِ مهمّاتِه، وتحصيلِ ملكتِه ما لا يخفىٰ.
وكلَّما كان الإنسانُ آثَرَ لكلامِ المتقدِّمين، وأشدَّ اعتناءً به: كان خيرًا له وبركةً، ولا تسَلْ عن متانَةِ العلمِ، وقُصُوِّ الاضطرابِ. وهٰذا شأنٌ مطّردٌ لا يتخلَّفُ بحالٍ، فكلُّ خيرٍ فالمتقدِّمون أقدرُ عليه، وأملَكُ له، وأولىٰ به، وأقوَم، وهم منابعُ العلمِ النّقيّة، وغيثُه الْمُغيث، وإلىٰ أمرِهم يُرجَع في كلِّ شأنٍ، وما كان أحسنَ المثالَ الّذي ضرَبه ابنُ مالكٍ في "الخلاصةِ" حيثُ يقول:
وقد تُزادُ «كان» في حشوٍ، كـ(ما كانَ أصحَّ علمَ مَن تقدَّما)
وإذا كان هٰذا، فعلامَ يحرِمُ الإنسانُ نفسَه؟!
وكتُبُ المتقدِّمين ليستْ بصعبةِ المنال، ولا عسِرةِ البناء! بل هي: أسهلُ، وأقربُ، وأعذبُ مِن كتبِ المعاصرين، وأصحُّ لغةً، وأدنىٰ تمثيلًا، وأغزرُ علمًا، فقد كانوا يكتبون ليَهْدُوا، غير أنّهم ما كانوا يعتمدونَ التّلوينَ! والزّخرفةَ!! ولا يَشغَلون النّاسَ عن اللّبابِ بالقشور! وإنّي لَأقرأُ للزّجّاجِ - مثلًا - فلا أكادُ أشبعُ ممّا يقولُ، كلامُه كلُّه علمٌ، يتدفَّقُ تدفُّقًا، وأقرأُ لابنِ جنّي ولابن يعيشَ فلا يقطعني إلّا العارضُ الْمُلزِم، وواقع الحال!
وإذا كان بالإنسانِ جِدَّةٌ وقُرْبُ عهدٍ فلا بأسَ أن يستعينَ بمَن دنا: ليهدِيَه إلىٰ أولئك، بل هٰذا فرْضُه، فإن استقامتْ له السّبيلُ، واتّضحتْ له المحجَّةُ: سلَكها ومضىٰ ما شاء الله له! وإن لا فليس إلّا تطويلٌ للطّريق، وبعدٌ للشّقّة، مع الضّحالة والقلّة.
هٰذه نفثةٌ.

والمقصودُ أنّ الّذي يُشار به علىٰ مَن درَس "الآجرّوميّة" هو أن يدرُس "القطر"، ويأخذُه أخذًا رفيقًا، علىٰ سُنّةِ أخذِ العلم، ثمّ هو يتقلَّبُ في تلك السّلسلةِ، حتّىٰ يُنهِيَ "الألفيّة"، وحينئذٍ يكونُ قد دخل بابَ العلمِ حقًّا، وصار إلىٰ "الكتاب"، و"المقتضب"، و"الأصول"، و"شرح المنصف"، و"شرح المفصَّل"، و"التّذييل والتّكميل"، وما إليها. وهٰذا قولٌ يقال، والأصلُ أنّ طالبَ العلمِ يتتبَّع مِن الشّيوخِ مَن يُعينُه علىٰ ما هو فيه، ويسدِّده، والشّيخُ هو أعلمُ بما يصلح. وأمّا رومُ العلمِ دونَ شيخٍ ينيرُ السّبيلَ فمرتقًى صعبٌ وشيءٌ ثقيل:
مَن لم يشافهْ عالِمًا بأصولِه فيقينُه في المشكلاتِ ظنونُ
والكتْبُ تذكرةٌ لِمَنْ هو عالمٌ وصوابُها بمحالِها معجونُ
وربّما لم يجد الإنسانُ في مُبتدإِ أمرِه مَن يرحمُه، ويأخذُ بيدِه، فعليْه بالصّبرِ، والبحثِ، ويتّقِيَ الله، ويَصدُقَه، ومَن يتَّقِ الله يجعل له مخرجًا ويرْزُقْه مِن حيْثُ لا يحتسِب.

ولا أَعِيبُ "القطرَ" بشيءٍ، غير أنّي كنتُ أتمنّىٰ لو ألَـمَّ بأربعةِ أبوابٍ مِن علم العربيّةِ؛ ليكونَ أتمَّ غايةً، وأبلغَ نفعًا، بابٍ في النّحوِ، وهو القَسَمُ، وثلاثةٍ مِن صميمِ علمِ التّصريفِ: النّسَب، والتّصغير، والتّكسير. فلو جوَّد عليهنّ كلامًا مختصرًا لكان ما كان!!

وإنّما ودِدتُّ لو كان لها في "القطرِ" موضعٌ: لِيسْبِق علمُها إلىٰ قلبِ طالبِ العلمِ؛ وذٰلك لكثرةِ الحاجةِ إليها، وكثرةِ دوَرانها في الكلامِ، وكثرةِ الغلَط العارضِ فيها، فكان ينبغي أن يتزوَّد الطّالبُ بنبذةٍ منها، يستعينُ بها في منطِقه، ويثبِّتُ علمَها في صدرِه. ثمّ هي في "الخلاصةِ" متراميةُ الأطرافِ، واسعةُ التّفصيلِ، طويلةُ الذّيل، وكذٰلك ينبغي أن تكونَ، وقد سقَط القسَمُ مِن "الخلاصةِ" رأسًا، وأبوابٌ أخر.
نعم! ولا ينبغي أن يهجُم الشّيءُ على الإنسانِ دفعةً واحدةً، فتَعِيَه أذُنه أوّلَ مرّةٍ، ويعلمَه قلبُه علمًا تامًّا، وقد كان به قبل ذٰلك جاهلًا جهلًا محضًا، وما مراتبُ التّعليمِ ودرجاتُه إلّا لنفيِ هٰذا، فهٰذا إن كان فاتت الفائدةُ المرجوّة أو كادتْ.
ولا يُعترَض عليَّ بأنّ هٰذه المسائلَ مِن علمِ التّصريفِ، و"القطرُ" في النّحوِ خاصّةً؛ لأنّ لي مِن المعنىٰ ومِن التّصرُّفِ ما يدفعُه:
وأوّلُ ذٰلك: أنّ التّمييزَ بين العلمين شيءٌ متأخّر، ولم يكن يُعنىٰ به.
والثّاني: أنّ أبا محمّدٍ الحريريَّ (ت: 516) تعرَّض لبعضِ تلك المسائلِ في "ملحة الإعراب"، وهي دونَ "القطر" في القوّةِ والغزارة، وفي تعرُّضِه مِن التّنبيه علىٰ شأن البالةِ بها.
والثّالثُ: أنّ "القطر" لم يَخْلُصْ للنّحو خُلُوصًا، بل فيه مِن علم التّصريفِ لَمْحَةٌ، كافتتاحِ المضارعِ بحروفِ المضارعة، وضبطِ حركتها، وضبطِ صيغةِ الفعل المبنيِّ لغيرِ الفاعلِ، والوقفِ علىٰ بعضِ الكلِمِ، بل وفيه تعرُّضٌ لعلمِ الإملاء، في آخرِه، وهٰذه المسائلُ أَوْلىٰ ممّا ذُكِر؛ لأنّ تلك في التّصريفِ جادّةٌ، فإن كان ذكرُها في النّحوِ لعمومِ الحاجةِ بها = فالمسائلُ الّتي نعنيها كذٰلك.
والرّابع: أنّ هٰذه المسائلَ لها بالنّحوِ تعلُّقٌ، فالمنسوبُ في قوّةِ الاسمِ المشتقِّ، فهو يجري صفةً وحالًا وخبرًا، والمصغَّرُ في قوّةِ الموصوفِ، والتّكسيرُ يحتاجُ إليه في العددِ وغيرِه.
وممّا يبيّن هٰذا التّعلُّقَ أنّ بعضَ كتبِ التّصريفِ الخالصةِ: أُغْفلتْ منها؛ فإنّما أُغفِلتْ منها لأنّها ألصقُ بالنّحوِ! وها هو "التّصريف الملوكيّ" لابن جنّي (ت: 392) شاهدٌ علىٰ ذٰلك، و"إيجازُ التّعريفِ" لابنِ مالكٍ، و"البسطُ والتّعريف" للمكُّوديِّ نظمًا (ت: 807)، رحمهم الله.
والخامس: أنّ ابنَ مالكٍ أعقب في "الخلاصةِ" مسائلَ النّحوِ هٰذه الأبوابَ خاصّةً، فذكر التّأنيثَ، والممدودَ والمقصورَ، وتثنيتهما وجمعَهما، وجمع التّكسير، والتّصغيرَ والنَّسَب، ثمّ جاء إلى التّصريفِ بعد ذٰلك، وفي ترتيبِه وتقديمِه إشارةٌ إلىٰ موضعِ الحاجة.
وابنُ هشامٍ - واللهِ! - معذورٌ؛ لأنّه ورضي عنه كان عُني بمسألتي (المصغَّر، والمنسوب)، فأدرجهما في ما لخّصه مِن بحثِ التّصريفِ، مقدِّمتِه "نزهة الطّرف"()، فصارت تصانيفُه متكاملةً، يرشدُ بعضُها إلىٰ بعضٍ، ويعينُ بعضٌ بعضًا، ولٰكنّ "نزهةَ الطّرفِ" له لم تُعتمَدْ في الدّرسِ - في ما أعرف -، فبقيتْ تلك الأبوابُ معلَّقةً، يجدُ الدّارسُ فيها عنَتًا. ودرسُ التّصريفِ قبل ذٰلك يشكو نقصًا كبيرًا، وقلّةَ احتفالٍ، منذ القديم.

هٰذا الّذي وجدتُّ لك، وأقولُه وأسعىٰ إليه؛ لأنّ معرفةَ مراتبِ الكتبِ ومنازلِ النّاسِ: ممّا يعينُ على التّحصيلِ، ويقوِّي الرّغبةَ، ويضع القدمَ على الطّريق.

وأنا - في ما أذكرُ لك هٰهنا - في ذيل الرّكب، وآخرِ المسيرِ - وحقًّا أقولُ -، وما كان ينبغي أن يُعبأَ بمَن هٰذه حالُه أو يُلتفَتَ إليه، وما كنتُ أرجو يومًا أن أتقلَّد هٰذا المنصبَ، أو أصيرَ في حِماه! ولٰكن! هي الدُّنيا!!

وكنت رسمتَ في سؤالِك ما يُنصح به لِمَن حفِظ شيئًا مِن متونِ العلمِ، وتركتُ الكلامَ في ذٰلك خشيةً مِن الطّول، وقد أُجبتَ فيه؛ فخذ الكتابَ بقوّة، ومجمل ذٰلك في ما قال الشّنقيطيُّ:

كتْبٌ إجازةٌ وحفظُ الرّسْمِ قراءةٌ تدريسٌ ﭐخْذُ العلمِ
ومَن يقدِّمْ رتبةً على المحَلْ مِن ذي المراتبِ المرامَ لم يَنْلْ
وقد قام في هٰذا الموضعِ مِن الحِلَقِ؛ مِن أسواقِ الكتبِ، ومراتبِ المصنّفين: ما فيه كلُّ عِلْقٍ نفيسٍ، وما يغادرُ كلَّ لُعَاعةٍ أو لُفاظةٍ، فأنت تَتَبَّعُ ما ينفعُك إن شاء الله.
والله أعلم.

والسّلام.


خبيب عفا الله عنه، أصيلَ الخميس لثلاثَ عشْرةَ مضتْ مِن شهرِ ربيعٍ الأنور، سنة 1437.



ـــــــــــــــــــــــــــــــ
() أودُّ أن أنوِّه بشأنِ "نزهةِ الطّرفِ"؛ لتكونَ ممّا يستعملُه طالبُ العلمِ، وهي عندي مخطوطةً، ولا أعلم هل طبعت؟ وكنتُ نويتُ نيَّةً أن أكتبَها هٰهنا، شيئًا بعد شيءٍ، ونتعاونُ علىٰ ضبطِها، ولعلّ اللهَ ينفعُ بها، ولٰكن! عندي مِن الشّغل ما هو أولىٰ، وما زلتُ أرجو ذٰلك، وعسىٰ أن يتيسّر قريبًا!
منازعة مع اقتباس
  #2  
قديم 24-12-2015, 11:29 PM
حسان عيسى حسان عيسى غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Nov 2015
التخصص : طبيب أسنان
النوع : ذكر
المشاركات: 44
شكرَ لغيره: 27
شُكِرَ له 28 مرة في 21 حديث
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل؛ فقد أحسنت وأجدت وقدمت من المعلومات ما لم أكن به من قبل على دراية ، فرزقنا وإياك النية الخالصة والعمل الصالح، وأنا بإذن الله آخذ بالنصيحة سائلك فيما أشكل علي ؛لأَنِّي قد رأيت فيك معلما ناصحا، فأرجو أن ترفق بأخيك حتى يصل إلى المبتغى ، والله المستعان وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
منازعة مع اقتباس
الجليس الذي شكرَ لـ ( حسان عيسى ) هذه المشاركةَ :
  #3  
قديم 25-12-2015, 12:47 AM
أبو صهيب الجزائري أبو صهيب الجزائري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jan 2012
التخصص : علوم شرعية
النوع : ذكر
المشاركات: 21
شكرَ لغيره: 7
شُكِرَ له 38 مرة في 15 حديث
افتراضي

جزاك الله خيرا يا خبيب وأحلف بالله غير حانث إن كثيرا ممن يشار إليهم بالبنان ورفعتهم وسائل الإعلام وثتنى عندهم الركب والأقدام ما يقاربون ما سطرت ولا يحاومون على ما أصلت لله درك أخي وأبقاك عالما صالحا
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( أبو صهيب الجزائري ) هذه المشاركةَ :
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
الأدب الجاهلي .. قضايا وفنون ونصوص - حسني عبد الجليل يوسف ( بي دي إف ) أبو شامة المغربي مكتبة أهل اللغة 0 20-06-2013 07:37 PM
ماذا بعد رمضان أم محمد حلقة العلوم الشرعية 2 10-09-2011 03:53 PM
المعجم المفصل في علم العروض والقافية وفنون الشعر - إميل بديع يعقوب ( بي دي إف ) عائشة مكتبة أهل اللغة 0 30-04-2011 02:11 PM
ماذا دهى الناس؟! أبو طعيمة حلقة الأدب والأخبار 0 28-01-2009 04:26 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 08:34 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ