ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة العلوم الشرعية
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 05-02-2011, 07:34 PM
أم محمد أم محمد غير شاهد حالياً
قيِّم سابق
 
تاريخ الانضمام: Dec 2008
السُّكنى في: رأس الخيمة
التخصص : ربة بيت
النوع : أنثى
المشاركات: 1,032
شكرَ لغيره: 583
شُكِرَ له 1,992 مرة في 748 حديث
افتراضي شرح حديث : " ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ... "


شــرح
حديث في تحريم التَّصوير
وشدة الوعيد عليه

لفضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
- حفظه الله -

بسم الله، والحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، أما بعدُ:

الحـديـث:
عن أبي هريرة -رضيَ اللهُ عنهُ- قال: قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «قال الله -تَعالَى-: ومَن أظلم ممَّن ذهب يَخلق كخَلْقي، فلْيَخْلُقُوا حبةً، ولْيخلُقُوا ذرةً، أو لِيَخْلُقُوا شعيرةً».(1)

[رواه البخاري ومسلم]


الشــرح:
التَّصوير: إيجادُ صورة تُشبه شكلَ المخلوق، بأيِّ وسيلةٍ؛ سواء كان ذلك ببناءِ تِمثال على هيئة المخلوق، أو بِرسمِ صُورة تُشبهه على لوحةٍ أو ورقٍ أو قُماش أو جدارٍ، أو بِالتقاط صورتِه بالآلة الفوتوغرافية وتثبيتِها على شيء مِن ذلك.
والحديث يدلُّ على تحريم ذلك، وأنَّ مَن فَعله؛ فهو مِن أظلم الظالِمين، وأن العلَّة في ذلك: هي مُضاهاة خَلق الله، وهي محاولةٌ فاشلة آثِمة؛ فالمُصوِّر لن يصلَ إلى هذه الغاية -مهما حاول-؛ لأن الخلق والتَّصوير من خصائص الله -عزَّ وجلَّ-.
قال -تَعالَى-: اللهُ خالِقُ كلِّ شيءٍ [الرعد: 16]، وقال -تَعالَى-: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ [النحل: 17]، وقال -تَعالَى-: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر: 64]، ومن أسمائه (المصوِّر)، وقال -تَعالَى-: هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: 11].
ولهذا عجز المصوِّرون -عُمومًا-مِن أول الخليقة إلى آخرها- لـمَّا تحداهم فقال -عزَّ وجلَّ-: «فَلْيَخلُقوا حبَّةً»، «فَلْيَخلُقُوا ذَرَّةً أو ليخلُقُوا شَعيرةً».
وأخبر النَّبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أن المصوِّر تُجمع له يوم القيامة صُوَرُه التي صوَّرَها في الدُّنيا ويُطالَب بنفخِ الرُّوح فيها؛ تعجيزًا له، وتعذيبًا له!
فيُطالَب تارةً بخَلقِ أصغر الحيوانِ؛ وهو الذرَّة، وتارةً بِخلقِ الجَماد؛ وهو الشَّعيرة -كما يحاول مضاهاةَ خلْقِ الله في الدُّنيا-.
فلْيسْتَعِدَّ لذلك المصيرِ المؤلِم: هؤلاء المُصوِّرون الذين اتَّخذوا التَّصوير حرفةً وفَنًّا أو دعايةً لترويج سِلَعِهم، أو صُحُفهم ومجلاتِهم.
ولْيستعدَّ لذلك المصيرِ المؤلِم: هؤلاء الذين يُحاوِلون إيجادَ الإنسان الآليِّ، ويتبجَّحون ببنائِه وإبرازِه.

والتَّصوير حُـرِّم لعدة محاذير:
أوَّلًا: أنَّه مِن وسائل الشِّرك؛ فإن الشِّركَ أوَّل ما حدثَ في الأرض كان سببُه التَّصوير.
لما صوَّر قومُ نوحٍ رجالًا صالِحين بعد وفاتهم، ونصبوا صُورَهم على مجالسِهم -بإيحاءٍ مِن الشَّيطان-، فلما مضى فترةٌ من الزمان؛ عُبدت تلك الصُّور مِن دون الله، ولمَّا نهاهم نبيُّ اللهِ نوح -عليهِ السَّلام- عن عبادتِها؛ أصرُّوا عليها، وأبَوْا أن يَتركوها: وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح: 23].
وكذلك قوم إبراهيم كان شِركُهم بعبادةِ التَّماثيل، وقد أنكر عليهم خليلُ الله -عليهِ السَّلام- ذلك قال: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، فاحتجوا بقولهم: وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [الأنبياء: 53].
فالتَّصوير منشأ الوثنية؛ لأنَّ (الاحتفاظَ) بالصُّور -خصوصًا: صُوَر المعظَّمين-، ووضعها موضِع الإجلال -بتعليقها على الجُدران، أو إقامة التماثيل لها في الميادين-؛ يُسبب تعلُّقًا بها وتعظيمًا لها، يَؤُول -في النِّهاية- إلى عبادتِها.
ولهذا سدَّ الشَّارع هذا الطَّريقَ، وقطعَ هذه الوسيلة؛ فحرَّم التَّصويرَ، وتوعَّد عليه بأشدِّ الوَعيد، وأمرَ بِطمسِ الصُّور وإهانتِها وامتهانِها تَخلُّصًا مِن شرِّها، ولتجنيب الأجيال اللاحقة عظيمَ خطرِها.

ثانيًـا: حرم التَّصوير؛ لِما فيه من مضاهاةِ خلقِ اللهِ -عزَّ وجلَّ- الذي تفرَّد بالخلق.
فهذا المصوِّر يُحاول أن يوجِد ما يُشبه خلْقَ الله!
وقد ذكر النَّبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- هذه العلَّة في هذا الحديث: وهي المضاهاة بخَلْق الله؛ لأن الله -تَعالَى- له الخلقُ والأمر، وهو خالق كل شيء، وهو الذي صوَّر جميع المخلوقات، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة؛ كما قال -تَعالَى-: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ - ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ - ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [السجدة: 7- 9].
فالمصوِّر لمَّا صوَّر الصُّورة على شكلِ ما خلَقَهُ الله -تَعالَى-مِن إنسانٍ، وبهيمةٍ-؛ صار مُضاهيًا لِخلْقِ الله؛ فصار ما صوَّرَه عذابًا له يوم القيامة، وكُلِّف أن ينفخَ فيه الرُّوحَ، وليس بنافخٍ! فكان أشدَّ النَّاس عذابًا؛ لأنَّ ذنبه مِن أكبر الذنوب.

وقد قسَّم النَّووي(2) -- المصوِّرين إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مَنْ صنع الصُّورةَ لِتُعبَدَ من دون الله، كالذين يَصنعون الأصنام؛ فهذا كافر، وهو أشدُّ النَّاس عذابًا.

القِسم الثَّاني: مَنْ لم يقصد أن تُعْبَدَ الصُّورةُ؛ ولكنَّه قصَد مُضاهاةَ خلْقِ الله؛ فهذا -أيضًا- كافر، وله مِن شدَّة العذاب ما لِلكافر.

القِسم الثالث: مَنْ لم يقصد العبادةَ ولا المضاهاةَ، فهذا فاسِق صاحب ذنبٍ كبير.

ثالثـًا: يحرم التَّصوير؛ لما يَجرُّ إليه مِن الافتِتان بالصُّورةِ الجميلة للنِّساء، خصوصًا: النِّساء الخليعات المتبرِّجات العاريات، وشبه العاريات؛ كالصُّور التي تنشر في الأفلام وبعض الصُّحف والمجلات؛ فإن هذه الصُّور تدعو إلى فسادِ الأخلاق، وانتشار الجريمة، وكذا عرض صُور الرِّجال أمام النِّساء مما يَدعوهنَّ للافتتان بهم، وقد أصبح هذا اللَّون من الصُّور مِن أعظم الفتن التي أفسدت الأخلاق.

وقد ورد في التَّصوير أنواعٌ مِن الوعيد:
منها: لَعنُ المُصوِّرين، وأنَّهم أشدُّ النَّاس عذابًا يوم القيامة، وأنَّه يُقال للمُصوِّرين: «أَحْيُوا ما خَلَقْتُم»، وأنَّهم يكلَّفون أن ينفخوا الرُّوحَ في الصُّور التي صوَّروها، وأن المُصَوِّر يُعذَّب بكلِّ صورةٍ صوَّرها في الدُّنيا؛ يُجعل له نفسٌ يعذَّب بها، وأن المُصوِّر أظلم الظالمين.
وكما يحرم التَّصوير؛ يحرم استعمال الصُّور والاحتفاظ بها للذِّكريات، وتعليقها على الجُدران، أو وضعها على طاولات التَّجميل -سواء كانت تماثيل أو رسومًا- (3)، وصحَّ في الحديث: «أن الملائكةَ لا تَدخُلُ بيتًا فيه صُورةٌ» (4).
وكذا يحرم بيع الصُّور وأكلُ ثمنِها؛ فيجب على المسلمين الحذرُ مِن ذلك؛ خُصوصًا تلك الأفلام الخليعة التي تعرض على شاشة الفيديو، وهي تشتمل على صُوَر متحرِّكة عارية، أو على صُورٍ تَعرض الفحش والإجرامَ، وتدعو إلى الرَّذيلة وتدمير الأخلاق -فقد غُزي كثيرٌ مِن البيوت والعائلات بهذا السِّلاح المدمِّر-، وكما يحرم استعمالُ هذه الأفلام؛ يحرم بيعُها وترويجها، ويجب إتلافُها والتَّنكيل بمَن يبيعها، أو يستعملها؛ تَجنيبًا للأمَّة من مخاطرها.

وفَّق الله ولاةَ أمور المسلمين لِمنع هذه الأفلام مِن الدُّخول إلى ديار المسلمين، والأخذ على يدِ السُّفهاء والعابثين، وهذا مِن أعظم النَّصيحة، والله الموفق.



والحمدلله رب العالمين



________________
(1) رواه البخاري (5953) كتاب اللباس / 90 - باب نقض الصور.
ومسلم (111) كتاب اللباس والزينة/26- باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(2) "شرح صحيح مسلم" (14/91).
(3) ما عدا الصور (الضَّرورية) في حفيظة النفوس، وجواز السفر؛ فلا بأس بها للضرورة.
(4) رواه البخاري (3225)، ومسلم (2106)، من حديث أبي طلحة.


[نقلته -بحواشيه- من: «دروس من القرآن الكريم والسنة المطهرة»، للشيخ العلامة صالح الفوزان، (183- 186)].
منازعة مع اقتباس
الجليس الذي شكرَ لـ ( أم محمد ) هذه المشاركةَ :
  #2  
قديم 15-03-2011, 08:46 PM
أم محمد أم محمد غير شاهد حالياً
قيِّم سابق
 
تاريخ الانضمام: Dec 2008
السُّكنى في: رأس الخيمة
التخصص : ربة بيت
النوع : أنثى
المشاركات: 1,032
شكرَ لغيره: 583
شُكِرَ له 1,992 مرة في 748 حديث
افتراضي

وقال العلامة ابن عثيمين -- (كما في: "الفوائد المنتقاة"، الفائدة: 88):
أغراض المصوِّرين:
1- لعبادتها. فهذه إعانة للكفر، ومَن رضي بالكفر واستباحه؛ فهو كافر.
2- لإظهار حذقهم. وحُكمه: حرام.
3- للعبث. وحُكمه: حرام، ولكنه في مرتبة دون الأولى والثانية.
إشكال: قال الرسول --: " قال الله --: ومَن أظلم ممن ذهب يخلق كخَلْقي ... " فهذا استفهام بمعنى النفي، ويرد كثيرًا في معاصٍ مختلفة؛ فكيف الجمع؟
فالجواب: من أحد وجهين:
1- أن هذه تشترك في الأظلمية، فتكون في مستوى واحد، وهو في كونها في قمة الظلم.
2- أن الأظلمية نسبية؛ كل نوع في نوعه، وليس في كل شيء.
أنواع التصوير:
1- ما له ظل -أي: جسم-؛ كهيكل إنسان، أو حيوان. وهذا مُجمَع على تحريمه.
2- ما ليس له ظل؛ كالتخطيط والتلوين؛ مثل الذي يرسم بيده صورة. وهذا حرام؛ لعموم النصوص، ولأن النبي -- عندما أراد أن يدخل بيته، وجد نمرقةً فيها صُوَر، فتغير وجهه، فقالت عائشة: ماذا أذنبتُ يا رسول الله؟ قال: " إن أصحاب هذه التصاوير يُعذَّبون، يُقال: أحيوا ما خلقتُم "، وحديث: " إلا رقمًا في ثوب " إن صحَّت الزيادة؛ فتُحمل على ما يحل تصويره.
3- التقاط الصورة بدون فعلٍ من الإنسان (الفوتوغرافية) التي لا تحمض، وهي محل خلاف.
والمختار: أنها إن كانت لغرض محرم؛ فحرام؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
وإن كانت لغرض مباح؛ فمُباحة؛ كالحفيظة والجواز.
والتصوير للذكرى -سواء للتمتع بالنظر إليه، والتلذذ به، أو الحنان والشوق إليه-؛ فهو حرام؛ لأن فيه اقتناء الصور.
4- ما لا روح فيه، وهو على قِسمين:
1- مما يصنعه الآدمي؛ فهو جائز بالاتفاق؛ مثل: تصوير السيارة.
2- وما لا يصنعه الآدمي، وهو مِن خلق الله، وهو نوعان:
أ- نامٍ؛ وفيه خلاف؛ كالشجر. والجمهور على جوازه. والذين حرَّموه استدلوا بحديث: " فليخلقوا شَعيرة "، وأجاب الجمهور بحديث: " أمر أن ينفخ فيها الروح، وما هو بنافخ "؛ فدل على أنه مخصوص بذوات الأرواح.
ب- وغير نامٍ؛ كالجمادات؛ وهو جائز.
منازعة مع اقتباس
  #3  
قديم 17-03-2011, 07:06 AM
عزت لبيب عزت لبيب غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Feb 2011
السُّكنى في: مصر محافظة الغربية المحلة الكبرى
التخصص : طالب علم
النوع : ذكر
المشاركات: 11
شكرَ لغيره: 47
شُكِرَ له 24 مرة في 9 حديث
افتراضي

جزاكم الله خيرا.
وهذا أيضا كلام الشيخ العثيمين فى التَّصْوِير.......
قوله: «والتَّصويرُ» ، التَّصوير محرَّم، والتصوير أنواع ثلاثة:
النَّوع الأول: تصوير ما يصنعه الآدمي، فهذا جائز؛ مثل: أن يُصوِّرَ إنسانٌ سيَّارةً، فإذا رأيتها قلت: هذه طِبْقُ الأصل،
فنقول: هذا جائز؛ لأنَّ الأصل من صُنْعِ الآدمي، فإذا كان الأصلُ جائزاً فالصُّورة من باب أولى.
النَّوع الثاني: أن يُصوِّر ما لا روح فيه مما لا يخلقه إلا الله؛ وفيه حياة، إلا أنها ليست نَفْساً، كتصوير الأشجار والزُّروع، وما أشبه ذلك.
فجمهور أهل العلم: أن ذلك جائز لا بأس به .
وقال مجاهد: إنَّه حرام . فلا يجوز للإنسان أن يصوِّر شجرة، أو زرعاً، أو برسيماً، أو غير ذلك من الأشياء التي فيها حياة لا نَفْس.
النَّوع الثالث: أن يُصوِّر ما فيه نَفْسٌ من الحيوان مثل: الإنسان والبعير والبقر والشَّاة والأرانب وغيرها، فهذه اختلف السَّلف فيها ، فمنهم من قال: إنها حَرام إن كانت الصُّورة مُجسَّمة؛ بأن يصنع تمثالاً على صورة إنسان أو حيوان، وجائزة إن كانت بالتلوين، أي: غير مجسَّمة.
ومنهم من قال وهم الجمهور ـ وهو الصَّحيح ـ: إنها محرَّمة سواء كانت مجسَّمة، أم ملوَّنة ، فالذي يخطُّ بيده ويصنع صُورة كالذي يعملها ويصنعها بيده ولا فرق، بل هي من كبائر الذُّنوب؛ لحديث عليِّ بن أبي طالب أنه قال لأبي الهيَّاج الأسدي: «ألا أبعثُك على ما بعثني عليه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم؛ أنْ لا تَدَعَ صُورةً إلا
طَمسْتَها» وظاهر هذا أنه في الملوَّن، وليس في المجسَّم، لأنه لو كان في المجسَّم لقال: إلا كسرتها أو نحو ذلك.
ومع الأسف؛ أصبح هذا في عصرنا الحاضر فنًّا يُدرَّس ويُقَرُّ ويُمدحُ عليه الإنسانُ، فإذا صَوَّرَ الإنسانُ بقرةً أو بعيراً أو إنساناً، قالوا: ما أحْذَقَهُ! وما أقْدَرَه!، وما أشبه ذلك، ولا شَكَّ أن هذا رِضاً بشيءٍ من كبائر الذُّنوبِ، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال ـ فيما يرويه عن الله سبحانه و ـ: «ومَنْ أظلمُ ممن ذهبَ يخلقُ كخلقي» ، أي: لا أحد أظلم ممن أراد أن يُشَارك الخالق في صنعه، هذا ظلم واجتراء على الله عزّ وجل، تُريد أن تشبِّه نفسك ـ وأنت مخلوق ـ بالخالق، ثم تحدَّاهم الله فقال: «فليخلقوا ذَرَّة أو ليخلقوا شعيرة» ، تحدَّاهم الله بأمرين: بما فيه رُوح، وهو من أصغر المخلوقات وهو الذَّرُّ، وبما لا رُوح فيه وهو الشَّعيرة، فهم لا يقدرون على هذا لو اجتمعوا من آدم إلى يوم القيامة.
فإن قيل: الآن يوجد أَرُز صناعي يشبه الحقيقي، فهل صناعته محرَّمة؟ فالجواب: ليس هذا كالأَرُز الحقيقي، فإنك لو ألقيته في الأرض وصَبَبْتَ عليه الماء ليلاً ونهاراً ما نبت. لكن ما الذي ينبت؟
الجواب: الذي ينبت هو صُنْع الله عزّ وجل كما قال : إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى [الأنعام: 95] فإذاً؛ ليس هذا كسراً
للتَّحدِّي الذي تحدَّى اللَّهُ به الخلق: «فليخلقوا ذَرَّة أو ليخلقوا شعيرة» .
والحاصل: أنَّ التَّصوير حرامٌ، سواء كان ذلك مجسَّماً أم ملوَّناً، وهو من كبائر الذُّنوب، وفاعلُه ولو مرَّة واحدة يخرج به عن العدالة، ويكون فاسقاً إلا أن يتوب.
وأما الصُّور بالطُّرقِ الحديثةِ فهي قسمان:
القسم الأول: ما لا يكون له منظرٌ ولا مشهدٌ ولا مظهر، كما ذُكِرَ لي عن التصوير بأشرطة «الفيديو» ، فهذا لا حُكم له إطلاقاً، ولا يدخلُ في التَّحريم مطلقاً، ولهذا أجازه أهل العلم الذين يمنعون التَّصوير بالآلة «الفتوغرافيَّة» على الورق، وقالوا: إن هذا لا بأس به، حتى حصل بحثٌ: هل يجوز أن تُصوَّر المحاضرات التي تُلقى في المساجد؟ فكان الرَّأي ترك ذلك؛ لأنه ربما يُشوِّش على المصلِّين، وربما يكون المنظرُ غيرَ لائقٍ، وما أشبه ذلك.
القسم الثاني: التَّصوير الثَّابت على الورق. وهذا إذا كان بآلة «فوتوغرافية» فورية، فلا يدخل في التَّصوير، ولا يستطيع الإنسان أن يقول: إن فاعله ملعونٌ؛ لأنه لم يُصَوِّرْ في الواقع، فإن التَّصوير مصدر «صَوَّرَ يُصوِّر» ، أي: جعل هذا الشيءَ على صورة معيَّنة، كما قال الله : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [آل عمران: 6] ، وقال: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [التغابن: 3] . فالمادة تقتضي أن يكون هناك فعل في نفس الصُّورة؛ لأن «فَعَّلَ» في اللغة العربية تقتضي هذا، ومعلوم أن نقل الصُّورة
بالآلة ليس على هذا الوجه، وإذا كان ليس على هذا الوجه فلا نستطيع أن نُدخِلَه في اللَّعن، ونقول: إنَّ هذا الرَّجل ملعونٌ على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، لأنه كما يجب علينا التورُّعُ في إدخال ما ظاهر اللفظ عدم دخوله فيه، يجب علينا أيضاً التورُّعُ في منع ما لا يتبيَّن لنا دخوله في اللفظ؛ لأن هذا إيجاب وهذا سلب، فكما نتورَّعُ في الإيجاب نتورَّع أيضاً في السَّلب، وكذلك كما يجب أن نتورَّعَ في السَّلب يجب أن نتورَّعَ في الإيجاب، فالمسألة ليست مجرد تحريم، ولكن سيترتَّبُ عليها العقوبة، فهل نشهد أن هذا معاقب باللَّعن وشدَّة الظُّلم، وما أشبه ذلك؟ لا نستطيع أن نجزَم إلا بشيء واضح؛ ولهذا يُفَرَّقُ بين رجلٍ أخذ الكتاب الذي خطته يدي، وألقاه في الآلة «الفوتوغرافية» وحرَّكَ الآلة فانسحبت الصُّورةُ، فيُقال: إنَّ هذا الذي خرج بهذا الورق رَسْمُ الأول، ويقال: هذا خَطُّه، ويشهد النَّاس عليه، وبين أن آتي بخطك أقلِّدُه بيدي، أرسم مثل حروفه وكلماته، فأنا الآن حاولت أن أقلِّدَك، وأن أكتبَ ما كتبْتَ، وأصوِّر كما صوَّرت. أما المسألة الأولى فليس منِّي فعلٌ إطلاقاً، ولهذا يمكن أن أصوِّر في الليل، ويمكن أن يصوِّر الإنسانُ وقد أغمض عينيه، ويمكن أن يُصوِّر الرَّجلُ الأعمى، فكيف نقول: إن هذ الرَّجل مصوِّر؟!.
فالذي أرى: أن هذا لا يدخل تحت اشتقاق المادة «صَوَّر» بتشديد الواو، فلا يستحقُّ اللعنة.
منازعة مع اقتباس
الجليس الذي شكرَ لـ ( عزت لبيب ) هذه المشاركةَ :
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
سر التشبيه في حديث : ( من لعب بالنردشير ... ) عائشة حلقة البلاغة والنقد 2 23-06-2010 01:11 PM
الأم حديث ذو شجون! أديب خالد حلقة الأدب والأخبار 2 18-05-2010 10:41 PM
في قصة زكريا : ( يفعل ما يشاء ) وفي قصة مريم : ( يخلق ما يشاء ) عائشة حلقة البلاغة والنقد 9 10-03-2010 12:02 AM
{{ في سبيل فتح إسلامي حديث }} صلاح جاد سلام مُضطجَع أهل اللغة 0 27-01-2009 05:11 AM
من حديث : (الصيام جنة فلا يرفث .............) مهاجر حلقة البلاغة والنقد 1 07-09-2008 04:54 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 09:02 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ