ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة الأدب والأخبار
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #91  
قديم 28-02-2017, 01:21 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,533
شكرَ لغيره: 5,861
شُكِرَ له 4,517 مرة في 1,438 حديث
افتراضي

العرب تشبه الأصوات الكثيرة المختلطة بلَغَط القطا وجَلَبتها ووَغاها، قال الطِّرِمّاح يصف جيشا:
في كُلِّ أَرعَنَ ذي بَوارِقَ بِالعَشِيِّ وَذي هَواطِل
مُتَجَدِّدِ الآثارِ ذي لَجَبٍ كَثيرِ وَحى الصَواهِل
كَوَغى القَطا ما يَستَبينُ بِهِ المُحَدِّثُ قيلَ قائِل
وقال الفرزدق يصف جيشا:
سَمَونا لِنَجران اليَماني وَأَهلِهِ وَنَجرانُ أَرضٌ لَم تُدَيَّث مَقاوِلُه
بِمُختَلِفِ الأَصواتِ تَسمَعُ وَسطَهُ كَرِزِّ القَطا لا يَفقَهُ الصَوتَ قائِلُه
وقال عديُّ بن الرِّقاع العاملي:
يَهُزُّون كلَّ طويلِ القناةِ مُعتدلِ النَّصلِ والثعلبِ
كَأَنَّ وَغاهُم إِذا ما غَدَوا ضَجيجُ قَطا بَلَدٍ مُخصِبِ
وربما عكسوا التشبيه فشبهوا أصوات القطا بلَغَط الناس ووَغاهم، قال الشنفرى يصف القَطا:
كأن وَغَاها حَـجرَتَيه وحولَه أَضاميمُ من سَفْر القبائل نُزَّلُ
وقال الفرزدق:
كَأَنَّ حَديثَ الدارِجاتِ مِنَ القَطا تَراطُنُ أَنباطٍ تَلاقَت ورُومُها
فإن كنتَ لم تسمع صوتَ القَطا الذي يصفونه فاسمعه في هذا المقطع وانظر كيف يُشبِهُ جَلَبَةَ القوم إذا كثر لَغَطُهم وتداخلت أصواتُهم وكيف يُشبِهُ صوتَ الجيش إذا اختلطت فيه أصواتُ الناس بأصواتِ الخيل والإبل، دونك المقطع:
https://safeshare.tv/submit?url=http...%3D9W8BjA7KfK8
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
وأنت لا تستبين في لَغَطها هذا صوتَها الذي يحكي اسمها، أعني الذي كأنها تقول فيه: قَطا، وقد أكثرت العرب من ذكره، ولذلك ضربت بها العرب المثل فقالت: (أَصدَقُ من قطاة) و(أَنسَبُ من قطاة)، قال الميداني: "لأن لها صوتًا واحدًا لا تغيره، وصوتها حكاية لاسمها، تقول قطا قطا، ولذلك تسميها العرب الصدوق. وكذلك قولهم: أنسب من قطاة، لأنها إذا صوّتت عُرفت. قال أبو وجزة السعدي:
ما زلن ينسبن وهنا كل صادقة باتت تباشر عُرمًا غير أزواج
قلتُ: قوله (ما زلن) يعني الأتن التي وردت الماء، (ينسبن): جعل الفعل لهن لأنهن أثرن القطا عن أماكنها حتى قالت قطا قطا، فلما كنّ سبب النسبة جعل الفعل لهن كقوله : كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما. لما كان إبليس سبب النزع جعل النزع له نفسه، ونصب وهنا على الظرف، والجملة بعد قوله كل صادقة صفة لها. والعُرْم، جمع الأعرم، وهو الذي فيه بياض وسواد أي باتت القطا تباشر بيضات عُرمًا، وكذلك يكون بيض القطا، وجعل البيض غير أزواج لأن بيض القطا يكون أفراداً ثلاثاً أو خمسًا".
وقد شرحنا بيت أبي وجزة في هذا الحديث مع صورة بيض القطا التي وضعها الأستاذ أبو سهل.
وقال اليوسي: "قيل: وسميت قطا لأنها تقول في صوتها: قطا! قطا! فسميت بحكاية صوتها. ومن ثم قالوا: أصدق من القطا وأنسب من القطا، قال الكميت:
لا تكذبُ القولَ إنْ قالت قطا صدقت إذ كل ذي نسبة لا بُدَّ ينتحل"
وقال القتبي في (الشعر والشعراء): "وفي أمثالهم أصدق من قطاةٍ، قال النابغة:
تَدْعُو القَطَا وبها تُدْعَى إِذَا نُسِبَتْ يا حُسْنَها حِينَ تَدْعُوها فتُنْتَسِبُ
وذلك لأنها تلفظ باسمها، أخذه أبو نواس فقال:
أصدق من قول قطاةٍ قطا".
وقال الجاحظ في (الحيوان): "وفي صدق القطاة يقولُ الشاعر:
وصادقة ما خبَّرت قد بعثتُها طُروقًا وباقي الليل في الأرض مُسْدِفُ
ولو تُركتْ نامتْ ولكن أعشَّها أذى من قِلاص كالحَنيِّ المُعَطَّفِ
...
والقطاة لم تُرد اسمَ نفسها، ولكن الناس سموها بالحروف التي تخرج من فيها، وزادَ في ذلك أنها على أبنيةِ كلام العرب، فجعلوها صادقَةَ ومُخبرة، ومُريدة وقاصدة".
ولعلك لم تسمع ذلك من صوت القطا، فاستمع في المقطع التالي إلى هذه الثواني وتأملها جيدًا وستجد صوتها مشبها جدًّا لاسمها، كأنها تقول: قَطا، استمع إليه جيدًا في هذه الثواني: (28،24،10،8،4)، دونك المقطع:
https://safeshare.tv/submit?url=http...%3D08GrUeTDwjY
منازعة مع اقتباس
  #92  
قديم 28-02-2017, 01:49 PM
عائشة عائشة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jun 2008
السُّكنى في: الإمارات
التخصص : اللّغة العربيّة
النوع : أنثى
المشاركات: 6,664
شكرَ لغيره: 8,524
شُكِرَ له 12,621 مرة في 5,234 حديث
افتراضي

سبحان الله!
شكرَ الله لكَ هذه الفوائدَ الممتعةَ، ونفعَ بعلمِكَ.
ولعلَّ المنازَعةَ الأخيرةَ تصلحُ أن تكونَ في حديثٍ آخَر يُسمّى: (توضيح تشبيهات العرب بالصوت).
وهل من إفادةٍ -إذا أذنتُم- عن قولِ الرّاجز -أنشدَه ابنُ قتيبةَ في "أدب الكاتب"-:
كأنَّ أصــــواتَ القَــطا الـمُنــقَضِّ
باللَّيلِ أصواتُ الحَصَى الـمُنقَزِّ
وشكرَ اللهُ لكم.
منازعة مع اقتباس
  #93  
قديم 06-03-2017, 10:20 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,533
شكرَ لغيره: 5,861
شُكِرَ له 4,517 مرة في 1,438 حديث
افتراضي

أحسن الله إليك ونفع بك.
أما إنشاء حديث خاص بتوضيح التشبيهات بالصوت فسنرى ما يجتمع عندنا منه فإن كان شيئًا مغنيًا فصلناها في حديث وحدها.
وأما البيت الذي سألتم عنه فقال البطليوسي في (الاقتضاب):
"قال أبو علي: هكذا رويتُه عن ابن قتيبة: (المنغصّ) بالغين المعجمة والصاد غير المعجمة وهو من الغصص ومعناه المختنق، ورويتُه عن غير ابن قتيبة: المنقض بالضاد المعجمة والقاف هو الصواب، شبّه صوت انقضاض القطا إذا انقضت بأصوات الحصى إذا قرع بعضها ببعض، والمنقزّ: المتواثب، يقال: قزّ وانقزّ إذا وثب".
وقال الجواليقي في شرح أدب الكاتب:
"والمنقضّ: المنحطّ الذي هوى في طيرانه ليسقط، والمنقزّ: من القزّ وهو الوثب والقفز، ويروى: المنغَصّ والمنفَزّ".
فحاصل كلامهما في الرواية أنه روي:
كأن أصوات القطا المنقضّ
وروي:
كأن أصوات القطا المنغَصّ
وقد حكم أبو علي بأن الأولى هي الصواب وكذلك أراها.
وأما المعنى فالذي عند البطليوسي: "شبّه صوت انقضاض القطا إذا انقضت بأصوات الحصى إذا قُرع بعضها ببعض".
والخلل في هذا الأحمر، فالخلل عنده في تفسير المشبَّه به، وأما تفسير المشبَّه فليس صريحًا فيه الصواب ولا الخطأ.
والذي عند الجواليقي: "والمنقضّ: المنحطّ الذي هوى في طيرانه ليسقط".
والخلل عنده في تفسير المشبَّه، ولم يفسر المشبَّه به.
- فنبدأ بكلام الجواليقي لنصحّح الخطأ في تفسير المشبَّه أولا، فقوله: "المنقض: المنحطّ الذي هوى في طيرانه ليسقط"، معناه الذي أفهمه منه أن الشاعر يشبّه القطا في حال انقضاضها وهويّها قبل أن تصل إلى الأرض وتقع عليها، لأنه قال: "في طيرانه"، وقال: "ليسقط"، فمعناه أن التشبيه لها وهي ما زالت في طيرانها لكنها تنزل وتنحطّ متجهة إلى الأرض.
ولا أرى هذا الذي ذكره صوابًا، بل أرى أن الشاعر أراد تشبيه أصواتها إذا لامست الأرض واصطكت بها ووقعت عليها، وسنبيّن وجه الشبه فيه.
والذي عند البطليوسي: "شبّه صوت انقضاض القطا إذا انقضت"، وهذا لا يتضح فيه هل أراد قبل بلوغها الأرض أو أراد إذا بلغتها، فلذلك قلتُ قبل: وأما تفسيره للمشبَّه فليس صريحًا فيه الصواب ولا الخطأ. ولا أدري هل هو تفسيره أو تفسير أبي علي.
- ثم نثنّي بكلام البطليوسي أو كلام أبي علي الذي يحكيه البطليوسي لنصحّح الخطأ في تفسير المشبَّه به، قال البطليوسي -في تفسير المشبَّه به- أو هو من كلام أبي علي: "بأصوات الحصى إذا قُرع بعضها ببعض"، وهذا أيضًا لا أراه صحيحًا، فإنه شبَّه بأصوات الحصى، نعم، وهذا صريح في البيت، لكنه لم يذكر قرع بعضه ببعض، بل قال: "المنقَزّ"، ومعناه كما ذكر: الواثب أو القافز، فلفظ البيت وهو: "المنقَزّ" لا يدل على ما ذكره، فإنه لا يلزم من انقزاز الحصى ووثبه أن يصطك بعضُه ببعض ويقرعَ بعضُه بعضًا، لكنه يلزم من انقزاز الحصى ووثبه أن يقعَ على الأرض ويصكَّها ويقرعَها فإنه لا يبقى طائرًا في السماء، فالصوت الذي أراده الراجز هو صوت اصطدام هذا الحصى المتواثب بالأرض إذا قرعها، وليس إذا قُرع بعضه ببعض، فهذا ما استبنّاه من اللفظ، وكذلك المعنى يدل على خلاف ما قال، فإن صوت قرع القطا للأرض إذا وقعت عليها لا يشبه صوت قرع الحصى بعضه ببعض وإنما يشبه صوت قرع الحصى للأرض.
وأما الجواليقي فلم يفسّر المشبّه به.
فالراجز أراد أن يشبّه أصوات القطا الكثيرة إذا وقعت على الأرض وصكتها بأرجلها بأصوات الحصى إذا طارت وتقافزت ثم سقطت وصكّت الأرض، والصوتان متشابهان.
وأنت ترى أن الراجز قال: "بالليل"، فهو يصف وقوعها إذا وقعت بالليل لتعرّس وتستريح، وهذا ما شرحناه من قبل في هذا الحديث شرحًا وافيًا.
فإن قيل: ما معنى تقافز الحصى؟ وهل الحصى جنادب أو جداجد لتقفز وتثب؟
- قلنا: لا يكون تقافز الحصى إلا بشيء يحرّكها ويحذف بها، فإنها لا تقفز بذاتها، وهذا الذي يجعلها تقفز وتثب هو الحيوان الذي يعدو على الأرض عدوا شديدا وله جِرم كبير ثقيل، وقد جاء وصف ذلك في شعرهم كثيرًا، فمنه في وصف الخيل قول الطفيل الغنوي:
وَهَصنَ الحصى حتى كأنّ رُضاضَه ذرى بَرَدٍ من وابلٍ مُتَحلِّبِ
وظاهر البيت أنه شبّه ما تكسّر من الحصى بالبَرَد في شكله وحجمه، وهو كذلك ولكن ليس التشبيه مقصورًا عليهما كما يسبق إلى الخاطر، بل شبهه به أيضًا في انقضاضه وصكّه الأرض وفي صوته الذي يحدثه، فلذلك شبهه بالبَرَد دون غيره من الأشياء التي تشبه رضاض الحصى، وما ذاك إلا لأنه أراد في التشبيه الحركةَ التي يكون فيها هذا الرضاض وهو يخرّ إلى الأرض ثم يقرعها كما يفعل البَرَد النازل من السماء ثم أراد أيضًا الصوت الذي يحدث عن ذلك.
ومنه في صفة الإبل قول امرئ القيس:
تُطايِرُ ظِرّانَ الحصى بمناسم صِلابِ العُجى مَلثومُها غيرُ أمعَرا
كأنّ الحصى من خلفها وأمامها إذا نَـجَلَتهُ رِجلُها خَذفُ أعسَرا
وقول الأعشى:
ثم يُضحي من فَورِه ذا هِبابٍ يَستَطيرُ الحصى بِخُفٍّ كثيفِ
وقول الحطيئة:
تُطيرُ الحصى بعُرى الـمَنسِمَين إذا الحاقِفاتُ أَلِفنَ الظِّلالا
وقول الكميت بن معروف:
إذا اختَلَفَت أخفافُهُنَّ بقَفرَةٍ تَراقى الحصى من وَقعِهِنَّ تَراقِيا
ومنه في صفة حمر الوحش قول زهير بن أبي سلمى:
فأجازَها تَنفي سَنابِكُهُ الحصى مُتَحلِّبَ الوَشَلَينِ قارِبَ ضَرغَدِ
وقول كعب ابنه:
تَهادى حَوافِرُهُنَّ الحصى وصُمُّ الصُّخورِ بها يَرتَمينا
ومنه في صفة الثور الوحشي قول عَبْدَة بن الطبيب:
له جَنابانِ من نَقعٍ يُـثَوِّرُهُ فَفَرجُهُ من حصى الـمَعزاءِ مَكلولُ
وهو كثير في الشعر، فإذا طارت الحصى من حوافر الخيل وحمر الوحش ومن أخفاف الإبل والنعام وأظلاف بقر الوحش ثم صكت الأرض متفرقةً مواضعُ وقوعها مختلفةً لحظاتُ سقوطها تقع واحدة ثم تسقط أخرى وثالثة ويتتابع ذلك تتابعًا كثيرًا فإن ذلك يشبه أصوات السرب الكبير من القطا إذا هوى هُويًّا سريعا ثم صكّ الأرض واحدة منه تلو أخرى ويكثر ذلك ويتتابع حتى يقع السرب كله.
وهذا وهذا يشبهان جدًّا صوت الوابل -وهو المطر العظيم القَطر الشديد الوقع- وصوت البَرَد، ولذلك قال طفيل كما أنشدنا:
وَهَصنَ الحصى حتى كأنّ رُضاضَه ذرى بَرَدٍ من وابلٍ مُتَحلِّبِ
ومما يشبه هذه الثلاثة جدًّا أيضًّا صوت قرع الجمرات بالحصى، وهو صوت حصى لكنها ليست حصى قذفتها الحوافر والأخفاف وإنما هي ما يرميه الـحُجّاج على الجمرة، ولذلك قال الشريف الرضي:
يُصيبُكَ بالقَطرِ شَفّانُهُ كما قَرَعَ الجَمرَةَ الحاصِبُ
شبّه وقع قطر المطر بوقع الحصى وصوتها إذا صكّت الجمرة، وهو يشبهه جدًّا.
- وبقي أن نقول: إن الطفيل شبه الرضاض بالبَرَد هكذا بإطلاق ولم يخصّص التشبيه بالصوت، لأنه أراد أن يشمل تشبيهُه جِرمَ الرضاض وشكلَه وسقوطَه وصوتَه، فتلك أربعة أشياء، فإن مقدار جِرم الرضاض مشابه لجِرم البَرَد أو ما يُسمَّى اليوم الحجم، وكذلك شكله، وكذلك سقوطه وخروره، وكذلك صوته. ومثله ما فعله الشريف الرضي فإنه مقاربٌ لهذا فلم يخصّ الصوت بالتشبيه. وأما الراجز الأول فإنه خص الصوت بالتشبيه إذ كانت القطا لا تشبه الحصى في أحجامها ولا في أشكالها، وأما تشبيه الهُوِيّ والـخُرور فإنه مستفاد من تشبيه الصوت فإنه لا يكون صوت للحصى بغير أن تطير وتقع إلى الأرض فتصوّت.
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
  #94  
قديم 07-03-2017, 02:10 PM
عائشة عائشة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jun 2008
السُّكنى في: الإمارات
التخصص : اللّغة العربيّة
النوع : أنثى
المشاركات: 6,664
شكرَ لغيره: 8,524
شُكِرَ له 12,621 مرة في 5,234 حديث
افتراضي

ما شاء الله! جزاكَ الله خيرًا علَى هذا الجوابِ المفصَّلِ النَّافع، وزادكَ علمًا.
ولا أعترِضُ علَى ما ذكرَ أُستاذُنا الأديبُ، فلستُ أهلًا لذلك، ولكنْ أرغبُ في أنْ أعرِضَ عليه ما رأيتُ؛ لأستفيدَ من تصويباتِه، فقد لحظتُ مِنَ المقطعِ الأوَّلِ الَّذي تفضَّلْتَ به شَبَهًا بينَ صوتِ أجنحةِ سِرْبِ القَطا في حالِ اندفاعِه في طيَرانِه وصَوتِ الحَصَى أو البَرَدِ إذا وقَعَ علَى الأرضِ، ولعلَّه المعنَى الَّذي أشارَ إليه الجواليقيُّ. وجاءَ في «لسان العَرَب» (قضض): (وانقَضَّ الطَّائرُ وتَقَضَّضَ وتَقَضَّى علَى التَّحويلِ: اخْتاتَ وهَوَى في طَيَرانه يُريدُ الوُقوعَ، وقيلَ: هو إذا هَوَى مِن طَيَرانِهِ لِيَسْقُطَ علَى شيءٍ) انتهى. وفي معنَى (اختاتَ) جاءَ في «اللِّسانِ» (خوت): (وخاتَتِ العُقابُ والبازيُّ تَخُوتُ خَواتًا وخَواتَةً، وانْخاتَتْ، واخْتاتَتْ: إذا انْقَضَّتْ على الصَّيْدِ لتَأْخُذَه، فسمعتَ لجناحَيْها صَوْتًا. والخائتةُ: العُقابُ الَّتي تَخْتاتُ، وهو صَوْتُ جَناحَيْها إذا انْقَضَّتْ، فَسمِعْتَ صَوْتَ انْقضاضِها وله حَفيفٌ، وسمعت خَواتَها؛ أي: حفيفَها وصَوْتَها) انتهى.
والله أعلمُ.
منازعة مع اقتباس
  #95  
قديم 17-03-2017, 07:12 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,533
شكرَ لغيره: 5,861
شُكِرَ له 4,517 مرة في 1,438 حديث
افتراضي

بارك الله فيكم وزادكم علما وفهما.
قد استمعتُ إلى صوت أجنحة القطا إلى الذي أشرتم إليه فوجدته مشابها جدًّا لصوت وقع الحصى والبَرَد على الأرض كما ذكرتم، وأنا الآن أراه أقرب إلى الصواب مما ذكرتُه من أن المراد صوت وقع أرجلها إذا وقعت على الأرض، فهذا توجيه آخر لما قلتُه في تفسير المشبَّه، وأما المشبَّه به فهو كما ذكرتُ من قبل إن شاء الله.
ما أحسن المدارسة والمباحثة، وكم ينكشف بها من المعاني والغوامض!
جزاكم الله خيرا.
منازعة مع اقتباس
  #96  
قديم 18-03-2017, 11:32 AM
عائشة عائشة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jun 2008
السُّكنى في: الإمارات
التخصص : اللّغة العربيّة
النوع : أنثى
المشاركات: 6,664
شكرَ لغيره: 8,524
شُكِرَ له 12,621 مرة في 5,234 حديث
افتراضي

بارك الله فيكم، ورفعَ قدرَكم، ونفع بكم.
منازعة مع اقتباس
الجليس الذي شكرَ لـ ( عائشة ) هذه المشاركةَ :
  #97  
قديم 23-03-2017, 12:57 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,533
شكرَ لغيره: 5,861
شُكِرَ له 4,517 مرة في 1,438 حديث
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم.
تقول العرب: في كل شجر نار، واستَمجَدَ الـمَرْخُ والعَفَار.
وقال ذو الرمة في صفة القدح بالزند وهي من أبيات المعاني:
وسِقطٍ كَعَينِ الديكِ عاوَرتُ صاحِبي أَباها وَهَيَّأنا لِمَوقِعِها وَكرا
مُشَهَّرَةٍ لا تُمِكنُ الفَحلَ أُمُّها إِذا نَحنُ لَم نُمسِك بِأَطرافِها قَسرا
قَد انتُتِجَت مِن جانِبٍ مِن جُنوبِها عَوانًا وَمِن جَنب إِلى جَنبِها بِكرا
فَلَمّا بَدَت كَفَّنتُها وَهيَ طِفَلةٌ بِطَلساءَ لَم تَكمُل ذِراعًا وَلا شِبرا
وقُلتُ لَهُ ارفَعها إِلَيكَ وَأَحيِها بِروحِكَ واقتَتهُ لَها قِيتَةً قَدرا
وظاهِر لَها مِن يابِسِ الشَّخْتِ واستَعِن عَلَيها الصَّبا واجعَل يَدَيكَ لَها سِترا
فَلَمّا جَرَت في الجَزلِ جَريًا كَأَنَّهُ سَنا الفَجرِ أَحدَثنا لِخالِقِنا شُكرا
وَلَمّا تَنَمَّت تَأَكُلُ الرِّمَّ لَم تَدَع ذَوابِلَ مِمّا يَجمعونَ وَلا خُضرا
أَخوها أُبوها والضَّوَى لا يَضِيرُها وساقُ أَبيها أُمُّها اعتُقِرَت عَقرا
فإذا أردتَّ أن تفهم هذا فراجع شرح هذه الأبيات في شرح ديوان ذي الرمة لأبي نصر الباهلي وهو في مكتبة الملتقى على هذا الرابط:
http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=3118
وتجد بداية الأبيات في الجزء الثالث (ص 1426)، ولولا المشقة لكتبتُ الشرح هنا.
ثم انظر شرحها العملي في هذا المقطع المصور على هذا الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=OPjljFa_rh8
وإن أشكل عليك شيء لم تفهمه فاسأل هنا يجبك الإخوة إن شاء الله.
وبالله التوفيق.
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :
  #98  
قديم 18-04-2018, 11:16 PM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,533
شكرَ لغيره: 5,861
شُكِرَ له 4,517 مرة في 1,438 حديث
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم.
قال ذو الرمة:
خَليلَيَّ عُوجا عَوجَةً ناقَتَيكُما على طَلَلٍ بَينَ القَرينَةِ والحَبْلِ
لِمَيٍّ تَرامَت بِالحَصى فَوقَ مَتنِهِ مَراويدُ يَستَحصِدنَ باقِيَةَ البَقلِ
إِذا هَيَّجَ الهَيفُ الرَّبيعَ تَناوَحَت بِها الـهُوجُ تَحنانَ الـمُـوَلَّهَةِ العُجلِ
بِجَرعائِها مِن سامِرِ الحَيِّ مَلعَبٌ وَآرِيُّ أَفراسٍ كَجُرثومَةِ النَملِ

والمقصود الشطر الأخير من هذه الأبيات، وليس في شرح ديوان ذي الرمّة لهذا الشطر كبير غناء.
فما آريّ الفَرَس وما جُرثومة النمل وما الشبه بينهما؟
أما الآريّ فجاء في اللسان أربعة تفسيرات له:
1،2 - "قال ابنُ السِّكِّيتِ في قَولهم للمَعْلَف آرِيٌّ قال: هذا مِمَّا يَضَعُهُ النَّاسُ في غَير مَوضِعِه، وإِنَّما الآرِيُّ مَحْبِس الدَّابَّة".
فالأول أن الآريَّ هو مَعلَف الدابّة، وقد أنكره ابن السكّيت، وكأنه من كلام العامة في وقتهم.
والثاني أنه محبس الدابّة، وهو شبيه بالصواب لكنه غير مقيّد تقييدًا يكشفه، وسأبيّن ذلك.
3،4 - "وقد تُسَمَّى الآخِيَّة أَيضا آرِيًّا، وهو حَبْلٌ تُشَدُّ به الدَّابَّةُ في مَحْبِسها؛ وأَنشد ابنُ السِّكِّيتِ للمُثَقِّب العَبْدِيِّ يَصِفُ فَرَسًا:
داوَيتُهُ بالـمَحْض حتَّى شَتا يَجْتَذِبُ الآرِيَّ بالمِرْوَدِ
أي مع المِرْوَدِ، وأَرادَ بآرِيِّه الرَّكاسَةَ المدفونةَ تَحتَ الأَرض المُثْبتةَ فِيهَا تُشَدُّ الدابةُ مِن عُرْوَتها البَارِزَةِ فَلا تَقْلَعُها لِثَبَاتِها في الأَرض
".
فالتفسير الثالث أنه الحبل الذي تُشَدّ به الدابّة في محبسها.
والتفسير الرابع أنه الوتدُ أو المرودُ الذي يُدفَن في الأرض ويُغرَس فيها.
فأما في اللغة: فالتفسير الأول -وهو الـمَعلَف- لا أُراه صحيحًا، كما ذكر ابن السكيت.
وأما الثاني فيحتاج إلى ما يكشفه ويجلّيه، وإنما كان محتاجًا إلى ذلك لأن المحبس كلمة عامّة، فلو وضعتَ الفرس في إسطبل كان ذلك محبسًا له، ولكنه ليس آريًّا، وكذلك لو ربطت الفرس بشجرة كان ذلك محبسًا ولا أحسبه يسمّى آريًّا، وإنما الآري محبس خاص، وذلك أن العرب لا تكاد تضع الخيل في غرف وإسطبلات، وكذلك كثير من ديار العرب يقل فيها الشجر فلا يكادون يجدون شجرة يربطون أفراسهم بها، فاتخذوا لذلك هذا المحبس الخاص وهو الآريّ، فيكون حبسُ الفرس أشبه شيء بنصب الخِباء، وذلك أنهم يأخذون وتِدًا فيدقّونه حتى يغيب بعضه في الأرض ثم يربطون حبل الفرس بهذا الوتد كما يُربَط الطُّنب واحد أطناب الخِباء بالوتد، ثم يزيدون شيئا مهما جدًّا في حديثنا هذا، يزيدون شيئا من تراب حول الوتد، وذلك أن الوتد قد يكون قصيرًا فلا يغيب منه في الأرض شيء كثير فيبقى يَنود ويتحرك ويكون غير ثابت فيجمعون حول الجزء الظاهر منه فوق الأرض ترابًا يركمونه عليه ليسنده ويقوّيه، وقد يكون الوتد طويلًا ولكن تكون الأرض صلبة ويشق عليهم دقّه حتى يثبت فيها جدًّا فيغيّبون في الأرض ما تيسّر من الوتد ثم يجمعون حول ظاهره التراب كما ذكرنا، فهذا المحبس للفرس هو الآريّ عند العرب، وكذلك للخباء يسمى هذا آريًّا أيضًا، فلذلك كان التفسير الثاني الذي فسّر الآري بمحبس الخيل محتاجًا إلى ما يقيّده ويوضّحه.
وأما الثالث والرابع فهي صحيحة على طريقة العرب في تسمية الشيء باسم بعضه وتسمية بعضه باسمه، لأن الآريّ الذي شرحناه مشتمل على ثلاثة أشياء:
أ - حبل.
ب - وتد.
ج - تراب يجمع حول الوتد.

فالتفسير الثالث هو الحبل، سُـمّي آريًّا لأنه جزء من الآريّ، والتفسير الرابع هو الوتد سمّي آريًّا أيضًا لأنه جزء منه، لكن الذي في كلامه يُفهَم منه أنه وتد من حديد لما ذكره من العروة التي تكون في رأسه، والغالب عند العرب استعمال وتد من خشب وعيدان، ولم يكن الحديد في زمنهم متيسّرًا تيسّره في زمننا هذا، ومما يدلّك على أن الغالب فيه أن يكون عودًا من خشب شعرُهم، ولا نريد الإطالة بذكره لكن منه قول الكميت بن زيد في صفة الوتد:
ولا شجيجٌ أقام في دمنة المنزل لا ناكحٌ ولا عَزبُ
أشعثُ ذو لمّة تخطأه الدهن غنيًّا وما له نشبُ
قلّده كالوشاح جال على الكاعب من مُنهجاتِه الطُّنُبُ

والشاهد فيه أنه جعله شجيجًا وأشعثَ وذا لمّة، لأن العود إذا ضُرب رأسه ودُقّ ليغيب في الأرض تشجّج أعلاه وشَعِث وصار شعثُه يشبه لمة الإنسان، وليس الحديد كذلك، وكلاهما يسمّى وتدًا سواء أكان من حديد أم كان عودًا.
وأما في بيت ذي الرمة: فالتفسير الأول والثالث والرابع غير مقصودة، فليس الآريُّ في بيت ذي الرمة المعلفَ ولا الحبلَ ولا الوتِدَ، ولا يشبه شيءٌ منها جرثومة النمل، وأما التفسير الثاني فكذلك ليس مرادًا إن كان المحبس إسطبلًا، ولا مرادًا إن كان المحبس شجرة يُربَط بها، بل ليس مرادًا إذا كان الآريُّ هو ما شرحناه أولًا بجملته، بل المراد هو الجزء الثالث فقط من أجزاء الآريّ الذي شرحناه سابقًا، وهو التراب الذي يكون حول الوتد، ولم يفسّر أحدٌ منهم كما رأيت الآريَّ بهذا الجزء، على أن أكثر ما يقع في شعر العرب من ذكر الآري يُرادُ به هذا التراب سواءٌ أكان ذلك في مرابط الخيل أم في أطناب البيوت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
فنعود إلى بيت ذي الرمّة، قال:
بِجَرعائِها مِن سامِرِ الحَيِّ مَلعَبٌ وَآرِيُّ أَفراسٍ كَجُرثومَةِ النَملِ
فتراه قد شبّه آريَّ الفرس بجرثومة النمل، والمراد كما ذكرنا هو التراب وحده فقط دون غيره من التفسيرات السابقة كلها، ويدل على ذلك أمران:
الأول: أن ذا الرمة يصف طللًا كما ترى في البيت الأول من أبياته، فإذا كان كذلك فليس في هذا الطلل فرسٌ ولا حبلٌ ولا وتد، بل هذه أشياء قد أخذها أهلها وذهبوا.
ولا تقل: ألم يذكر الكميت أن الوتد الشجيج أقام في دمنة المنزل بعد أهله، فكيف تزعم هنا أنهم أخذوا وتدهم وذهبوا به؟!
فهذا جوابه: أن الذي يصفه الكميت وتد خباء وليس مرودًا، والمرود الوتد الذي يُربَط به الفرس، ودليل ذلك أنه ذكر في البيت الثالث أن على الوتد بقية من طُنُب بالٍ، والطنب للبيوت ولا يسمى حبلُ الفرس طُنُبا، فدلّ على أنه يصف وتد خباء لا وتد فرس.
وليست الحجة فقط في قول الكميت هذا بل هي في العقل والمنطق، ألا ترى أن القوم إذا كان ارتحالهم بخبائهم مرة أو مرتين في السنة لم يبالوا بترك هذه العيدان التي هي الأوتاد، فما أكثر العيدان في الأرض إذا كان ذلك في السنة مرة أو مرتين، وأما الفرس فإن صاحبها يحبسها ويطلقها في اليوم الواحد مرات كثيرة، فيجوز أن يترك الوتد الذي عند بيته ثابتًا ويجوز أن يأخذه معه كل ما خرج على فرسه، فإنه قد يحتاج إلى حبسها في المذهب الواحد مرات عديدة، فكما يأخذ حبلها معه ليحبسها لا يُستبعد أيضًا أن يأخذ وتدها لئلا يحتاج في كل مرة يحبسها فيه إلى وتد جديد، فعلى هذا لا يُستبعد أنهم يأخذون أوتاد الخيل معهم لاحتياجهم إليها في سيرهم كثيرًا، وليست كذلك أوتاد البيوت.
وأما الحبل فإنهم يأخذونه أيضًا ولا يتركونه، لحاجتهم إليه، إلا أن يكون مُنهِجًا أي خلقًا باليًا كما في بيت الكميت الثالث، فقد ذكر أن هذا الوتد المقيم عليه حبلٌ مُنهِجٌ بالٍ هو منه بمنزلة الوشاح.
الثاني: وهو الأهم، أن الذي يشبه شكل جرثومة النمل هو التراب دون دخول غيره من أجزاء الآريّ معه، فتخيل الآن شكل الوتد والتراب حوله، ثم تخيل شكل التراب الذي يبقى بعدما يذهب القوم بفرسهم وحبلهم ووتدهم، أليس يبقى ترابًا مركومًا مجتمعًا كنصف كُرَة وفي وسطه في أعلاه ثقب هو الموضع الذي كان فيه الوتد، فهذا أشبه شيء بجرثومة النمل، وهي التراب الذي يخرجه النمل في حفره، ويجمعه حول مدخل جحره ويُبقي في وسطه مدخلا له، فدونك الآن صورة جرثومة النمل فتأمل شبهها بالتراب الذي وصفناه في ذكر الآريّ:



ثم أَعد تأملها تارة أخرى، ألستَ تراها أشبه شيء بها؟
وللحديث بقية طويلة إن لم تملوا إن شاء الله.
الصور المصغرة للصور المرفقة
اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	جحر النمل 1.jpg‏
المشاهدات:	214
الحجـــم:	66.7 كيلوبايت
الرقم:	1749   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	جحر النمل 2.jpg‏
المشاهدات:	211
الحجـــم:	27.8 كيلوبايت
الرقم:	1750  
الملفات المرفقة
نوع الملف: pdf جحر النمل.pdf‏ (198.2 كيلوبايت, عدد مرات السماع 43)
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :
  #99  
قديم 21-04-2018, 01:02 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,533
شكرَ لغيره: 5,861
شُكِرَ له 4,517 مرة في 1,438 حديث
افتراضي

اقتباس:
لكن الذي في كلامه يُفهَم منه أنه وتد من حديد لما ذكره من العروة التي تكون في رأسه، والغالب عند العرب استعمال وتد من خشب وعيدان، ولم يكن الحديد في زمنهم متيسّرًا تيسّره في زمننا هذا،
قد يُقال: لماذا يُفهَم من ذكره للعروة أن الوتد حديد مع أنه لم يذكر الحديد البتة وإنما ذكر عروة في رأس الوتد فقط؟
فأقول: لأن الوتد إما أن يكون عودًا أو يكون حديدًا، وإن وجد غير هذا عندهم فهو نادر.
والعروة إما أن تكون جزءًا من الوتد أو تكون شيئًا يوصَل به ويُضَمّ إليه.
فهذا ينتج منه أربعة احتمالات:
1 - فأما العود فإن العروة لا تكون جزءًا منه إلا أن يكون ذلك بنحت ومشقة، ويلزم منه أن يكون رأس الوتد غليظا ليمكن أن يُنحَت في وسطه ثقب يلج فيه الحبل، وليس هذا مع أي ضرب من العيدان، بل أكثر الشجر لا يُنحَت عوده بيُسر ولا يُحفَر، بل يتشقق أن أُريد به ذلك ويتشعّب، وجرّب أن تأخذ عودًا وتحاول أن تثقب فيه ثقبًا كبيرا نافذًا يدخل منه حبل غليظ، ستجد أنه شديد العسر والصعوبة ، ولا يلبث العود معه أن يتشعب ويتشقق، والأمر عند العرب في الأوتاد أقرب من تحمل هذا الضنك والكدّ.
فهذا في النحت، وأما أن يُثنَى رأس العود حتى يكون عروة دائرية كما يُصنَع بالحديد فلا يمكن ذلك.
2 - وإن كان عودًا وكانت العروة شيئًا منفصلا عنه من حديد أو خشب غيره، فإنها لا توصل به إلا بمسامير ونحوها مع صنعة دقيقة وهذا عنت قلما تصير العرب إليه من أجل وتد.
3 - وكذلك إن كان الوتد حديدًا وكانت العروة شيئًا منفصلًا لم توصل به بغير جهد ومشقة.
4 - فإن كان الوتد حديدًا وكانت العروة جزءًا منه كان ذلك أيسر عليهم مما ذُكر كله، وذلك أن الحديد يُثنَى رأسه حتى يصير له عروة كالدائرة، وهذه صورة لوتد حديد له عروة في رأسه:

فهذه أربعة احتمالات للوتد ذي العروة، وأنت ترى أن أيسرها عليهم هو الأخير، فلذلك زعمتُ أن ذكره للعروة في رأس الوتد يُفهَم منه أنه وتد حديد.
فمن هذا نقول: إن كان للوتد عروة -كما في كلامه- فالغالب أنه من النوع الرابع، فيكون حديدًا وتكون عروته جزءًا منه، وقليل أن يكون من الأنواع التي قبله، هذا الغالب في ما كان له عروة، أن يكون من النوع الرابع، وأما الغالب في الوتد نفسه فهو أن يكون عودًا لا حديدًا وأن يكون بلا عروة، وإنما هو عود يؤخذ كما هو ويُدَقّ في الأرض بلا عروة ولا غيرها.
ثم نعود بعد هذا إلى النمل إن شاء الله.
الصور المصغرة للصور المرفقة
اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	وتد.jpg‏
المشاهدات:	188
الحجـــم:	67.5 كيلوبايت
الرقم:	1751  
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :
  #100  
قديم 29-04-2018, 03:42 PM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,533
شكرَ لغيره: 5,861
شُكِرَ له 4,517 مرة في 1,438 حديث
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم.
وهذا حين نعود إلى النمل وإلى بيوت النمل.
قد ذكرنا أن ذا الرمة شبه آري الفرس بجرثومة النمل، ورأينا جرثومة النمل وعرفناها، وهي تراب يخرجه النمل من الأرض ويركمه، وقد عرفنا شكلها وعرفنا حجمها تقريبا، لكن قد يكون ما يخرجه النمل من الأرض مختلفًا شكله عما رأينا، وأما حجمه فيكون أعظم وأضخم مما رأينا، فهذا يختلف عن ذاك، ولست أدري ما سبب الاختلاف، هل هو راجع إلى اختلاف أنواع النمل أو غير ذلك، لا أدري، لكن الاختلاف موجود وواضح جدًّا، وكأن الأول للضرب الصغير من النمل والثاني الذي سنراه بعد قليل للنمل العظيم، فأما الأول فقد رأينا ذا الرمة شبه به آريَّ الفرس، وهو يشبهه جدًّا، وأما الثاني فشبه به الأعرابي سنامَ الناقة وأعلاها وهو يشبهها جدًّا أيضًا.
وقد يعجب القارئ من هذا ويقول: كيف يشبه سنامُ الناقة وأعلاها بيتَ النمل؟!
وهذا يقوله من لا يعرف العرب الأوائل، ومن يظن أن تشبيهاتهم تلفيق وترقيع، ومن لا يدرك فطنتهم وذكاءهم الفطري الشديد.
فإن كنتَ -ولا كنتَ- من هؤلاء فسترى هذا التشبيه ثم احكم بنفسك.
قال الأعرابي الحماسي وهو حكيم بن قَبِيصَة لابنه بشر وكان قد هاجر من البادية إلى الأمصار:
لَعَمرُ أَبي بِشْرٍ لقد خانَهُ بِشْرُ على ساعةٍ فيها إلى صاحبٍ فَقرُ
فما جَنَّةَ الفِردَوسِ هاجَرتَ تَبتَغي ولكن دعاكَ الخبزُ أَحسَبُ والتمرُ
أَقُرصٌ تُصَلِّي ظَهرَهُ نَبَطِيَّةٌ بتَنُّورِها حتّى يَطيرَ له قِشْرُ
أَحَبُّ إليكَ أَم لِقاحٌ كثيرةٌ مُعَطَّفَةٌ فيها الجليلةُ والبَكرُ
كأَنَّ أَداوَى بالمدينةِ عُلِّقَت مِلاءً بأَحقِيها إذا طَلَع الفَجرُ
كأَنَّ قُرَى نَـملٍ على سَرَواتها يُلَبِّدُها في لَيلِ سارِيةٍ قَطرُ

ومقصودنا هو البيت الأخير، وهو في وصف هذه اللقاح، وهي النوق التي فيها اللبن، وسَرَواتها هي أعاليها، جمع سَرَاة، وسَرَاة كل شيء أعلاه، فشبه أَسنِمَتَها وما حول هذه الأسنمة بقُرَى النمل، والضمير في قوله (يُلَبِّدها) عائد على قرى النمل لا على السروات، أي يُلَبِّد هذه القُرَى مَطَرٌ، فشبه أسنمتها وما حولها بقرى النمل، ثم زاد في صفة قرى النمل تخصيصًا وتقييدًا بأن جعلها قد لَبَّدها القَطر، وستفهم سبب هذه الزيادة وأنها ليست لغوًا ولا عبثًا، وذلك بعد أن ترى هاتين الصورتين:
1 - هذه صورة بعير، وقد جعلتُ مربعًا على أعلاه، وجعلتُ فيه السنام وما حوله، وأعني بالذي حوله: ما أمامه وما خلفه، فالذي أمام السنام هو الغارب، والذي خلفه هو الرِّداف، وإنما أدخلت ما حوله معه ليكون الشبه تامًّا بصورة قرية النمل التي سأضعها، فإن قرية النمل قد تشبه السنامَ وحده وسننشد لذلك بيتًا لبشر بن أبي خازم، وقد تشبه السنام وما حوله كما في بيت الحماسي وفي بيت آخر ستراه في كلام المرزوقي، وأنا ما وجدتُّ إلا صورة واحدة تشبه فيها قريةُ النمل السنامَ وما حوله، وأنت ترى أن الأعرابي لم يخص أسنمتَها بالتشبيه، وإنما شبه ما على سرواتها بقُرى النمل، والذي على سرواتها يدخل فيه أسنمتُها وما حولها، فهذه صورة البعير والمربع على سنامه وغاربه ورِدافه:

2 - هذه صورة قرية نمل، وقد صورها شاب عربي في زيارة لإحدى دول أفريقيا، وقد وضعتُ مربعا على ما يشبه سنامَ البعير وغاربَه ورِدافَه، فتأمل شدة الشبه بينهما:

ولعلك ترى شدة الشبه بين قرية النمل وسنام البعير وما حوله، وهو شبه في:
أ - الشكل العام.
ب - اللون.
ج - الحجم.
وهذا هو قوله: (كأن قرى نمل على سرواتها).
ولكن بقي أن نعرف فائدة قوله: (يلبّدها في ليل سارية قطر)، فإن هذا شبه في التفاصيل الصغيرة وليس في الشكل العام، وذلك أنه أراد أن يصف أوبارها بالجعودة والتلبّد، وإذا كان التراب ناعما منهالًا لم تشبه نواحيه الوَبَر المتلبّد وإن أشبه السنام وما حوله في الشكل العام واللون والحجم كما ذكرنا، فجعل هذا التراب مما أصابه مطرٌ وقَطرٌ فلبّده ليشبه الوبر المتلبّد، فهذا وجه شبه رابع زائد على الثلاثة التي ذكرناها، وهو مستفاد من قوله: (يلبّدها في ليل سارية قَطْرُ)، ومن غريب المصادفة أن صورة قرية النمل التي وجدتُّـها كأنها قد أصابها مطرٌ فلبّدها، فصار التراب فيه نُقَر صغيرة وتخطيط وتخديد وليس ناعمًا أملس، وهذه النُّقَر الصغيرة والتخطيط والتخديد هي التي تشبه تجعُّدَ أوبار الإبل، فتأملها مرّةً بعد مرّة، ثم احكم بنفسك على حكيم بن قَبِيصة، على أن التشبيه قديم في ما أظن، وليس حكيم بن قبيصة أبا عُذره، فقد وقع في شعر بشر بن أبي خازم وهو جاهلي، وحكيم بن قبيصة أحسبه شاعرًا إسلاميا.
قال الشنتمري في شرحه: "وقرى النمل: بيوتها، شبه أوبارها المتلبدة بتراب أخرجته النمل من قُراها ثم وقع المطر عليه فتلبّد".
والصحيح أنه لم يشبّه أوبارها المتلبّدة فقط، وإنما شبه أربعة أشياء كما ذكرنا، والوَبَر المتلبّد واحد منها.
وقال المرزوقي: "وقوله (كأن قرى نمل على سرواتها) يشبه قول الآخر:
إلى سَراةٍ مثل بيت النمل غنيّةٍ من وَبَرٍ وخَملِ
السروات: الأعالي، وقرية النمل ربّما تُرى كأعظم جُثوة، ولذلك شبه ارتفاع أسنمتها وكثرة اللحم والشحم عليها بها، ومعنى (يلبّدها): يصلّبها
".
وهذا البيت الذي أنشده المروزقي فيه أيضا تشبيه سَراتها ببيت النمل، والسَّراة يدخل فيها السنام وغيره، وتراه أيضًا يذكر أنها كثيرة الوَبَر والخَمْل وهذا يشبه بيت النمل إذا لبّده المطر.
وقال الديمرتي: "سراته: أعلاه، شبّه أسنمتها بقرى النمل، والقُرى: ما يجمع حول جحره من التراب، ويكون بالماءِ دَبَةً عظيمةً [كذا، ولا أدري ما صوابه]، ربّما يُرَى واحدُه مثل قَشٍّ كبير، وتكون أبواب جحره إلى أعلاها. (يلبّدها): أي يلبّد القطر القُرى".
والله أعلم.
وسأتمّ الحديث إن شاء الله.
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :
  #101  
قديم 26-05-2018, 12:09 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,533
شكرَ لغيره: 5,861
شُكِرَ له 4,517 مرة في 1,438 حديث
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم.
ويجوز أن يكون المرادُ في بيت حكيم بن قبيصة وفي البيت الذي أنشده المرزوقي تشبيهَ السنام نفسه دون ما حوله بقرية النمل التي تراها في الصورة كاملةً وليس فقط الذي في المربع، فيكون الذي في البيتين تشبيه السنام وحده دون ما حوله بهذه القرية بكمالها، ويكون هذا تعظيما لسنامها وتبيينا لضخامته، لأن القرية في الحقيقة أكبر من سنام الناقة وبينهما بون، ولا يمنع من إرادة السنام أنه قال (على سرواتها) وقول الآخر (إلى سراة)، فإن السنام على سراة الناقة والسنام أيضًا سَراةٌ للناقة، فإذا فُسّر الذي على سرواتها في بيت حكيم بأنه السنام وما حوله كما ذكرنا في الوجه الأول صح ذلك، وإذا فُسّر بأنه السنام وحده صحّ أيضا، لأن الجميع على سراة الناقة، وكذلك إذا فُسّرت سراتها في البيت الثاني بأنها السنام وما حوله كما ذكرنا في الوجه الأول صح هذا، وإذا فُسّرت بالسنام وحده فهو صحيح، لأن ذلك كله سَراة للناقة.
وعلى الوجه الثاني جاء قول بشر بن أبي خازم يصف ناقة:
لَـها قَرِدٌ كَجُثِّ النَّملِ جَعدٌ تَغَصُّ بِهِ العَراقي والقُدوحُ
لأن هذا في صفة السنام خاصة، فشبّه السنام نفسه دون ما حوله بجُثّ النمل، والقَرِد هو الذي تجعّد وبَرُه وتلبّد وانعقدت أطرافه كالذي تراه في الصورة، وهو كقول بشامة بن الغدير في المفضليات:
لها قَرِدٌ تامِكٌ نيُّه تزلّ الوليّة عنه زليلا
وكقول المثقّب العبدي في المفضليات أيضًا:
كساها تامكًا قَرِدًا عليها سَواديُّ الرَّضِيحِ مع اللَّجِينِ
ثم أكّد بشر بن أبي خازم وصفه بالقَرَد فقال (جَعدٌ)، وهو مثل (قَرِدٌ)، فشبّه السنام في عِظَمه بجُثّ النمل الذي رأيته في الصورة، وقد يكون جُثُّ النمل أصغر من هذا الذي في الصورة وقد يكون أعظم منه.
ثم نخرج إلى مسألة لغوية فنبحثها بحث تأمل لا بحث نسخ ولصق فنقول:
لماذا قال ذو الرمة (كجرثومة النمل) فسماها جرثومة؟ ولم قال حكيم بن قبيصة (قُرى نمل) ولم يسمها جرثومة؟ ولم قال صاحب البيت الذي أنشده المرزوقي (بيت النمل) ولم يسمها جرثومة؟ ولم قال بشر بن أبي خازم (كجُثّ النمل) ولم يسمّها جرثومة؟
والجواب:
أن ذا الرمة كان يسوغ له أن يسمي المشبَّه به قرية النمل وأن يسمّيه بيت النمل وقد يسوغ له أيضًا أن يسميه جُثَّ النمل ولكن تسميته جرثومة أحسن منها كلها، وسترى سبب ذلك، فاختار أحسنها، وأما حكيم بن قبيصة وصاحب البيت الذي أنشده المرزوقي وبشر بن أبي خازم فقد يسوغ لهم أن يسمّوا المشبَّه به جرثومة، وأما تسميته قرية وتسميته بيتًا وتسميته جُثًّا فتسوغ كلها لكلٍّ واحد منهم.
أما ذو الرُّمّة فيسوغ له تسميتُه قريةً لأنه متصلٌ بقرية النمل التي تحت الأرض وهو مدخل لها فهو كالجزء منها فيسوغ تسميته قرية، فهو كتسمية حكيم ذاك التراب العظيم قرية على أن قرية النمل في الحقيقة إنما تكون تحت الأرض، فكما ساغ لحكيم بن قبيصة تسمية ذاك التراب العظيم قرية يسوغ لذي الرمة تسمية التراب الصغير قرية فحكمهما واحد، وقرية النمل تكون تحت الأرض في الحالين كليهما.
وكذلك تسميته بيتًا مثل تسميته قرية، فكما ساغ تسمية التراب العظيم بيتًا وبيت النمل في الواقع تحت التراب فكذلك يسوغ لذي الرمة تسمية التراب الصغير بيتًا وبيت النمل تحت التراب، والحال فيهما واحدة.
وأما أن يسميه ذو الرمّة جُثًّا فهذا قد يجوز، لأن الجُثّ في اللغة كما قال في اللسان: "ما أشرف من الأرض فصار له شخص، وقيل: هو ما ارتفع من الأرض حتى يكون له شخص مثل الأكمة الصغيرة"، فأما على القول الثاني من هذين فلا يصلح أن يسمَّى ما في بيت ذي الرمة جُثًّا، لأنه صغير جدًّا ولا يبلغ أن يكون كالأكمة الصغيرة ولا قريبًا منها، وأما على القول الأول منهما فقد يسوغ لأنه شيء أشرف من الأرض قليلًا أي ارتفع وصار له شخص لكنه شخص صغير، وأحسب أن الـجُثّ اسم للشيء الذي يكون أكبر من هذا الذي في بيت الرمّة.
وأما تسمية ذي الرمة له بالجرثومة فهي أحسن منها كلها، لأنها أدلُّ على الشيء الذي يريده، وهو التراب الصغير، فلو سماها قرية لجاز أن يذهب وهم السامع إلى تلك القرية العظيمة التي يُشبّه بها السنام، فهذه قرية وتلك قرية، وكذلك لو سماها بيتًا، ولو سماها جُثًّا على اعتبار جوازه لجاز أيضا أن يذهب وهم السامع إلى ذلك التراب العظيم فهو جُثُّ نمل أيضًا، وأما تسميته بالجرثومة فأحسب أنها في الأصل تُعيّن هذا التراب الصغير دون ذاك التراب العظيم.
وبيان ذلك أن الجرثومة في كلام العرب هي أصل الشيء، هذا هو معنى الجرثومة، وجرثومة كل شيء أصله، ثم سمّت العرب التراب الذي يجتمع على أصل الشجرة جرثومة، وإنما سُمّي جرثومة في ما أرى لأنه اجتمع على جرثومة الشجرة أي على أصلها واتصل به وصار كالجزء منه فسمّي باسمه، فقيل للتراب الذي يجتمع على أصل الشجرة جرثومة، ثم سمّت العرب التراب الصغير الذي يخرجه النمل ويجمعه حول مدخل جحره جرثومة تشبيها له بالتراب الذي يجتمع حول أصل الشجرة، وهو أشبه شيء به، فتخيل شكل التراب الذي يجتمع دائرة حول أصل جذع الشجرة ويكون مدخل جذع الشجرة من أعلاه في وسطه تجد أنه أشبه شيء بتراب النمل الذي أراده ذو الرمة، ويشبههما أيضًا تراب الآري الذي يُجمع حول الوتد ويكون في وسطه من أعلاه مدخل الوتد وهو الشبه الذي رآه ذو الرمة وعناه، فسمّت العرب تراب النمل هذا جرثومة تشبيها له بالتراب الذي يجتمع على أصل الشجرة، لأن تراب النمل ليس أصلًا لشيء فيكون جرثومة له ولا هو مجتمع على جرثومة شيء فيسمّى جرثومة لاتصاله به، وإنما سُمّي بذلك فقط تشبيها له بالتراب الذي يجتمع على أصل الشجرة.
وأنت ترى في كتب اللغة كلاما كقول صاحب اللسان: "الجُرْثُومة: الأصل؛ وجُرْثُومة كل شيء أَصلُه ومُجْتَمَعُه، وقيل: الجُرْثُومة ما اجتمع من التراب في أُصول الشجر؛ عن اللحياني. وجُرثومة النمل: قَرْيته. الليث: الجُرْثومة أصل شجرة يجتمع إليها التراب".
وهذا الذي ذكره كله صحيح، ولا أنكر شيئا منه، وكل واحد من هذه يسمَّى جرثومة كما ذكر، وإنما أردتُّ أن أبيّن لك التطور الذي حصل في استعمال هذه اللفظة، فالجرثومة في الأصل هي أصل الشيء، ثم سمّي التراب الذي يجتمع على أصل شجرة جرثومة لاتصاله بجرثومتها أي بأصلها كما ذكرنا، ثم سمّي التراب الصغير الذي يخرجه النمل ويجمعه حول جحره جرثومة تشبيها له بالتراب الذي يجتمع على أصل الشجرة.
فإذا كان كذلك فإن جرثومة النمل في الأصل ينبغي أن تكون الصغيرة التي أرادها ذو الرمة لأنها هي التي تشبه التراب الذي يجتمع على أصل الشجرة وأما التراب العظيم فلا يشبهها في الشكل.
لكن هل يُتوسع في ذلك فتُسمى كل قرية نمل جرثومة ولو لم تشبه التراب الذي يجتمع على أصول الشجر ويكون التراب العظيم الذي أراده حكيم بن قبيصة وصاحبه وبشر بن أبي خازم جرثومة أيضًا؟
لا أدري.
لكني أرى أن الأصل في التسمية هو ما ذكرتُ لك من التطور فيها، وأنت ترى أن ذا الرمة سمى تلك الصغيرة جرثومة وأن ثلاثة أصحابه لم يسموا التراب العظيم جرثومة وإنما سماه أحدهم قرية وسماه الثاني بيتًا وسماه الثالث جُثًّا.
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
الجليس الذي شكرَ لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 10:47 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ