ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة الأدب والأخبار
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 25-10-2017, 01:11 AM
عامر الرقيبة عامر الرقيبة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2017
التخصص : لغة انجليزية
النوع : ذكر
المشاركات: 20
شكرَ لغيره: 10
شُكِرَ له 20 مرة في 11 حديث
افتراضي هل كان أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه شاعراً كما يقول محقّقُ ديوانِه ؟!


هل كان أبو بكر الصدّيق شاعراً كما يقول محقّقُ ديوانِه ؟!

ديوانُ أبي بكر الصدّيق كتابٌ حققه وشرحه محمد شفيق البيطار ونشرته دار شراع للدراسات والنشر والتوزيع عام 1993. حاول المحقق في المقدمة أن يفنّد حجة القائلين بأن أبا بكر لم يكن شاعراً. وقد ناقش من أجل ذلك ثلاثة نصوص في ثلاثة مصادر ليثبت أن اختلاف ألفاظ النصوص دليل على أنّ ما قالته عائشة ا التي نفت أن يكون أبو بكر قال شعراً في الجاهلية أو الاسلام نُقل عنها بالمعنى الذي فهمه الرواة ، لا بلفظها هي ، إذ لو كان بلفظها لما اختلف من مصدر الى مصدر!

والنصوص كما أوردها المحقق هي :

أولاً : روى عبد الغني المقدسي (ت 600 هـ ) في ( أحاديث الشعر ) بسند له عن يونس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها " كانت تدعو على من كان يقول هذه القصيدة :
يُحَدِّثُنَا الرَّسُولُ بِأَنْ سَنَحْيَا وَكَيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ
فتقول : والله ما قال أبو بكر بيت شعر في جاهلية ولا اسلام قطّ ، وما ارتاب في الله منذ أسلم ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية ولكن قال هذه القصيدة رجل من بني كلب بن عوف ، وكان أبو بكر تزوج امرأة من بني كلب يقال لها أم بكر ، فلمّا هاجر أبو بكر طلّقها ، فتزوجها ابن عمها هذا الشاعر الذي قال هذه القصيدة رثى بها أهل بدر حين قُتلوا :
وَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ مِنَ الشِّيزَى تُزَيَّنُ بِالسَّنَامِ
تُحَيِّي بِالسَلَامَةِ أُمُّ بَكْرٍ وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ
يُحَدِّثُنَا الرَّسُولُ بِأَنْ سَنَحْيَا وَكَيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ
قالت عائشة : فنحلها الناسُ أبا بكر من أجل المرأة التي طلّق أبو بكر "

ثانياً : روى ابن حيَّوَيْه (ت 366 هـ ) في كتاب ( من وافقت كنيته كنية زوجته من الصحابة رضوان الله عليهم ) بسند له " عن يونس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها كانت تدعو على من يزعم أن أبا بكر قال هذه الأبيات ، قالت عائشة : والله ما قال أبو بكر بيت شعر في جاهلية ولا إسلام ، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية ، ولكنّ أبا بكر تزوّج امرأة يقال لها أم بكر، فطلّقها ، فتزوجها ابن عمها، هذا الشَّاعر الذي قال هذه الأَبيات :

وَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ مِنَ الشِّيزَى تُزَيَّنُ بِالسَّنَامِ
وَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ مِنَ الْقَيْنَاتِ وَالشَّرْبِ الْكِرَامِ
تَحْيَا بِالسَّلَامَةِ أُمُّ بَكْرٍ وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ
يُخْبِرُنَا الرَّسُولُ بِأَنْ سَنَحْيَا وَكَيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ "

ثالثاً : روى السهيلي (ت 581 هـ ) في كتاب ( الروض الأنف ) : " عن ]ابن شهاب[ الزهري عن عروة عن عائشة ، قالت : كذب من أخبركم أنّ أبا بكر قال بيت شعر في الاسلام "

ثم قال محقق الديوان : ( إن ما ورد في لفظ السهيلي يخالف ما ورد في المصدرين الآخرين ، إذ ينفي أن يكون أبو بكر قال الشعر في الاسلام فقط لا في الجاهلية ). واستناداً لهذا الاختلاف الذي هو في حقيقة الأمر ليس اختلاف تعارض وتضاد في المعنى وإنما نقص كلمة واحدة في أحد النصوص الثلاثة حاول المحقق تأويل كلام عائشة تأويلاً متعسفاً بأنّ ( أباها لم يقل شيئاً من هذه القصيدة في جاهليةٍ يوم كانت أم بكر زوجاً له ولا في الاسلام بعدما طلّقها ، فلمّا تداول كلامَها الرواة ونقلوه بالمعنى فهموه على أنها نفت الشعر عامّة عن أبيها في الجاهلية والاسلام ) !

ونردّ أوّلاً على المحقق بأنّ اختلاف ألفاظ الرواية لا يلزم منه أن يكون اختلاف تعارض وتضاد في المعنى دائماً وقد جوّز بعض الصحابة ومن ضمنهم عائشة رواية الأحاديث بالمعنى إذا لم يكن هناك تعارض. روى الخطيب البغدادي (ت 463 هـ ) في كتابه ( الكفاية في علم الرواية ) ( بَابُ ذِكْرِ مَنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى إِجَازَةِ الرِّوَايَةِ عَلَى الْمَعْنَى مِنَ السَّلَفِ , وَسِيَاقِ بَعْضِ أَخْبَارِهِمْ فِي ذَلِكَ ) بسنده الى عروة بن الزبير قال : قَالَتْ لِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا بُنَيَّ: «إِنَّهُ يَبْلُغُنِي أَنَّكَ تَكْتُبُ عَنِّي الْحَدِيثَ ثُمَّ تَعُودُ فَتَكْتُبُهُ» فَقُلْتُ لَهَا: أَسْمَعُهُ مِنْكِ عَلَى شَيْءٍ , ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْمَعُهُ عَلَى غَيْرِهِ , فَقَالَتْ: هَلْ تَسْمَعُ فِي الْمَعْنَى خِلَافًا؟ قُلْتُ: لَا , قَالَتْ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ " إهـ . وفي هذا الأثر دليل على حرص عروة بن الزبير على نقل الألفاظ كما يسمعها وفيه دليل على أنه قد يكتب الحديث مرتين مرة بلفظ ومرة بلفظ آخر ذلك لأنه سمعه من عائشة مرّتين وهو نفس الراوي عن عائشة في النصوص الثلاثة.

أما قول المحقق ( إن ما ورد في لفظ السهيلي يخالف ما ورد في المصدرين الآخرين ، إذ ينفي أن يكون أبو بكر قال الشعر في الاسلام فقط لا في الجاهلية ) فهو قول مردود لأنّني عندما رجعت الى كتاب ( الروض الأنُف ) للسهيلي وجدت أن قول عائشة لم يروه السهيلي كما قال محقق الديوان وإنما رواه البخاري ونقله السهيلي !

قال السهيلي : " وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ أَنْكَرُوا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقَصِيدَةُ لِأَبِي بَكْرٍ وَيَشْهَدُ لِصِحّةِ مَنْ أَنْكَرَ لَهُ مَا رَوَى عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَذَبَ مَنْ أَخْبَرَكُمْ أَنّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ بَيْتَ شِعْرٍ فِي الْإِسْلَامِ . رَوَاهُ مُحَمّدٌ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكّلِ عَنْ عَبْدِ الرّزّاقِ " إهـ

وقد وجدتُ في كتاب ( إمتاع الأسماع ) للمقريزي نفس الخبر ولكن فيه : "رواه البخاري عن ابن المتوكّل عن عبد الرزاق" وهو الصحيح. لأنّ أبا المتوكّل تابعي من الطبقة الثالثة روى عن الصحابة أما ابن المتوكّل فهو من الطبقة العاشرة ومن كبار الآخذين عن تبع الأتباع ممّا يدلّ على أنّ كلمة (ابن) قد صُحّفِتْ إلى (أبي) في كتاب ( الروض الأنُف ) للسهيلي والله أعلم.

وعندما راجعتُ مصنف عبد الرزاق ( طبعة دار التأصيل ) وجدتُ في كتاب الجامع : " أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ، قال : بلغنا أن عائشة كانت تدعو كلّ من كان يقول : إنّ أبا بكر كان يقول الشعر فوالله ما قال بيت شعر في جاهلية ولا اسلام ، ولقد ترك هو وعثمان الخمر في الجاهلية ، أفَهُوَ يشرب الخمر في الاسلام ؟ أوَهُوَ يقول؟ "

وأيضاً راجعت جامع معمر بن راشد (ت 154 هـ ) وهو منشور كملحق بمصنف عبد الرزاق وقد حققه حبيب الرحمن الأعظمي ( طبعة المجلس العلمي بباكستان، وتوزيع المكتب الإسلامي ببيروت ) ووجدتُ فيه : " أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَدْعُو كُلَّ مَنْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ، «فَوَاللَّهِ مَا قَالَ بَيْتَ شِعْرٍ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَقَدْ تَرَكَ هُوَ وَعُثْمَانُ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَفَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْإِسْلَامِ؟ أَوَهُوَ يَقُولُ؟»

فالنتيجة هي أن جامع معمر في مصنف عبد الرزاق فيه عبارة ( ما قال بيت شعر في جاهلية ولا إسلام ) والتحقيق العلمي يكون بالرجوع إلى أصل النقل إنْ وجد وعدم الاعتماد دائماً على أقوال الناقلين. وقولي هذا لا أريد منه تخطئة السهيلي في نقله لأنه لم ينقل من مصنف عبد الرزاق وإنما نقل من أحد مؤلفات البخاري حيث قال : رواه محمد البخاري عن (أبي المتوكل!) عن عبد الرزاق ، والمقريزي أيضاً نقله من البخاري حيث قال : رواه البخاري عن ابن المتوكل عن عبد الرزاق . وعند بحثي في كتب البخاري المطبوعة لم أجد هذا الحديث فقلت ربما يكون في أحد كتبه المفقودة وهي كثيرة ، وربما لم يكن التقصير من السهيلي وإنما من ابن المتوكل الذي روى الرواية عن عبد الرزاق والله أعلم ، فمحمد بن المتوكّل معروفٌ لدى أغلب علماء الجرح والتعديل بكثرة الغلط وكثرة الأوهام.

وبهذا يتبين لنا عدم وجود تعارض في النصوص التي وردت في المصادر فكلّها تنفي أن يكون أبو بكر قال شعراً في الجاهلية أو الاسلام. وعليه فالتأويل المتعسف الذي بناه المحقق على أساس دعوى التعارض في النصوص إنما بُني على جرفٍ هار.

ثمّ قال المحقق : ( ويرجح هذا التفسير ... أنّ البخاري روى كلام السيدة عائشة عن هذه القصيدة ، ولم ترد فيه العبارة التي تنفي فيها قول الشعر عن أبيها لا في الجاهلية ولا في الإسلام ، مع أن رجال السند الثلاثة الأوائل هم أنفسهم عند البخاري والمقدسي وابن حيويه .
قال البخاري : " حدثنا أصبغ ، حدثنا ابن وهب عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة أن أبا بكر تزوج امرأة من كلب يقال لها أم بكر ، فلما هاجر أبو بكر طلقها ، فتزوجها ابن عمّها هذا الشاعر الذي قال هذه القصيدة رثى بها كفار قريش :

وَمَاذَا بِالقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ مِنَ الشِّيزَى تُزَيَّنُ بِالسَّنَامِ
وَمَاذَا بِالقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ مِنَ القَيْنَاتِ وَالشَّرْبِ الكِرَامِ
تُحَيِّينَا السَّلاَمَةَ أُمُّ بَكْرٍ وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلاَمِ
يُحَدِّثُنَا الرَّسُولُ بِأَنْ سَنَحْيَا وَكَيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ " إهـ

فلمّا كان صحيح البخاري – وهو من أصح الكتب بعد كتاب الله – أقدم المصادر التي أوردت كلام أم المؤمنين وأوثقها ، وأدّقها عبارة ، كان هذا مرجّحاً قويّاً لما ذهبت إليه من أن اللفظ في المصادر الأخرى ليس بلفظ عائشة ، ومن ثم كانت العبارة التي تنفي قول الشعر عن أبي بكر هي عبارة أحد الرواة مِمّن فهم قولها على غير وجهه ) انتهى قول المحقق.

والردّ على قوله هذا من وجهين :

الوجه الأول : لو كان البخاري لا يقرّ بأيّ زيادة في الحديث وأن الصحيح لديه هو ما ذكره في صحيحه فقط فلماذا روى الحديث مرة أخرى في أحد كتبه الأخرى مع الزيادة التي يحاول المحقق أن يقول أنها ليست من كلام عائشة ونقله السهيلي والمقريزي مستدلّين بصحّته مع الزيادة ؟ بل واستدلّ بصحّته أيضاً ابن حجر العسقلاني في كتابه الاصابة في تمييز الصحابة عند دفاعه عن أبي بكر الصديق ونفيه نسبة القصيدة إليه فقال بعد أن أشار إلى حديث البخاري في صحيحه : " وقد أخرجه الإسماعيليّ، من طريق أحمد بن صالح، عن وهب، عن ابن يونس، فلم يقل من كلب ؛ بل زاد فيه أن عائشة رضي اللَّه عنها كانت تقول : ما قال أبو بكر شعراً في جاهلية ولا إسلام. وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي اللَّه عنها أنها كانت تدعو على من يقول: إن أبا بكر الصديق رضي اللَّه عنه قال هذه القصيدة، ثم تقول: واللَّه ما قال أبو بكر بيت شعر في الجاهلية ولا في الإسلام، ولكن تزوّج امرأة من بني كنانة ثم بني عوف، فلما هاجر طلقها فتزوّجها ابن عمها هذا الشاعر، فقال هذه القصيدة يرثي كفار قريش الذين قتلوا ببدر، فتحامى الناس أبا بكر من أجل المرأة التي طلقها؛ وإنما هو أبو بكر بن شعوب " إهـ .
وقد وجدتُ السند بكامله في شرح شواهد المغني لجلال الدين السيوطي الذي نقل من الحكيم الترمذي في نوادر الأصول : " حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا عمران بن بكار الحمصي، حدثنا عبد الحميد بن ابراهيم الحضرمي، حدثني عبد الله بن سالم عن محمد بن الوليد الزبيدي، أخبرني الزهري عن عروة عن عائشة " الحديث .
وقال إبن حجر في كتابه فتح الباري في سياق شرح الحديث الذي ورد في صحيح البخاري : " وَزَادَ الْفَاكِهِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ قَالَتْ عَائِشَةُ وَاللَّهِ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَيْتَ شِعْرٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا الْإِسْلَامِ وَلَقَدْ تَرَكَ هُوَ وَعُثْمَانُ شُرْبَ الْخمر فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهَذَا يُضَعِّفُ مَا أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي الْقَمُوصِ قَالَ شَرِبَ أَبُو بَكْرٍ الْخَمْرَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ وَقَالَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَجَاءَ فَقَالَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَا تَلِجُ رُءُوسَنَا بَعْدَ هَذَا أَبَدًا قَالَ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ حَرَّمَهَا فَلِهَذَا قَدْ عَارَضَهُ قَوْلُ عَائِشَةَ وَهِيَ أَعْلَمُ بِشَأْنِ أَبِيهَا مِنْ غَيْرِهَا وَأَبُو الْقَمُوصِ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا بَكْرٍ فَالْعُهْدَةُ عَلَى الْوَاسِطَةِ فَلَعَلَّهُ كَانَ مِنَ الرَّوَافِضِ " إهـ

والوجه الثاني : سياق الحديث يدلّ على أنّ عائشة كانت تفنّد شائعة قد انتشرت لدى البعض عن أبيها ومن الراجح أنّ الذي يفنّد شائعةً ما لا يكتفي بالحديث حولها مرة واحدة فقط وفي مجلس واحد ، بل من المنطقي أن نتصوّر أنّ عائشة ا تحدّثت بالأمر عدة مرّات وليس مرّة واحدة فقط للدفاع عن أبيها ، وليس من المستبعد أنها تحدثت إلى عروة بن الزبير بكلام حول الشائعة في يومٍ ما ثم كررت كلامها وزادت عليه في يوم آخر؟ والذي يقوّي هذا التصوّر ما رواه الخطيب البغدادي في كتابه ( الكفاية في علم الرواية ) بسنده الى عروة بن الزبير قال : قَالَتْ لِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا بُنَيَّ: «إِنَّهُ يَبْلُغُنِي أَنَّكَ تَكْتُبُ عَنِّي الْحَدِيثَ ثُمَّ تَعُودُ فَتَكْتُبُهُ» فَقُلْتُ لَهَا: أَسْمَعُهُ مِنْكِ عَلَى شَيْءٍ , ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْمَعُهُ عَلَى غَيْرِهِ , فَقَالَتْ: هَلْ تَسْمَعُ فِي الْمَعْنَى خِلَافًا؟ قُلْتُ: لَا , قَالَتْ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ "

تأويل المحقق لكلام عائشة والردّ عليه :

قال المحقق : ( ... ولذلك أرى أن كلام أم المؤمنين الذي نُقل عنها بالمعنى فُهم على غير ما أرادت ، لأنّ كلامها كان تعليقاً على من نسب إلى أبي بكر تلك القصيدة التي رثى صاحبُها قتلى بدر من المشركين ، بداعي ذكر أم بكر في القصيدة فنبّهت الناس على أنّ أباها لم يقل شيئاً من هذه القصيدة في جاهلية يوم كانت أم بكر زوجاً له ، ولا في الاسلام بعدما طلّقها ؛ فلما تداول كلامَها الرواة ونقلوه بالمعنى فهموه على أنها نفت الشعر عامّة عن أبيها في الجاهلية والاسلام ) إهـ

ونحن نقول إنّنا لو سلّمنا جدلاً بتأويل المحقق فيلزم من ذلك أنّ عائشة تكلّمت بحشوٍ لا علاقة له بمناسبة القصيدة لأنّ القصيدة إنما قالها صاحبها بعد معركة بدر ومعركة بدر حدثت في العام الثاني من الهجرة وطلاق أبو بكر لأم بكر وقع لمّا هاجر أي قبل وقوع المعركة بعامين أو أقل تقريباً ، والناس الذين سمعوا القصيدة يعلمون علم اليقين أنها قيلت بعد معركة بدر وليس قبلها ، فما الداعي لأن تنفي عائشة القصيدة عن أبيها يوم كانت أم بكر بعصمته أي قبل الهجرة ، وما الداعي لأن تنفي القصيدة عن أبيها في الفترة المحصورة بين هجرته وقبيل معركة بدر ، وهي متيقنة من أنّ الناس يعلمون علم اليقين أنّ صاحب القصيدة لم يقلها قبل معركة بدر ؟ إنّ هذا التأويل المتعسّف كان يمكن أن يكون مقبولاً لو أنّ القصيدة لم يكن فيها ما يدلّ على أنها قيلت بعد معركة بدر، وعائشة ا من قريش ، وهي أفصح قبائل العرب ، ولا يرضون لأنفسهم مثل هذا الحشو المُخلّ والبعيد عن مناسبة الكلام.

خلاصة البحث :

ثبت لدينا أنّ أبا بكر الصدّيق لم يكن شاعراً لا في الجاهلية ولا في الاسلام ، وأنّ هذا النفي أخبرتنا به ابنته عائشة ا ، وأنّ نفيها وصل إلينا عن طريق البخاري وعبد الرزاق الصنعاني والفاكهي والحكيم الترمذي وابن حيّويه وأبو بكر الاسماعيلي والمقدسي ، واستدلّ بصحة هذا القول السهيلي والمقريزي وابن حجر العسقلاني وجلال الدين السيوطي . وعائشة ا أعلم بأبيها من غيرها ، وكانت تحبّ أن تتمثّل بأشعار العرب ، ولو كان أبوها شاعراً لما خفي عليها ذلك ولأخبرتنا به.


منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( عامر الرقيبة ) هذه المشاركةَ :
  #2  
قديم 25-10-2017, 02:54 AM
منصور مهران منصور مهران غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2008
التخصص : ماجستير في علم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 699
شكرَ لغيره: 515
شُكِرَ له 1,789 مرة في 599 حديث
افتراضي

عصر النبوة عصر العربية العليا بالسليقة أو قل بالفطرة التي أتمها الله بإنزال القرآن الكريم عربيا غير ذي عِوَج ولم يكن عجزا من أهل هذا العصر ألّا يقول الشعر في الكلام الجاري بلا قصد ولا في قصيد فقد يقول البيت والبيتين حسب مقتضى الحال أو يتمثل ببيت عابر وربما كان الرّجَز أيسر ما تنطق به العرب كالذي جرى على لسان رسول الله مثل :
اللهم إن العيش عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره
وليس ذلك مما تعده العرب شعرا وذلك لأنه أقرب إلى السجع منه إلى الشعر فهو مما يجري على الألسنة في أي سن

قلت : وليس طعنا في الرجل أن يقول بيت شعر أو أبياتا كما أنه ليس عجزا عن أن يجري الشعر على لسانه
فأبو بكر كذلك قد يقول البيت والبيتين بلا قصد الشعر بل هي السليقة ؛ والقضية الأهم هي ثبوت رواية شعر قاله أو عدم ثبوته
وبالله التوفيق
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( منصور مهران ) هذه المشاركةَ :
  #3  
قديم 25-10-2017, 03:19 PM
عامر الرقيبة عامر الرقيبة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2017
التخصص : لغة انجليزية
النوع : ذكر
المشاركات: 20
شكرَ لغيره: 10
شُكِرَ له 20 مرة في 11 حديث
افتراضي



أستاذنا الفاضل منصور مهران
أنا سعيد جدّاً بردّكم وأسأل الله ألا يحرمني من علمكم يا سيّدي
أودّ أن أنبّه إلى أنّه ليس هناك مانع شرعي أو عقلي يمنع أحد الصحابة أن يقول شعراً ولكن عدم الممانعة هذه لا ينبغي أن تسوّغ لنا التساهل في التعامل مع الأخبار والآثار التاريخية المتعلّقة بالصحابة ذلك لأنّها قد تكون باباً للطاعنين في عدالة الصحابة مثل بعض المستشرقين وبعض الكتّاب العرب ( المتنوّرين ! ) وأصحاب العقائد الفاسدة وعلى رأسهم الروافض.
ومن صور ذلك التساهل عدم اتّباع منهج المحدّثين في التعامل مع الآثار مما يجعل هؤلاء الروافض والمتنوّرين والمستشرقين يأخذون بسقيم الآثار أو يردّون صحيحها أو يأولونها على غير وجهها الصحيح وإنما معيارهم في بحوثهم المتعلّقة بالصحابة هو ما تراه عقولُهم فقط !
إذا اتّبعنا منهج المحدّثين فلا شكّ إننا سنصل إلى الجواب بسرعة وهو إن أبا بكر الصدّيق لم يكن شاعراً . أمّا إذا اتّبعنا منهج حاطبي الليل هؤلاء فبحثهم لن يتوقف عند كون الصدّيق شاعراً أو عدمه وإنما سيتعدّى إلى أنه كان يشرب الخمر وكان شاكّاً بدينه أيضاً ! كما حاول أن يثبت ذلك القائمون على (مركز الأبحاث العقائدية) الشيعي والمدعوم من قبل المرجعية الشيعية في النجف ! في سياق جوابهم عن أحد الأسئلة المرسلة إليهم حول حديث عائشة ا الذي أخرجه البخاري في صحيحه ومحاولتهم اثبات أن هذا الحديث مكذوب اخترعته عائشة حاشاها من الكذب ا وأرضاها. فاجتزأ القائمون على مركز الابحاث كلاماً لابن حجر من كتابيه ( فتح الباري ) و ( الاصابة ) يشير فيه الى حديث آخر أخرجه الفاكهي في كتاب مكة وفيه أنّ أبا بكر قد شرب الخمر وقال أبياتاً رثى فيها قتلى بدر من المشركين ! متجاهلين سياق الكلام بكامله الذي أثبت فيه ابن حجر ضعف هذا الحديث ممّا يدلّ على عدم أمانتهم العلميّة واتّباعهم الهوى. وصنيعهم هذا هو امتداد لصنيع كلّ الكذّابين والوضّاعين الذين نحلوا لكثير من الصحابة م أشعاراً ليقدحوا بعدالتهم. والحمد لله الذي قيّض للأمة رجالاً يكشفون هؤلاء الكذّابين . وأنا في هذا البحث لم أتّهم محقق الديوان بالكذب وإنما وددتُ أن أحذّر من تساهله في التعامل مع الأحاديث الصحيحة .


منازعة مع اقتباس
  #4  
قديم 26-10-2017, 05:18 PM
منصور مهران منصور مهران غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2008
التخصص : ماجستير في علم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 699
شكرَ لغيره: 515
شُكِرَ له 1,789 مرة في 599 حديث
افتراضي

الشكر العميم لتفضلكم بالتعليق الدال على وعي وفهم عميق
ولذلك قلت في تعليقي : القضية الأهم ثبوت الرواية

آمل أن تعدني مناقشا فقط فلست أدعي غير ذلك
وأكرر الشكر والتقدير لشخصكم الكريم
منازعة مع اقتباس
الجليس الذي شكرَ لـ ( منصور مهران ) هذه المشاركةَ :
  #5  
قديم 26-10-2017, 08:17 PM
عامر الرقيبة عامر الرقيبة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2017
التخصص : لغة انجليزية
النوع : ذكر
المشاركات: 20
شكرَ لغيره: 10
شُكِرَ له 20 مرة في 11 حديث
افتراضي


وبارك الله فيكم أستاذنا القدير

منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل في بداية الدعوة ؟ معتز مُضطجَع أهل اللغة 1 18-11-2014 11:55 AM
هديتي لكم: كتاب كن شاعراً - عمر خلوف د.عمر خلوف حلقة العروض والإملاء 3 24-10-2013 05:46 PM
ما وجه قول السيوطي في تفسير : ( لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) ؟ ياسر محبوب خان حلقة النحو والتصريف وأصولهما 2 20-08-2011 12:47 PM
أليس من الأبلغ أن يقول "فإما (مماتٌ) يسرُّ الصديق/وإما (حياةٌ) تغيظ العدا"؟! [ جرح ] حلقة البلاغة والنقد 2 24-02-2010 09:40 PM
شوقي يقول وليته ما قيلا... العطاب حلقة العروض والإملاء 2 14-07-2009 11:14 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 05:47 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ