ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة الأدب والأخبار
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 13-05-2015, 08:05 PM
خالد العاشري خالد العاشري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Dec 2012
السُّكنى في: الجزائر
العمر: 31
التخصص : لغة عربية ودراسات قرآنية
النوع : ذكر
المشاركات: 151
افتراضي خواطر مرسلة بين ماض وحاضر

(خواطر مرسلة بين ماض وحاضر)

تم شهران على عودتي إلى الحياة الطبيعية المدنية،وأذكر أنني قلت يوما:
إن خلف هذه الأسوار-وكنت أقصد حينها الخدمة العسكرية-حياةً أكثرَ مشقة،وأحفلَ مسؤوليةً،وأنه سيكون علي مجابهةُ عقبات كأداء،وأيامٍ وليالٍ سوْداء،وأنه علي وعلي...،وكان الذي قلت وزيادة.
وعلى قدر الحرية-التي عدت أتفيأ ظلالها-حمّلت من الأثقال والنصب ما يمنعني من بسط جناحي والخفق بهما في آفاق همومي ومطامحي،بل لقد قيدت ذاتي بقيود مراغما لهواها،ومصانعا لمواضعات مجتمعنا،استجماعا لراحة بالي،وتوقيا من كهرباء المواجهة السافرة والصريحة لما ألفناه وصار ينخر في بقية أعمارنا..ومع ذلك كله فإن الحرية لا يعدلها شيء حتى الذهب والجواهر،ويا حبذا قيودٌ نتقيد بها طواعية ولو كانت شبيهة بالإكراه،ولا حبذا ما في طياته لذاذات نذوقها بإكراه،حتى لو كان في صورة الطواعية.

وكان مما تغير بتغير الحال والمكان أن قلمي حينها كان يهيم في كل واد،ويستمد من كل جدول وساقية،ويشحذ سنه لكل حدث وحديث،ولم يكن يعرف القيود إلا قليلا-ما لم يكن مما تجاهله يجلب إثما ويجرح حياء-؛فكان يتحدث عن القنابل الموقوتة مثلا،ليست تلك التي يفجرها البارود،بل تلك التي تفجرها بعض الورود،وعن رابية النسيان،وقاسية القلب،ولماذا أحبها،وأوباما والشيطان،وحديث السحاب والجبال،والخرشفيين،وجهل وحماقة وجنون،والغربان والكلاب،وأشواك وتباريح،وصديقتي ومعلمتي،والدموع الباردة،وعام "البو"،وهذا وذاك من ألوان الخربشات التي كنت أقطِّع بها بياض نهاري وسواد ليلي،في خضم المهمات والأعمال،كأنني أفر بذلك من واقعي المنكر البغيض،والحالك القتام؛فأصبغه بألوان من الماضي،وبهارج من المستقبل،وأغمض عيني تخففا من حاضر ليس مرغوبا،وكان قلمي يطاوعني في كل ما خطر لي على بال،وسرح في خزعبلات الخيال،ونأيت هكذا بروحي عن مخالطة ما ليس سائغا عندي،ولعل الله--لطف بي إذ يسر لي وصلا دائما مع بعض من كان ولا يزال أُنسا لي بحديثه وسمره،واضطررت تحقيقا لذلك لاستعمال موقع التواصل-التراشق والتنابل-الاجتماعي،ثم أدمنته وركنت إليه.
كان قلمي يمدني بمداده دون قيد أو شرط،وكان صديقي الأوفى،وحليفي الأوثق،فكان هو حريتي وسط قيود المرحلة،وكانت أوراقي ساحة لها ومجلى..

أما اليوم فلم يعد إلا مماطلا بخيلا،يعد ثم يخلف،ويطمع ثم يمنع،ويُجمع ثم يَنكُث،ويذعِن ثم يحرَن،ويشجُع ثم يهلع،ويصبر ثم يجزع.
لست أدري أي منهج يتبع،وطريقة يسلك،ولقد اشتبه أمره علي واستغلق؛فربما هو يعمل بقاعدة: إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق؛إذ كان يسايرني في أيام الهم والغربة،ويصيخ سمعا إلى شكواي وأنيني،ويذلل الحروف لإرسال أشواقي وحنيني،واليوم بعدما أنخت رواحلي،وطرحت مشقة التسيار عن كاهلي،وقربت الشقة،ودنت الرفقة لم يعد بذاك،وصار يقول لي إن أنا رمت صيد خاطرة،أو حبس ارتسامة،أو تقييد سانحة،أو استرجاع بارحة: ما لك ولها،وما لي ولك !
أين هو من شجاعته وإقدامه في تقحم وركوب كل سهل وعسير،حينما كان يظن أنه هو السلاح الذي ينبغي اليوم حمله،وأنه أجدر بالنصر من سيف يلوَّح به بروح ملعقة،ومن أسطول جبار رعيده كصلصلة آنية المطبخ
ولعله غير مذهبه ونظرته في معاملة السيوف،وقد كان في أول أمره يناصبها العداء،ويجاهر برفع نفسه فوق مقامها،وإعلاء شأنه على شأنها،وينشد في ذلك:

بذا قضى الله للأقلام مذ بريت...
أن السيوف لها مذ أرهفت خدم

وإن تنازل قليلا فلإظهار الشجاعة،فينشد:

خذ بحد السيف واترك غمده....
واعتبر فضل الفتى دون الحلل

وها هو ذا اليوم يتأبى علي تأبيا ركوب ما تعود،واستحال جبانا رعديدا بعدما كان جامحا عربيدًا،متحججا ومتذرعا بقول الطائي:

السيف أصدق أنباء من الكتب...
في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف في...
متونهن جلاء الشك والرِّيَب

أوتراه يَعُدّ الذي كنت-وقتها-شاغلا به نفسي،ومتشاغلا به عن همومي عبثا ولعبا لا يصح لي اليوم مقارفته؟ذلك الذي كان يطيب لي مع أصدقائي ونداماي الذين أعرفهم حق المعرفة،ومع بعض من لا أعرفهم إلا من خلال تلك الخرابيش،ولا يعرفونني كذلك إلا بها..
تلك الخرابيش التي كانت تمثل اشتياقي إلى أحبابي،وحنيني إلى أيامنا الحلوة مجتمعين..
وكانت ترسم صورة مموهة لحياة غريبة ما تمنيت أن أعيشها،ولا كان لنفسي بها قليل رغبة،ولم أركن إليها ولو لبرهة من الزمن؛فكنت أزوق وأنمق لروحي خلال عام كامل عالمًا أعيش فيه بخيالي وأشواقي خلاف واقعي المفروض علي فرضا..
لقد لبس قلمي قبعته حينما أزلت القبعة عن رأسي،وغاب في شرنقة الظلام لما أن مزقتها عنّي،وكف عن تلوين يومياتي بما استثاره الحنين من خيال بعدما أضحى بعضه حقيقة،ويخيل لي أنه يهمس بي في تأبيه علي بقول القائل:

فدع عنك الكتابة لست منها...
ولو سودت وجهك بالمداد

وأنه يعرض بقلة بضاعتي،وفراغ جعبتي حتى كأنه يقول:املأ كأسك بكثرة القراءة والمطالعة حتى تمل منك الكتب؛فإن فاضت بعد هذا فذاك،وإلا فلا !
وكأن جزءا مني-كما يعبرون-التقط همساته وأذعن لها،في حين بقي جزءٌ آخر يغالب هذا الهمس؛فهما يصطرعان ساعة وساعة.

وهذه حياتي المدنية مرة أخرى،وهؤلاء هم الذين حنت لهم الضلوع،فتمنت إليهم الرجوع،وربما ترقرقت العين بالدموع،وقد تخطيت أهوالا إليها ومعشرا علي حراصا لو يسرون مقتلي،ولكنه-للأسف-

ما كل نفس حين تلقى حبيبها...
تسر وما كل الغياب يضيرها

على أنني وإن كسرت قلمي فلن أنسى أن أذكر بالجميل فتيان صدق كانوا نعم الرفقة وخير معين لي في تلك الأيام القاسية،وكانت السنة -مثلما عبّرت أكثر من مرة-بعشر،لقد كانت أيامٌ وليالٍ،وحوادثُ وعبرٌ،ورجالٌ ومواقفُ ،وما نسيت ولن أفعل-بإذن الله-ما ذر شارق ولاح بارق.

ولا أذكر الهموم تسخطا وتشكيا أجاوز به حدود الإيمان،وليس يخلو ذو عقل من هم يؤرقه،ولا يخلو من حِمل يقلقه،والخلو من هذا وذاك دليل على دنو العزيمة،وسفالة الهمة كما قال أبو الطيب:

أفاضل الناس أغراض لذا الزمن...
يخلو من الهم أخلاهم من الفطن

ولا أنشده ادعاء بفضل،غير أن العاقل ينبغي عليه حمل هم يسعى في سبيل إدراكه أو الهلاك دونه.
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
خواطر عشوائية ( ما مدى بلاغتها ؟ ) رفعت خالد المزوضي حلقة الأدب والأخبار 0 23-09-2014 02:23 PM
خواطر من فيض الذاكرة شجرة الزيتون مُضطجَع أهل اللغة 0 18-09-2013 12:02 AM
هل يُحاسب المسلم على خواطر نفسه عن العقيدة ؟ هَذِه سَبِيْلِي حلقة العلوم الشرعية 1 11-11-2011 10:36 AM
خواطر سهل بن المبارك مُضطجَع أهل اللغة 0 27-12-2008 07:24 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 03:12 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ