ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة النحو والتصريف وأصولهما
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #16  
قديم 21-07-2011, 11:16 PM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

( 3 )

وأمرٌ آخَرُ يصدِّق لك هذه الدعوَى. وذلكَ أنَّ هذه الأبياتَ التي تفرَّدَ بها ابنُ مالكٍ كلُّها مجهولةُ القائلِ إلا أربعةً وعشرينَ بيتًا جاءَت منسوبةً إلَى الطائيِّ، أو إلَى رجلٍ من طيِّئ كما ذكرَ البدريُّ. ولو كانَ أصابَها كما زعَموا في دواوينِ الشُّعراءِ، لأثبتَ النِّسبةَ إليهم كما هو دأبُه في سائرِ الأبياتِ التي يعرِف قائليها. ولو كانَ وقعَ عليها في كتبِ اللغويِّين، أو الأدباءِ، أو النُّحاةِ، لعزَا ذلكَ إليهم، ولو في بعضِها. ومن شأنِه أن يفعلَ ذلكَ في ما تفرَّدَ به صاحبُه، أو في ما قلَّ عندَ غيرِه، كقولِه: (وأنشدَ أبو علي في التذكرة)، و(أنشد أبو الحسن).
وأما الأبيات التي نسبَها إلى الطائيِّ، أو إلَى رجلٍ من طيِّئ، فإنَّما عنَى بذلك نفسَه، فهو طائيُّ النسَبِ كما هو معلومٌ. وهذا يدُلُّك أيضًا علَى أنَّه لم يكن كذَّابًا كما زعمَ البدريُّ، لأنَّه لو كان كذلك، لفرَّق هذه الأبياتَ على الشُّعراءِ، ولكانَ لسائرِ القبائلِ حظٌّ منها، فكنَّا نجِده ينسُبُ بعضَها إلى هذيل، وتميم، وأسد، وغيرِهم. وفي هذا رواجُ أمرِه، وخفاءُ حيلتِه. وهو أيضًا دَليلٌ علَى أنَّه هو واضِع هذه الأبياتِ، لأنَّ في قبائلِ العربِ شعراءَ كثيرينَ، فلِمَ لا نجِد بعضَ هذه الأبياتِ منسوبًا إليهِم كما نُسِب إلى طيِّئ؟
وإذن فهذا الأمر يفضي بكَ إلى حقيقتينِ، الأولَى أنَّ ابنَ مالكٍ ليس بكذَّابٍ، وإن كانَ ملتبِسًا بخَصلةٍ أخرى سأبيِّنُها إن شاءَ الله، والثانية أنَّه هو واضِع هذه الأبياتِ. وهما أمرانِ لا تناقضَ بينَهما عندَ مَن يزِن الأمورَ بميزانِ العَدل، والإنصافِ، ويتجرَّد من نوازعِه، وأهواءِ نفسِه.


يُتبَع
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
  #17  
قديم 25-07-2011, 01:52 AM
ابن المهلهل ابن المهلهل غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Aug 2008
التخصص : شاعر
النوع : ذكر
المشاركات: 89
افتراضي

أكمل ، بوركت
منازعة مع اقتباس
  #18  
قديم 25-07-2011, 06:10 PM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

( 4 )

فهذه الحججُ التي تتعلَّق بروايةِ الأبياتِ، وسبيلِ تأدِّيها. وقد بسطناها بالقدرِ الذي يقطعُ عذرَ المخالفِ إن شاءَ الله.
وقد بقِي النظَر في الأبياتِ نفسِها، وما فيها من دلائلِ الوضعِ، وأمارَاتِ الصَّنعةِ. وهذا بابٌ واسِعُ المضطَرَب، متجافي الأطرافِ. وسنذكرُ منه نُتَفًا تغنيكَ عن شمولِ الإحاطةِ، وتمامِ الاستقراءِ، لأنَّا لم نجعلْ هذا الكلامَ بحثًا عِلميًّا فنلتزِمَ فيهِ طرائقَ البحثِ، وشروطَه، وإنما آثرنا أن يكونَ كالمقالِ الأدبيِّ ليكونَ أعلقَ بالقلبِ، وآنَقَ في السَّمْع.
فأمَّا ألفاظُ هذه الأبياتِ، فإنَّها سَهْلةٌ واضحةٌ، وليسَ فيها ألفاظٌ غريبةٌ. وهذا من أدلَّةِ وضعِها، إذْ لو كانت صحيحة النِّسبةِ إلَى العربِ الذين يُحتجُّ بشعرِهم، لكُنَّا نجِد فيها اللفظَ الغريبَ كما نجِد فيها اللفظَ السَّهْلَ. وهذا بيِّنٌ معلومٌ.
وأمرٌ آخَر يَدُلُّك على أنَّ واضعَ هذه الأبياتِ شخصٌ واحِدٌ، وهو أنَّك إذا تصفَّحتَ ألفاظَها، ألفيتَها متقارِبةً، ووجدتَّ اللفظَ منها مكرَّرًا في أكثرَ من موضعٍ. وذلكَ أنَّ لكلِّ امرئٍ خِزانةً من اللفظِ لا يكادُ يجاوِزُها. وأمثِّل لك بامرئ القيسِ، فإنَّ ذلكَ ظاهرٌ في شِعرِه. وقد قالَ:
كأنَّ دماءَ الهادياتِ بنحرِهِ عُصارة حِنَّاء بشَيبٍ مرجَّلِ
وقال:
كأنَّ دماءَ الهادياتِ بنحرِهِ عُصارة حِنّاء بشيبٍ مفرَّق
وقال:
له أيطلا ظبيٍ، وساقا نعامةٍ وإرخاءُ سِرحان، وتقريبُ تتفلِ
وقال:
له أيطلا ظبيٍ، وساقا نعامةٍ وصهوةُ عَيرٍ قائِمٍ فوقَ مَرْقبِ
وقالَ:
قعدتُّ وصحبتي له بينَ ضارجٍ وبين العُذيب بُعد ما متأمَّلِ
وقال:
قعدتُّ وصحبتي له بينَ ضارجٍ وبين تلاعِ يثلث فالعَريضِ
وهو أمرٌ لم يستطِع ابنُ مالكٍ أن يسترَه بلُطفِ الصَّنْعةِ، ودِقَّة الحِيلةِ، فنمَّ عليه، ووشَى به. وسأسوقُ لكَ شواهِدَ على ذلك.
قالَ:
أخِي حسبتُك إيَّاه وقد مُلِئت أرجاءُ صدرِك بالأضغانِ والإحَنِ
فقولُه: (وقد ملِئت أرجاءُ صدرِك) لهُ نظائِرُ، منها قولُه:
لبئس المرءُ قد مُلئ ارتياعا ويأبَى أن يراعي ما يُراعَى
وقولُه:
علامَ ملئتَ الرعبَ والحربُ لم تقد لظاها، ولم تُستَعمل البِيضُ، والسُّمْرُ
وقولُه:
مُلئتَ رعبًا وقومٌ كنتَ راجيَهم لما دهمتُك من قومي بآسادِ
وقولُه:
لنحنُ الألَى قلتم، فأنَّى مُلِئتمُ برؤيتِنا قبل اهتمامٍ بكم رُعبَا
وقد رأيتَ تَكرارَ كلمة (الرعب) مع (الملْء) أيضًا.
وقالَ:
من يُعنَ بالحمدِ لم ينطِق بما سَفَهٌ ولا يحِد عن سبيلِ الحِلْم، والكَرَمِ
فقولُه: (يُعنَ) من ألفاظِه التي يكثِرُ تَكرارَها معَ نُدرتِها في الشِّعر القديمِ! وإنَّك لتمرُّ بآلافِ الأبياتِ فلا تلقَى لها ذِكرًا! ومن ذلك قولُه:
لا تُعنيَنَّ بما أسبابُه عسُرت فلا يدي لامرئٍ إلا بما قُدِرا
وقولُه:
بما عُنيتَ به من سؤددٍ، وندى يحيا أباك رهينَي مِيتةٍ، وبِلَى
وقوله:
لقد حازَ من يُعنى به الحمدَ إن أبَى مكافأةَ الباغينَ، والسُّفهاءِ
وقولُه:
إن تُعنَ نفسُك بالأمرِ الذي عُنِيَت نفوسُ قومٍ سمَوا تظفَر بما ظفِروا
وقولُه:
إذا كنتَ معنيًّا بجودٍ، وسؤددٍ فلا تكُ إلا المُجمِلَ القولَ، والفِعْلا
وقولُه:
وإن امرأ لم يُعنَ إلا بصالحٍ لغيرُ مُهينٍ نفسَه بالمطامعِ
وقولُه:
وفاقًا بني الأهواءِ، والغَيِّ، والونَى وغيرُك معنِيٌّ بكلِّ جميلِ
وقولُه:
لعمري ليُجزَى الفاعلون بفعلِهم فإياك أن تعنَى بغيرِ جميلِ
وقد رأيتَ أيضًا تكرارَ كلمة (جميل) بعد كلمة (تُعنَى).
وقولُه:
لم يُعنَ بالعلياءِ إلا سيِّدا
وقولُه:
ما دامَ معنيًّا بذكرٍ قلبَه
وأما (الحمد)، فهو لفظٌ كثيرُ الذِّكرِ في أبياتِه، وكذلكَ (الحِلم)، و(الكرم). ولا حاجةَ لإيرادِها خشيةَ الإطالة.
وقولُه: (سبيلِ الحِلْم، والكرمِ) قد كرَّره أيضًا إلا أنَّه جعلَ مكانَ (الحِلْمِ) (المجدَ)، قالَ:
دمتَ الحميدَ، فما تنفكُّ منتصِرًا على العِدا في سبيلِ المجدِ، والكَرَمِ
على ما في ذلك من ركاكةٍ ظاهرةٍ، وسذَاجةٍ في المعنى.
وقولُه:
(دمتَ) من ألفاظِه في الدعاءِ. ومن ذلك قولُه:
دامنَّ سعدُكِ إن رحِمتِ متيَّمًا لولاكِ لم يكُ للصبابةِ جانِحا
و(الحميد) مشتقٌّ من (الحمدِ). وهو من الألفاظِ الكثيرةِ الدورانِ في هذه الأبياتِ كما ذكرنا.
وقولُه: (تنفكُّ) له نظائرُ عِدَّةٌ في هذه الأبياتِ معَ قلتِها في شِعر مَن يُحتجُّ به. ومن ذلك قولُه:
إذا قلتُ: علَّ القلبَ يسلوُ، قيِّضت هواجسُ لا تنفكُّ تغريه بالوجدِ
وقولُه:
وقد علِموا ما هُنَّ كهْي، فكيفَ لي سلوٌّ، ولا أنفكُّ صَبًّا متيَّما
ولعلَّك لاحظتَ أيضًا كلمة (يسلو)، و(سلوّ).
وقولُه:
أما النِّساءُ، فأهوَى أيَّهن أرى للحبِّ أهلاً، فلا أنفكُّ مشغوفا
مع ما في هذا المعنَى من البرودةِ، والسُّخفِ.
وقولُه:
واثقتُ ميَّة لا تنفكُّ ملغِيةً قولَ الوشاةِ، فما ألغت لهم قِيلا
وقولُه: (منتصِرًا) من ألفاظِ معجَمه التي يكرِّرها. ومنه قولُه:
بنصرِكم نحن كنتم ظافرينَ وقد أغرَى العِدا بكم استسلامُكم فشَلا
وتأمَّلْ فسُولةَ هذا البيتِ، وسوءَ نظمِه!
وقولُه:
لما رأَى طالبُوه مُصعَبًا، ذُعِروا وكاد لو ساعَد المقدورُ ينتصِرُ
وقولُه:
لولا زهيرٌ جفاني كنتُ منتصِرًا ولم أكن جانحًا للسّلم إذْ جنَحوا
وقولُه في هذا البيتِ (جفَاني) من الألفاظِ المكرَّرةِ، كقولِه:
وإن تجفُه يومًا، فليس مكافئًا فيُطمِعَ ذا التزويرِ، والوشيِ أن يُصغِي
وقولِه:
جفُوني، ولم أجفُ الأخلاءَ، إنَّني لغيرِ جميلٍ من خليلي مهمِلُ
و(الأخلاء)، ومشتقاتُها كثيرةٌ جِدًّا في أبياتِه هذه.
وقولُه: (جانحًا للسّلم) قد كرَّره في قولِه:
أذلاًّ إذا شبَّ العِدا نارَ حربِهم وزهوًا إذا ما يَجنَحُونَ إلى السلمِ
وقولِه:
لا يَغرنَّكم ألاءِ من القو مِ جُنوحٌ للسلمِ، فهْو خِداعُ
وقولِه:
كي تجنَحونَ إلى سلمٍ وما ثُئرت قتلاكمُ ولظَى الهيجاءِ تضطرِمُ
وذكرَ (الجُنُوح) في قولِه:
لزِمنا لدن سالمتمونا رفاقَكم فلا يكُ منكم للخلاف جُنُوحُ
وقد مرَّ بك أيضًا قولُه: (يك للصبابة جانحا).
و(السّلم)، و(الحرب)، و(الموالي)، و(العِدا) من الألفاظِ التي يُكثِر من تَردادِها في هذه الأبياتِ.
ومن ذلك أيضًا وَلوعه بكلمةِ (مولَع) مع قلةِ ورودِها في الشِّعر القديمِ الذي يُحتَجُّ به، فمن ذلك قولُه:
خُمولاً، وإهمالاً وغيرُك مولَعٌ بتثبيتِ أسبابِ السيادة، والمجدِ
ومرَّ بك أيضًا تَكرار (الإهمالِ) في قوله: (لغير جميلٍ من خليلي مهمِل) مع أنك لا تكادُ تجِدها في شِعر مَن يُحتجُّ به بهذا المعنَى. كما كرَّر (الخمول) في قولِه:
رأيتُك أحييتَ النَّدَى بعد موتِه فعاشَ الندى من بعد أن هو خامِلُ
وقولُه:
تُمَلُّ الندامى ما عداني لأنني بكلِّ الذي يهوَى نديمي مولَعُ
ولا يخفَى عليكَ نُزرَةُ (لأنَّ) في الشعر القديم، وشيوعُها لدى المتأخِّرين.
وقولُه:
لغير مغتبِطٍ مغرًى بطَوع هوًى ونادِمٍ مولَعٍ بالحزْم، والرشَدِ
وقولُه:
إذا كنتَ تهوَى الحمدَ، والمجدَ مولَعًا بأفعالِ ذي غَيٍّ، فلستَ براشدِ
وقولُه:
حبَّذا الصبرُ شيمةً لامرئٍ را مَ مباراةَ مولَعٍ بالمعالي
ومن ذلك أيضًا لفظُ (ألغَى)، فإنه من لوازِمه، مع أنك لا تكادُ تجِده في شِعر مَن يُحتجُّ به. وانظر قولَه:
خبيرٌ بنو لِهبٍ، فلا تَكُ مُلغيًا مقالةَ لِهبيٍّ إذا الطيرُ مرَّتِ
وقوله:
يهولك أن تموتَ وأنتَ مُلغٍ لما فيه النَّجاةُ من العذابِ
وقوله:
فتًى هو حقًّا غيرُ مُلغٍ فريضةً ولا يتخذْ يومًا هواه خليلا
وقوله:
ومن يلغِ أعقابَ الأمورِ، فإنَّه جديرٌ بهُلكٍ آجِلٍ، أو معاجِلِ
وقوله:
وألغِ أحاديثَ الوشاةِ، فقلَّما يحاوِل واشٍ غيرَ تغييرِ ذي وُدِّ
وقد مرَّ بك قولُه: (لا تنفكُّ ملغيةً) في بيتٍ سابقٍ.
وكذلك سائرُ ألفاظِه، فإنه لا يكادُ يخرج عن ذكرِ (الهوَى)، و(الشغف)، و(الوشاية)، و(العذل)، و(الحب)، و(المودة)، و(الصبابة)، و(الرضا)، ، و(اللطف)، و(الإباء)، و(البغي)، و(الرجاء)، و(الأمل)، و(الخوف)، و(الوقاية)، و(الندى)، و(البذل)، و(العطاء)، و(الرفد)، و(الجود)، و(الغنَى)، و(الإذعان)، و(الهوان)، و(الأسى)، و(المكافأة)، و(العاقبة)، و(الرشد)، و(الأمن)، و(العون)، و(النجدة)، و(الخيبة)، و(الطاعة)، و(الطمع)، و(الرحمة)، و(النجاح)، و(الظفر)، و(الطِّيب)، و(العيش)، و(الحقّ)، ومشتقاتهنَّ، وأمثالهنَّ. وكلُّها كما ترَى ألفاظٌ متقارِبةُ المعنَى، وكلُّها أيضًا دالَّةٌ على معانٍ غيرِ حسيَّةٍ.
كما أنَّك تجِد في هذه الألفاظِ ما لا يقَع في كلامِ العرب الأوائلِ على ذلك الوجهِ، كقولِه:
قلوبُكما يغشاهما الأمن عادةً إذا منكما الأبطال يغشاهمُ الذعرُ
فقولُه: (عادةً) وإن كانَ لفظًا عربيًّا صحيحًا، فإنَّ العربَ لا يضعُونَه هذا الموضعَ، وإنما هو من استعمال المتأخِّرين.
ومنها ألفاظٌ قلَّما وُجِدت في شِعرٍ جاهليٍّ، أو إسلاميٍّ، كقولِه:
أرضُنا اللتْ أوَتْ ذوي الفقر، والذلْ لِ، فآضُوا ذوي غِنًى، واعتزازِ
فإنَّ كلمة (اعتزاز) من مَّا لا يكادُ يوجَد في شِعر مَن يُحتَجُّ به. وقد كرَّرَها مع لفظِ (الغِنَى) في قولِه:
ليسَ يَنفكُّ ذا غِنًى، واعتزازٍ كلُّ ذي عِفَّةٍ مُقِلٍّ قَنُوعِ
وقد مرَّ بكَ أن كلمة (ينفكّ) من لوازِمه أيضًا.
وكذلك قولُه:
أما عطاؤُك يابنَ الأكرمينَ، فقد جعلتَ إيَّاه بالتعميمِ مبذولا
و(التعميم) كلمةٌ مولَّدة في ما أعلَم. وهي كثيرةٌ في كلامِ المتأخِّرينَ.
وقولُه:
عيَّنتْ ليلةً، فما زِلتُ حتَّى نصفها راجيًا، فعدتُّ يئوسا
و(عيَّن) لا يُعرَف استعمالُه في العصرِ الأوَّلِ بمعنَى (خصَّص) متعدِّيًا، وإنما يقال: (عيَّن عليه). وهو كذلك من مَّا لا يوجَد في شعرٍ صحيحٍ في ما أعلَم.
ولعلَّ في هذا المِقدارِ كفايةً، فإن كنتَ فطِنًا لقِنًا طالبًا للحقِّ، لم تحتَج إلى أكثر من هذا، وإن كنتَ غيرَ ذلك، لم تنتَفِع بالقليلِ، ولا بالكثيرِ.


يُتبَع
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
  #19  
قديم 25-07-2011, 08:03 PM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,591
افتراضي

لله درك يا أبا قصي، عَمْري لقد أحسنت أيما إحسان، وقد كنت أقرأ بعض شواهد النحو فلا أشك أنها مصنوعة مكذوبة لكني لم أكن أعلم أنها لابن مالك عفا الله عنه، فمن ذلك قوله:
دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط فإن اغتباطا بالوفاء حميدُ
فأسأل أهل العقول والألباب: هل يقول هذا عربي يحتج بشعره؟ لو كان شعر العرب هكذا لكنتُ أول من يعيبه ويذمه ويتبرأ منه.
وكذلك قوله:
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
من كان يصدق أن هذا من شعر العرب الذين يحتج بشعرهم فليبك على نفسه، وليسأل الله عقلا فإنه لا عقل له.
وإننا -يا أبا قصي- لننتظر باقي بحثكم النافع المفيد.
منازعة مع اقتباس
  #20  
قديم 26-07-2011, 03:15 PM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

بوركتَ يا أستاذ صالح.
ومن كانَ مثلَك بصيرًا بشِعر العربِ، حافِظًا لعيونِه، لم يشكَّ في ذلك.
وأينَ هذه الأبيات من أبياتِ الحماسة، والمفضلياتِ، ومِن الأبياتِ التي استشهدَ بها سيبويه في كتابه؟

والبيت الذي ذكرتَه كان في نيتي أن أورِده في الكلام على المعاني.
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
  #21  
قديم 28-07-2011, 02:34 PM
الفارس الفارس غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Sep 2010
التخصص : بريدة
النوع : ذكر
المشاركات: 26
افتراضي


لقد استمتعت بقراءة المقال
والردود والمناقشات
مع أني لست متخصصا في اللغة
بارك الله في الجميع
منازعة مع اقتباس
  #22  
قديم 28-07-2011, 03:47 PM
أبو سهل أبو سهل غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : لغة عربية
النوع : ذكر
المشاركات: 124
افتراضي

ما أجمل البحث إذا أسفر وجهه عن حقيقة غائبة ، أو أحدث للناس علمًا جديدًا غير معروف ، ولا سيما إذا كان ذلك مما أخفي على الناس مدّة طويلة ، وصار عندهم كالحجة الثابتة .
وهذا البحث الممتع - فيما أرى - أردُّ على المرء من دراسة بعض مناهج النقد الحديثة ، بل سبيل هذا البحث في منهجه أن يدرّس طلاب الجامعات ، ونعم الشيء المثالُ يكون حيًّا واقعًا وقريبًا بيّنًا .
وعفا الله عن ابن مالك فإني أحسب لو أنّ أباحيّان نُشرَ فرأى وصحّ عنده ما قرف به ابن مالك لما قصّر في تقريعه ، ولما هاب استسقاط كتاب ابن مالك كلّه . وكان ويكون له في ذلك عذر ووجه . وكأنكّ يا أباقصيّ حين قلتَ : ( وأمرٌ آخَر يَدُلُّك على أنَّ واضعَ هذه الأبياتِ شخصٌ واحِدٌ، وهو أنَّك إذا تصفَّحتَ ألفاظَها، ألفيتَها متقارِبةً، ووجدتَّ اللفظَ منها مكرَّرًا في أكثرَ من موضعٍ. وذلكَ أنَّ لكلِّ امرئٍ خِزانةً من اللفظِ لا يكادُ يجاوِزُها ) ، كنتَ تنظر إلى قول أبي عثمان الجاحظ حين قال : ( ولكلِّ قَوْمٍ ألفاظٌ حظِيتْ عِنْدَهم ، وكذلك كلُّ بليغٍ في الأرض وصاحِب كلامٍ منثور، وكلُّ شاعِرٍ في الأرض وصاحِبِ كلامٍ موزون؛ فلا بد من أن يكون قد لهجَ وألف ألفاظاً بأعيانها؛ ليديرَها في كلامه، وإن كان واسعَ العلمِ غزيرَ المعاني، كثيرَ اللَّفظ ) .
__________________
ليس الفتى بفتىً لا يُستضاءُ به ولايكونُ له في الأرضِ آثارُ
منازعة مع اقتباس
  #23  
قديم 28-07-2011, 05:21 PM
أبو سهل أبو سهل غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : لغة عربية
النوع : ذكر
المشاركات: 124
افتراضي

وأنا في هذا القضيّة أعجبُ من شيءٍ واحد فقط ، وهو انصراف عامة من أتى بعد ابن مالك عن التوقف في أمر هذه الأبيات وعن التثبّت والتّحقّق ، وعن رؤية من يردّها إلى سعة اطّلاع ابن مالك وإلى حفظه ورايته إلا ما لا يذكر من بعضهم ، فأمّا أنا فأردُّ ذلك إلى شيء واحد فقط ولا أعرف غير هذا الشيء الواحد ، وهو أنهم كانوا إذا وجدوا البيتَ الفذّ وليس إلى جنبه غيره ، والشاهد وليس معه أخوه قطعَ ذلك عليهم سبيلَ التعرّف والاستدلال ، وطريق التّذوق والتمييز ، فظنّوا أنها من ضوال الكلام ، ومن مُقَلّدات الأشعار ( أي : شواردها ) ، ولأجل ذلك لمّا قيل لابن المقفّع : ما لك لا تجوز البيتين والثلاثة ، قال : إنْ جُزْتُها عرَفوا صاحبَها . والله أعلم .
__________________
ليس الفتى بفتىً لا يُستضاءُ به ولايكونُ له في الأرضِ آثارُ
منازعة مع اقتباس
  #24  
قديم 29-07-2011, 03:33 AM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

العزيز/ الفارس
سُرِرت بقراءَتك لهذا الحديث.
أهلاً بك.

الصديق الكريم/ أبا سهل
ما أجزلَ أسلوبَك، وأجملَ اختيارَك! وقد أعجبَني ما نقلتَ عن أبي عثمانَ، وابن المقفع!
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
  #25  
قديم 29-07-2011, 03:55 AM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

( 5 )

وأمَّا معاني الأبياتِ، فإنَّ أكثرَها في بابِ الحِكمةِ من التنبيه علَى الأخلاقِ الحسنةِ كالكرَم، والشجاعةِ، والوفاء، والنَّجدة، والدعوةِ إليها، والزَّجرِ عن الأخلاقِ المستهجَنة كالخيانة، والبخلِ، ونحوِها. وهذا من مَّا يعرِّفُك آياتِ الوضعِ فيها، لأنَّ الحِكمةَ لم تكن هي غرضَ العربِ الأوَّلَ، وليست هي قِوامَ أشعارِهم، وإنَّما كانُوا يفصِّلونَ بها كلامَهم، وكانُوا يَكرهُونَ أن يجعلُوا القصيدةَ كلَّها حِكمًا، حتَّى عابُوا بذلك سابقًا البربريَّ، وقالُوا في ما زعمَ أبو عثمانَ: (لو أن شِعْرَ صالح بن عبد القدوس، وسابقٍ البربريِّ كانَ مفرَّقًا في أشعارٍ كثيرةٍ، لصارت تلك الأشعارُ أرفعَ من مَّا هي عليه بطبقاتٍ، ولصارَ شِعْرُهما نوادرَ سائرةً في الآفاقِ، ولكنَّ القصيدةَ إذا كانت كلُّها أمثالاً، لم تسِرْ، ولم تجْرِ مجرى النَّوادرِ. ومتى لم يخرجِ السَّامعُ من شيءٍ إلى شيءٍ، لم يكن لذلك عنده موقعٌ) [البيان والتبيين 1/ 179].
ثمَّ هم علَى ذلكَ ينبِذونَ بالحِكمةِ نَبذًا، ويُخرِجُونها مُخرَجَ الكنايةِ، والإيماءِ كقولِ زهيرِ بنِ أبي سُلمَى:
فما كانَ مِن خيرٍ أتَوه فإنَّما توارَثَه آباءُ آبائِهم قبلُ
وهل يُنبِت الخَطِّيَّ إلا وَشيجُه وتُغرَس إلا في منابتِها النَّخْلُ
وربَّما ذيَّلوا بها البيتَ من الشِّعر، كقولِ الحطيئة:
نزورُ فتًى يُعطِي على الحمدِ مالَه ومن يُعطِ أثمانَ المحامِدِ يُحمَدِ
وقلَّما أفردُوا لها بيتًا. ومن ذلكَ قولُ امرئ القيس:
إذا المرءُ لم يَخزُن عليه لسانَه فليسَ على شيءٍ سِواه بِخَزَّانِ
ولا يستحِبُّونَ أن يجبَهُوا بها المخاطَب من طريقِ الأمرِ، أو النَّهي خلافًا لما تراه في أبيات ابنِ مالكٍ من نحو قولِه:
تعلَّمْ شِفاءَ النفس قهرَ عدوِّها فبالغْ بلُطفٍ في التحيُّلِ، والمكرِ
وقولِه:
غيرُ لاهٍ عِداكَ، فاطَّرِحِ اللَّهْـ ـوَ، ولا تغترِرْ بعارضِ سِلْمِ
إذْ كانَ ذلكَ باعثًا على نفورِه، وأنَفتِه، وهو بعدُ مجانِبٌ لطبيعةِ الشِّعر القائمِ علَى اللمحةِ الدالَّة، والكنايةِ الخفيَّة، وعلى لُطفِ التأتِّي، والإقناعِ.
فهذا مذهبُ الشُّعراءِ الأوائلِ في وضعِ الحِكَمِ، وهذه سبيلُهم التي يسلُكُونَ. ولربَّما تصفَّحتَ القصائِد الطِّوالَ فلا تجِد من أبياتِ الحِكمة إلا النَّزْرَ القليلَ. وهذه شواهِد سيبويهِ مختلِفة الأغراضِ، متنوِّعة المعاني، فهذا يصِف ناقتَه بقولِه:
تنفِي يداها الحصَى في كلِّ هاجِرةٍ نفي الدنانيرِ تنقادُ الصياريفِ
وهذا يمدحُ قومَه بقولِه:
بني أسدٍ، هل تعلَمونَ بلاءَنا إذا كانَ يومًا ذا كواكبَ أشنَعا
وذلك يرثِي بقولِه:
لما أتَى خبرُ الزّبيرِ تضعضعتْ سورُ المدينة، والجِبالُ الخُشَّعُ
وهذا يتوجَّع بقولِه:
أصبحتُ لا أحمِل السِّلاحَ، ولا أملِك رأسَ البعيرِ إن نفرَا
وإذا كانَت أبياتُ الحِكمة في الشعر القديم من القِلَّة بحيثُ علِمتَ، فينبغي إذن أن تكونَ شواهِدها أقلَّ من شواهِد غيرِها كما هو مقتضَى التناسُب، فكيفَ صارَت هي أكثرَ أبيات ابن مالكٍ؟
وأينَ ذهبت أغراضُ الشِّعر الأخرَى؟
وما لَنا لا نجِد في هذه الأبياتِ ما يمثِّل حياةَ العربِ، وألوانَ معيشتِهم، ومختلِف أحوالِهم؟ وكيفَ لم نرَ فيها ذِكرًا لإبلِهم، وخيلِهم، ووقائعِهم، وأسماءِ قبائلِهم، ورجالِهم كما في شواهِد النُّحاةِ الصحيحة؟
علَى أنَّ في هذه الأبياتِ كثيرًا من المعاني الإسلاميَّة كذكرِ الجنَّة، والنَّار، والحِساب، والقدَر، وغيرِها. وهذا ما لا يُعهَد في الشِّعر القديمِ الموثوقِ بصِحَّتِه، وإنَّما تجِد ذلك عندَهم قليلاً مفرَّقًا، وأكثرُه في الشِّعر الإسلاميِّ. ومنه قولُه:
أعوذ بربِّ العرشِ من فئةٍ بغَت عليَّ، فما لي عوضُ إلاهُ ناصِرُ
وقولِه:
ولو مثل تربِ الأرضِ دُرًّ، وعسجدًا بذلتُ لوجه الله، كانَ قليلا
وقولِه:
ألا ليس إلا ما قضَى الله كائنٌ وما يستطيع المرءُ نفعًا، ولا ضرّا
وقولِه:
لا ترجُ، أو تخشَ غيرَ الله، إن أذًى واقيكَه الله لا ينفكُّ مأمونا
كما أنَّ معظَم معاني هذه الأبياتِ في الغايةِ من السقوطِ، والغثَاثةِ!
ودونَك مثَلاً قولَه:
ما شاءَ أنشأ ربِّي، والذي هو لم يشأ فلستَ تراه ناشئًا أبدا
وهل هذا إلا كقولِ الآخَر:
عجَبٌ عجَبٌ عجَبٌ عجَبُ بقرٌ تمشي ولها ذنبُ
ولها في بُزبزِها لبَنٌ يبدو للناس إذا حلبُوا
وقولَه:
دُرِيتَ الوفيَّ العهدِ يا عروَ، فاغتبِط فإن اغتباطًا بالوفاءِ حَميدُ
يريدُ أن يقولَ لهذا المسمَّى بعروةَ: أنت وفيٌّ بالعهدِ، فافرحْ، فإنَّ الفرح بالوفاءِ أمرٌ محمودٌ.
فهل رأيتَ أسخفَ من هذا المعنى؟
وقولَه:
غيلانُ ميَّةَ مشغوفٌ بها هو مذ بدَت له، فحِجاه بان، أو كرَبا
يريدُ أن يقول: إن ذا الرمة مشغوفٌ بميَّة، ولكنَّه لا يدري أذهبَ حجَاه من شغفِه بها، أم كادَ يذهب، فتورَّع من أن يقطَعَ بأحدِهما!
وهذه الأبياتُ كما ترَى نظمٌ ميِّتٌ لا روحَ فيه، ولا يمكِن أن تخرجَ من فمِ شاعرٍ.
ومن الدليلِ أيضًا على اختلاقِ هذه الأبياتِ أنَّ كلَّ بيتٍ مِنها مستقِلٌّ بنفسِه، لا يحوِج فَهمُه إلى قراءةِ ما قبلَه، ولا ما بعدَه. وهذا ينبئك أنَّه وُضِعَ فَرْدًا، وليس بمنتزَعٍ من قصيدةٍ. وإذا نظَرت في شواهدِ النَّحْو الصحيحة كشواهدِ سيبويهِ مثَلاً، فربَّما أعياك فهمُ البيتِ منها إلا بقراءةِ البيتِ الذي قبلَه، أو الذي بعدَه. وذلك كبيتِ أبي ذؤيبٍ الهذليِّ الذي أنشدَه:
قلَى دينَه، واهتاجَ للشوقِ، إنَّها على الشوقِ إخوانَ العزاءِ هَيُوجُ
فإنَّك لا تفهَم معناه حتَّى تقرأ البيتَ الذي قبلَه:
لياليَ سُعدَى لو تراءَت لراهبٍ بدومةَ تَجْرٌ عندَه، وحجيجُ
وهذا كثيرٌ شائِعٌ.

يُتبع
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
  #26  
قديم 29-07-2011, 08:16 PM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,591
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
لقد رددتُ قبل هذه المرة وأثنيت على كلام الأستاذ البارع/ فيصل المنصور، فكان ينبغي أن أكتفي الآن بشكره عن طريق زر الشكر لكنني لم أستطع كتم ما في نفسي، فسأنشده بيتين أكتفي بهما عن ما طال من الكلام.
ومن خبر هذين البيتين أنني أنشدتهما بعض إخواني ممن أثق بعقله وجودة رأيه وحسن ذوقه، فاتصل بي بعد بضعة أيام وقال: والله لولا الورع لحلفت على أن العرب ما نطقت بأحسن من هذين البيتين وأبدع، والبيتان للكميت بن زيد الأسدي، وهما:
لمّا عبأت لقوس المجد أسهمها حين الجدودُ عن الأحساب تنتضلُ
أحرزت من عشرها تسعا وواحدة فلا العمى لك من رام ولا الشللُ
فقلت له: أضف إليهما قوله في قصيدة أخرى يعاتب قوما من قريش:
فقائبةٌ ما نحن يوما وأنتم بني مالك إن لم تفيئوا وقوبُها
هذا خبري مع صاحبي.
وأقول استطرادا: هذا البيت الأخير لو كان من المعادن لكان ذهبا خالصا، ويلحق به قول غيلان ذي الرمة:
كأنها أُمُّ ساجي الطرف أخدرها مستودَعٌ خَمَرَ الوعساء مرخومُ
لا ينعش الطرفَ إلا ما تخوَّنه داعٍ يناديه باسم الماء مبغومُ
سبحان من علمهم البيان! هذا -والله- السحر الحلال، وإن المرء ربما أصابه منه نشوة تشابه نشوة المخمور.
وأعتذر جدا من الإطالة، لكنني طربت إلى مجالس الأدب، فأردت أن ألقي دلوي في الدلاء.
منازعة مع اقتباس
  #27  
قديم 30-07-2011, 08:34 PM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

باركَ الله فيك، وإنا لنُسَرُّ بمشاركاتِك الحسنة، ونوادرك الماتعة، فلا تقطع عنا هذا الخير. وقد قالُوا: اختيار الرجل قِطعة من عقلِه. واختيارُك هذا دالٌّ على جودةِ عقلِك، ونُبلِ ذوقِك!
دمتَ على أحسن حال.
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
  #28  
قديم 30-07-2011, 09:25 PM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

( 6 )

وبعد،
فقد فرغنا الآنَ من ذكرِ الحججِ، والأدلَّة بعدَ أن طالَ ذلك، وامتدَّ حتَّى خشِينا أن نكونَ قد أضجرنا القارئَ، وأملَلْناه. وما ذاكَ من تعذُّرِ حُجَّةٍ، ولا مِن طولِ بَحثٍ، ولكنَّ الشيءَ إذا كانَ سَهْلاً واضِحًا، وبيِّنًا ناصِعًا، لم تنشَط النفسُ للإبانةِ عنه، والاحتجاج له، وبسطِ القولِ فيهِ، وكانَت مئونتُه أشدَّ من مئونةِ الصَّعبِ المعضِل.
وإني أحسب أنَّ القارئَ الكريمَ قد أقرَّ بهذا القولِ، ولكنَّه يأبَى أن يُلزِمَ ابنَ مالكٍ بذلك ذنبًا، أو يُلحِقَه عيبًا، ويقولُ: إنَّما أرادَ بذلكَ الاستئناسَ، والتمثيلَ، ولم يدَّع أنَّ هذه الأبياتَ من الشِّعر الذي يُحتَجُّ به.
وأقولُ:
ودِدنا ذاكَ، ولكنَّ ابنَ مالكٍ وإن كانَ بريئًا من الكذبِ الذي رمَاه بهِ البدريُّ، فليسَ بريئًا من التدليسِ. والتدليسُ هو استِعمالُ الألفاظِ الموهِمةِ ليَظنَّ المخاطَبُ غيرَ الواقِع. وإنَّما كانَ مدلِّسًا لأنَّه لمَّا وضَع هذه الأبياتَ لم ينسُبها إلى نفسِه بقولِه: (وقلتُ)، وإنَّما نسبَها إلى (الشَّاعر)، ونسبَ بعضَها إلَى (الطائيِّ)، وإلَى (رجلٍ من العربِ) ليوهِمَ القارئَ أنَّ قائلَها من أهلِ الاحتِجاجِ، حتَّى بلغَ من تدليسِه ما تَراه في هذه الأمثِلة:
1-أنشدَ ستةَ أبياتٍ، ثلاثةٌ منها هو واضِعها، ثم قال: (والنحويون إلا أبا الفتح يحكمون بمنعِ مثلِ هذا. والصحيح جوازه لوروده عن العرب في الأبياتِ المذكورةِ، وغيرها) [شرح التسهيل 1/ 161]. والأبياتُ المذكورة منها ما لا حُجَّة فيه. ومن أجلِ أن ينصُرَ مذهبَه وضعَها، وأوهَم القارئَ أنَّ ذلك كلَّه ورادٌ عن العربِ الذين يُحتَجُّ بهم. ووجهُ التدليسِ أن يكونَ قد أرادَ بالإشارةِ بـ(هذه) الأبياتَ الثلاثةَ، أو يكونَ أرادَ أنَّها جميعًا واردةٌ عن العربِ، لأنَّه داخِلٌ فيهم، فاستعمَل الألفاظَ المحتمِلةَ ليُلقِيَ في رُوع القارئِ أنَّ هذه الأبياتَ كثيرةٌ. ولعلَّ القارئَ لو علِمَ أنَّها ثلاثةٌ، لاستقلَّها، ورغِبَ عن مذهبِه الذي خالفَ به النحويِّينَ جميعًا إلا أبا الفتحِ.
2-قالَ: (ومن استعمال "اللتْ" قولُه:
أرضُنا اللَّتْ أوَت ذوي الفقرِ والذلْ لِ، فآضوا ذوي غنًى، واعتزازِ) [شرح التسهيل 1/ 190].
فيَظنُّ القارئُ أن المرادَ استِعمالُ العربِ الأوائلِ الذينَ يُحتَجُّ بهم.
3-قالَ مرجِّحًا مسألةً من المسائل: (لأن ذلك ثابتٌ بالقياس، والسماع... وأما السماع، فمِنه قول حسانَ... ومنه قول بعض الطائيين:
ما الذي دأبه احتياط، وحزمٌ وهواه أطاعَ يستويان) [شرح التسهيل 1/ 235].
وهذا البيت الذي نسبَه إلى بعض الطائيين إنما هو من وضعِه!
4-قالَ: (وأما أبو الحسن الأخفش، فيرى ذلك حسنًا. ويدل على صحة استعمالِه قولُ الشاعر:
خبيرٌ بنو لِهب، فلا تكُ ملغيًا مقالةَ لِهبيٍّ إذا الطيرُ مرَّتِ) [شرح التسهيل 1/ 273].
فانظر كيفَ جعلَ الدليلَ على صِحة الاستِعمالِ بيتًا من وضعِه هو!
5-قالَ: (ومن حججِ البصريين قولُ الشاعر:
خيرًا المبتغيه حازَ، وإن لم يقضَ، فالسعي بالرشاد رشادُ) [شرح التسهيل 1/ 303].
وهذا البيتَ الذي زعمَ أنه من حججِ البصريِّين إنما وضعَه هو!
6-قالَ: (والتزَمَ الزمخشري كون مجرورها [يعني حتَّى] آخرَ جزء، أو ملاقيَ آخر جزء. وهو غير لازم. ومن دلائل ذلك قول الشاعر:
إن سلمى من بعد يأسيَ همَّت لوصال لو صحَّ لم يبقِ بوسا
عينت ليلة فما زلتُ حتَّى نصفِها راجيًا، فعدتُّ يئوسا) [شرح التسهيل 3/ 168].
وهذان البيتانِ اللذانِ جعلَهما دَليلاً إنما هما من وضعِه. وذلكَ لينصرَ مذهبَه، ويبطِل قولَ الزمخشريِّ!
7-قالَ في (الكافية الشافية):
كقولِ بعضِ الفصحاءِ منشِدا لم يُعنَ بالعلياءِ إلا سيِّدا
ولا يُعرَف أحدٌ أنشدَ هذا البيت قبلَه، وإنَّما هو الذي اختلَقَه، وأنشدَه! وقد ذكرَ بعدَه في الشرح:
ولا شجَا ذا الغيِّ إلا ذو هدى
واستشهدَ في الموضعِ نفسِه بأبياتٍ من الرجزِ موضوعةٍ أيضًا، منها:
وإنما يرضِي المنيبُ ربَّهُ
ما دامَ معنيًّا بذِكرٍ قلبَهُ
وسِمةُ الوضعِ على هذه الأبياتِ بيِّنةٌ من جهةِ اللفظِ، والمعنَى. وإذًا فهل كانَ ابنُ مالكٍ على هذا القدرِ من الاعتدادِ بنفسِه؟ وهل كانَ يعتقِد أنَّه من الفُصحاءِ الذين تؤخذ عنهم اللُّغة كالعجَّاج، ورؤبةَ؟ لا ندرِي، فللنفوسِ أسرارُها، ودفائِنُها!
وليسَ أدلَّ على بُطلانِ من قالَ: إنَّه أرادَ بذلكَ التمثيلَ، والاستئناسَ أنَّ جميعَ مَن أتَى بعدَه كانوا يظنُّون أنَّ هذه الأبياتَ من كلامِ العربِ الذينَ يُحتَجُّ بهِم، فهذا أبو حيَّانَ يجتهِدُ في (التذييل والتكميل 1/ 243) في توجِيه بيتٍ وضعَه ابن مالكٍ، وهو:
خليليَّ ما إن أنتما الصادقا هوًى إذا خِفتُما فيه عَذولاً، وواشيا
قالَ أبو حيَّانَ: (ولا حُجَّة في هذا البيت على ما زعمه المصنف من أن النون حُذِفت لتقصير الصِّلة، لأنه يجوز أن تكونَ حُذفت للإضافة، فيكون هوًى مخفوضًا بإضافة اسم الفاعلِ إليه...). ولو عَلِم أنَّ ابنَ مالكٍ هو واضِع هذا البيتِ الذي شغلَ نفسَه بتأويلِه، (لما قصَّر في تقريعِه، ولما هابَ استسقاطَ كتبِه كلِّها) كما قالَ صاحبُنا أبو سهلٍ، لأنَّ التدليسَ خَصلةٌ ذَميمةٌ، وخَلَّةٌ قبيحةٌ. وهو من مَّا يقدَح في تمامِ الأمانةِ، وكمالِ الثِّقَة. ومَن تلبَّسَ به، فقد أضاعَ الوِلاية التي جُعِلَ إزاءَها، وخاصَّةً إذا أدَّى ذلك إلى جَلْبِ مغنَمٍ، أو دَفعِ مَغْرَمٍ، كنصرةِ مذهبٍ، أو إسكاتِ خَصْم، أو تكثُّرٍ بالسَّماعِ. على أنَّ الحقَّ وإنْ خفِي على بعضِ النَّاسِ في بعضِ الأزمانِ، فإنَّه لا يخفَى على كلِّ النَّاسِ في كلِّ الأزمانِ!
ومهما تكنْ عندَ امرئٍ من خليقةٍ وإن خالَها تخفَى على النَّاسِ تُعلَمِ
وإذا كانَ ابنُ مالكٍ كما ذكرنا، وكانَت تُهَمةُ الوضعِ عليه ثابِتةً، فكَمْ عِدَّةُ الأبياتِ التي وضعَها؟ وهل هي كما ذكَر البدريُّ؟
لعلَّ ما ذكرَه البدريُّ مقارِبٌ للصَّوابِ، ولكنَّه لعجَلتِه، وقلَّة تثبُّتِه يتَّهِم ابن مالكٍ بالكذبِ في ما نسبَه إلى أحدٍ بعينه من ما لم يجِده في مصدَر قبلَه، كالأبياتِ التي نسبَها إلَى حسَّان، ومعاويةَ، وابن أبي كاهلٍ، وحُميد بن ثَور، وفي ما نسبَه إلَى بعضِ العلَماءِ كأبي الحسن الأخفش، وأبي علي الفارسي، وابن طاهرٍ، وغيرِهم. وابن مالكٍ كما ذكرتُ ليس بكذَّابٍ، وإنْ كان مدلِّسًا. وعَددُ الأبياتِ التي وضعها ابن مالكٍ كما أحصاها البدريُّ ستُّ مئةٍ وستةٌ وتسعونَ بيتًا. فإذا أسقطنَا منها ما نسبَه ابن مالكٍ إلى شخصٍ بعينِه، وما ذكرَ أن بعضَ العلماء أنشدَه، وأبياتًا زعمَ البدريُّ أنَّها لم ترِد في مصدرٍ قبلَ ابن مالكٍ وقد ورَدت، ثمَّ ألحقنَا بها ما لم يُدخِله في الحِسبةِ، كقولِ ابن مالكٍ:
يهولُك أن تموتَ وأنت مُلغٍ لما فيه النَّجاةُ من العذابِ
كانَت عِدَّتُها في ما أقدِّر نحوًا من ستِّ مئةِ بيتٍ وخمسينَ بيتًا قد تنقص عن ذلك، وقد تَزيدُ. واستقصاؤها على وجهِ الدقَّة، والاستيعابِ يحتَاج إلى بحثٍ آخَرَ مفصَّلٍ.
ومِن الأبيات التي غابَ عن البدريِّ موضعُها في الكتبِ التي قبلَ ابن مالكٍ على سبيلِ التمثيلِ، وليس على سبيلِ الحصر:
1-ما أنشدَه ابن مالكٍ عن أبي علي الفارسيِّ:
إنَّ ابن أحوصَ معروفٌ، فبلِّغُه في ساعديهِ إذا رامَ العلا قِصَرُ
قالَ البدريُّ: (وهذان البيتان [يريد ُهذا البيتَ، وبيتًا ذكَرَه قبلَه] من ما صنعَه هو، ولم يردا في أي مصدر قبله).
قلتُ:
بل وردَ قبلَه، فقد ذكرَه ابن جني (ت 392 هـ) في (المحتسب)، وغيرُه. وذكرَ ابن عصفور (ت 669 هـ) في (ضرائر الشعر) أن أبا علي الفارسيَّ (ت 377 هـ) أنشدَه.
2-اتَّهم البدريُّ ابن مالكٍ بأنه وضعَ هذا البيت الذي نسبَه إلى ابن طاهر (ت 580 هـ) في تعليقه على كتاب سيبويه:
وليس بمعييني وفي الناس مُمتعٌ صديقٌ إذا أعيا عليَّ صديقُ
بحجَّة أنه لم يرِد في أي مصدر قبله.
وبلَى، قد ذكرَه ابن عصفور في (ضرائر الشِّعر)، و(شرح جمل الزجاجي) كما أفاد محقِّق (التذييل والتكميل) حسن هنداوي.
3-زعمَ أنه وضعَ أيضًا قولَه:
لإِن كان حبِّيك لي كاذبًا لقد كان حُبِّيك حقًّا يقينا
وقد ذكر حسن هنداويّ أنه في شرح الحماسة للأعلمِ الشنتمري (ت 476 هـ).
4-زعمَ أن ابن مالك وضعَ هذا البيت:
من القوم الرسولُ الله منهم لهم دانت رقابُ بني مَعَدِّ
وأنه (ليس ثَمّ ما يدل على جواز دخول "أل" على الجملة الاسمية غير هذا الشاهد)، وذكرَ أنه (يجب أن تحذَف هذه المسألة من كتب النحو). وهذه خِفَّة، وتهوُّرٌ، وقَطع قبلَ التحقُّق! فقد روَى هذا البيتَ الزجاجيُّ (ت 340 هـ) في (اللامات)، ورواه أبو البركات الأنباري (ت 577 هـ) في (الإنصاف) مع اختلاف في رواية العجُز.
5-زعمَ أيضًا أنه وضعَ قولَه:
إن النجاةَ إذا ما كنتَ ذا بصَرٍ من جانب الغَيِّ إبعادٌ، وإبعادُ
وهذا البيت روَاه أبو علي القالي (ت 356 هـ) في (أماليه) برواية:
إن النجاء إذا ما كنتَ في نفرٍ من أجَّة الغيِّ إبعادٌ، فإبعادُ
وهو للأفوه الأوديِّ. ولعلَّ اعتمَاد البدريِّ علَى أقراصِه خدعَه عن الوقوع على هذا البيت لاختلافِ روايتِه.
6-زعمَ أيضًا أنه وضعَ قولَه:
من اللواتي، والتي، واللاتي
يزعمن أني كبِرت لداتي
وقد روَاه أبو عبيدة (ت 209 هـ) في (مجاز القرآن)، وغيرُه.
7-زعم أيضًا أنَّ ابن مالك وضعَ بيتًا نسبَه إلى أمية بن أبي عائذ الهذلي، وهو:
فهل لك أو من والد لك قبلنا يوشِّح أولاد العِشار، ويفضلُ
وهذا البيت ثابِتٌ في (شرح أشعار الهذليين) للسكَّريِّ (ت 275 هـ).
8-زعمَ أنَّه وضعَ بيتًا، ونسبَ إلى ثعلب (291 هـ) أنه أنشده، وهو:
واهٍ رأبتُ وشيكًا صدْعَ أعظُمِه وربَّه عطبًا أنقذتُ من عطَبِهْ
وقد صدَق ابن مالكٍ في هذا، فقد ذكر أبو بكر الأنباري (ت 328 هـ) في (الزاهر في معاني كلام الناس) أنَّ أبا العباس ثعلبًا أنشدَهم هذا البيت. ورواه أيضًا أبو منصور الأزهري (ت 370 هـ) في (التهذيب) عن أبي الهيثم الرازيِّ (ت 276 هـ).
9-نسبَ ابن مالك بيتًا لحُميد بن ثور، وهو:
وأمات أطلاء صغار كأنها دمالج يجلوها لتنفق بائعُ
وكذَّبَه البدريُّ في هذا بحجَّة أنه لا يوجَد في مصدر قبلَه. وبلَى، هو في (منتهى الطلب) لابن ميمون (ت 597 هـ).
10-قالَ ابن مالك: (... فمن ذلك ما أنشد الفارسي في التذكرة من قول الشاعر:
يحايي بها الجلْدُ الذي هو حازِمٌ بضربة كفَّيه الملا نفسَ راكبِ).
قالَ البدريُّ معلِّقًا على هذا: (ولم أجد ذكرًا لهذا البيت قبلَ ابن مالكٍ. وكتاب التذكرة لأبي علي الفارسي مفقودٌ. والراجح لديَّ أن البيت من مخترَعات ابن مالك). وإذا كانَ كتاب (التذكرة) مفقودًا الآنَ، فلمْ يكن مفقودًا في عصرِ ابن مالكٍ، ولم يزل العُلَماء يذكُرونَه، وينقُلونَ عنه حتَّى عصرِ عبد القادر البغداديِّ (ت 1093 هـ)، حيث ذكرَه في (خزانة الأدب) من جُملةِ مراجعِه، ونقلَ عنه، فحتَّى لو كانَ ابن مالكٍ كذابًا كما زعمَ البدريُّ، فلن يبلُغ به الحمقُ، والغَباءُ أن ينسب إلى كتابٍ معروفٍ في عصرِه ما ليس فيه، لأنَّ بإمكانِ كلِّ أحدٍ أن يرجِعَ إليه، فيقِف على كذبِه.
علَى أنَّ هذا البيتَ قد أنشدَه أبو عليٍّ الحاتمي (ت 388 هـ) في كتابيه (الرسالة الموضحة في ذكر سرقات أبي الطيب)، و(حلية المحاضرة)، ونسبَه إلى ذي الرمة، وذكرَ بيتًا قبلَه، وبيتًا بعدَه.

وقد تمَّت هذه المقالةُ بحمد الله. ونرجو أن نكونَ قد أصبنا ثُغْرةَ الحقِّ، وسواءَ القصدِ على شِرعةٍ من العَدْلِ، والإنْصافِ. والله الموفِّق.

29/ 8/ 1432 هـ
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
  #29  
قديم 31-07-2011, 03:03 PM
أبو سهل أبو سهل غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : لغة عربية
النوع : ذكر
المشاركات: 124
افتراضي

وأيضًا يا أبا قصي ، فقد ذكّرتني حين قلتَ : ونرجو ، في ختام مقالتك ، أدبًا لأبي عثمان الجاحظ كأنك قد أخذتَ نفسك به ، وأنا أسوقه لك لنفاسته وجلاله ، ذكر كلامًا قال فيه :
(وأرجو أن يكون مرضياً، ولم أقلْ أرجو لأني أعلمُ فيه خللاً، ولكنّي أخذتُ بآدابِ وجوهِ أهلِ دعوتي وملَّتي، ولغتي، وجزيرتي، وجيرتي؛ وهم العرب، وذلك أنّه قيل لصُحَارٍ العبديّ: الرجل يقول لصاحِبه، عنْدَ تذكيره أياديَه وإحْسانه: أما نحنُ فإنّا نرجو أن نكونَ قدْ بلغْنا من أداءِ ما يجبُ علينا مبلغاً مُرضِياً، وهُوَ يعلم أنّه قَدْ وفّاه حَقّه الواجبَ، وتفضّل عليه بما لا يجب، قال صُحار: كانوا يستحبُّون أن يَدَعُوا للقول متنفَّساً، وأن يتركوا فيه فضلاً، وأن يتجافَوا عن حَقٍّ إن أرادوه لم يُمنَعوا منه.
فلذلك قلت أرجو، فافهَمْ فَهّمَكَ اللّه ).
ونحن نقول لك ، قد أحسنتَ وزدتَ ، ولم ترض بما هو دون الكمال ، على ما علمتُ من بعد مكتبتك عنك ، فبارك الله لنا فيك .
__________________
ليس الفتى بفتىً لا يُستضاءُ به ولايكونُ له في الأرضِ آثارُ
منازعة مع اقتباس
  #30  
قديم 02-08-2011, 12:57 AM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

تالله ما أحسنَ ما تأتينا به يا أبا سهلٍ. وإنَّ لكلام أبي عثمانَ لنشوةً لا يجِدها إلا من خبرَه، وخالطَه!
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
فك إبهام النصوص النحوية . أوراق حلقة النحو والتصريف وأصولهما 17 18-12-2013 12:10 PM
وقفة على أطلال الصِّبا فيصل المنصور حلقة الأدب والأخبار 16 30-01-2010 08:22 AM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 02:28 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ