ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة البلاغة والنقد
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 15-11-2009, 12:13 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 149 مرة في 65 حديث
افتراضي نيل الحاجة في بيان تمثيل النور بالمصباح والمشكاة والزجاجة ...

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ النور35

نريد أولا، قبل تأمل هذا التمثيل، أن نقرر قاعدتين :
أولا-يجب حمل القرآن على أسمى محمل في سلم البلاغة..
ثانيا-يجب إرجاع البلاغة نفسها إلى سجية القول ،لتكون السليقة والطبع والتذوق هي المعايير والضوابط ،بدل التجريد الذهني والضبط المنطقي..
فالتشبيه ،وهو موضوع تأملنا هنا،ليس إلا وجها بيانيا بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي ،فالسليقة السليمة تقرر أن التشبيه آلية في الكلام تقصد، أول ما تقصد، تقريب المعنى إلى ذهن المتلقي ووجدانه : فلا يتصور الانتقال من المشبه إلى المشبه به إلا في صور من قبيل الانتقال من الذاتي إلى الموضوعي، أو من الغريب إلى المألوف، أو من الذهني إلى الحسي، أو من المجهول إلى المعلوم...
هب أنك تريد أن تروي لصاحبك رؤيا رأيتها أمس، فستجد نفسك عاجزا عن التخلص من التشبيه ، وكأنه قدر في الكلام لا محيد منه،ألست تستهل كلامك بشيء مثل:"رأيت في المنام كأنني..."
حاول أن تصف لصاحبك مشهدا لم يره قط، فإما أن تسكت أو تستعين بالتشبيه !!
هذه هي وظيفة التشبيه في كلام الناس السوي، وفي القرآن المبين..
لكن الترف في الكلام كان وراء إحداث وظائف مريبة للتشبيه، من قبيل ما سموه "تحسين المشبه وتقبيحه" واستحدثوا نوعا في التشبيه سموه "التشبيه المقلوب" وأحرى أن يسمى "التشبيه الممسوخ" فلا ترى السليقة إلا نافرة من تشبيه المعهود بالمجهول، أو الواضح بالخفي ،أو الحسي بالمعنوي، أو الأكثر بالأقل ...واحتفاء بعض المتأخرين من المتأدبين بهذا "المقلوب "يشبه ابتهاج الناس في المهرجان بالبهلوان الذي يسير على يديه عوض قدميه!!صحيح إن السير على اليدين قد يثير الإعجاب لكنه إعجاب وقتي عند طائفة من الناس يسلكونه في باب "كيف يستطيعون فعل ذلك" وإلا فعلمهم راسخ أن هذا المشي مخالف للفطرة،لا جد فيه ،ولا يباح منه إلا قسط في اللعب لا غير!!
نحن ،بالتأكيد،لا نقصد أن نمنع " التشبيه "من أن تكون من جملة وظائفه الزخرفة وتزيين الأشياء أو استقباحها ، ولا ندعي كذلك أن يكون "التشبيه المقلوب "خطأ بلاغيا، بل نقصد أنه عبث إذا كان يراد منه البيان بمعنى الكلمة، أما إن كان المراد غير البيان فلا اعتراض حينئذ....ف"تشبيه الصباح بجبين الخليفة" ،مثلا، لغو لا يفيد شيئا في بيان الصبح لمن لا يعرفه..ولكنه مستساغ إذا كان الغرض أشياء من جنس الدعابة ،وإظهار "خفة الدم"،وإشاعة المرح أو السخرية بالمشبه ...فكأن الشاعر لا يتوخى بتشبيهه المقلوب نقش صورة الصباح في وعي سامعه، بقدر ما يتوخى رسم البسمة على وجهه!!
إذن فليكن التشبيه المقلوب من وجوه البديع لا من وجوه البيان!!

إذا تقرر هذا ،أجزنا لأنفسنا أن نعد التمثيل في الآية من باب تشبيه المعنوي بالحسي حملا له على أحسن محمل بلاغي، أما أن يكون المشبه حسيا فتأباه البلاغة ولا ينبغي أن يؤول به البيان المعجز...( نحن ننطلق هنا من مقتضيات البلاغة وحدها وليس من قواعد العقيدة في الأسماء والصفات فليتنبه!)
فاعتبار النور حسيا يلزم عنه محذوران:
-اللغو في التشبيه، على مذهب القائل:
كأننا والماء من حولنا...قوم جلوس حولهم الماء!!
فالمصباح، والكوكب الدري ،والزيت المضيء ،كلها أفراد من جنس النور..فلا يكون في الآية أكثر من تشبيه النور بنفسه أو تشبيه الجنس بأفراده، فأي فائدة يجتنيها المتلقي من تشبيه طويل حاصله النور مثل النور!!
-قلب التشبيه ،وقد عرفت ما فيه..
وأحسب أن أبا تمام قد قال بقلب التشبيه في الآية وفق ما يفيده ظاهر بيته المشهور مع اعتبار سياقيه القولي والمقامي:
فاللُه قد ضَرب الأقَلَّ لنوره ... مثلاً مِنَ الْمِشكاةِ والنِّبراسِ
وهذه المذهب إن كان سائغا في بلاغة أبي تمام ،المبنية على التخطيط الذهني، فإنه في نظرنا لا يجوز أن تحمل عليه الآية..لأن مقصدها هو البيان، والبيان لا يتحقق بشيء مثل تشبيه الساطع بالخافت، والمنشور بالمطوي، والشاسع بالمحصور..فلا يستقيم في السليقة أن يشبه النور- المضاف إلى الله!- (كواكب وشموس ومجرات ...) بمصباح في مشكاة!!
لا مناص إذن من تأويل النور بالمعنوي، ليكون التشبيه على المهيع الصحيح...
وقد قال جمهرة من المفسرين أن المراد بالنور "القرآن" أو "الهدى"..فيستقيم التشبيه،حينئذ، إذ يكون مخرجا ما لا يقع عليه الحس إلى الواقع عليه،وما يفهم بالذهن إلى ما يتصور بالمخيلة ،وهذا هو المستحق لاسم البيان فعلا .
فلا تكون الآية قد شبهت في جنس واحد الأكثر بالأقل-كما زعم أبو تمام-بل عقدت صلة ليس بين جنسين مختلفين فقط بل متضادين تضاد المعقول والمحسوس.
وهذا أوان الكشف عن سمو بيان التشبيه:
لنلحظ أولا أن أداة التشبيه لم تدخل على المصباح ،كما هو متوقع ، بل على المشكاة..

قال العلامة ابن عاشور:
"وقوله : كمشكاة فيها مصباح المقصود كمصباح في مشكاة . وإنما قُدم المشكاة في الذكر لأن المشبه به هو مجموع الهيئة ، فاللفظ الدال على المشبه به هو مجموع المركب المبتدىء بقوله : كمشكاة والمنتهي بقوله : ولو لم تمسسه نار فلذلك كان دخول كاف الشبه على كلمة مشكاة دون لفظ مصباح لا يقتضي أصالة لفظ مشكاة في الهيئة المشبه بها دون لفظ مصباح بل موجب هذا الترتيب مراعاة الترتيب الذهني في تصور هذه الهيئة المتخيلة حين يلمح الناظر إلى انبثاق النور ثم ينظر إلى مصدره فيرى مشكاةً ثم يبدو له مصباح في زجاجة ".اه

لكن تعليله لموجب الترتيب فيه نظر من جهتين:
فالترتيب -ليصح تعليله- يجب أن يكون مكانيا لا ذهنيا،حيث ينتقل من المحتوي إلى المحتوى..
لكنه زعم أن الترتيب "نفسي" أي من جهة إدراك المتلقي..وبهذا الاعتبار كان من حق المصباح أن يذكر أولا ،لا المشكاة ،لأن الراصد يلمح أولا النور، ثم ينتقل بعدها إلى محيط النور، فكان الأولى أن يقال" كمصباح في مشكاة" لا العكس ..وفي عبارته - -قلق واضطراب فقد قال" يلمح الناظر إلى انبثاق النور ثم ينظر إلى مصدره فيرى مشكاةً ثم يبدو له مصباح في زجاجة ".
لا شك أن انبثاق النور هو المصباح نفسه، فكيف جعل الشيء متقدما على نفسه!!

على كل حال فإننا نرى أن دخول الأداة على المشكاة بالقصد الأول لا الثاني..
فالمراد أصلا التنبيه على "المحفوظية" فهو نور محفوظ أولا، متلأليء بعد ذلك..على قاعدة التخلي قبل التحلي..
فالمصباح محروس بحافظين :المشكاة والزجاجة...أي "حفظ في حفظ" الموازي ل" نُّورٌ عَلَى نُورٍ" المذكور بعدها في معرض بيان التوقد والإشعاع..
ولنلحظ تلك الوظيفة الدلالية المزدوجة لوسيط "الزجاجة":فهي حافظة مباشرة للمصباح ،من غير أن تعرقل انبثاق الضوء وانتشاره ،بل هي في التوقد زيادة ،و في الإنارة إضافة، ألم تر كيف شبهت هي نفسها بكَوْكَبٌ دُرِّيٌّ"!
فهل تملك الرياح شيئا أمام هذا المصباح المحفوظ في الأرض المتوقد في السماء!
أفلم ييأس الذين يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم!!
إن فذلكة التمثيل" نُّورٌ عَلَى نُورٍ" ليرشدنا إلى معنى ثالث،فتكون النتيجة ثلاث مواصفات لنور الله:
-هو نور محفوظ،
-وهو نور ساطع،
-وهو نور خالص،
والفذلكة تؤكد المعنى الثاني والثالث معا..
ف"نور على نور" تعني تراكب النور مما يكسبه قوة بعد قوة ..
كما تعني أنه ليس ثمة إلا النور فهو خالص من أي شائبة..وقد عبر البيان المعجز عن هذا المعنى بذكر وقود المصباح لأنه لا يتصور في التخيل انبثاق الضوء من المصباح إلا بتصور استمداد ما ...فجعل التمثيل الاستمداد من زيت الشجرة المباركة..لكن هذا الزيت ليس أجنبيا عن المصباح بل هو من جنسه" يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار" فليس ههنا إلا النور الخالص أي "نورعلى نور"!!

بقيت كلمة عن وصف الشجرة بكونها لا شرقية ولا غربية:
فقد روى الطبري جملة من الأقوال في توجيه نفي الوصفين :
-فقال بعضهم: إنما قيل لهذه الشجرة: لا شرقية ولا غربية: أي ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت، وإنما لها نصيبها من الشمس بالغداة ما دامت بالجانب الذي يلي الشرق، ثم لا يكون لها نصيب منها إذا مالت إلى جانب الغرب، ولا هي غربية وحدها، فتصيبها الشمس بالعشيّ إذا مالت إلى جانب الغرب، ولا تصيبها بالغداة، ولكنها شرقية غربية، تطلع عليه الشمس بالغداة، وتغرب عليها، فيصيبها حرّ الشمس بالغداة والعشيّ، قالوا: إذا كانت كذلك، كان أجود لزيتها.
-وقال بعضهم: هي التي بشقّ الجبل، التي يصيبها شروق الشمس وغروبها، إذا طلعت أصابتها، وإذا غربت أصابتها.
-وقال غيرهم: هي شجرة وسط الشجر، ليست من الشرق ولا من الغرب.
-وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله، ولو كانت هذه الشجرة في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية.

ونحن نرى –والله أعلم-أن الشرق والغرب جهتان نسبيتان ،تتحددان بموقع الراصد ضرورة، مثل اليمين والشمال..فيكون نفي الجهتين عن الشجرة المباركة إشارة إلى أصالتها وعدم افتقارها إلى معيار خارج عنها ، يتحدد موقعها بالنظر إليه...بل هي المعيار نفسه الذي يحدد مواقع الأشياء بالنسبة إليها.. وليس إلا هذا الاعتبار يليق بنور الله الحاكم غير المحكوم!!
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
بيان إعراب ( نحو ) ، و ( مثل ) وغيرهما على اختلاف مواضعها فيصل المنصور حلقة النحو والتصريف وأصولهما 9 06-12-2012 06:23 PM
شرح شافية ابن الحاجب - رضي الدين الأستراباذي ( بي دي إف ) مغني اللبيب مكتبة أهل اللغة 2 14-05-2012 06:17 AM
ضابط للبحور ( فيه بيان الأعاريض والأضرب والوزن ) عائشة حلقة العروض والإملاء 3 27-04-2009 10:24 AM
مملكة النور علي المعشي حلقة الأدب والأخبار 5 27-07-2008 08:18 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 01:10 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ