ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة البلاغة والنقد
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #16  
قديم 28-06-2009, 02:58 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

15-لمحة في قوله :

أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ6 وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ7 تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ8 وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ9 وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ10 رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ11

افتتح المقطع ب "أفلم ينظروا"،وأقفل ب"كذلك الخروج".
الافتتاح إرهاص بالوصف ، لكن القفل يجعل المتلقي يعيد قراءة المقطع: فما كان وصفا يؤول الآن إلى ضرب من القياس ..فيكتسب المقطع خاصة التثنية الخطابية: فهو نص وصفي ونص حجاجي في آن واحد..أو إن شئت قلت : هو "خطاب للبصر"مع كونه "خطابا للبصيرة "!
1-خطاب البصر:
استعراض للوحات في السماء والأرض مع التنبيه على مقوّمي الشدة والجمال ..
فالشدة أظهرتها عبارة "بنيناها" الدالة على الالتحام والتماسك- بأسلوب الإثبات-،مع تأكيد المعنى ذاته - بأسلوب السلب- بقوله:" وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ".
أما الجمال فقد تكفلت ببيانه عبارة "وزيناها "..
وعند الانتقال إلى الفضاء السفلي نجد المقومين نفسيهما:فالقوة معبر عنها ب"المد" و"الإلقاء "والجمال معبر عنه بصفة "بهيج" (والبهجة هي الزينة في المعجم)
وبوسعنا ملاحظة التناغم بين الفضائين العلوي والسفلي:ف"البناء" في السماء يوازيه "المد" في الأرض ،باعتبار التوسيع في كلّ، مع اختصاص كل جهة بما يلائمها فالبناء توسيع عمودي والمد توسيع أفقي...
ويظهر التوازي ثانية في جعل النجوم(وزيناها ) في السماء، مقابلا بجعل الجبال (رواسي) في الأرض.
ونلحظ ثالثة ذلك التجاوب الجميل بين الحركة النازلة من السماء " وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً" والحركة الصاعدة من الأرض "فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ"
باختصار تصور لوحة مما يتملى بها البصر.

2-خطاب البصيرة:
عندما يصل المتلقي إلى نهاية المقطع"كذلك الخروج" سيجد أنه يتعين عليه التحول من مقام التملي الجمالي إلى مقام التدبر القلبي... -وقد نبه على ذلك ،قبل، في الآية المتوسطة للمقطع" تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ"-
فيعي،إذن، أن اللوحة المصورة للعين ما هي إلا مقدمة في الاستدلال ...
والاستدلال هنا على قضيتين جليلتين:
استدلال على الربوبية
استدلال على البعث..
فأما الاستدلال على الربوبية فمن جهتين:
أ-من جهة الاختراع –الدال على القدرة- بذكر خلق السماء وبنائها وإنزال الماء منها، وذكر مد الأرض وإرساء الجبال فيها وإنبات النبات منها ..
ب-من جهة العناية –الدالة على الحكمة- بذكر تناغم المخلوقات واتحادها في غاية واحدة مع تباعدها واختلاف طبائعها مما ينفي أي اعتباط في الكون، ويقرر ضرورة الإذعان لخالق حكيم..هذه العناية وضحتها عبارة "رِزْقاً لِّلْعِبَادِ" وهي الغاية التي ائتلفت عندها السماء والأرض...

وأما الاستدلال على البعث -وهو المقصد الأساس-فقد تم من خلال الاستدلال بالإمكان الواقعي -وليس بالإمكان الذهني فقط- وكان الاستدلال واضحا جدا ،قويا جدا ،لأن الآيات قد قربت المقدمات حتى جعلتها حسية تجريبية لا يمارى في شأنها..-وقد قلنا قبل إن النص خطاب للبصر والبصيرة في وقت واحد-فمشهد نزول الماء ظاهرة حسية مألوفة..ومشهد الأرض البوار حسي مألوف...ومشهد خروج الحياة من الأرض البوار عقيب الارتواء بالماء حسي متكرر مألوف..
فلم يقول الكافرون –بعد كل هذا-عن البعث إنه رجع بعيد!!!
منازعة مع اقتباس
  #17  
قديم 30-06-2009, 12:05 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

16-لمحة في قوله :

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ12 وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ13 وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ14

ارتباط هذه الآيات بما سبقها وثيق..رغم ما يبدو من تباين من جراء الانتقال من الطبيعي إلى التاريخي...
والارتباط الذي نقصده أخص من وحدة الخطاب...فنحن نرى في هذه الآيات استكمالا في الاستدلال، وإتماما للمحاججة..وتفصيل ذلك:
أنه في الآيات السابقة استدلال على البعث من "المشاهد" الطبيعي..وهنا استدلال على وقوع العقاب من "المسموع" التاريخي!
ولا شك أن الاستدلال على البعث هو من قبيل القصد الثاني...لأن القصد الأول هو إثبات المساءلة والعذاب..فيكون تقرير البعث مقدمة لتقرير العقاب ..
والكافرون عندما ينفون البعث ينفونه سدا للطريق عن لازمه، وهو وقوع العذاب عليهم..كما حكى القرآن عن كافر منهم قوله: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا..
فلو قيل لهم إن البعث ثابت ،ولكن لا حساب فيه، لوافق هذا هواهم، ولقبلوا الفكرة دون أن تعلو أصواتهم بالسخرية والاستهزاء كما هو دأبهم كلما ذكر لهم الخروج من القبور..
ومن ثم شرعت الآيات، بعد إثبات البعث، في إثبات المقصود وهو حصول العذاب:
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ12 وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ13 وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ14
وسرد هذه الأسماء كلها للتنبيه على أن العقاب" ظاهرة" تاريخية وليست "حادثة" من الحوادث...إنه قانون مطرد يتلازم فيه تكذيب الرسل وتعذيب المكذبين ...فلا جرم أن تبقى اللائحة مفتوحة يرشح لها اسم "قريش" إذا هي تمادت في تكذيب رسولها.
والملاحظ في الاستدلالين الطبيعي والتاريخي الاشتراك في خاصية الانتقال من الشهادة إلى الغيب..
فإحياء الأرض الميتة حالة مشهودة دالة على البعث الغيبي..
كما أن عقاب الأمم حالة مشهودة في التاريخ دالة على وقوع العقاب في الآخرة...وفي الاستدلالين معا يوظف القياس الأولى:
فالنشأة الأخرى أهون من الأولى...
ووقوع العذاب في الدنيا على الأمم المكذبة يدل على وقوعه في الآخرة عن طريق الأولى لأن الآخرة هي أصلا دار الثواب والعقاب..
حاصل الأمر أن الاستدلال في آيات السورة جاءت في ترتيب بديع:
إثبات البعث مقدمة للعذاب، أولا...
وإثبات العذاب نفسه، ثانيا..
منازعة مع اقتباس
  #18  
قديم 30-06-2009, 08:48 PM
شمس الحرية شمس الحرية غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jun 2009
السُّكنى في: بلاد العرب أوطاني
التخصص : الأدب العربي
النوع : أنثى
المشاركات: 12
افتراضي

بوركت و جعلت عزا للإسلام والمسلمين .
منازعة مع اقتباس
  #19  
قديم 01-07-2009, 03:34 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

17-
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ16

تتوالى المقاطع في هذه السورة الشريفة بانتظام بديع:
أثبتت البعث في المقام الأول..
ثم أثبتت لازمه –الحساب- في المقام الثاني..
وهي الآن تثبت لازم الحساب وهو الإحاطة بما يحاسب عليه الإنسان..
معنى أكدته الآيات الثلاث بأكثر من وجه:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ16 إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ17 مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ18
-الآية الأولى مكونة من ثلاث جمل..الوسطى منها(وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ) هي الحاملة للمعنى المقصود..أما السابقة واللاحقة فتحملان الدليل عليه..
فالله عز شأنه يعلم ما توسوس به نفس الإنسان لأنه خالقه(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
وهو عز شأنه يعلم وسوسة نفس الإنسان لأنه أقرب إليه من حبل الوريد..
فأنت تلاحظ كيف جاءت الدعوى محفوفة بدلائلها ..
-الآية الثانية" إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ" جاءت لتقرير "توثيق العلم" وتسجيله (حين يكتب المَلَكان المترصدان عن يمينه وعن شماله أعماله)
-أما الآية الثالثة ( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) فقد جاءت لبيان الاستغراق والهيمنة..فكل ما يصدر عن الإنسان مسجل محفوظ سواء ما خفي مثل وسوسة النفس أوما ظهر مثل اللفظ..
فيتحصل من الآيات أن الإنسان محاسب وأن ما يحاسب عليه هو في ذروة المصداقية القانونية:
فهو "معلوم"
"موثق"-بشهوده-
"شامل"..
منازعة مع اقتباس
  #20  
قديم 01-07-2009, 01:54 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

18-
وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ19 وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ20 وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ21 لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ22

ترتيب بديع مرة ثانية:
-"وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ.."
تلكم القيامة الصغرى،
-"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ..."
تلكم القيامة الكبرى،
-"وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ"
فذلكم المقصود من القيامتين..
ولا يفوتنا أن نلمس القوة الدلالية في قوله " وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ"
فأنت ترى ،أولا، هذه المفارقة العجيبة في الجمع بين السكر والصحو...ف"الوعي" الناصع بالحقيقة لا يتأتى إلا في غمرات "سكرة" الموت !-وأحسب أن مقولة على ابن أبي طالب (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا) قد استوحاها من هذه الآية ومن قوله بعدها "لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.."-
وأنت ترى، ثانية، أن هذه الآية هي القاصمة لظهور الحكماء والفلاسفة وكل ذي مذهب- غير مذهب الحق –
إن الناس قبل سكرة الموت يتبعون كل ناعق ،ويختلقون شتى المذاهب،
وكل يدعي إن نحلته هي النحلة،وأن ملته هي الملة...
ولك الآن أن تتخيل هؤلاء جميعا في سكرة الموت فهل سيتمسك الوجودي بوجوديته، أوالماركسي بماركسيته،أو الوضعي بوضعيته،أو الملحد بإلحاده!!!
ثم أي كتاب يحق له أن يتلى ويسمع في هذا الموقف الجليل: أمقولات أرسطو، أم الوجود والعدم لسارتر، أم رأسمال ماركس!!!
وهل يستسيغ المحتضر في هذه اللحظة أن يسمع كلاما عن "الوجود "و"الماهية" أو عن "الجوهر" و"العرض" أو عن" البنية التحتية" و"البنية الفوقية"-وهي أمور" يا لطالما" عدا فيها وعادى عليها-فلم لا يطيق الآن سماعها...!!
ولك الآن أن تنش عن أنفك كل الفلسفات...فلتقل لمن يزخرف عليك فلسفته:" أنا مستعد لاتباع فلسفتك لكن بشرط أن تضمن لي بقاءك مؤمنا بها في ساعة احتضارك!!!!"
هل أدركت الآن قوة كلمة" الحق" في الآية: وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ...!!
منازعة مع اقتباس
  #21  
قديم 01-07-2009, 04:13 PM
عبد الله أبو أسامة عبد الله أبو أسامة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jun 2009
التخصص : اللغة العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 22
افتراضي

أثابك الله وشكر لك أخي/ أبا عبد المعز على روائع هذه اللمحات المشرقات من آيات الله البينات.

الإصلاح الأخير تم بواسطة : عبد الله أبو أسامة بتاريخ 01-07-2009 الساعة 04:14 PM. السبب: تصحيح
منازعة مع اقتباس
  #22  
قديم 02-07-2009, 07:19 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

19-
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ24

لا ينقص لإقفال الموضوع إلا ذكر ثالث أضلاع المسألة :وهوثمرة الحساب ، وهو ما تكفلت ببيانه بقية السورة..فيكون الموضوع قد استوفى كل فصوله ومراحله:
-فمن مقدمة الحساب (الاستدلال على البعث)
-إلى الحساب نفسه (تقرير الحساب وبيان الإحاطة الشاملة بأفعال العباد)
- إلى نتيجة الحساب.(جهنم أو الجنة)
ونلحظ أن السورة عندما وصلت إلى نهاية المطاف(ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ34 لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)
عادت للتذكير بما سبق على نحو إجمالي،فكأن السورة في بنائها جمعت بين الموضوع وملخصه ، أو كأننا أمام مرآة داخلها مرآة مصغرة فبوسعك أن ترى الموضوع مفصلا في المرآة الكبيرة كما في وسعك أن تراه مجملا في الصغيرة...:
فقوله:
-وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ36
إجمال لما فصل من قبل في قوله:
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ12 وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ13 وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ..
و قوله:
-وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ..
هو كذلك اختصار لما فصل في بداية السورة:
أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ6 وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ7 تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ8 وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ9 وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ10 رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ11
(تفصيل ثم إجمال مع شيء من التنويع في الترتيب :ففي التفصيل بدأ بالطبيعة وثنى بالتاريخ، وفي الإجمال بدأ بالتاريخ وأخر الطبيعة)
وقوله :
-"نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ"
إجمال لما فصل في الآيات السابقة:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ16 إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ17 مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ18
ونحن نرجح أن تكون الآية:
"وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ.."
حجاجية وليست إخبارية- مراعاة لاتساق السورة وانسجاما مع مقصديتها-
فخلق السموات والأرض، ابتداء، دليل على القدرة على إعادتها ثانية..وفي قوله "وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ.." تلميح لهذا المعنى - التلميح سيؤول إلى تصريح في الفذلكة:"ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ"-
فمن لم يصبه تعب في مبادرة صنعة فكيف يعي في إعادتها..
والاستدلال القرآني قوي جدا ، فبالنظر إلى الشاهد يكون إبداع الشيء أصعب دائما من إعادته وذلك لوجوه منها:
-الابداع يكون على غير مثال أما الإعادة فليست كذلك لأنها مسبوقة بنموذج.
-الإعادة تفترض تجربة سابقة فيكون معها المعيد أكثر مهارة وتمرسا ..
لا داعي إلى التذكير بأن مثل هذا الكلام مناسب لعالم البشر، أما رب العالمين فمنزه عن كل ذلك ، لكن مقتضى الكلام البليغ خطاب الناس بما يعهدون..
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
  #23  
قديم 03-07-2009, 05:31 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

20- لمحة في قوله :

وَالْعَصْرِ1 إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ2

يمكن استكناه دلالات هذا القسم بتوجيه النظر إلى جهتين:
أولا:
موقع القَسَم على المحور العمودي، بوضع "العصر"ضمن جملة الأقسام الأخرى التي افتتحت بها بعض السور المكية.
ثانيا:
وظيفة القَسَم على المحور الأفقي ،بملاحظة علاقة "العصر"بما تضمنته السورة من معان وأحكام.
1.
احتل "الزمن" مكانة متميزة بين الأقسام الاستهلالية،فرب العزة أقسم بكل مراحل الوحدة الزمنية :
فقد أقسم بالليل:
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى الليل1
وأقسم بالفجر:
وَالْفَجْرِ الفجر1
وأقسم بالضحى:
وَالضُّحَى الضحى1
وأقسم بالعصر:
وَالْعَصْرِ العصر1

جاءت هذه الأقسام لاستغراق الزمن كله بالتنبيه على تمفصلاته ومنعرجاته الأساسية:
فالفجر بداية،
والليل نهاية،
والضحى نهاية البداية،
والعصر بداية النهاية.

قال في اللسان:
الضُّحى من طلوعِ الشمس إِلى أَنَ يَرْتَفِعَ النهارُ وتَبْيَضَّ الشمس جدّاً ثم بعد ذلك الضَّحاءُ إِلى قَريب من نِصْفِ النهار.
العَصْرُ : العَشِىُّ إِلى احْمِرارِ الشَّمْسِ..

فيكون الفجر مقابلا لليل باعتبار البدئية والانتهائية،والضحى مقابلا للعصر باعتبار الأول يمثل نهاية ارتفاع الشمس وتمام انتشار الضوء التدريجي، والثاني يمثل بداية نزول الشمس نحو المغيب وتغير لون الأشعة نحو الاصفرار ثم الاحمرار.
والزمن المقسم به في هذه السور مرتبط بحياة الإنسان وسيرورته،بحيث يؤذن تحول الزمن وتغير موضع الشمس في السماء بتحول وتغير في نشاط الإنسان وبرنامج عمله...ومن ثم كانت الصلاة موقوتة بحسب منعرجات الزمن مما يكشف عن تناغم بديع بين الإنسان والطبيعة...
وللمعنى نفسه جاء تعدد أجزاء النهارواختلافها:فجر/ضحى/عصر...في موازاة مع تعدد أنشطة الإنسان واختلافها في النهار..بينما الليل لم يقع فيه تقسيم فجاء لفظا عاما واحدا( "الليل") لقلة نشاط الإنسان فيه ،فهو سبات ونوم في الغالب، لا يحتاج معه إلى تمييز. ..
ويمكن أن نلاحظ في هذا السياق أن العناصر النهارية جاءت في القسم القرآني مجردة من كل قيد :والفجر ...والضحى...والعصر..
أما الليل فقد جاء مقيدا بوصف:والليل إذا يغشى..
ولعل في التقييد بالظرفية وفعل المضارع تنبيها على الزمنية والحركية فالمقصود هو حلوله وانتشاره وليس السواد أو الظلام فقط.والله أعلم.
2.
إن وقت العصر مناسب بيانيا لموضوع السورة لذلك اختاره العليم الحكيم قسما في مطلعها،وهذا بعض بيان لبعض وجوه التناسب بين المقسم به والمقسم عليه:
لا ريب أن سورة العصر، على قصرها ،شديدة الوقع على النفس: ففيها ثلاث لحظات دلالية تثير ثلاث لحظات شعورية:
اللحظة الأولى:
"إن الإنسان لفي خسر"
حكم بالخسران عبر عنه باستغراقات ثلاث:
-التوكيد بثلاث مؤكدات :القسم و"إن "و"اللام"
-الحكم على النوع الإنساني كله .." الإنسان" هنا لا يراد به الماهية بل العموم المستغرق لكل أفراده بدلالة الاستثناء الذي سيأتي.
-التعبير ب "في خسر"لاستغراق كل الجهات..فكأن الخسر ظرف والإنسان مظروف فيه ،فحيثما توجه وجد الخسران...هذه التقوية الكمية لمعنى الخسارة عضدتها تقوية أخرى – كيفية- بتنكير "خسر"فيؤول المعنى إلى: "خسر وأي خسر"!!
هذه اللحظة الدلالية يقابلها شعوريا إحساس بالانقباض وربما اليأس..
فالحكم بالخسارة هو على كل الناس، وقاريء هذه السورة واحد من الناس، فهو مشمول في الحكم قطعا.
اللحظة الثانية:
"....إلا الذين..."
لحظة تنفيس ..وفتح لنافذة الأمل،فالخسارة ليست بإطلاق ..فقد آذن الإستثناء بتكسير طوق الخسران لإخراج أفراد من الناس من دائرة الخسارة المتأصلة إلى النجاة الطارئة!
يوازي هذه "اللحظة الاستثنائية" تنفس الإنسان الصعداء!!لسان حاله يقول:"الحمد لله هناك مبدئيا ناجون عسى أن أكون منهم.."
اللحظة الثالثة:
..الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
لحظة تقييد وإملاء الشروط..
تضمنت صلة الموصول مواصفات الناجين وشروط الفوز..وجاء العطف ب"الواو" وليس ب"أو" مما يعنى أن تلك الشروط على الجمع لا على التخيير..فالناجي من الخسران هو المؤمن العامل الموصي بالحق والصبر..يؤتى بذلك كله ولا يغني بعضه عن بعضه...باختصار لا تكون النجاة إلا بإقامة الدين كله لأن تلك الصفات الأربع دلت على جهات الدين كلها. ..وقد انتبه الشافعي لهذا المعنى عندما قال: "لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم.."
ولمعرفة غور قول الشافعي يستحسن الرجوع إلى التفسيرات المستفيضة لهذه السورة خاصة ما جرت به أقلام أئمة الدعوة رحمهم الله..والمقام هنا لا يتسع لذلك.
هذه اللحظة يوازيها شعوريا الإحساس بالهم المصاحب للتشمير عن الساعد..
فكأن السورة تقول:
"الخسارة عظمى ،إلا أن النجاة ممكنة،لكنها بشروط."
فجمعت الإثبات والاستثناء والاستدراك...
السورة يغلب عليها إذن طابع الإنذار..
صحيح لقد فتحت بابا للأمل لكن ليس على مصراعيه فلا بد من اختبار...ومن محاسبة.
ولا شك أن وقت العصر هو الملائم لهذه المعاني:
-فهو بداية النهاية..فالشمس التي كانت تتوسط السماء في كامل قوتها هي الآن تضعف وتتجه في مسارها إلى مغيبها في نهاية الأفق...
ويبدأ الإنسان عندئذ في التفكير في الرواح...يصفي ما تبقى من تجارته أو يستجمع إبله وغنمه فلا يفكر ابتداء من اللحظة إلا في طريق العودة..فلا يكون عنده –مثلا-هاجس الربح في التجارة فبعد العصر قد يبيع ما عنده بأقل من ثمنه...لأن همه ليس في درهم يستزيده بل في طريق لا بد أن يقطعها في سباق مع الزمن.. فتهديد الليل أكبر بكثير من حصول الدرهم أو الدينار...فمن الحصافة أن يتنازل عن وعد الغنم لوعيد الغرم!!

طريفة:

من الطرائف المناسبة للمقام ما تزعمه العامة في المغرب من أن "السلاويين"-وهم سكان مدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط لا يفصلهما غير مجرى نهر أبي رقراق- يعتريهم الجنون عند كل عصر، ولما سألت أحد السلاويين عن منشإ هذا الزعم قال إن مدينة "سلا "ذات أسوار وأبواب ،وأن الأبواب كانت تغلق جميعا مع غروب الشمس فلا تفتح إلا في الصباح ،فمن سدت دونه قضي عليه بالمكوث خارجا..فكان السلاويون أصحاب الحرف والتجارة المنتشرون خارج سلا- في الرباط خاصة - يتخلون عن هدوئهم بعد العصر فينتابهم هاجس الأبواب التي ستغلق فربما أظهروا شيئا من العصبية، والقلق ،وتسارع في وتيرة الحركات في جمع متاعهم وغيره..فقال عنهم الرباطيون "إن السلاويين يحمقون مع العصر" !!
قلت :حالة السلاويين هذه ينبغي أن تكون حالة كل مكلف في هذه الدنيا..فالتوجس خير من الغفلة على كل حال.
منازعة مع اقتباس
  #24  
قديم 05-07-2009, 05:39 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

21- لمحة في قوله :

لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ16 إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ17 فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ18 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ19

وقوع هذه الآيات في موضعها من سورة القيامة مثير للسؤال،بل مثير للشكوك عند مرضى القلوب ،على ما ذكره الفخر الرازي --من زعم" قوم من قدماء الروافض أن هذا القرآن قد غير وبدل وزيد فيه ونقص عنه ، واحتجوا عليه بأنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها ولو كان هذا الترتيب من الله لما كان الأمر كذلك ."

وقد حاول الرازي أن يرد على الطاعنين فذكر وجوها في بيان المناسبة
"أولها : يحتمل أن يكون الاستعجال المنهي عنه ، إنما اتفق للرسول عليه السلام عند إنزال هذه الآيات عليه ، فلا جرم . نهى عن ذلك الاستعجال في هذا الوقت ، وقيل له : لا تحرك به لسانك لتعجل به وهذا كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئاً ، فأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً ، فيقول المدرس في أثناء ذلك الدرس لا تلتفت يميناً وشمالاً ثم يعود إلى الدرس ، فإذا نقل ذلك الدرس مع هذا الكلام في أثنائه ، فمن لم يعرف السبب يقول : إن وقوع تلك الكلمة في أثناء ذلك الدرس غير مناسب ، لكن من عرف الواقعة علم أنه حسن الترتيب..."

لا شك أن توضيح الفخر حسن جدا، لكنه لا يساعد كثيرا على إزالة الإشكال فإن وحدة الواقعة لا تحقق الترتيب الداخلي فضلا عن حسنه!!
وفي مثال التلميذ فإن الدرس في الحقيقة لم ينقل "مع" الكلام ، ولكن الكلام نقل "في "الدرس وامتزج به عضويا..مكونا- في ما يفترض- نصا واحدا ومعلوم أنه لا نص بدون اتساق داخلي فعاد الإشكال جذعا..

سنحاول بداية أن نرصد الإشكال، بتوظيف مفاهيم مستحدثة ،فنقول:
إن آيات الاعتراض في سورة القيامة لا تتسق دلاليا مع سياقها فقط ،بل هي منتمية إلى مستوى خطابي مباين تماما لمستوى خطاب السياق:
فالسورة من حيز خطاب "الملفوظ"
وآيات الاعتراض من حيز خطاب" التلفظ"..
ولك أن تقول: السورة من "الحديث" و آيات الاعتراض من "التحديث"..أو أي مقارب في الاصطلاح للثنائية الأعجمية (énonciation/ énoncé) الشهيرة في علم اللغة المعاصر وفي فلسفة اللغة..
لعل المقام لا يتسع لبيان شامل لهذين المستويين في الخطاب وسنقتصر فقط ، لتنوير القاريء ، على مثال توضيحي أو مثالين:
إنك لو تأملت عبارة "هنا شجرة" حق التأمل، لأدركت أن جهة الدلالة في لفظ "هنا" ليست مثل جهة الدلالة في لفظ" شجرة" ،فمعنى -أو مرجعية- "شجرة" ثابت حيثما قيلت ..وليس كذلك معنى "هنا" فهو تابع للمتلفظ لا يفهم إلا من وجود المتكلم به..فلو كان المتكلم من القاهرة فإن "هنا" في كلامه ستعني القاهرة ولو تكلم بهذه العبارة نفسها بغدادي لكانت "هنا" دالة على بغداد وهلم جرا...باختصار ليس ل"هنا" أية مرجعية ذاتية وإنما هي إضافية دائما...عكس كلمة" شجرة "فهي تحيل في شتى الظروف على ماهية واحدة..
وقس على" هنا": "الآن" و "غدا " و"أنا" و"أنت" و"كاف" الخطاب و"ياء" النداء وغيرها..
هذه الوحدات التي لا تكتسب معناها إلا من ظرف القول هي التي تكون في اللغة مستوى التلفظ أو التحديث..أما باقي الوحدات اللغوية التي لا يتأثر معناها باختلاف التلبسات فهي المكونة لمستوى الملفوظ أو الحديث..
وهذا مثال آخر :
"قلت لصاحبي أمس إن الشمس ساطعة."
فالجملة الاولى" قلت لصاحبي أمس" من مستوى التلفظ.والثانية" إن الشمس ساطعة" من مستوى الملفوظ ..وآية الاختلاف بين المستويين أنك لو سمعت هذا النص من القائل وأردت لأن تحكيه لثالث فستجد نفسك مضطرا لإحداث تحويل في مستوى التلفظ فتقول:
قال لصاحبه إن الشمس ساطعة..
أما النقل الحرفي لمستوى التلفظ فيجعل الجملة كاذبة..لكن جملة الملفوظ "إن الشمس ساطعة " فهي بحكم استقلالها الدلالي لن يعتريها تغيير ...-بل إن تغييرها قد يجعل الجملة كاذبة-
وفي المثال المضروب من قبل الرازي تكون عبارة" لا تلتفت يميناً وشمالاً" من صعيد التلفظ..أما محتوى الدرس الذي يتلقاه من مدرسه فهو من حريم الملفوظ..
ولا شك أن التلميذ له من الوعي ما يفرق به بين المستويين..ولا نحسبه يدرج عبارة " لا تلتفت يميناً وشمالاً" في منصوص الدرس ، فيلقنها لتلاميذه –عندما سيكون شيخا- معترضة لجمل تتكلم عن فرائض الوضوء!!!
وهنا بالضبط سر من أسرار القرآن،ودليل دامغ على صدق الرسول وأمانته في تبليغ ما أنزل إليه..
فالقرآن جعل من الحدث التلفظي ملفوظا..والرسول بلغ ما سمع حديثا واحدا على مرتبة واحدة لا تمييز فيها بين الحديث والتحديث..وهذه ذروة الامانة..
ولو شئت مزيد توضيح قدر في نفسك أن تقول لغلامك:
"قل لأخي إنني أنتظره هنا "
فالغلام يعي بلا شك أن لفظة "قل" من التلفظ وليس لها معنى إلا في ظرف خاص هو مشافهة السيد له ومن الحماقة أن يجعلها ضمن الرسالة نفسها أي ضمن الملفوظ..لأن الرسالة ستصبح حينئذ غير قابلة للقراءة..فهل يتصور أن يمثل الغلام أمام المرسل إليه فيقول له وهو في مقام التبليغ: "قل لأخي إنني أنتظره هنا "!!!

قارن هذا مع :

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ1
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ1
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ1
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ1
لم يفرق الرسول بين المستويين فيبلغ النداء "يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ" ويطوي صيغة الأمر"قُل" باعتبارها خارجة عن الحديث...ولو فعل ماكان عليه شيء بل لا يتعين إلا التفريق في مقتضيات الخطاب البشري...
لكنها الأمانة في النقل عند أسمى درجة...
وبناء على هذا ، فإن البحث عن المناسبة في آيات الاعتراض في سورة القيامة وتكلف اتساقات وهمية ليتضاءل ويخفت أمام هذا النور الباهر الكاشف لصدق النبوة الخاتمة.
منازعة مع اقتباس
  #25  
قديم 08-07-2009, 04:35 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

22-لمحة في قوله :

الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ2 الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ3 ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ4

سينصب اهتمامنا على ملاحظة انتظام الأسماء العلية الخمسة في الآيات الثلاث..مع بيان دلالاتها الوجدانية ، وما تبعثه من خاطرات على الشعور،فنقول بإيجاز:
الآية الأولى لاستشعار المحبة،
والثانية لاستشعار الرجاء،
والثالثة لاستشعار الخوف..
1-أما المحبة فلأنها من مستلزمات الحمد..وسواء أكان الحمد للصفات الاختيارية، أم للصفات الذاتية ، أم للأعم، فإن المحبة لازمة على كل اعتبار...
فالنفس مجبولة على الميل إلى الكمال وإلى التعلق بالجمال.فثبتت المحبة على تقدير الحمد للصفات الذاتية..
وعلى تقدير الحمد للصفات والأفعال الاختيارية فالمحبة ثابتة أيضا لأن الإنعام والعطاء سبب المحبة للمنعم والمعطي..ودليله قول الرسول :"تهادوا، تحابوا "
واسم الرب يدور على معنيين :السيادة (الملكية)والتربية،وقد حمله العلامة الزمخشري على المعنى الأول أي معنى المالك، لكن المشهور هو معنى التربية أي"تبليغ الشيء إلى كماله بحسب استعداده الأزلي شيئاً فشيئاً" وهو مختار العلامة الألوسي محتجا-عن حق-أن الحمل على المعنى الأول يؤدي إلى أن يكون مالك يَوْمِ الدين تكراراً لدخوله في رَبّ العالمين فضلا عن مناسبة المعنى الثاني للمقام" لأن التربية أجل النعم بالنسبة إلى المنعم عليه وأدل على كمال فعله وقدرته وحكمته ،"
2-أما الرجاء في آية" الرحمن الرحيم" فإن القلب يجد ريحه من جهتين:
-من جهة دلالة الصيغتين
-ومن جهة الاقتران.
فأنت ترى أنه من مادة واحدة"رحم" اشتق اسمان ،تدل الصيغة في كليهما على المبالغة في ثبوت الرحمة وإيصالها..
فصيغة "فعلان" توحي بالامتلاء، و الزيادة في بناء الصيغة يوازيها زيادة في المعنى.
وصيغة "فعيل "معدودة عند سيبويه من أمثلة المبالغة، غير أن صاحب «الكشاف» والجمهور لم يثبتوا في أمثلة المبالغة هذا الوزن فالرحيم عندهم صفة مشبهة مثل مريض وسقيم. والحق ما ذهب إليه سيبويه كما قال العلامة ابن عاشور.
وقد اختلف الأعلام في أي الصيغتين تكون الدلالة فيها على الرحمة أشد وأبلغ ..وعلى كل حال فمجيء الصيغتين مقترنتين بدون فصل ليرفع الدلالة على الرحمة إلى أوجها...مانحا بذلك القلب منتهى الشعور بالرجاء .

3-أما الخوف فمستفاد من التركيب الإضافي "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وإنك واجد هذا الشعور في كل مفردة فيه..
الملك:
صورة الملك متجذرة في المخيال البشري مشوبة بالخوف..فلا زالت ملوك الأرض إلى يومنا هذا تدعى "أصحاب الجلالة" و"أصحاب المهابة"
ولم يجد النابغة شبيها للملك إلا أخوف ما يخافه الإنسان بالغريزة:
فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِى هُوَ مُدْرِكي وَإِنَ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ
يوم:
يقترن "اليوم" في الاستعمال العربي بالشدة والبأس، فسموا معاركهم" أياما" وسمى القرآن البعث "يوم القيامة" إشارة إلى عسره وشدته.
الدين:
الدين الجزاء والحساب والاقتصاص...وهي معاني تولد التوجس والترقب..
إن انتظام الأسماء السنية في مطلع الفاتحة من شأنه أن يرسم الصورة لما ينبغي أن تكون عليه العبادة الحقة..وقد شبه الأئمة من قبل العبادة بطائر رأسه المحبة وجناحاه الخوف والرجاء...فالعبادة بالرجاء وحده تضييع للشرائع والتكاليف ،والعبادة بالخوف وحده مآلها إلى اليأس والقنوط ،والعبادة بالمحبة وحدها يفضي إلى ضلال النصارى ، والعبادة بدون خوف من الحساب يشجع الفسق والفجور..
منازعة مع اقتباس
  #26  
قديم 09-07-2009, 05:52 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

23-لمحة في قوله :

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الفاتحة5

ذهب غير واحدمن أهل البلاغة والتفسير إلى أن العطف في الآية هو من باب عطف الآلة على المقصود، أو عطف السبب على المسبب،فالمطلوب هو العبادة أما الاستعانة فسبيل إليها ووسيلة لتحصيلها..
وقد اقتضى هذا المذهب تأويل الترتيب وتوجيهه،لأن السبب في الوجود متقدم على نتيجته ،فكان من حقه التقدم في الذكر أيضا..
وقد عللوا هذا العدول بأمور منها :
- أن فواصل السورة مبنية على الحرف الساكن المتماثل أو القريب في مخرج اللسان، والترتيب في الآية يفي بهذا الغرض.
-أن العبادة تقرُّب للخالق فهي أجدر بالتقديم في المناجاة ، وأما الاستعانة فهي لنفع المخلوق للتيسير عليه فناسب أن يقدِّم المناجي ما هو من عزمه وصنعه على ما يسأله مما يعين على ذلك..
-أن السبب وإن كان متقدما في الوجود فهو متأخر في الوعي..فالمرء يتصور مراده ، أولا ،ثم يتصور ما به تحقيقه من أسباب وشروط..
-أن الترتيب ،كما يكون باعتبار الوجود، يكون باعتبار الشرف ، وهو هنا من هذا الباب..فالمقاصد أشرف من الوسائل..

والتحقيق أن الترتيب في الآية ليس من باب ما ذكروا من سبب ومسبب ، أو من وسيلة ومقصد، وإنما هو من باب عطف الخاص على العام الذي من شأنه التنويه بالخاص، والتنبيه إليه، والتأكيد عليه..
فالاستعانة من العبادة قطعا،واعتبارها وسيلة فقط يخرجها من مفهوم العبادة.لأن من بدائه العقول أن سبب الشيء ليس هو ذلك الشيء...
فيكون معنى الآية تقرير جنس العبادة على الإجمال، وتقرير فرد منها على الخصوص هو الدعاء..وما ذلك إلا تعريضا بالمشركين الذين يدعون مع الله آلهة أخرى ،وتنويها بمكانة الدعاء في التوحيد..كما قال عليه السلام: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ"
منازعة مع اقتباس
  #27  
قديم 11-07-2009, 09:41 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

24-لمحة في قوله :

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ1 حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ2 كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ3 ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ4 كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ5 لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ6 ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ7 ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ8

سورة شديدة الوقع،تضافرت فيها العناصر اللغوية والخطابية لحبك هذه الشدة:

-أولا، الخطاب:

اختيار المواجهة بضمير المخاطب (أَلْهَاكُمُ/ زُرْتُمُ/ تَعْلَمُونَ...) لتحقيق جملة من المقاصد منها:
1-توسيع دائرة استغراق الأشخاص،فإن كل مستمع للخطاب مشمول في حكمه..وليس الأمر كذلك في استعمال ضمير الغياب..لأنه يُظهر أن "الآخرين" هم المقصودون بالحكم.
2-استثمار كوكبة الإيحاءات المتولدة عن الخطاب المباشر من قبيل التقريع والتوبيخ والتبكيت.... وليس الأمر كذلك في استعمال ضمير الغياب، فعبارة (ألهاهم التكاثر) لا تمنح شيئا من هذه المعاني فعطاؤها منحصر في التقرير والإخبار ...
ولك أن تعتبر في هذا المقام بقوله :
عَبَسَ وَتَوَلَّى1 أَن جَاءهُ الْأَعْمَى2
فالمتلقي للخطاب –وهو الرسول -هو نفسه مرجع الضمير المرفوع في "عبس" و" تولى"، فيكون في الآية التفات- على مذهب السكاكي-فائدته التخفيف من حدة العتاب بواسطة تحاشي المواجهة به!!

وزمن المضي في" ألهاكم" و"زرتم" يجعل التوبيخ مشربا بمعنى الإدانة...لأن التوبيخ قد يقصد منه التوجيه والإصلاح إذا كان هناك فرصة للإقلاع عن المذموم، كما هو الشأن في تربية الأولاد..
والآية باستعمال الماضي وخاصة في "زرتم المقابر" تجعل الخطاب وكأنه وارد بعد انتهاء الحياة الدنيا وموجه للناس بعد أن قد تكاثروا وزاروا المقابر وبعثوا منها...فلا يكون التوبيخ من وسائل التأديب بل من آلات التعذيب،تعذيب نفسي مذيق الناس مرارة الندم و حرقة حسرة الفوت ...
فمراد الآية بياني يتمثل في أن يستشعر المخاطبون هذا الإحساس ..وإلا فالتوبيخ في الآية حث على مراقبة النفس وإصلاح الحال..فإن المخاطبين لم يموتوا بعد وباب التوبة مفتوح..

-ثانيا،الزجر:

جاء الزجر بأداته" كلا" ثلاث مرات..يلحظ معه التقلص التدريجي للمسافة الفاصلة بين زجر وآخر محققا بذلك تسارعا في الوتيرة :
فبعد خمس كلمات( أَلْهَاكُم- التَّكَاثُر-حَتَّى- زُرْتُمُ- الْمَقَابِر...) جاء الزجر الأول.
و بعد ثلاث كلمات:( سَوْفَ- تَعْلَمُونَ- ثُمَّ...) جاء الزجر الثاني.
و بعد كلمتين فقط: (سَوْفَ- تَعْلَمُونَ...) جاء الزجر الثالث.

-ثالثا،التوكيد:

من بدائع هذه السورة أن جاء التوكيد فيها بكل أنو اعه المعروفة في لغة العرب:
توكيدا باللفظ،وبالمعنى وبالأسلوب..
1-التوكيد اللفظي:
كلا ستعلمون/ثم كلا ستعلمون.
لترون/لترونها.
2-التوكيد المعنوي
أ-بالحرف:
-بالنون: لَتَرَوُنَّ. لَتُسْأَلُنَّ..
-باللام:
لَتَرَوُنَّ. لَتُسْأَلُنَّ..
ب-بالاسم:
عَيْنَ الْيَقِينِ.

3-التوكيد بأسلوب القسم:
قوله لَتَرَوُنَّ الجحيم . جواب قسم مقدر.

رابعا،التصعيد:

نقصد بالتصعيد الرفع التدريجي من شأن المعنى المكرر كما وكيفا ..والأداة المحققة لهذا المقصد هي"ثم" العاطفة .
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
فالعلم الأول غير الثاني وقد دلت" ثم "على التراخي والتصعيد معا:فالعلمان متحققان في زمنين مختلفين مع اعتبار العلم في الزمن الثاني أقوى وأوضح منه في الأول.
وقريب من هذا ما قالته السورة عن رؤية الجحيم-أعاذنا الله منها-
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ.
فالرؤية متحققة على مرحلتين مختلفتين ،والعاطفة "ثم" صعدت من درجة الرؤية و الإدراك:
فالرؤية الأولى تتعلق بإظهارجهنم وعرضها ،والثانية تتعلق بالتلبس بها وذوقها..
ولا يفوتنا أن نلحظ في الآية الرابعة
.. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ..
اجتماعا باهرا لكل المعاني التي ذكرناها من الزجر والتوكيد والتصعيد ..

الاختيار المعجمي:

قبل الاشتغال ببيان هذه الدقة المعجمية يجدر بنا أن نسطر بعض الكلمات عن تصورنا للإعجاز البلاغي للقرآن العظيم..
البلاغة ليست شيئا غير المطابقة الصادقة والجميلة بين اللغة والواقع،وهو ما يعبر عنه بمطابقة المقال للحال على قاعدة "لكل مقام مقال"...
ويلزم من هذا أن يكون البليغ على علم واسع ودقيق بثلاثة أمور:
-أن يعلم الواقعة بكل تفاصيلها ظاهرها وخفيها.
-أن يعلم الخيارات اللغوية التي تسنح بها اللغة فضلا عن الفروقات الدلالية بين الكلمات والتراكيب.
-أن ينزل الاختيار اللغوي على الواقعة بحيث تحصل المطابقة التامة فلا يكون في الجملة فائض دلالي لا يطابقه وجه من وجوه الواقعة أو يبقى من الواقعة مقتضى لم تراعه اللغة...
فإذا اتفقت البلاغة في العبارة بحصول المطابقة التامة أمكن انتزاع الواقعة منها بكل تفاصيلها فكأننا نشتقها منها اشتقاقا...فيكون حال سامع العبارة كحال مبصر الواقعة...
الواقعة- لو أدركناها على حقيقتها قبل التعبير عنها – لتعين علينا أن نختار من الجمل المتاحة المتعددة واحدة بعينها هي الأوفى والأكثر انطباقا على تلك الواقعة...

لكن من يستطيع أن يحيط علما بكل هذه الأمور الثلاثة غير رب العالمين؟
هذا هو إعجاز القرآن..
القرآن يعطيك التعبير الوحيد- الممكن في اللغة- المطابق للواقعة ..سواء أكانت هذه الواقعة قصة ماضية أم حدثا نفسيا أم ظاهرة طبيعية أم غير ذلك..
ولعل ابن عطية –-أفضل من أشار إلى هذا المعنى في نص من روائع النصوص المتكلمة عن إعجاز القرآن..
قال:
"ووجه إعجازه: أن الله قد أحاط بكل شئ علما، وأحاط بالكلام كله علما، فعلم بإحاطته أي لفظه تصلح أن تلى الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن محيطا قط، بهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة.
وبهذا النظر يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها إن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، فلما جاء محمد صرفوا عن ذلك، وعجزوا عنه.
والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطى لآخر بعده فيأخذها بقريحة جامه فيبدل فيها وينقح، ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضيع للنظر والبدل، وكتاب الله لو نزعت منه لفظه، ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد ".
ولا ريب أن الجملة الأخيرة في هذا النص من أجمل ما قيل عن إعجاز القرآن!!



أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ1. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ.2

1-ألهاكم:

لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام"ألهاكم"..فلا الشغل ولا الاشتغال ولا الانهماك ولا اللعب ولا غيرها تفي بالمقصود..
"ألهاكم"..وحدها دلت على الإفراط والتفريط معا..فالمتلبس باللهو حاصل منه دائما شيئان:
-إضاعة الوقت والجهد في ما هو باطل أو قليل العائدة.
-الغفلة عن واجب أو أمر أكثر فائدة..
فيكون اللاهي مسؤولا عن أمرين:
الوقت المهدور، والواجب المتروك..
وقد قيل إن اللعب للأطفال واللهو للراشدين..فالطفل في لعبه ينهمك في ما هو باطل ولكنه أثناء لعبه لا يجب عليه شيء..أما لعب الراشد فهو لهو لأنه اشترك مع الطفل في إضاعة الوقت والجهد لكنه انفرد عنه بأمر ذي بال وهو أنه مكلف –حين لعبه-بأمور جادة غفل عنها وفرط فيها...
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ..
حملت إذن تبكيتا مزدوجا للكفار..

2-التكاثر:

لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام "التكاثر" بل إن هذه الكلمة كافية لتلخيص تاريخ البشرية كله!
فمن صيغة (تفاعل) انبثقت كل المعاني المتعلقة بالتنافس والتحاسد والتصارع والتسابق وإشعال فتائل الحروب ..وما قصة التسابق نحو التسلح عنا ببعيدة!
ولو ألقينا نظرة في تاريخ البشر لوجدناه يتلخص في هذه الكلمة،فما الحروب وما الصراعات وما الإنقلابات إلا تعبيرا عن هذه الرغبة الكامنة في النفوس :التكاثر.
ومن مادة الكلمة(ك-ث-ر) انبثقت كل المعاني المتعلقة بالمقتنيات والملكيات والطمع والاشتهاء..كما بين حديث رسول الله في صحيح البخاري:

5958 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًا مَلْئًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ.
وهكذا نرى كيف صورت هذه الكلمة لوحدها طبائع الناس الداخلية (من الشراهة والطمع) وعلاقاتهم الخارجية (من التنافس والتحاسد )في آن واحد.

3-زُرْتُمُ:

لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام" زُرْتُمُ"
قال ابن حيان:
"وسمع بعض الأعراب حتى زرتم فقال : بعث القوم للقيامة ، ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم".
وقال بعد ذلك:
وقيل : هذا تأنيب على الإكثار من زيارة تكثراً بمن سلف وإشادة بذكره.
وإيراد القول الأخير أثار العجب عند بنت الشاطيء فقد كانت تفضل لو وقف أبو حيان عند" اللمحة الثاقبة لذلك الأعرابي الذي يجد حس لغته فطرة وسليقة بدل أن يمر بها سريعا كأنه لم يعنه منها شيء "
والحقيقة أن الوقوف على المعنى العقدي أظهر وأولى من الوقوف على الحكم الفقهي..
فالكلمة إذن لها وجهان:
-وجه إخباري وصفي حمل معلومة عن سلوك هؤلاء.
-ووجه حجاجي حمل دعوى البعث والخروج من الأجداث.
فأي كلمة يمكن أن تقوم بالوظيفتين غير كلمة زرتم القرآنية!

4-حتى:

لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام "حتى"
فهذا الحرف أنشأ توسعا دلاليا مذهلا:
1-توسعا في زمن التكاثر.
2-توسعا في المتكاثر به.
فعلى الأول يكون المعنى أن المخاطبين قد ألهاهم التكاثر طيلة حياتهم ولزمهم حتى ماتوا وزاروا القبور.
وعلى الثاني يكون المعنى أن المخاطبين وسعوا دائرة ما تكاثروا به حتى ذهبوا إلى المقابر لإحصاء الأموات منهم ..:
قال ابن عباس ومقاتل والكلبي : نزلت في حَيَّيْن من قريش : بني عبد مَناف ، وبني سَهْم ، تعادُّوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام ، فقال كل حيّ منهم نحن أكثر سيداً ، وأعز عزيزاً ، وأعظم نفراً ، وأكثر عائذاً ، فكَثَرَ بنو عبد مناف سهماً . ثم تكاثروا بالأموات ، فَكَثَرَتْهُمْ سَهْم ، فنزلت أَلْهَاكُمُ التكاثر بأحيائكم فلم ترضَوا حتى زُرْتُمُ المقابر مفتخرين بالأموات .

فتكون "حتى"أنشأت تنديدا بوصفين قبيحين عند هؤلاء:
-الغفلة بمقتضى المعنى الأول
-والسفاهة بمقتضى المعنى الثاني.

5-المقابر:

لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام "المقابر"
فالمقابر جمع مقبرة ،والمقبرة مجتمع القبور..فتكون المقبرة جمعا لمجاميع..
وهذا التوسيع يراد له أن يكون مقابلا للتكاثر الذي امتد في الزمان والمكان.
قالت بنت الشاطيء:
"واستعمالها هنا –أي المقابر-يقتضيه معنويا،أنه اللفظ الملائم للتكاثر،الدال على مصير ما يتكالب عليه المتكاثرون من متاع دنيوي فان..هناك حيث مجتمع القبور ومحتشد الرمم ومساكن الموتى على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم ودرجاتهم وأزمنتهم".
منازعة مع اقتباس
  #28  
قديم 14-07-2009, 02:23 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

25-لمحة في قوله :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أياما معدودات..

جاء أسلوب الآية لفّا لخطابين :
1-خطاب العزة ذي المقصدية التكليفية.
2-خطاب الرحمة ذي المقصدية التخفيفية.

ننبه أولا أننا لا نقصد التخفيف الفقهي بل التخفيف البياني،والفرق أن الأول متعلق" بالحكم" وأعراضه من النسخ والترخيص والعفو وما إليها... أما الثاني فيتعلق" بالعبارة عن الحكم" ومداره على تلقي الخطاب واستئناس النفس به ، واستشعارها العزاء والمواساة ،بفضل الدلالات الإيحائية النفسية المصاحبة للكلمات ..
بعبارة أخصر نحن نعتزم بيان الخفة في "أسلوب قول الحكم" وليس في" تشريع الحكم" نفسه...
وإن كانت آيات الصيام قد اشتملت على التخفيفين معا.
(تخفيف التشريع ظاهر في أحكام صوم المريض والمسافر ومسألة مباشرة النساء وغيرها مما يؤخذ من مصنفات أحكام القرآن...)

إن التخفيف يمكن أن يتحقق بمسلكين مختلفين:
-مسلك تهوين المكلف به...
-مسلك الرفع من همة المكلف....
فمن المسلك الأول قولك –مثلا-:هذه الصخرة خفيفة يمكنك حملها..
ومن المسلك الثاني قولك-مثلا-:أنت قوي جدا فكيف تعجزك هذه الصخرة...
والمسلكان معا متحققان في آيات الصوم:

1-(يا أيها.....)

اختار الله سبحانه الخطاب المباشر ليكلف عباده، ومن شأن هذه المباشرة الرفع من الهمة والتخفيف من مشقة التكليف.....
فلا شك أن المخاطبة والاسترسال فيها من وجوه الأنس والمودة..والامتناع عنها أو الانصراف عنها من وجوه الزجرو التعنيف بل العقاب الشديد:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (سورة البقرة: 174)
(قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) (سورة المؤمنون: 108)
فأي خزي هذا أن لا يكلمهم الله ولا يكلمونه!!

2-(...الذين آمنوا..).

المسلك هنا من قبيل رفع الهمة ليبدو معه التكليف هينا ، فالخطاب موجه للصفوة المجتباة وليس لسائرالعموم...والإنسان بحكم تركيبته الفطرية يجد انتشاء في التميز، وفخرا في الانتماء إلى دائرة الصفوة الضيقة......
(ولك أن تقدر تأثير المدرس على تلاميذه-ولله المثل الأعلى-عندما يقدم لهم تمرينا شاقا جدا قائلا:هذا التمرين فقط للنجباء منكم....فتجد التلميذ يتحمل مشاق الواجب ويستصغره في سبيل أن يكون من زبدة النجباء).
فعلى هذا، يكون الاختصاص بالصوم أقرب إلى "سمة التميز" منه إلى عنت التكليف.

3-(...كتب عليكم الصيام...)

هذا التعبير معجز من جهة قيامه بحق التخفيف.......فهو يحققها من ثلاثة وجوه:
-من جهة اختيار مادة "كتب" وتفضيلها على مواد أخرى مثل "فرض" و "وجب"...
-من جهة اختيار أسلوب الخبر بدل أسلوب الإنشاء.
-من جهة بناء الفعل لما لم يسم فاعله.

أ-الكتابة فيها معنى القضاء والقدر.....فكأن الآية أشربت الأمر الشرعي بمعنى الأمر التكويني...وفيه إيحاء بالاعتذار والتودد....فالأمر مكتوب قد فرغ منه منذ الأزل.....
وهذا المعنى لا يحققه "فرض"أو "وجب"...لآن النفس قد تتطلع معها إلى رفع التكليف بخلاف "كتب" التي تفيد الانتهاء من المسألة...

ب-واختيار الخبر يلائم هذا المقصد النفسي....فقد أجل إنشاء الحكم إلى ما بعد، قياما بحق المقصدية التخفيفية حيث أفسح المجال للتوطئة والتقديم وإيثار ذكرالخبر عن الحكم قبل إنشائه بقوله( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (سورة البقرة: من الآية 185).

ج-والبناء لما لم يسم فاعله فيه نكتتان:
-الأولى ما ذكره ابن حيان في البحر:
"وبناء كُتب للمفعول في هذه المكتوبات الثلاثة، وحذف الفاعل للعلم به، إذ هو: الله ، لأنها مشاق صعبة على المكلف، فناسب أن لا تنسب إلى الله ، وإن كان الله هو الذي كتبها، وحين يكون المكتوب للمكلف فيه راحة واستبشار يبني الفعل للفاعل، كما قال :
( كتب ربكم على نفسه الرحمة )
( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي )

( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان )
وهذا من لطيف علم البيان.

أما بناء الفعل للفاعل في قوله:
( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس )
فناسب لاستعصاء اليهود وكثرة مخالفاتهم لأنبيائهم بخلاف هذه الأمة المحمدية، ففرق بين الخطابين لافتراق المخاطبين،"انتهى.

-أما النكتة الثانية فمدارها على مقصدية التخفيف أيضا لأن إظهار الفاعل يوحي بالقهر والسلطة والإلزام(كتبت عليكم).....وهذا لا يتناسب مع السياق العام : سياق الرحمة والمودة.

4-(...كما كتب على الذين من قبلكم...)

المواساة هنا متحققة بالمساواة...على القاعدة الشهيرة:"إذا عمت هانت".والإنسان بطبعه يستوحش ما لم يجرب من قبل ويستأنس بما درج الناس على فعله ......فجاءت الآية لتقرر أن هذا التكليف قد وقع من قبل على آخرين.....
وفي هذا التقرير من جهة الحجاج إقناع بأمرين:
1-الصوم تكليف مطاق، لا عنت فيه، فقد فعله السابقون.
2-أنتم أولى بقبول تكليف الصوم منهم...فلا يليق بكم أن تتخلفوا عنهم وأنتم خير أمة أخرجت للناس.

5-(...لعلكم تتقون).

حذف المفعول به هنا بليغ جدا.....لأن النفس تذهب في التقدير مذهبين:
- تتقون الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم، كما قال السدي.
- سبب فرضية الصوم هو رجاء حصول التقوى لكم، فتدخلون في زمرة المتقين، لأن الصوم شعارهم، أو تجعلون بينكم وبين النار وقاية بترك المعاصي.
الاحتمال الأول وارد على القراءة الفقهية التكليفية حيث يكون المعنى هو تحديد معنى الصوم الشرعي.
أما الاحتمال الثاني فينضم إلى كوكبة الايحاءات النفسية التخفيفية ......لآن نصب الغاية ورفعها من شأنها التخفيف عن النفس والتهوين من مشقة الوسيلة.....على مبدأ "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل."
بهذا التشريف والحظوة والرفع من الروح المعنوية يتم المسلك الأول ويكون بعده الانتقال إلى المسلك الثاني (مسلك التهوين) لتتحقق مقصدية التخفيف بكل الأساليب.

6-(أيامامعدودات...)

النكرة للتحقير.......ونحن نميل إلى القول بأن المقصود بالأيام المعدودات هو شهر رمضان نفسه... وهو قول ابن أبي ليلى وجمهور المفسرين، ووصفها بقوله: معدودات، تسهيلاً على المكلف بأن هذه الأيام يحصرها العد ليست بالكثيرة التي تفوّت العد، ولهذا وقع الاستعمال بالمعدود كناية على القلائل، كقوله :
( في أيام معدودات )
وقوله:
( لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة )
وقوله:
( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة )
-انظر البحر المحيط-
وتحقير" أياما" بالتنكير صاحبها الوصف بالتقليل،على ما تقرر من أن الجمع يدل على القلة، والإفراد يدل على الكثرة نسبيا.فيكون تعبير " أياما معدودات"أدل على القلة مما لوقيل" أياما معدودة".......فيكون التهوين كيفيا بالتنكير ، وكميا بالجمع المؤنث.....والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
  #29  
قديم 16-07-2009, 08:41 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

26-لمحة في قوله :

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ1 اللَّهُ الصَّمَدُ2 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ3 وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ4

1-يتقدم في السورة الإثبات على النفي ، وجاء الترتيب في شقيقتها" سورة الكافرون" على العكس حيث توالت فيها الجمل منفية إلى حدود الآية الخاتمة التي جاءت مثبتة " لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" ،وجاء الترتيب في "آية العرش" وفق نظام من تناوب الإثبات والنفي...ولاشك أن الدلالة على التوحيد وراء هذا الخيار الأسلوبي..لأن معنى التوحيد لا ينفك عن النفي والإثبات مقترنين.

2-وردت كلمة "أحد" في مطلع السورة وفي مقطعها..ومن العلماء من يعتبر الثانية مباينة للأولى، بناء على أن "الهمزة "في الثانية أصلية ، وفي الأولى متحولة عن "الواو"..ولعل الحامل لهم على هذا القول هو ما لمسوه من فرق كبير في استعمال هذه الكلمة ،ف"أحد "في الإثبات لا تطلق إلا على الله فيقال" الله أحد" ولا يقال "عندي درهم أحد" ولا "جاءني رجل أحد" (لا يصح في مثل هذا الموضع إلا" واحد") وفي النفي تطلق على أيّ كان... فكأنهم رأوا شساعة المسافة بين الاقتصار على الدلالة على الأخص والدلالة على العموم فافترضوا للكلمة أصلين مختلفين ليدل كل أصل على معناه المختص به ...
"أحد" تطلق على الله وحده باعتبارها وصفا فقط، أما دلالتها على الذات فعامة حتى في غير النفي :
وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك
أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا
وللألوسي –- كلام جامع في استعمال" أحد" هذا نصه:
"والمستعمل في الإثبات على ثلاثة أوجه:
الأول أن يضم إلى العشرات نحو أحد عشر، وأحد وعشرون
والثاني أن يستعمل مضافاً أومضافاً إليه بمعنى الأول كما في قوله : أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا [ يوسف : 41 ] وقولهم يوم الأحد أي يوم الأول.
والثالث أن يستعمل مطلقاً وصفاً وليس ذلك إلا في وصف الله وهو وأن كان أصله واحداً إلا أن وحداً يستعمل في غيره سبحانه نحو قول النابغة
: كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد
انتهى .

3-الصمد :الذي يُصْمَد إليه في الحاجات،
قال ابن الأنباري" لا خلاف بين أهل اللغة أنه السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم" .
وقال الزمخشري: (" الصمد " فَعَل بمعنى مفعول ، من صمد إليه إذا قصده ، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج) .
قال ابن عاشور:
(وصيغة اللَّه الصمد صيغة قصر بسبب تعريف المسند فتفيد قصر صفة الصمدية على الله ، وهو قصر قلب لإِبطال ما تعوّده أهل الشرك في الجاهلية من دعائهم أصنامهم في حوائجهم والفزع إليها في نوائبهم حتى نَسُوا الله ).
قلت:واللام تفيد الاستحقاق أيضا كما في اسم "الله" فهو مألوه وإن لم يعبده أحد ..وهو صمد وإن لم يوجد من يصمد إليه ...فهو مستحق للألوهية وللصمدية بقطع النظر عن وجود المتأله والصامد أوعدمهما.
وفي اعتبار ابن عاشور القصر من نوع "القلب" نظر...فالأولى سلكه ضمن نوع "الإفراد" ...فأهل الشرك في الجاهلية لم ينسوا الله بل كانوا يفزعون إليه في الشدة وينسون ما يشركون:
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ الأنعام41
الآيات والأحاديث كثيرة جدا في هذا الباب...وعليها بنينا اعتبار القصر إفرادا لا قلبا..
وتوضيحه-للمبتدئين في هذا الفن-أن "قصر القلب "يفترض مشركين يعبدون شركاءهم ولا يعبدون الله ،فالمطلوب منهم قلب العبادة ،أي قلب الإثبات نفيا وقلب النفي إثباتا فيعبدون الله ولا يعبدون الشركاء...
أما قصر" الإفراد " فيفترض مشركين يعبدون الله ويعبدون معه الشركاء فالمطلوب منهم إفراد واحد بالعبادة وهو الله .

4-ترتيب الآيات الأربع في غاية الحسن .فالشق الأول مشتمل على الدعوى، والثاني على بيانها أو الحجاج عليها.
أ-فالدعوى متجهة إلى أمرين :
التوحيد العلمي في قوله :قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
التوحيد العملي في قوله: اللَّهُ الصَّمَدُ2
وهذا الترتيب يشير إلى أسبقية الأحدية على الصمدية ،وهو كذلك في الاعتبار، لأن طلب الشيء فرع عن العلم به.
ب-الحجاج على الأحدية جاء على فصلين :
-لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
-وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ
لأن انتفاء الأحدية يتصور على نحوين:
أن يوجد مماثل للإله من جنس واحد..
أن يوجد مماثل له خارج الجنس.
الآية الثالثة "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" استدلت على انتفاء الكثرة في الجنس بنفي طرفين:
-"لم يلد" نفي ل"ذرية إلهية "مفترضة...فثبتت الأحدية على اعتبار أن الخصائص الإلهية لا تنتقل عن طريق الوراثة إلى أولاد فلا مِثل له من هذه الجهة.
-"ولم يولد" نفي ل "أرومة" إلهية مفترضة..فثبتت الأحدية على اعتبار أن الخصائص الإلهية غير مستمدة من أسلاف عن طريق التوريث...فلا مثل له من هذه الجهة .
أما الفصل الثاني من الحجاج فهو مبني على افتراض انتفاء الأحدية بوجود مماثل لله من جنس آخر وهو ما نفته الآية الاخيرة:
-وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ..
فثبتت الأحدية على كل وجه ،وفي كل عالم:
ففي عالم الخالقية :الله أحد لا والد له ولا ولد.
وفي عالم المخلوقية الله أحد لا كفء له ولا نظير.

5-" لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" تقدم في الذكر نفي الوالدية على المولودية..لعموم البلوى:فالأقوام قد شاع عندهم إثبات المذكور أولا ،فاليهود زعمت أن "عزيرا" ابن الله، والنصارى زعمت أن" المسيح" ابن الله ،ومشركو العرب زعموا أن الملائكة بنات الله...فبدأت الآية بما يرد عليهم جميعا.
وفي الآية رد خاص على معتقد النصارى من كل وجه لأنهم يقولون بالوالدية والمولودية معا..
-فإن كان الله عندهم هو ما يسمونه "الآب" وعيسى ولد له..فالرد عليهم ب"لم يلد" لأن الله عندهم والد.
-وإن كان الله عندهم هو "عيسى" فالرد عليهم ب"لم يولد" لأن عيسى عندهم مولود.
-وإن كان الله عندهم هو الهيئة الاجتماعية للأقانيم الثلاثة فالرد عليهم ب"لم يولد" على اعتبار أن الألوهية الواحدة، عندهم، قد انبثقت من اتحاد الأشخاص الثلاثة(فهم يقولون في ضلالهم :باسم الآب والابن وروح القدس إلها واحدا.!)
والانبثاق نوع من التولد...فهو مولود من الاجتماع.
منازعة مع اقتباس
  #30  
قديم 21-07-2009, 11:59 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

27-لمحة في قوله :
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ1 لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ2 وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ3 وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ4 وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ5 لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ6

الخطاب في هذه السورة متميز ،فهو ليس سردا ،ولا وصفا ،ولا خطبة، ولا موعظة، وإنما هو" إعلان"....ومدار هذا الإعلان على المفاصلة بين الكفر والإيمان.
ومن خصائص خطاب الإعلان –كما يدل عليه اسمه-إظهار نية المعلن بكل وضوح، فيكون تقرير البنود بمنتهى الدقة ،حتى لا يبقى لمحتمل احتمال ، أو لمؤول تأويل.
والسبيل البلاغي لتحقيق هذا المقصد البياني هو التكرير ،على قاعدة" إذا تكرر تقرر":
مادة (ع-ب-د) ثمان مرات،
(لا) النافية أربع مرات ،
(ما) أربع مرات.
الآية الثالثة تكررت برمتها في الخامسة..
وقد ساعد قصر السورة على الشعور بهذا التكرار...
ثم إن المعنى العام قد تكرر في السورة –على قصرها-مرتين:
- في تفصيل بأسلوب نفي:
لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ2 وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ3 وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ4 وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ5
-وفي فذلكة مجملة بأسلوب إثبات:
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.


"قل"
لهذا الأمر دلالة صارمة، فبدونه يكون إعلان عن المفاصلة فحسب، لكن تسوير السورة ب"قل" يوجب ذلك الإعلان وينزع عن المأمور أي خيار آخر...فكأن تحقيق المفاصلة بين الفريقين لا يكون بمجرد ثبوتها في الذهن وفي نفس الأمر ، بل لا بد من جريانها على اللسان لفظا موجها إلى الكافرين مسموعا من قبلهم .

"يا أيها"
تركيبة حرفية مثلثة من أداتي نداء وحرف تنبيه..
النداء بالأداتين إشارة إلى غاية المفاصلة ، فكأن ما يفصل بين الفريقين هو مسافتان لا مسافة واحدة....
التنبيه في النداء توطئة لتلقي الرسالة ..وهي رسالة ليس شيء في الكلام أوضح منها...كررت فقررت!

"الكافرون"
تعيين بالصفة وليس بالفعل،فالكلام عن الذين أشربوا الكفر، وخالط أشلاءهم ،فهو من مقومات ماهيتهم...

"لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ"
المفاصلة مزدوجة:في المعبود، وفي العبادة معا.بناء على كون "ما" موصولية أو مصدرية...فيكون معنى الآية على التقدير الأول " لا أعبد معبوداتكم " فأنا أعبد الله وحده وأنتم تعبدون معه الشركاء" وعلى التقدير الثاني "لا أعبد عبادتكم"فعبادتي توحيد خالص ،على بصيرة ، قائمة على العلم،وعبادتكم بدعية، يشوبها الرياء، قائمة على الهوى، حتى على فرض اتحادنا في المعبود :
وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ يوسف106

"وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ"
هنا زيادة في وجوه المفاصلة من حيث التنصيص على القطيعة مع التراث الشركي..

"وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ"
المفاصلة في هذه الآية مشربة بمعنى التيئيس...على اعتبار أنه يستحيل في المستقبل أن يلتقي الدينان أو يتقاربا..وقد تكررت الآية لأهمية المستقبل باعتباره مجال المشاريع والافتراضات والأحلام...فهي قاطعة لكل ذلك ومؤسسة لحقيقة لن تغيرها الأيام..

فتكون السورة قد فاصلت في العبادة والمعبود في كل زمن :في الحاضر والماضي والمستقبل .
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
ثمان آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أم عبد السميع حلقة العلوم الشرعية 1 20-05-2012 10:18 PM
سؤال : عن إطلاق لفظة ( أداة ) على بعض الأسماء التلميذ حلقة النحو والتصريف وأصولهما 5 15-01-2012 04:29 PM
قضية قرآنية أو شرعية لأطروحة الماجستير ( طلب مساعدة ) قسورة أخبار الكتب وطبعاتها 5 16-06-2011 11:06 AM
سؤال : عن سبب تقدم الخبر في قوله تعالى : (( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )) صلوا على النبي المختار حلقة النحو والتصريف وأصولهما 0 30-12-2008 07:23 PM
من آيات الصيام مهاجر حلقة العلوم الشرعية 0 01-09-2008 09:41 AM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 04:18 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ