ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة البلاغة والنقد
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #106  
قديم 08-07-2011, 07:50 PM
أحمد.., أحمد.., غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2011
التخصص : مجال القانون
النوع : ذكر
المشاركات: 1
افتراضي

جزاك الله كل خير
منازعة مع اقتباس
  #107  
قديم 03-08-2011, 03:07 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

3-
وَالْعَصْرِ1...
نريد أن نجلي بعض المعاني البلاغية للقسم...واخترنا-احترازا من الانسياق وراء التعميمات النظرية- أن يكون المنطلق هذا السؤال الذي قد يبدو مستغربا:
لم لا يكون القسم في السورة بالمصدر!!
لا أحد –حسب علمي-خطر بباله هذا الاحتمال، إلا ما كان من السيدة بنت الشاطيء التي أشارت إلى هذا المعنى لكنها لم تذهب إلى حد أن يكون "العصر" مصدرا ،وإنما اكتفت باعتبار المعنى المصدري ملحوظا في الاسم ومتضمنا فيه على جهة الإيحاء –بل على جهة الأصالة-إذ زعمت أن:

"المعنى الأصلي للعصر لغة: الضغط لاستخلاص العصارة. استعملته العربية حسياً في عصر العنب ونحوه لاعتصار خلاصته. ومنه المعصرة آلة العصر، والمعصرة مكانه. والعواصر ثلاثة أحجار كانوا يعصرون بها(.....)
ومن هذه الدلالة اللغوية الأصلية على الضغط والإعتصار، سمي الدهر عصراً، بملحظ من استخلاصه عصارة الإنسان بالضغط والتجربة والمعاناة".

من الصعب أن نقر الأستاذة على هذا التحليل الدلالي التاريخي لكلمة "عصر " ، فليس لها دليل على هذه الأصالة المفترضة ،والأمر لا يعدو أن يكون اشتراكا لفظيا مبنيا على استقلالية الوضع..ثم إن الاقرب إلى الصواب أن تكون الألفاظ الدالة على الطبيعة-بالمعنى الانتربولوجي-أسبق في الوجود من الألفاظ الدالة على الثقافة-بالمعنى الانتربولوجي- أعني أنه لا يتصور أن يكون العصر-الزمن، أو جزء من الزمن-غفلا من الاسم مع تحرك الإنسان فيه وحاجته الوجودية إلى تنظيم حياته وفق إحداثياته..ومع ذلك يؤثر العربي أن يمنح أولا اسم العصر لفعل وقتي غير أساسي في الوجود-استخلاص العصارة- ثم يلحظ المعنى الفلسفي من خلال الفعل المادي فيسمي الزمان به،ثانيا،!!!
وبصرف النظر عن ثبوت هذه الاصالة أو عدمها فإن إشارة الاستاذة إلى المعنى المصدري كانت مترتبة عن إسناد وظيفة بيانية- جمالية- للقسم يقتضيها قانون الاتساق والتشاكل...وقبل تفصيل هذا المعنى نحب أن نتفحص الوجهين الدلاليين للقسم:
-للقسم وجه حجاجي ،وهو بلا ريب الغرض المتأصل فيه، فالسليقة ترشح أن يكون القسم وسيلة للإقناع( ومازالت المحاكمات قديما وحديثا تعتبر اليمين دليلا بل قسيما للبينة ..)ومن هنا اقتضاء المقسم به أن يكون مستعظما عند المتكلم ليكسب قوله القوة الحجاجية المطلوبة..
-للقسم وجه بياني تكون الغاية منه الإمتاع لا الإقناع ،فلا يكون "التعظيم" هو الحامل على اختيار القسم وإنما "التناسب" بين عناصر الخطاب القسمي..وترى الأستاذة أن جل المفسرين انساقوا وراء استكناه واستقراء معاني التعظيم وأهملوا في المقابل الكشف عن اسرار التلاؤم بين القسم وموضوعه...
للحديث بقية إن شاء الله.
منازعة مع اقتباس
  #108  
قديم 10-08-2011, 05:49 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

4-
والعصر.....

العلاقة بين المقسم به(العصر، بالمعنى المصدري) والمقسم عليه ( خسران الإنسان) مبنية على التشاكل...وفي وسعنا أن نخصص هذه المشاكلة في معنى "المماثلة" أوفي معنى"التمثيل"...فعلى التخصيص الأول يكون في القسم "وجه من البديع"، وعلى الثاني يكون فيه "وجه من البيان":
فأما المماثلة فإنها ل"تحسين" المعنى، على اعتبار استئناس الذهن بالتناسب..فالأمر شبيه بالجناس حيث يتحرى فيه التشاكلات الصوتية بغية إمتاع السمع.... وهنا التشاكل معنوى لا حسي، والمتعة ذهنية لا سمعية..
وأما التمثيل ،فلأن القصد البلاغي فيه هو تقرير المعنى وترسيخه في النفسن على أسلوب تقديم المعنوي في لباس من الحسي وتشبيه الأول بالثاني..فتتحقق المشاكلة بين الطرفين لكن لغرض الإفهام والبيان نلا لغرض التزيين والإمتاع ...وهذا تقرير للتمثيل البياني :
-العصر يفترض -في مقوماته الدلالية العامة- أمرين:
فعلا حسيا هو ممارسة الضغط على شيء صلب فيكون القصد إلى استخراج السائل الكامن فيه..
فعلا معنويا أو حكميا يتعلق بالتقويم أو التقدير.فالعصارة "أشرف" وما عداها "أخس" ..فيكون العصر آلية للتمييز تفضي إلى تقسيم الواحد إلى اثنين:
ما هو جوهري في الشيء فيجب الاحتفاظ به والاحتفاء به، وما هو من الشوائب فيجب طرحه ونبذه..
هذه المعاني في المقسم به لها نظيرات في المقسم عليه:
فلك أن تتمثل الإنسانية في شكل الشيء الذي سيعصر،وتتمثل ابتلاء الإنسانية وفتنتها من خلال إيقاعها تحت التكليف في شكل ضغط عليها... -نلحظ اتفاق" العصر"و"الفتنة" في الأمرين السابق ذكرهما فالفتنة تفترض أيضا فعلا شديدا هو العرض على النار وفعلا نهائيا هو التمييز بين المعدن النفيس والشائب الخسيس فيحفظ الأول ويطرح الثاني-
ولك أن تتمثل أخيرا الإنسانية في حصيلة الفتنة والاختبار :
فقد استخلص منها أشرف ما فيها وهم : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر..
وبقي من الإنسانية حثالتها وهي جديرة بالطرح في جهنم كما تطرح الشوائب والقشور في موقد النار!!
فقد ثبت، إذن ، التمثيل البياني بين طرفي القسم...فهل يجوز لنا ،تبعا لذلك، أن نصحح القسم بالمصدر ؟؟
هذا مستبعد في نظرنا -رغم المسوغ البياني الذي شرحناه- وسبب الاستبعاد ننيطه بالخصائص الأسلوبية العامة للقرآن أو ما يسميه المفسرون "عادة القرآن"...فليس من عادة القرآن القسم بالمصادر وإنما يطرد فيه القسم بالذوات..سواء أكانت هذه الذوات من عالم الشهادة أم من عالم الغيب..وسواء أكانت دلالاتها قطعية أم احتمالية ...
ثم من عادة القرآن القسم بالزمن وأجزائه من الليل والنهار والفجر والضحى..فيكون القسم بالعصر متسقا مع هذه المعاني..فلا جرم أن يكون العصر مرادا به الذات لا المصدر.
منازعة مع اقتباس
  #109  
قديم 18-08-2011, 08:53 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

79-لمحة في قوله :

قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ121 رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ122 قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ123-الأعراف-

شاع في وقتنا تداول مفهوم" نظرية المؤامرة" وأضحى من المعتاد أن تكون الأحداث الكبرى (السياسية والاقتصادية خاصة..) موضوع ازدواجية في التأويل:
تأويل "عادي" أو ظاهري ،وتأويل مستند إلى" نظرية المؤامرة"..
ولعل أول تعريف لهذا المفهوم هو ما كتبه كارل بوبر- فيلسوف العلم الشهير –بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية:قال:
هي الرأي الذي يفسر الظاهرة الاجتماعية بالكشف عن رجال أو جماعات لهم مصلحة في حدوث تلك الظاهرة فيخططون لحدوثها ويتآمرون على ذلك (وأحيانا تكون تلك المصلحة خفية فيتعين الكشف عنها مسبقا)
يرى بعض المؤرخين أن أول ظهور لهذا المفهوم كان في القرن السابع عشر عند المعارضة البرلمانية للتاج البريطاني..لكن معظهم يتفقون على أن أول نظرية تآمر حقيقية قد تبلورت في نهاية القرن الثامن عشر في مجال الثورة الفرنسية..
واضح أننا نتحدث عن الخطاب لا الواقعة:
وإلا فالتآمر قديم في الإنسان لا يخلو منه عصر أو مصر..وإنما البحث هنا عن بداية تشكل الخطاب التآمري وتشغيل مفهوم المؤامرة عنصرا استراتيجيا للتحليل والتأويل...تلك البداية التي يعزونها إما إلى الثورة الانجليزية أو إلى الثورة الفرنسية...

هذا مبلغهم من العلم..
أما التحقيق فإن هذه النظرية موغلة في التاريخ.. اصطنعها فرعون مصر قبل الثورتين بمراحل..وقد نقلها البيان المعجز بدقة حتى أن خطاب الفرعون لا يعد نموذجا من الخطاب التآمري فحسب ،بل نموذجا له:
1-الخطاب الفرعوني" تأويل"( تفسير خطاب بخطاب):
والتأويل يقتضي انتقالا من الظاهر إلى الباطن، ومن المعلن إلى المضمر..ومن ثم يقرأ الفرعون "المناظرة العلمية" ظاهرا على أنها "مؤامرة سياسية" باطنا..
2-الخطاب الفرعوني "حيدة وتمويه"(ستر خطاب بخطاب):
يحاول الفرعون تحويل الأنظار عن الانتصار الحاسم لموسى عليه السلام فيؤسس خطابا للتمويه مقصده أن يتصدر وعي الناس لينزوي الخطاب الآخر إلى الهامش...فالخطر المحدق بالفرد أولى بالاهتمام من انتصار فريق على فريق..
ويبدو أن الفرعون يتقن مثل هذا الخطاب فقد اصطنعه مع موسى عليه السلام مرة أخرى:
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى49 قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى50 قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى51 قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى52
فالحديث عن القرون الأولى تمويه وفرار فقط..وقد فطن موسى عليه السلام لمكر فرعون فسد عليه باب فتح المواضيع الجانبية ،لتعويم الموضوع الأصلي، فأرجعه إلى موضوع الربوبية "لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى"
3-الخطاب الفرعوني ذهاني/رهابي..
يتجاوز الفرعون حدود ما يسمح به المنطق العادي..فاقتراح المواجهة العلمية جاءت من قبل الملأ من قومه وهم الحاشية والبطانة..وجمع السحرة من متفرق الأقاليم كان بأمر من الفرعون:
قالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ109 يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ110 قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ111 يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ112
فكيف تم الاتفاق على المؤامرة ومتى حصل ذلك ؟ أفيكون الفرعون متآمرا على نفسه إذ هو صاحب الفكرة ومنفذها!!!
4-الخطاب الفرعوني" تآمري"
وهذا واضح ..ويمكن أن نرصد بيسر في خطاب الفرعون كل العناصر التي حددها كارل بوبر..
منازعة مع اقتباس
  #110  
قديم 07-09-2011, 05:28 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

80-لمحة في قوله :
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ .....16-الكهف.

المخاطبة ليست لتلوين الأسلوب أو للتفنن في سوق الحديث(راجع اللمحة الثالثة من هذه السلسلة) ..بل لتوجيه المعنى وحمايته من التكذيب أو الارتياب..ويتضح ذلك بمقارنة التعبير الموحى بالتعبير المصطنع:
1- وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ
2-[كانت] الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ..
المعنى ليس واحدا وإن بدا كذلكَ !!
فالتعبير الثاني يخبر عن "واقعة فلكية"..أما العبارة القرآنية فتخبر عن "واقعة نفسية"وشتان بين الأمرين…
لاحظ أن العبارة المصطنعة قابلة للتكذيب( أو للارتياب في أحسن الفروض) فقد يقول عالم الفلك أن إسناد الطلوع والازورار والغروب للشمس ليس صحيحا (إلا مع الهروب إلى التأويل).. يتسامح فيه في الخطاب العامي ولكن لا يليق أن يكون في كتاب تدعون أنه لا يأتيه الباطل من أي جهة..

لذا نقلت الآية المعنى من الظاهرة الطبيعية إلى الظاهرة النفسية فجعلت حركة الشمس متعلقة بالرؤية لا بنفس الأمر: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت…
ورؤية الشمس طالعة غاربة حق لا ريب فيه…
وهكذا فتحويل الخطاب وتوجيهه إلى المتلقي ليس تفننا في الأسلوب بل احتراسا بديعا وصيانة للقرآن من المطاعن..
منازعة مع اقتباس
  #111  
قديم 27-11-2011, 11:05 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

81-لمحة في قوله :

1-وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ [الروم : 51]
2-أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ [الزمر : 21]
3-اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد : 20]

هنا ملاحظتان:
الأولى:
"مصفرا" جاءت ،في سياقات مختلفة، وصفا لمتغيرات هي الريح والنبات والزرع،لكنها ظلت ثابتة من حيث تعلقها بفعل الرؤية سواء أكانت الرؤية لمعين أو لغير معين :
فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا [الروم : 51]
فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا[الزمر : 21]
فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا[الحديد : 20]
الثانية:
في آية الحديد تصوير لأطوار النبات المتعاقبة:
يهيج-يرى مصفرا-يكون حطاما
الاصفرار متعلق دائما بالرؤية: "فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا" ومن ثم تنبعث الإشارة الإعجازية في تمييز حال" الاصفرار " في النبات عن الحال السابقة " الهياج" وعن الحال اللاحقة "الحطام"
التمييز الأسلوبي واضح ينشئه "الالتفات " وتحويل وتيرة الحديث من سرد موضوعي نحوخطاب تلفظي يحضر ذات المتلقي، ثم سرعان ما يعود الحديث إلى طريقته الأولى، بحيث تكاد تتخذ جملة "فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا "صورة التعبير المعترض!
هذا التصرف الأسلوبي قد لا يفهم إذا أخذنا بعين الاعتبار مبدأ التوافق بين المعنى والمبنى ...فليس في ظاهر المعنى اختلاف كبير يسوغ اختلاف المبنى ف"الهياج" هو نفسه" الاصفرار" أو قريب منه قال الراغب:
يُقَالُ: هَاجَ الْبَقْلُ، إِذَا اصْفَرَّ وَطَابَ،
وقال ابن عاشور:
وَعَطَفَ "فَتَراهُ مُصْفَرًّا" بِالْفَاءِ لِأَنَّ اصْفِرَارَ النَّبْتِ مُقَارِبٌ لِيُبْسِهِ،
والمرجع الدلالي في هذا كله واحد: النبات في تعاقب أحواله المتدرجة..
إن في تعليق الاصفرار بالرؤية لدقة مذهلة...فلو قال "فيكون مصفرا" أو "فيصير مصفرا" لجاء الباطل ،ولوقال "فتراه حطاما" لجاء اللغو...ذلك لأن الألوان لا تنتمي إلى حيز المدركات بل هي في بنية الإدراك نفسه:
فالصفرة ليست عرضا قائما بالنبتة أو صفة حقيقية من صفاتها بل هي من إنشاء العين بمقتضى انعكاس الضوء على شبكية العين فيؤول المخ اللون فيعتبره أحمر أو أصفر بحسب تركيب العين وطول الموجات الضوئية وترددها... ومن ثم تختلف ألوان الشيء الواحد بحسب بنية العين الباصرة، فما تراه النحلة من ألوان الزهرة يختلف عما تراه العين البشرية منها، ومن الحيوان –الثور مثلا-من يرى الدنيا بلا ألوان مثل ما نرى نحن شريطا تلفزيونيا بالأبيض والأسود !!
فبدون عين لا لون مطلقا...أعني لا لون موجود أصلا ...فاللون الأصفر موجود مادامت العين تنظر...فإذا أغمض الناظر عينيه انعدم اللون ذاتيا وموضوعيا معا...فلا يقال هو موجود ولكن لا عين تراه...بل إن وجوده هوعين رؤيته فهو من اختراع العين نفسها!!!
إذا تقررت هذه الحقيقة العلمية أدركنا سرا من أسرار التعبير القرآني ...فربط اللون بالعين الباصرة للمخاطب هو شيء أعمق من تفنن في التعبير وأجل من تلوين الخطاب بالتفات بديع...
ولو تتبعنا مواضع ذكر الألوان في القرآن لوجدنا في الغالب الأعم:
-إما الالتفات وتوجيه الخطاب إلى المتلقي كما في الآيات السابقة ذريعة لذكر الرؤية:"فتراه"
-وإما تسوير العبارات التي تضمنت ذكر الألوان بما يدل على الرؤية:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27)-فاطر-
-أو يذكر النظر والناظرفي سياق اللون:
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)- البقرة.
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) -الاعراف.
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)- طه.
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33)-الشعراء...
لكن جاءت ألوان في مواضع من القرآن على غير هذه الوتيرة...ونحن نرى في جلها تعزيزا للقاعدة التي وصفناها...وليس تشكيكا فيها:
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46)-الصافات
مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76)-الرحمن
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)-آل عمران
فهذه الألوان في العالم الآخر...وقوانين الإدراك هناك ليست بالتأكيد مثل قوانين الإدراك هنا...
أما آية يس:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)
فالمراد بالأخضر الارتواء والغضارة في مقابل اليبس والجفاف..والسياق الحجاجي يرشح ذلك فإخراج النار مما هو رطب لا من غيره أدل على القدرة من إخراجها من هذا اللون لا من ذاك...والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
  #112  
قديم 19-12-2011, 01:21 PM
بلول رشيد بلول رشيد غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Dec 2011
التخصص : طالب
النوع : ذكر
المشاركات: 5
افتراضي

نرجو منكم ارسالها على الايميل لكن ينقصها التهميش (المصادر والمراجع)
منازعة مع اقتباس
  #113  
قديم 26-12-2011, 08:36 PM
أحمد محمد عيد أحمد محمد عيد غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Dec 2011
السُّكنى في: المنيا - الإخصاص
التخصص : لغة عربية
النوع : ذكر
المشاركات: 10
افتراضي نرجو من حماة اللغة وأساطين البلاغة وأرباب الفصاحة

نرجو من فرسان البلاغة العربية الصور الجمالية والبلاغية للآيات العشر من سورة الإسراء .
منازعة مع اقتباس
  #114  
قديم 17-01-2012, 04:02 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

82- لمحة في قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا1 قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً2 الكهف.

مطلع السورة مناسب للاشارة إلى بعض خصائص الدلالة القرآنية:
1-الإحاطة بكل عناصر المعنى ، وبثها في مساحة ضيقة من اللفظ..
ففي آيتين فقط ذكر:
المرسل
والرسول
والرسالة
والمرسل إليه
وليس ذلك على أسلوب الجرد المجمل، بل على وجه التفصيل الذي لا يكاد يتميز معه تقديم الموضوع عن عرضه...فبداية السورة تشعر المتلقي بالموضوع وهي في الوقت نفسه تنهيه وتطويه:

"الحمد لله الذي أنزل..."
المرسل أثنى على نفسه، وصلة الموصول تعليل لهذا الثناء فهو يستحق الحمد لأنه أوحى إلى خلقه...والوحي منه مجرد تكرم وإنعام ..

-"....على عبده.."
الرسول مجتبى مختار، والعبودية تختزل كل المعاني فهي: وصف وثناء..أو واقع وتقييم..

-...الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّما. لينذر....
ثناء على الرسالة بعد الثناء على الرسول..والوصفان يختزلان كل معاني الكمال وجاءا على النسق الطبيعي من تقدم التخلية على التحلية أي نفي النقص ( لَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) على إثبات الكمال (قَيِّما)
ثم أشار بعد الثناء إلى مضمون الرسالة ومقاصدها : لينذر

-...لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً.
ذكر للمرسل إليه وأحواله...من انشقاقهم إلى فريقين فريق ضال وفريق مهتدي...استحق بعضهم النذارة وبعضهم البشارة..
والوعد بالخلود إشارة تلخص التاريخ البشري كله من إرسال الرسل والمواقف المتعارضة للناس من الرسالات وانتهاء الحياة الدنيا وقيام الساعة ومحاسبة الناس لينتهي فريق في بأس شديد وفريق على أجر حسن خالد..وهي معان مألوفة في القرآن متكررة فيه لكن الشاهد عندنا هو انبعاثها من المكمن اللفظي المضيق..وهذا وحده من علامات الإعجاز...فليس من السهولة المصالحة بين الاختزال والاختزان ...فحتى لوفرضت تلك المعاني المختزنة غير باهرة بل باطلة فالإعجاز قائم دائما..!!


2-يتحقق الاتساع الدلالي من خلال التفاعل الخفي بين الكلمة وسياقها..ولا يتأتى ذلك إلا بجعل الكلمة في مكان موزون بدقة...بحيث تضيع بعض معانيها إن هي تقدمت أو تأخرت عن موضعها ..ولنا في هذا المطلع من البيان المعجز مثل:
لِّيُنذِر...
علام يعود الضمير المرتفع في الفعل؟
ولأن السياق قبل الفعل ذكر" الله" و"العبد" و"الكتاب" فقد صارت الاحتمالات الثلاثة لمرجع الضمير مقبولة كلها...
فالله أنزل لينذر
والعبد أنزل عليه لينذر
والكتاب منزل لينذر...
فوجب الاتساع الدلالي لأن دفع أي احتمال تحكم ...فضلا عن الإشارة المعنوية إلى عدم التفريق بين ما جمع الله:
فإنذار الرسول هو نفسه إنذار الله !
وإنذار السنة هو ذاته إنذار الكتاب !


3-على المتدبر أن يتلمس المعاني المتولدة من نسقية الجمل وتجاورها..وهو أمر آخر غير المعاني السياقية...-وفي ذهننا تصور عن المعنى النسقي والمعنى السياقي سنحاول بإذن الله توضيحه في موضع آخر حسبنا هنا التمثيل بما يلي-
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ
لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ
يمكن أن نلمس على سبيل دلالة الاشارة النسقية معنى "رحمة الله غالبة غضبه"
فالعبارة الغضبية لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ لا يمكن لوحدها أن تقاوم رحمة الإنعام قبلها ورحمة البشارة بعدها...
وفي المطلع مثال آخر عن الدلالة المتولدة من التجاور وحده أي النسق فقط:
لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ
وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا...
النسق جاور إنذارين وبشارة واحدة...إشارة إلى غلبة الكفر على الإنسان كما نجد في فاتحة الكتاب :
الذين أنعمت عليهم
غير المغضوب عليهم
ولا الضالين
فريق واحد ناج ،وفريقان هالكان...
مثلما نجد هذا المعنى في قوله عليه السلام:
قاض في الجنة وقاضيان في النار...
فالبشارة للأول والإنذاران لصاحبيه.
منازعة مع اقتباس
  #115  
قديم 18-05-2012, 04:54 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

83-
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)
المطلع حواري:
سائل يسأل:
-عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ؟
ومجيب يجيب:
-عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ..
ويحتمل المطلع أن يكون إخباريا: يبدأ المخبر بالاستفهام لإيقاظ الانتباه عند المتلقي وإثارة تشوقه توطئة لمده بالخبر المترقب...بيد أن اعتبار الحوارية أبلغ..
في الاستفهام إضمار مكان الإظهار لتبئيرالفعل ..فقد لا يكون كبير فائدة في تعيين وتخصيص المتسائلين وإنما تساؤلهم هو المثير للانتباه بقطع النظر عن هوية المتسائل..
-عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ..
هاهنا مستويات ثلاث :
-الذين يتساءلون
-السائل عن تساؤلهم..
-وسؤالنا –نحن-عن سؤال السائل..
فمن الجلي أن سؤال الناس بعضهم لبعض أمر جبلي :فسؤالك "عم يتكلمان" لا ينبعث بمجرد أن ترى رجلين يتكلمان..لأن الاستفهام ناشيء دائما عن توتر ومعبر عنه، فما دامت الأمور في مسارها العادي فلا توتر..إذن فلا استفهام ..
ولكن، لو كان كلام الرجلين خارجا عن عادة الناس في الكلام وتلبس به ما هو غير مألوف، فحينئذ يكون السؤال "عم يتكلمان "حتميا..
فهذا السائل" عم يتساءلون" ما صدر منه ذلك إلا وقد أحس أن تساؤلهم قد اتخذ أبعادا لا يحسن السكوت عليها ومن ثم ينزع الوعي نحو الموضوع الذي طبع التساؤلات ووسمها بالغرابة والشذوذ!!
ولما كانت الكلمَ تَترتَّب في النُّطقِ بسببِ تَرتُّبِ معانيها في النَّفس -كما قررالقاعدة عبد القاهر – أدركنا سر نظم السؤال في تقديم الجار والمجرور ومجيء الجواب المطابق بتقديم ما يسأل عنه: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ..
لكن ما الذي جعل التساول باعثا على السؤال؟
"يتساءلون"
تعميم الفعل ينتصب عنه "مجتمع التساؤل":
ولصيغة الفعل خطر عظيم "فهم لا "يسألون" بل "يتساءلون" فمن مقتضيات الأول انتصاب مجتمع طبيعي ذي شقين سائلين ومجيبين..لكن الثاني ينتصب عنه مجتمع غير طبيعي كل يسأل ولا من مجيب...ففي مثل هذا المجتمع يسأل الأفراد فلا يكون الرد إلا السؤال بعينه أو مثله،وينبني عليه جحيم عقلي ونفسي لا يوصف :فعقول الناس لا تحتمل الدوران في حلقة مفرغة..وقلوبهم لا تطمئن لمثل هذا السلوك ،فلا "أسأل" إلا وعندي توتر، ولا "أسألك أنت "إلا وعندي أمل في جواب منك ينجيني من التوتر ..أما أن يكون جوابك سؤالا فهذا تغليظ للتوتر ومنتهى الشعور بالإحباط.

عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ .
الجواب يتضمن الاستخفاف والتسفيه..
فهؤلاء منغمسون في اللامعنى وتحصيل الحاصل...
فالعبث يأتي من جهتين :
من جهة التساؤل الذي يفترض هيمنة السؤال وغياب المجيب..
ومن جهة الاختلاف ..فعلى تقدير وجود جواب فهو لا يزيل التوتر أبدا بل هو مظنة الحيرة فجواب هذا مختلف عن جواب ذلك..
وعليه يكون هذا المجتمع محكوما بقطبين متضادين غياب مطلق للجواب ينشأ عنه الإحباط، أو تعدد غير معقول في الجواب ينشأ عنه الحيرة.!!
وجاء التعبير عن الأمرين بأسلوب التجدد وأسلوب التثبيت:
"يتساءلون"
"هم فيه مختلفون"
فأما الجملة الفعلية فقد أفادت تجدد التساؤل منهم ، وأما الجملة الإسمية فقدأفادت ثبات الاختلاف..فهم بين مطرقة التساؤل الدال على تجدد التوتر وبين سندان الاختلاف الذي يسلب عن السؤال كل معنى..
ثم إن الأعجب في كل هذا :
اللغو في المقام الجاد..
فالتساؤل على هذا النمط مستساغ في مقام الدعة والهزل...والاختلاف مقبول في الرياضات العقلية، والتحاذق الذهني مستساغ في الميتافزيقات..لكن إذا تعلق الأمر بالنبأ العظيم ...
منازعة مع اقتباس
  #116  
قديم 23-05-2012, 04:52 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

84-
الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) [البقرة ]
اعلم أن في الآية مفارقة نسميها "مفارقة الإشارة"
الآية تشير إلى الكتاب :"ذلك الكتاب"
والآية نفسها من الكتاب –قطعا-
فكيف يمكن أن تشير الآية إلى نفسها ؟
وكيف يعقل اتحاد المشير والمشار إليه؟
يمكن للمرء أن يشير بأصبعه إلى أي شخص آخر..
بل يمكن أن يشير إلى نفسه..لكن الأصبع -وهو قطعا جزء من الذات-لا يمكن أن يدخل في حيزالذات المشار إليها وهنا المفارقة!!
فقد يؤمر المرء أن يشير بأصبعه إلى عنقه فيشير إليه ...وإلى صدره فيشير إليه... ولكن إذا قيل له أشر إلى الأصبع الذي اعتمدته في الإشارة إلى عنقك وصدرك لا يستطيع، إلا أن يستعمل أصبعا آخر.... أما إشارة الأصبع الواحد إلى نفسه فمحال لضرورة انفصال الدال عن المدلول!!
هل يجدي- هنا- التمييز بين اللغة الموضوع واللغة الشارحة(الميتالغة) لحل الإشكال!
نحسب أن مسألة الإشارة في مطلع البقرة تختلف عن مسألة "حديث القرآن عن نفسه".
ففي كل لغات الناس يمكن أن تستعمل اللغة للحديث عن نفسها كما في كتب النحو والمعاجم..وهذه إحدى الوظائف اللغوية التي ذكرها جاكبسون وسماها الوظيفة الميتالغوية ضمن وظائف ستة في نظرية التواصل....
لكن لا ريب أن الإشارة أخص من الحديث العام...واللفظ المستعمل في الإشارة لا يمكن أن تكون له دلالة انعكاسية..
وهل ينبني حل الإشكال على أساس التمييز بين الإشارة الشخصية والإشارة الكلية..فلا يمكن أن تقع الإشارة الذاتية جزئيا ولكنها ممكنة الوقوع إذا كانت ضمن كل...أعني أن حكم الدلالة على الجزء بعينه يختلف عن حكم الدلالة عليه بالواسطة أو العنوان الكلي!!
فتكون الإشارة إلى الكتاب ( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) والإشارة إلى القرآن (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء : 9]) إشارتين مجملتين إلى الكل من غير اعتبار تفصيلي... أقول من غير اعتبار تفصيلي لأنه سيترتب عنه إخراج الآيتين من مرجع المشار إليه ( أي من الكتاب والقرآن) وهذا باطل....والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
  #117  
قديم 30-05-2012, 06:36 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

85-
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)

لنلحظ من زاوية جمالية تناسق الحركة:
فهي صاعدة ثم نازلة ثم صاعدة كرة أخرى...
الحركة الأولى تحمل الذهن في تصاعد تدريجي من الأرض فالجبال ثم السماء في طبقاتها السبع، وإن التعبير ب "بنينا" ليتيح للذهن استدامة الحركة من خلال تصور سماء بعد سماء أو طبقة بعد طبقة.
تتوقف الحركة الصاعدة عند حدود الشمس السراج الوهاج لتبدأ حركة عكسية، نازلة، مع أشعة الشمس والماء المتساقط من المعصرات ..ثم من الأرض تنبثق حركة صاعدة متجسدة في الحب والنبات والجنات الألفاف ...فتوحي الصورة في مشهدها العام بما يشبه الحوار بين الأرض والسماء في سياق الخلق والإيجاد..

سمة "الصلابة والشدة "تترجم لتشاكل دلالي ملحوظ في العناصر الطبيعية كلها:
-وتدية الجبال قوة اختراق وشد
-قوة السماء ملحوظة في السبع –كمّا-،و في وصفها بالشداد –كيفا-..
-صيغة المبالغة في وصف توهج الشمس "سراجا وهاجا"
-يتسق اسم "المعصرات" مع الصورة العامة أكثر من اسم السحب لما في الأول من إيحاء بالضغط والشدة -فهو مشتق من العصر-
-قيد جمع الجنات ب"ألفافا" إيحاء بالمؤازرة في الاجتماع والالتفاف..

فإذا جاءت الساعة خارت الطبيعة وتلاشت شدتها في ضربتين:
ضربة في السماء:
"وفتحت السماء فكانت أبوابا".
وضربة في الأرض:
"وسيرت الجبال فكانت سرابا"
فيكون التعبير قد اتخذ أسلوبين:
أسلوب التطويل والتفصيل عند وصف انبثاق الحياة ونموها واشتدادها..
أسلوب الإيجاز عند وصف النهاية..ولا يصلح لكل موضوع إلا أسلوبه.. ألا ترى أن الجنين يحتاج إلى شهور ليتشكل ،على مهل ، ولكنه لا يحتاج إلا لمثل واحدة كلمح البصر ليموت!!
منازعة مع اقتباس
  #118  
قديم 09-06-2012, 04:00 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

85-
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)
هذه الآيات قابلة لأن تقرأ وفق ثلاث خطابات-على أقل تقدير-
أ- خطاب العلم
ب- خطاب الامتنان
ج- خطاب الحجاج

1-الخطاب العلمي:
تمنح الآيات لمتدبرها مجموعة من الحقائق عن العالم الطبيعي:
فآية "أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6)" تختزل تاريخ الأرض برمته...فعل الجعل دال هنا على التحويل والتصيير بقرينة المهاد..قال الحلبي في عمدة الحفاظ:
"المهاد المكان الموطأ من مهّدت الأرض ومهدتها أي وطأتها.."
والتوطئة لا تكون إلا شيئا فشيئا فهي مقومة بالفعل المتكرر خلال زمن ممتد كما في توطئة الطريق ..
فيؤخذ من الآية أن الأرض في بداية أمرها لم تكن صالحة لاحتضان الحياة وإنما أصبحت كذلك بعد عهود حدثت فيها تطورات كبرى : مثل برودتها التدريجية، وسكونها من البراكين والزلازل وتكون قشرتها واحتفاظها بغلافها الجوي وغير ذلك ...
قال الحلبي:
"وقريء في طه مهدا ومهادا فالمهاد كالفراش والمهد كالفرش وزنا ومعنى."
فيكون في كلمة مهاد دقة عجيبة في تصوير تركيبة الارض...على اعتبار أن بنية المهد تقتضي طبقتين متضادتين:
طبقة صلبة (من حديد أو خشب –مثلا-) هي الاساس الذي يضمن استقرار الوليد
وطبقة لينة (من صوف أوشعر –مثلا-) لتكسر شوكة الطبقة الصلبة فلا يتاذى جسم الوليد...
والأرض مثل المهد تماما من هذه الجهة فقشرتها كفراش وثير تحته شدة وقساوة..كما في قوله :وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ [الذاريات : 48]

الكلام على وتدية الجبال،والسموات السبع والشمس الموصوفة بالسراج الوهاج، مستفيض عند المشتغلين بالتفسير العلمي للقرآن فلا نكرره،
وإنما نكتفي بالاشارة إلى "دلالة المجاورة" في قوله: وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14)
فالتجاور الذكري للشمس وإنزال الماء إشارة إلى التجاور السببي بين الأمرين: الشمس مسببة لتبخر الماء الذي سينزل ماء بعد ذلك..لاسيما وأن الشمس موصوفة هنا بالتوهج الشديد وهي الصفة المؤثرة في الدورة المائية .
منازعة مع اقتباس
  #119  
قديم 21-12-2014, 10:45 PM
عبد الرؤوف أبو شقرة عبد الرؤوف أبو شقرة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Apr 2010
التخصص : 1
النوع : ذكر
المشاركات: 62
افتراضي

أحُبست هذه الكنوز لعارض أم انتقلت فنلحقها ؟
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
ثمان آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أم عبد السميع حلقة العلوم الشرعية 1 20-05-2012 10:18 PM
سؤال : عن إطلاق لفظة ( أداة ) على بعض الأسماء التلميذ حلقة النحو والتصريف وأصولهما 5 15-01-2012 04:29 PM
قضية قرآنية أو شرعية لأطروحة الماجستير ( طلب مساعدة ) قسورة أخبار الكتب وطبعاتها 5 16-06-2011 11:06 AM
سؤال : عن سبب تقدم الخبر في قوله تعالى : (( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )) صلوا على النبي المختار حلقة النحو والتصريف وأصولهما 0 30-12-2008 07:23 PM
من آيات الصيام مهاجر حلقة العلوم الشرعية 0 01-09-2008 09:41 AM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 11:18 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ