ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة البلاغة والنقد
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 15-11-2009, 04:25 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 149 مرة في 65 حديث
افتراضي قطوف من جنة أشعار العرب: سفيف، وحفيف، ورفيف... ثم وريف!

قال مالك بن الريب يرثي نفسه- من الطويل-:

أَلا لَيتَ شِعـري هَـل أَبيتَـنَّ لَيلَـةً بِجَنبِ الغضى أُزجي القَلاصَ النَواجِيـا
فَلَيتَ الغضى لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضـه وَلَيتَ الغضى ماشـى الرِّكـابَ لَيالِيـا
لَقَد كانَ في أَهلِ الغضى لَو دَنا الغَضـا مَـزارٌ وَلَكِـنَّ الغضى لَيـسَ دانِيـا


1-إن من الشعر ما لا ينبغي أن يحلل أو يشرح...حسب المتلقي أن يستكين لرقرقة القصيدة، ويستعذب حفيف الأبيات ،ويصغى لخرير الكلمات ..
فكل كلام في هذا المقام قلة ذوق ،بل قلة حياء!
نعم،فرب تحليل يكون مثل إعمال المبضع البارد في الجسد الجميل!
والجسد هنا حي غض...
فعذرا يا مالك بن الريب، عذرا!!

2-الشاعر عن موطنه بعيد، ومن أجله قريب..
والأجل سابق للأمل..
والأمل مختزل في ليلة واحدة يبيتها المحتضر في البلدة ،لكن هيهات هيهات!
"رمل" و"قلاص" و"غضا".. هوذا الوطن كله.. ألا ما أفقر الجغرافيا!
لكن "الرمال" و"القلاص" و"الغضا "..تملأ مسافات الشعور فلا تترك للشاعر أن يشتهي شيئا غيرها...ألا ما أعجب قلب الإنسان!

-لكل محكوم عليه بالإعدام رغبة أخيرة..فما رغبتك الأخيرة يا مالك!
-أن أجري بوادي الغضا أسوق الإبل السريعة!!

" الغضى " : شجر ينبت في الرمل، ولا يكون غضى إلا في رمل.(قاله صاحب الخزانة)
الغضى- مثل الشاعر المحتضر- يستمد ماهيته من موطنه لا من ذاته..
أنت غضى... إذن فأنت من الرمل في الرمل.
لكنك خارج الرمل أنت نبات فحسب، لا اسم لك ولا مجد!!

3-الشاعر مريض محموم...يلهج بالغضا...
الغضى...في البيت الأول..
الغضى.. الغضى.. في البيت الثاني
الغضى.. الغضى.. الغضى..في البيت الثالث...

شوق..فحمى...ثم هذيان...

لَقَد كانَ في أَهلِ الغضى لَو دَنا الغَضـا مَـزارٌ وَلَكِـنَّ الغضى لَيـسَ دانِيـا..

الغضى مذكور في تنوع أسلوبي بليغ :
-في موضع الإثبات: لَقَد كانَ في أَهلِ الغضى مَـزارٌ
-في موضع الشرط: لَو دَنا الغَضـا
-في موضع النفي: وَلَكِـنَّ الغضى لَيـسَ دانِيـا.
ولكل موضع أسلوبي ما يوازيه على صعيد الشعور:
استئناس بالماضي وحنين إليه،
ثم أمل أو وهم أمل في الوصل به،
ثم الرضوخ للواقع والانكسار تحت وطأة اليأس.

4-
فَلَيتَ الغضى لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضـه وَلَيتَ الغضى ماشـى الرِّكـابَ لَيالِيـا..

هي أمنية واحدة..لكن الشاعر المهووس بالغضا يخرجها بوجهين:
هما اثنان: غضى وركب...ساكن ومتحرك.
"فَلَيتَ الغضى لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضـه"
يعني الشاعر:ليت المتحرك سكن...!
"وَلَيتَ الغضى ماشـى الرِّكـابَ لَيالِيـا.."
يعني الشاعر:ليت الساكن تحرك..!!
الغضى ثابت في مكانه ..فكان على الركب المتحرك أن يتنازل عن حركته ليساكن الغضى.
الركب متحرك في أماكنه..فكان على الغضى أن يتخلى عن سكونه ويتعلم الحركة ليماشي الركب.
لكن أنى لهما المساكنة أو المماشاة!هل ينقلب الشيء إلى ضده!
هنا مكمن الفاجعة..
مرة أخرى عفوا يا مالك بن الريب...
منازعة مع اقتباس
  #2  
قديم 17-11-2009, 02:28 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 149 مرة في 65 حديث
افتراضي

قال الأمير شوقي:
برز الثعلب يوما في شعار الواعظينا
فمشى في الأرض يهذي ويسب الماكرينا
ويقول :الحمد لله إله العالمينا
يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبينا
وازهدوا في الطير إن العيش عيش الزاهدينا
واطلبوا الديك يؤذن لصلاة الصبح فينا
فأتى الديك رسول من إمام الناسكينا
عرض الأمر عليه وهو يرجو أن يلينا
فأجاب الديك :عذرا يا أضل المهتدينا
بلغ الثعلب عني عن جدودي الصالحينا
عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا
مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا..

1- برز الثعلب
إسناد الفعل("برز") إلى الفاعل ("الثعلب") إيقاظ للمتلقي وتحفيزلانتباهه:
فإن الحدث لغير معتاد ،وإن الواقعة لتثير أكثر من سؤال..
من شأن الثعلب -في وجداننا الثقافي- أن يختفي لا أن يبرز، ومن طبع الثعلب الكيد والمكر، ولا يفلح الكيد والمكر إلا حيث خفاء، أيتسق هذا وبروز "الثعلب ؟!
البروز انكشاف وافتضاح، ذلك ما فعله الثعلب ،
والمكر تستر وتوار، هذا ما جبل عليه الثعلب..
فالمفارقة بين الفعل والجبلة مثيرة، وإرهاص الحدث الفريد يبشر به مطلع القصيدة ،فليكن القاريء على أهبة لاستقبال غرابة ما سوف يحدث!
الثعلب متوجه الآن إلى عالم الناس،أيعقل هذا؟
وهوالملعون عندهم،صياحهم عليه، وفراره منهم...!!

2-".... في شعار الواعظينا"

كلمة "الشعار" من المشترك اللفظي لها دلالات على:
أ- العلامة (في الحرب)
ب- الثوب (ما تَحْتَ الدِّثارِ من اللِّبَاسِ ، وهو يَلِي شَعرَ الجَسدِ)
ج-الموت.

و قد لا نجد صعوبة كبيرة في حمل هذه المعاني الثلاث –رغم اختلافها وضعا-على قصة الثعلب:
أ-فالثعلب لم يخرج في نزهة، بل خرج محاربا،فهو قناص: ذو خطة، واستراتيجية، وهدف... وهي مقومات كل خائض لمعركة.
ب-والثعلب مخادع يخفي حقيقته –شعر جلده-في ثوب .
ج-الثعلب جاء حاملا للموت، فليس له عن الاغتيال محيد!

يراهن الحيوان الماكرعلى الزي لإخفاء شخصية وإظهار أخرى.. وفي وسعنا أن نتلمس هنا تناصا –أي تداخلا في النصوص فنقرأ نصا خلف نص- فيحيل التعبير العربي على التعبير الفرنسي: L'habit ne fait pas le moine(اللباس لا يصنع واعظا)..

(والتناص المفترض له أكثر من مسوغ..فأمير الشعراء كان متقنا للغة الإفرنج ،وأمثاله الشعرية تعكس تاثيرا واضحا للفرنسي "لا فونتين" الذي له تفوق مشهود في مضمار الحكم والامثال المنظومة.. وله قصيدة عن "الحمار الذي لبس شعار الأسد"..)


3- "فمشى في الأرض"

تاريخ الثعالب لا يمكن أن يلغى هكذا ، ب"جرة ذيل ملبس"،...وصورة الثعلب ، الماكر المحتال، المنقوشة في أذهان الناس عبر الزمن، لا يمكن أن تبهت بين ليلة ويوم...فلا بد من إقناع الناس بالشخصية الجديدة ..
فكان تعبير الشاعر البليغ:
فمشى"في الأرض"

فكأن الثعلب يجوس الأرض كلها عارضا صورته الجديدة ...وليشهده أكبر عدد ممكن من بني آدم!

4- "..يهذي.."

الهذيان كلام لكنه لازم غير متعد،له معنى لكنه نفسي غير اجتماعي،كاشف عن اضطراب في الذهن وحمى في الجسد لكنه عاطل من المعنى عند المخاطب..
ومن الهذيان كان منبت الخطة المحكمة!
فالهذيان يكشف عن نفس مضطربة، قلقة، أهي لسعات وخز الضمير،والتكفير عن جرائم الماضي!
أم أن الثعلب قد توغل في عالمه الداخلي عميقا حتى تقطعت كل أسبابه بعالم الناس وعلى رأسها اللغة..فأضحت هذيانا لا يعول عليه لربط الداخل بالخارج!
شعار الواعظ، وتمتمة الزاهد، وهذيان الصوفي...هي علامات الرغبة عن الدنيا..وهي أعظم حجة لاقناع كل جاحد..فإن الإنسان لينظر شزرا إلى كل منافس له على الدنيا وإن أظهر له الود، ويهش لكل من يدع له الدنيا وإن أبدى له الجفاء!

5- "ويسب الماكرينا...ياعباد الله توبوا"

غمغمة الأوراد والانقطاع عن دنيا الناس تحسن صورة الثعلب لكنها لا تحقق له مأربا..فلا بد من سياسة "المرحلية" وكياسة "التدرجية"..فقد آن للدرويش أن يتطور إلى مصلح ..ألم يبرهن على تزكية بيته، ويثبت انشغاله بخويصة نفسه؟...فإن توجه الآن إلى إصلاح مجتمعه فقد حق له ذلك ..وليس في السلوك ما يريب..

6- ويقول :الحمد لله إله العالمينا
يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبينا
وازهدوا في الطير إن العيش عيش الزاهدينا
واطلبوا الديك يؤذن لصلاة الصبح فينا

خطبة حصيف متأن بليغ:حمد ،وأثنى، ونادى، ووعظ ،وبشر،وأمر , ونهى ،وعلّم ،وعلّل،وعمّم ،وخصص،وطلب ،وبيّن...
وما كانت خطبته بالبتراء!!
ولم يطلب الديك إلا بعد أن مهد له تمهيدا...حتى إن المرء الحذر الشاك بطبعه لينسى أمام سلاسة الأفكار أن الطالب" ثعلب" والمطلوب" ديك"!
انظر كيف نادى بالتوبة العامة أولا..
ثم نادى بالتوبة الخاصة من اغتيال جنس الطيرثانيا..(هل قرأ الثعلب لزوميات المعري!)
ثم طلب فردا من الطير، مع مهارة عجيبة في التمويه، فالديك ليس جسما يؤكل، بل صوتا يؤذن..!!
وكل شيء مغمور بنور التدين والتقوى:
فالخطبة مستهلة بحمد الله ،وموضوعها المجمل الدعوة إلى الرجوع إلى الله ،ومقصدها المفصل استدعاء الديك ليؤذن في الناس صلاة لله ...فأنى يجد الخناس له مكانا في دائرة هذا النور المشع!!
وينتهي المقطع بنصب شرك محكم انخدع له الناس،فكان من دهائه ومن غفلتهم أن أرسلوا، فعلا ،مبعوثا إلى الديك..استجابة لإمام الناسكينا..فهل من منقذ لريش الضحية من فك الجلاد !!

7- فأتى الديك رسول من إمام الناسكينا
عرض الأمر عليه وهو يرجو أن يلينا
فأجاب الديك :عذرا يا أضل المهتدينا
بلغ الثعلب عني عن جدودي الصالحينا
عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا
مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا..

لله در هذا الديك إذ يقول:
"عني"،"عن جدودي"،"عن ذوي التيجان"
ونحن نقول لا تضر "العنعنة" مادام المحدث عدلا ثقة ،لم يعرف بتلبيس أو تدليس!!
وسلسلة الإسناد هي من الذهب الخالص، مدارها على الصلحاء والزعماء والأمراء والملوك ذوي التيجان!!
وليس في المتن أدنى علة قادحة ،فما ترى في قولهم:
"مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا"؟
هي الحكمة، ليست رياضة ذهنية يقولها مترفون في الكلام، ومزخرفون في التعبير..بل هي نتاج تجربة مريرة ،شهد فصولها التاريخ، وتكررت على مضي الأعوام ، ومحصتها الخبرة...وصاغها الحكماء وأذاعوها ..لكن من أين؟
من داخل بطن الثعلب نفسه....
وليس الخبر كالعيان!
لم ينقذ رأس الديك إلا تاريخ السلف، و.............منهج المحدثين!!
منازعة مع اقتباس
  #3  
قديم 18-11-2009, 03:20 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 149 مرة في 65 حديث
افتراضي

-قال" شيخ المعرة":

فلو بان عضدي ما تأسف منكبي ... ولو مات زندي ما بكته الأنامل
إذا وصف الطائي بالبخل مادر ... و عير قساً بالفهاهة باقل
وقال السها للشمس أنت خفية ... وقال الدجى يا صبح لونك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل

هي رؤية معرية لعالم "متفسخ"،وعرض حاد لاستشراء التفسخ على أكثر من واجهة:

1-تفسخ في صورته العضوية:
حين يتنكر الشلو للشلو، والجارحة للجارحة...فما أقسى أن لا يبالي المنكب بالعضد، وأن لا تشعر الأنامل بالزند...
كأني بشيخ المعرة يرتاد هنا حالة قصوى:
فما أوثق عرى العضد والمنكب :لحم واحد وعصب واحد فما رجع الدم إلى المنكب إلا وقد مر من العضد..وما وصل النسغ إلى العضد إلا وقد سمح المنكب بالعبور...ومع ذلك فما أشد البرودة بين جزئي الكيان الواحد!
يغيب العضد فما يذرف عليه أخوه المنكب دمعة واحدة!
يموت الزند فلا تبالي بموته الأنامل!
أي جسم هذا!
لقد تفسخ وانحل حتى ليصبح فيه الشقيقان المتجاوران كأن بينهما أمدا بعيدا...!

2-تفسخ في صورته الثقافية:
تفسخ عالم المعري وانقلب انقلابا...
لا يوازي حدة ذلك الانحلال العضوي إلا حدة انقلاب القيم وتضبب الرمزية الاجتماعية...
وكأني بشيخ المعرة ينسج كوميديا سوداء...ينبري فيها "مادر"ليتهم بالبخل.. لكن من؟
-حاتما الطائي!
ويعير "باقل" بالفهاهة.. لكن من؟
-ابن ساعدة!
"أبلغ من قُسّ، أنطق من قسّ،أدْهى من قس"...كذبت العرب وما أنصفت .. وإلا ما تركوا لباقل ولبيهس ولهبنقة ولصاحب ضأن ثمانين!!
وقد يطوف طائف التردد على القاريء فيحتار:
أي الصورتين أوغل في القسوة والمفارقة،تنكر الأنامل للزناد الذي يحملها أم هذا المسخ في القيم فيتسلق "مادر" الصدارة في الناس ل"كرمه" ، وينكمش "أخو طي "في الحثالة ل"بخله"!!
كيفما كان الحكم..فلا ريب أن الصورة الاولى أدعى للبكاء والرثاء ، وأن الصورة الثانية أدعى للتسلية والضحك ..لكنه "ضحك كالبكا "كما في معجز أحمد!

3-تفسخ في صورته الكونية:
تصعيد ..تلو تصعيد.
تفجرت المأساة محليا وقريبا جدا في جسد الشيخ (في قصة الزند والعضد)ثم امتدت ثقافيا وحضاريا( في قصة مادر وباقل)،فأبى الشيخ إلا أن يصعد المأساة ويصدرها من جسمه وأرضه إلى الأكوان كلها...فهاهو" السها"- على المدى السحيق- مادر آخر في صورته الفلكية يهجو" الشمس "حاتما آخر في صورته الفلكية..ثم يتكرر المعنى من خلل "الصبح" و"الدجى"-على مدى أقرب- في ثنائية هي لازمة أسلوبية في المقطع كله:
العضد/المنكب......الزند/الانامل.
الطائي/مادر.......قس/باقل..
السهى /الشمس.....الدجى/الصبح.
حيث يتبدى التشابه والتضاد في وآن واحد:
عائلة مؤتلفة من البياض ، وعائلة مؤتلفة من السواد..لكن شيخ المعرة يعمد إلى تفتيت العائلتين إلى شظايا وينظم منها عالما متوترا منسوجا من ثنائيات متقاتلة متقابلة كل عنصر في مواجهة غريمه ..
بياض وسواد في توتر صارخ،
القطب السالب(الذي كان موجبا في غير عالم المعري) المكون من الطائي وقس والشمس والصبح لمواجهة القطب الموجب(الذي كان سالبا في غير عالم المعري) المؤلف من مادر وباقل والسهى والدجى...

4-تضاد لا يحتمل ومرارة لا تستساغ...وكيف يستساغ أن يزهو مادر كالطاووس ويدحر حاتم كالفأر!
لكن لا أمل في إرجاع الأمور إلى رشدها..فقد امتد الزيف مكتسحا..
... داخليا وخارجيا....
....أرضيا وسماويا...
فلم يبق من حل إلا الاستنجاد بالموت، الموت الذي سيخرج الوعي من هذا الجو الخانق...
فيخاطب :"زر"
وكأنه ضيف عزيز متمنع...
"زر"
موت مشتهى..
"زر"
موت مدلل...
مدلل عند شيخ المعرة كما كان مدللا من قبل عند شيخ شيخ المعرة:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا...وحسب المنايا أن يكن أمانيا...
منازعة مع اقتباس
  #4  
قديم 19-11-2009, 01:32 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 149 مرة في 65 حديث
افتراضي

قال " المسيب بن علس " :

فَلأَهْدِيَنَّ مع الرياحِ قصيدةً ... مني مُغَلْغَلةً إِلى القَعْقاعِ
تَرِدُ المِياهَ فما تزالُ غَريبةً ... في القومِ بين تَمثُّلٍ وسماع

مقصد الشاعر التنبيه على" انتشار" شعره، ولهذا الغرض وظف أدوات تعبيرية مختلفة، لكنها تلتقي جميعا في تحقيق ذلك المقصد، كل أداة بحسبها.
1-
استوفى الشاعر في البيت الأول كل عناصر الإرسالية:
المرسل/الشاعر:"مني"
المرسل إليه:القعقاع.
الرسالة :القصيدة.
القناة :الرياح.
الملاحظ أن الشاعر قدم ذكر الرياح التي هي القناة الحاملة للرسالة قبل العناصر الأخرى لتوقف مقصد الانتشار عليها..فليس المهم –هنا على الأقل-مضمون القصيدة، أو مبدعها، أو المعني بها ،بقدر ما يهم انتقالها في الآفاق بسرعة..فلا جرم أن وظف" المسيب " صيغة الجمع( الرياحِ) مستهدفا لاستغراق جميع الأمكنة فضلا عن السرعة في طي المسافات...
2-
مُغَلْغَلة
هذه الصفة -ذات التعددية الدلالية -تظهر وجوها ثلاثة للقصيدة المرسلة بناء على المعاني المعجمية التالية:
الغَلْغَلَة: دخول الشيء في الشيء حتى يخالطه. غلْغَلَ في الشيء، وتَغَلْغَلَ في الشجر، إذا دخل في أغصانه.
الغلغلة:الجلد إذا نَهِكَه الدِّباغ قيل أديمٌ مُغلْغَل..(كما في المخصص).
الغلغلة:رِسالَةٌ مُغَلْغَلَةٌ : مَحْمُولةٌ من بلدٍ إلى بلَدٍ...
فعلى الأول يكون الوصف للقصيدة على محور علاقتها بالمتلقي : تتغلغل في النفوس وتنفذ إلى القلوب.
وعلى الثاني يكون الوصف للقصيدة على محور علاقتها بالشاعر مبدعها:حبكها وأتقنها وثقفها مثلما يفعل الدباغ بالأديم ..
وعلى الثالث يكون الوصف للقصيدة على محور علاقتها بالقناة الحاملة:انتقال من بلد إلى بلد ..
والمعنى الأخير أظهر..لأنه المتسق مع السياق أولا، ولشيوع استعمال هذا الوصف- حتى أن الصفة قامت مقام الموصوف مع فعل البلاغ -ثانيا...
قال شاعر:
أَبْلِغْ أبا مِسْمَعٍ عنِّي مُغَلْغَلَةً ... وفي العِتابِ حَياةٌ بينَ أقوامِ.
قال غيره:
أَبْلِغْ بَني كاهِلٍ عَني مُغَلْغَلَةً ... والقَوْمُ مِنْ دونِهِمْ سَعْيا فمَرْكُوبُ
قال آخر:
ألا من مُبْلِغُ الحُرَّيْنِ عَنِّي ... مُغَلْغَلَةً وخُصَّ بها أَبِيَّا.
3-
تَرِدُ المِياهَ
تعبير جميل جدا من أربعة وجوه:
أولا:
تصعيد بلاغي في وصف حركية انتشار القصيدة...فالقصيدة الآن لها حركية ذاتية مستغنية عن الرياح وغيرها، ترد الماء من تلقاء نفسها كأي كائن عاقل حر!
ثانيا:
الماء هو المكان الذي لا بد أن يقصده الناس مرغمين...فكأن القصيدة "اهتدت بذكائها" إلى أن موارد الماء هو المكان الأنسب للشيوع والانتشار..
ثالثا:
تصعيد بلاغي مرة أخرى ففي البيت الأول كانت القصيدة هي التي تذهب إلى الناس محمولة على أجنحة الرياح..أما الآن فقد شرفت وتعززت فأصبح الناس هم الذين يأتون إليها- إلى موارد الماء-
رابعا:
تشخيص القصيدة وتعقيلها بحيث أصبحت فردا من الناس تعطش وتحتاج إلى الماء وترده مع من يرد منهم!!
4-
فما تزالُ غَريبةً ... في القومِ بين تَمثُّلٍ وسماع
حركية أخرى للقصيدة لكن من نوع آخر:
في البدء كانت الحركة طبيعية سماوية:" فَلأَهْدِيَنَّ مع الرياحِ قصيدةً.."
ثم كانت حركة طبيعية أرضية: "تَرِدُ المِياه...َ"
وهاهي الآن حركة ثقافية عقلية:من شفاه إلى آذان ومن آذان إلى أفئدة..
قصيدة غريبة..
لكن الغرابة هنا ليس بمعنى التوحش الذي يثير التوجس...-والإنسان يخشى بفطرته كل ما هو غريب غير مألوف-
بل بمعنى الندارة والعزة..فهي ليس لها مثيل، نسيج وحدها ،ومن ثم يجب التهافت عليها والتنافس في اقتنائها والمبادرة إلى حيازتها لأنها إن لم تقع في اليد فقد حرمها الإنسان إلى الأبد إذ لا ثاني لها .." فما تزالُ غَريبةً"
منازعة مع اقتباس
  #5  
قديم 27-11-2009, 02:40 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 149 مرة في 65 حديث
افتراضي

قالت السلكة أم السليك:

طافَ يَبغي نجوةً ... من هلاكٍ فَهَلَك
لَيت شِعري ضلّةً .. أيّ شيءٍ قَتَلك
أَمريض لم تُعَد .. أم عدوٌّ خَتَلَك
أَم تولّى بكَ ما .. غال في الدهرِ السُّلَك
وَالمَنايا رصدٌ .. لِلفَتى حَيثُ سَلَك
أي شيء حسن ..لفتى لم يك لك
كلّ شيءٍ قاتلٌ .. حينَ تلقى أَجَلَك
طال ما قد نلت فـي..غيـر كـدً أمـلـك
إِنّ أَمراً فادحاً .. عَن جَوابي شَغَلك
سَأُعزّي النفسَ إِذ .. لَم تُجِب مَن سَأَلَك
لَيتَ قَلبي ساعةً .. صبرهُ عَنك مَلَك
لَيتَ نَفسي قُدّمَت .. لِلمَنايا بَدَلَك

هذه المقطوعة من عيون الشعر الإنساني،كنت أشتهي أن أتتبعها بيتا بيتا، فخشيت أن أسيء إليها فلا شيء أضر على حرارة العاطفة من برودة العقل المتأمل!!،وفضلت أن يقتصر التحليل على مطلعها (ثلاث أبيات):

-للمقطوعة إيقاع قوي منشؤه وصل روي اللام بالكاف..ولما كان البحر قصيرا جدا فإن الثنائي الصوتي.."لك"...يتردد على الأذن دون انتظار طويل..فما أن ينتهي صدى "لك"من البيت حتى يقرع الأذن صوت "لك"الموالية في البيت اللاحق...بسبب قلة المدة الزمنية الفاصلة بين نهايات الأبيات..
المقطوعة في نظري من باب لزوم ما لا يلزم....
فالكاف صوت قوي مشهود صالح لان يكون رويا عكس الهاء وقد صدق التنوحي في قوله:

(والكاف التي للخطاب في المذكر والمؤنث، فإنهما وإن كانا في الإضمار بمنزلة هاء أكرمه وشتمه فإنهما قويان، وتستعملان في الروي استعمال الميم والنون،.....
وقد زعم بعضهم أن كاف الخطاب في مثل قولك: حمدك وشكرك لا تكون رويا إلا أن تشاركها كاف أصلية، واحتج بأن هذا اللفظ لو رد إلى الغائب لتغيرت الكاف وصارت هاء، فالكاف في موضع ما لا تكون رويا).

قلت :
ما زعمه هؤلاء خطأ محض ،لأنهم أدخلوا في العروض اعتبارات نحوية /صرفية لا قيمة لها إيقاعيا ...فالعروض موجه للأذن فقط، والأذن لا تفرق بين الكاف في" فَهَلَك" والكاف في " قَتَلك"...الأذن تسمع ولا شأن لها بالإعراب!

2-ما يثير الانتباه في المقطوعة هو الاستهلال بالخبر في بيت الأول:
طافَ يَبغي نجوةً ... من هلاكٍ فَهَلَك
حيث الضمير العائد على السليك هو ضمير الغائب،
ثم تتمحض بقية القصيدة لأسلوب الخطاب...فيكون الضمير العائد عليه هو كاف الخطاب.
خطر لي توجيهان في تفسير هذا التحول الأسلوبي:
1-أن يكون البيت الأول" حكاية للخبر" الذي جاء الشاعرة عن مصرع ابنها ..ذلك الخبر الذي تردد صداه في وعيها ففجر فيها تلك المناجاة التي ستخلل القصيدة كلها.
طافَ يَبغي نجوةً ... من هلاكٍ فَهَلَك
هذا كلام "الشاهد على المصرع" هو خليق بمتفرج يعتمد العين لا الفؤاد..العين تصف الطريدة في محاولاتها النجاة بدون أدنى انفعال..ثم تصف المصير المحتوم بكل برودة "فَهَلَك"!
لَيت شِعري ضلّةً .. أيّ شيءٍ قَتَلك
وهذا كلام "الشاعر بالمصرع" هو خليق بالأم التي" تشعر" ولا "ترى"...

"طافَ يَبغي نجوةً..."
وصف بارد عقلي خبري خال من الإ‘حساس مثل الأنباء التي تحملها قصاصات الأخبار...
أو حصاة تلقى في بركة...
ثم يتحول "الخبر" إلى "إنشاء" أي يتسرب إلى أعماق الحس والشعورلتبدأ المناحة...
أو قل تنداح التموجات و الذبذبات والاهتزازات في الدوائر الشعورية الناشئة عن "حصاة" الخبرالتي ألقيت في السمع!!
لَيت شِعري ضلّةً...إلخ..
2-أو أن تكون الشاعرة استهلت قصيدتها "طافَ يَبغي نجوةً..." فوقع في روعها أنها قد ساهمت في تغييب ابنها الذي يتعرض الآن لنوعين من التغييب:
- التغييب الوجودي فقد مات..
-التغييب الذكري من خلال التعبير بضمير "هو" في زمان الماضي:"طاف"..
فاستدركت الأمر فرأت أن لا يتمالأ الوجود والشعر على تغييب السليك...فلا أقل من استحضار الفقيد شعريا مادام استحضاره واقعيا محال..وليس الشعر إلا تأسيسا للعالم المنشود فليحضر السليك في القصيدة إذن!!فليكن شاهدا سميعا في الهنيهة الحاضرة يسأل ويخاطب :
"أي شيء قتلك.."
كما اعتادت في الأيام الخوالي أن تعاتب ابنها كأي أم في الدنيا:
أي شيء أخرك!!!

3- أَمريض لم تُعَد .. أم عدوٌّ خَتَلَك...
من أجمل الأبيات!

أَمريض لم تُعَد...
يمتزج هنا احساسان:
-الحرمان
-الحسرة.
الحرمان باعتبار الابن فهو مريض ولكن لا مؤنس له أو زائر.
الحسرة من جانب الأم، فالأم لا يخفف عنها إلا أن تكون بجانب ابنها المريض مواسية ومطببة تمر براحتها على الوجه المصفر أو تبلل بالماء الجبين المحموم...لكن السلكة محرومة من هذه الوظيفة..فيأتي إلى الوعي السؤال الذي لا مناص منه:
ترى من يقوم مقامها هناك ..
"أَمريض لم تُعَد...!!"
لكن السلكة تنتبه فجأة..فيرغمها" الحس الثقافي" على تناسي" الحس العاطفي" ولو للحظة.. فيكون الاحتراس:
أن ابنها لم يعد طفلا ليربت على شعره... وليس من الوفاء للفقيد أن يبرز للناس في مثل هذه الهيئة....فهو رجل لا كالرجال ... صعلوك يعشق المخاطر والأهوال.
فأولى به ألا يموت محموما على فراش االمرض..بل:
"عدوٌّ خَتَلَك"
هذا هو اللائق بالصعلوك أن يموت في معركة فقط...
ويموت فيها غيلة فقط..
فهو أشجع وأحذق.. فلا يتمكن منه غيره إلاإذا استعانوا عليه بالختل والتمسكن.
فانظر إلى هذا البيت كيف لخص شقه الاول لهفة الأم، وكيف لخص شقه الثاني حياة الصعلوك!!
منازعة مع اقتباس
  #6  
قديم 02-12-2009, 11:45 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 149 مرة في 65 حديث
افتراضي

من قصيدة "القدس" لأحمد المجاطي-شاعر من المغرب-

تحُزُّ خناجرُ الثُّعبان
ضوء عيونكِ
الأشيَبْ
وتشمخُ في شقوقِ التِّيه
تشمخُ لسعةُ العقربْ..


1-القصيدة عن فلسطين، والقدس هي المخاطبة..
للشاعر مهارة كبري في اختيار الكلمة وتوظيفها...وللكلمة عنده ظلال وإيحاء..
أنظر مثلا إلى كلمة "خناجر" ..
إن الشاعر كان في حاجة لأن يضع للثعبان آلة قاطعة لتقوم بوظيفة "حز الضوء"..فاختارمن عائلة القواطع الخنجر دون السكين أو السيف..
فالسكين له حياد دلالي..والسيف يوحي بالبطولة والشجاعة...فلا يليق بالثعبان الصهيوني إلا آلة صهيونية:الخنجر.
الخنجر مرتبط بإيحاء الختل والغدر ...
الطعن بالرمح فروسية وشرف...لكن الطعن بالخنجر خسة وجبن..
السيف يشهر فهو إعلان للبطولة..أما الخنجر فهو يخفى في الثياب فهو دس للحقد والضغينة..
الخنجر هو آلة اليهودي بامتياز...

لكن أي حيوان سيمثل دور اليهودي؟
ليس إلا الثعبان...
حيوان صامت بارد كالخنجر نفسه...ملتصق بالأرض يزحف بين العشب والرمل خفيا...منظره تتقزز منه نفس الآدمي...يعض في غفلة كما الخنجر يطعن في غفلة...وافق شن المكر طبقة الختل..
يتحرك الثعبان ممتشقا خنجره...نحو القدس.

نلاحظ الكلمات التي جعلها الشاعر في حيز القدس:
ضوء
عيون
أشيب..
علامات النقاء والطهر ...
ثم انظر كيف جمعت صفة" أشيب" بين أصالة التاريخ، ووقار الدين، ونصاعة المظهر...
كل هذا سيحزه اليهودي الثعبان...

انظر كيف فضل الشاعر" الحز" على القطع...لتستحضر صورة اللحم وتستشعر الألم!!

وتشمخُ في شقوقِ التِّيه
تشمخُ لسعةُ العقربْ..

هذه ضربة شاعر بليغ!!
ظلال الكلمات تهمس تاريخا بأكمله...والفضل كله يرجع إلى كلمة سحرية هي "التيه" فلله در الشاعر!!
"التيه" تذكير بضياع بني إسرائيل في سيناء أربعين عاما....
إلى أين كانوا يسيرون؟
إلى القدس...
أرض موعودة أم محرمة عليهم؟
واليوم هاهم يخرجون من الشتات ومن تيههم العصري يزحفون نحو القدس....
كانوا في اختفاء حضاري مثل اختفاء العقارب في الشقوق...
لكن آن اليوم للثعابين والعقارب أن تظهر على أديم الأرض...وتزحف نحو المرأة العجوز!!

2-كلمة قصيرة عن الشعر الحر:

-ليس عندنا عداء خاص للشعر الحر وشعرائه ،ولكننا نرى أن انسلاخه من الوزن والقافية أفقده الوقع والإيقاع... غير أن أنصار الشعر الحر لا يسمعون !
فيحسبون أن النقد الموجه إلى شعرهم محسوب على المذهبية والصراع الفكري بين السلفية والحداثة...الأمر أهون بكثير من ذلك .. وما أرى إثارة الجعجعة الفكرية والمصطلحية إلا سترا للحقيقة الواضحة :إن الشعر الحر لا موسيقى فيه وشاهدنا موضوعي علمي هو :الأذن نفسها....

ولو ألقيت قصيدتان على مسمع صيني لا يعرف العربية، فإن أذنه ستميز الشعر الحر والشعر العمودي..وسيحكم للثاني قطعا..فلا داعي للمزايدات المذهبية...
ليس في الشعر الحر إيقاع...وما زعمه أهله من الموسيقى الداخلية ادعاء لا تحقيق فيه وعلى فرض تحققه فإن الشعر العمودي أعلى دائما..لأنه يمكن إدخال هذا الإيقاع الداخلي في البيت فيتساوى مع الشعر الحر من هذه الجهة مع احتفاظه بإيقاع البحر والقافية الذي زهد فيه أهل الشعر الحر..
هذا،وإن للشعر الحر جمالا في الفكرة والصورة...وقد يتفق لبعض الشعراء منهم إشراقات رائعة وضربات بلاغية مدوية..لكن هذا قليل فالشعراء الحقيقيون من أمثال نازك والسياب وحجازي والمجاطي قلة ..وجل القوم متلاعبون بالكلمات ومتسترون تحت الغموض البئيس ..
منازعة مع اقتباس
  #7  
قديم 03-12-2009, 03:08 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 149 مرة في 65 حديث
افتراضي

مقطع من سينية البحتري..


وَإِذا ما رَأَيتَ صورَةَ أَنطـاكِيَّة
اِرتَعـــتَ بَينَ رومٍ وَفُـرسِ

وَالمَنايا مَواثِلٌ وَأَنوشَروان
يُزجي الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفسِ

في اِخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ على
أَصفَرَ يَختالُ في صَبيـغَةِ وَرسِ

وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَــدَيهِ
في خُفوتٍ مِنهُم وَإِغمـاضِ جَرسِ

مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمـــــحٍ
وَمُليحٍ مِــنَ السِنانِ بِتُـــرسِ

تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحـــياءٍ
لَهُم بَينَهُم إِشارَةُ خُـرسِ

يَغتَلي فيهِم ارتيِابي حَـتّى
تَتَقَرّاهُــمُ يَدايَ بِلَــمسِ!!

1-موضوع في غاية الطرافة والإبداع...
صحيح إن وصف المعارك غرض مأثور عتيق، لكن المعركة التي ينقلها الشاعر البحتري هنا معركة متميزة جدا ف"ساحة" الوغى ليست "ساحة" بل هي "جدار"!

2-توظيف هذا المقطع الحماسي في السينية باهر ومفاجيء:
فالشاعر يصف إيوان كسرى المتهدم المهجور، ثم يقف أمام جدارية تمثل معركة انطاكية، فينقل البحتري تفاصيلها مدمجا بذلك "الحماسة في الطللية"!!

3-هي صورة عن صورة ،ووصف لوصف ،وقصيدة في لوحة..

4-هل كان البحتري يتذوق فن التصوير؟
أجل،فهذا المقطع يشهد على خبرة "عين" البحتري وتمرسها في التذوق الفني :
-عين الشاعر ابتدأت بالإحاطة باللوحة كلها في موضوعها العام:
"وَإِذا ما رَأَيتَ صورَةَ أَنطـاكِيَّة
اِرتَعــتَ بَينَ رومٍ وَفُــرسِ"
ثم حدد الإحساس النفسي الذي تثيره اللوحة في مجملها..وهو الاحساس بالعنف والموت:
"وَالمَنايا مَواثِلٌ.."
-ثم تتجول العين بين تفاصيل اللوحة في "خطة جمالية" جديرة بكبار النقاد:
فهي تقف عند أبرز موضوع في اللوحة وهو صورة كسرى..وتلتقطها عين البحتري في "حركة نازلة" مقسمة هذا الجزء من الصورة إلى ثلاثة أقسام:
الدرفس في الأعلى،
الفرَس في الأسفل،
وأنو شروان في الوسط..
وتلتقط العين معها التباين اللوني :
"الأخضر" في ثياب كسرى و"الأصفر" في الفرس..
"................ وَأَنوشَـروان
يُزجي الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفـسِ
في اِخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ عـــــَلى
أَصفَرَ يَختالُ في صَبيـــــغَةِ وَرسِ"

-بعد هذه الجولة العمودية لعين البحتري تشرع في جولة أفقية :
لقد تتبعت شخص كسرى من أعلى إلى أسفل..وحان الوقت لاستكشاف اللوحة أفقيا ،فتنتقل العين يمينا (أو يسارا)، فتكتشف الجنود متتبعة حركاتهم:

"وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَــدَيهِ"

(أفضل أن تكون كلمة" الرجال" من الترجل لا من الرجولة..لأن الرسام يريد جعل كسرى بؤرة اللوحة فيجب أن يكون وحده الفارس، وغيره الراجلون )
اللوحة في هذا القسم مبنية على الثنائيات الحادة،ولا يمكن تصور حرب بدون حدة الثنائيات،[والطباق قد يأتي وجها بيانيا رغم أنف (بل منقار) ببغاوات البلاغة الذين حشروه في البديع إلى الأبد!] :
فجند كسرى في مقابل جند الروم،
المشيح/المليح،
المهاجم/المدافع،
الرمح/الترس..،
"مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمـحٍ
وَمُليحٍ مِــنَ السِنانِ بِتُــرسِ"


بعد استظهار اللوحة كلها تعود العين إلى ذاتها...
فننتقل من الصورة إلى الإحساس بالصورة،أو...
يخفت الحس الفني ليترك المجال للحس المنطقي ،أو..
يخرج الشاعر من معايشة الصورة إلى مساءلتها:

"تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحــــــــياءٍ
لَـــــهُم بَينَهُم إِشــارَةُ خُــــرسِ

يَغتَلي فيهِم ارتيِابي حَــــتّى
تَتَقَرّاهُــمُ يَدايَ بِلَــمسِ"

الصورة واضحة للعين حتى تكاد تكون حقيقة "ملموسة"....
ويشك الشاعر في بصره حتى إنه ليستعين بلمسه..
ونحن بدورنا نشك:
من الرسام الحقيقي..الرسام المجهول الذي رسم المعركة لكسرى في قصره (اندثر الرسم والقصر )، أم البحترى الذي نقل ذلك الرسم وخلده!
منازعة مع اقتباس
  #8  
قديم 10-12-2009, 12:25 AM
نحوية نحوية غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2009
التخصص : لغة عربية
النوع : أنثى
المشاركات: 53
شكرَ لغيره: 42
شُكِرَ له 10 مرة في 10 حديث
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك فيكم -أخي -وبارك لكم-وعليكم-...لقد أعجبتني هذه التحليلات الأدبية البلاغية ؛فهي جدُّ-ثمينة ودقيقة وقد قرأتها بتمعن ،واستفدتُ منها ولله الحمد

واستأذنكم....في نقل شيئ من هذه التحليلات البليغة...جعلها الله في ميزان
حسناتكم....وأقول لكم:زكاة العلم نشره
زادكم الله حكمة وعلما ونورا
منازعة مع اقتباس
  #9  
قديم 14-12-2009, 10:26 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 149 مرة في 65 حديث
افتراضي

هذا مطلع المقصورة الشهيرة لأبي الطيب:
ألا كلّ ماشية الخيزلي ... فدى كلّ ماشية الهيدبي

(الخيزلي والخوزلي: مشية النساء، وهي مشية فيها تثنى وتفكك، والهيدبي: مشية الإبل فيها سرعة).

مطلع لا كالمطالع...وأسلوب عجيب في ذكر النساء!
درج الشعراء في الطلليات على الحنين إلى" الثبات" والتألم من" الحركة":
-لو يثبت الطلل على حاله، فلا تنال منه عوادي الزمان..!
-لو يثبت الزمن عند الماضي ،فلا غد ولا بعد غد..!
-لو يثبت الحبيب في الدار، فلا ظعن ولا رحلة..!
-لو يثبت الشاعر ،مع تلك الثوابت..!!
الحركة رحلة ،والرحلة فراق، والفراق موت..
وقَدَر الشاعر أن يبحث عن العنصر الإنساني التائه أبدا في مساحات البيداء..
أما أبو الطيب فيؤسس قيما مضادة:
-الثبات موت والحركة حياة...
(يأتي من مغرب الشمس صدى ابن دراج القسطلي:
ألم تعلمي أن الثواء هو التوى...وأن بيوت العاجزين قبور!)
...فتكون (الرِّجل) أهم عضو في الكائن...وتكون (المشية) أهم وظيفة ...
ويكون تصنيف الكائنات بحسب مشيتها:
هذه مشية فيها تثنى وتفكك....المرأة!
وهذه مشية فيها قوة وسرعة...الناقة!
ضعف/ وقوة...
تصنع/ وطبيعة...
إغراء بالمقام/ وحث على الرحيل..
خضوع للشهوة/ وركوب للمخاطر...
كيفما قلبت الأمور لا ترقى الخيزلى إلى الهيدبا..
والبقاء للمغامر الأقوى..
فلتكن صاحبة المشية الأضعف قربانا لصاحبة المشية الأقوى..
..(نيتشوية قبل نيتشه!!)
أوَ يكون نوع الإنسان أخس من نوع البعير..!
أبو الطيب نظره إلى المشية لا إلى الماشي...
فاعذروا أبا الطيب!
ماشية الخيزلي تعد بالثبات والقناعة والاستسلام للشهوات ..فأين وعود المجد!!
هي في خف البعير..
فاعذروا أبا الطيب مرة أخرى!!
منازعة مع اقتباس
  #10  
قديم 14-12-2009, 11:57 PM
نحوية نحوية غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2009
التخصص : لغة عربية
النوع : أنثى
المشاركات: 53
شكرَ لغيره: 42
شُكِرَ له 10 مرة في 10 حديث
افتراضي

شكرا وبارك الله فيك.......فعلا أنا سعيدة بهذا الموقع-ومحظوظة جدا بأهله
ومغبوطة على النعمة التي أنعم الله عليّ بها من قراءتي للعلوم العربية التي أطّلع عليها بين الفينة والأخرى،وأستسمحكم ؛لقلة زيارتي لهذا المنتدى الرائع ووالله إني أحاول اغتنام الفرصة المناسبة كي أشارك بكتاباتي المتواضعة،لعلني
منازعة مع اقتباس
  #11  
قديم 15-12-2009, 12:07 AM
نحوية نحوية غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2009
التخصص : لغة عربية
النوع : أنثى
المشاركات: 53
شكرَ لغيره: 42
شُكِرَ له 10 مرة في 10 حديث
افتراضي

شكرا لكم ووالله إني لسعيدةٌ بهذا الموقع الرائع،وإني مغبوطة على اطِّلاعي وقراءتي لمواضيعكم العلمية الهادفة النيّرة الخيِّرة،وأحمد الله على النعمة التي أنعمها علي في دخولي لمنتدى لُغوي عظيم يهتم بعلوم اللُّغة الحبيبة...
وأستسمحكم لقلة زيارتي لمنتداكم الذي هو في قلبي ،وعقلي، وروحي،وأمام ناظريّ
ومازلت أحاول اغتنام الفرصة كي أشارك وأقدم بين أيديكم مشاركاتي المتواضعة؛ لعلني أجد فيما تقترحون به علي علما جما نافعا نافذا موجِّهاطيبا ...ولكن نظرا لكثرة مشاغلي
قصُرتُ وقصّرت في ارتياد وورود هذا النبع الصافي الطيب والمنهل الذي ينبع نورا وحكمة وعلما.....
انتظروني إن شاء الله -سأقدم كل جديد ومفيد..ولكن بتواضع تام أمام علومكم وعقولكم وقدراتكم الرائعة .وبارك الله فيكم ولكم وعليكم
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
لامية العرب ســـهـــل حلقة الأدب والأخبار 11 26-09-2011 04:53 PM
المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها - عبد الله الطيب ( بي دي إف ) مكتبة الملتقى مكتبة أهل اللغة 1 24-03-2010 12:37 AM
من مواد الجمال عند العرب فريد البيدق حلقة فقه اللغة ومعانيها 1 28-09-2009 09:10 AM
قطوف من كل بحر قطرة "موضوع خالد" ! أبو تميم التميمي حلقة الأدب والأخبار 5 18-07-2008 01:44 AM
من أقوال العرب محمد سعد حلقة فقه اللغة ومعانيها 0 05-06-2008 03:30 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 06:02 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ