ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة النحو والتصريف وأصولهما
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 07-04-2014, 07:32 AM
ضيف الله الشمراني ضيف الله الشمراني غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Mar 2013
التخصص : قراءات
النوع : ذكر
المشاركات: 3
افتراضي فوائد منتقاة من كتاب : " تدليس ابن مالك في شواهد النحو ، عرض واحتجاج "

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد يَسَّر الله لي قراءة كتاب أخي العزيز الشيخ فيصل بن علي المنصور، الموسوم بـ(تدليس ابن مالك في شواهد النحو، عَرْض واحتجاج)، فوجدتُ فيه علمًا جمًّا، ولغة متينة، وبيانًا ساحرًا، وحُجَّة ظاهرة، وبحثًا مستوعِبًا لقضايا الموضوع، فجزاه الله خير ما يجزي عباده المحسنين.
ولما رأيتُ الكتاب حديث الصدور، محدود الانتشار، لم يطّلع عليه كثير من طلاب العلم، رغم تشوّفهم إليه، ورغبتهم في الحصول عليه، مع ما تضمّنه من الفوائد النفيسة، والتحريرات الدقيقة = بدا لي أن أنتقي منه مختارات، تعرِّف ببعض محتواه، وتغري اللبيب بقراءته.
أسأل الله أن ينفع بها وبأصلها، ولا يحرمني أجرها.
تنبيه: لم ألتزم بعلامات الترقيم التي اختارها المؤلِّف وفقه الله.
1. ولا ريب أن حياطة جناب النحو، والاحتيال لصحته ونقائه أولى وأجدر؛ إذ كان به يعرف كلام الله ، وإليه المرجع في استبانة مذاهب العرب ولغاتهم، وحدود اتساعهم، وضروب تصرّفاتهم. ص7
2. وقد وجدنا أن أكثر من يخطئ الحق أحد رجلين: رجل يرفع العلماء فوق أقدارهم حتى تكون سيئاته عندهم بمنزلة حسناتهم، وحتى يكون خطؤهم معدودًا في جملة صوابهم، وحتى يعتقد فيهم العصمة بفعله، وإن أنكر ذلك بلسانه، ولقلّما ظفر هذا الرجل بصواب لم يسبق إليه، أو دَلَّ على خطأ لم يُوقَف عليه؛ لأن غايته اقتفاء المتقدِّم، فإن أصاب فبما أصاب المتقدِّم، وإن أخطأ فبما أخطأ.
وما أحسن ما قال أبو عثمان : "ولكنْ للناس تأس وعادات، وتقليد للآباء والكبراء، ويعملون على الهوى، وعلى ما يسبق إلى القلوب، ويستثقلون التحصيل، ويهملون النظر حتى يصيروا في حال متى عاودوه وأرادوه = نظروا بأبصار كليلة، وأذهان مدخولة".
وأما الآخَر فرجل لا يزال دأبه الغض من العلماء، والزِّرَاية عليهم، والمسارعة في تخطئتهم وتجهيلهم، ومثل هذا خليق أن يُحرَم الإصابة، ونُجْح الرأي؛ لأن العلماء كانوا والزمان غض، والعلم لم يدرُس رسمه، ولم يمصَح أثره، وكان حرصهم عليه أشد من حرصنا، واشتغالهم به أكثر من اشتغالنا، وعقولهم يومئذ خِلْو إلا منه، لم يكدِّر صفاءها صخب المدنية وضوضاؤها، وقد كان فيهم أذكياء الدنيا وعباقرتها، فلا عجب أن تكون إصابتهم أكثر من إصابتنا، ومذاهبهم في العلم أسدَّ من مذاهبنا.
فإذا خرجتَ من أن تكون أحد هذين الرجلين، وعصمك الله من سَورة الهوى، وجَور العاطفة، وحلاّك بحلية الإنصاف = لم تعجل على القول المحدَث بالطعن حتى تعرف حججه، ثم تتدبرها في نفسك. ص8-9
3. وكنتُ أهمّ بالكتابة عنه [تدليس ابن مالك] فتأبى عليَّ نفس مولَعة بالإرجاء، كارهة للخروج على الناس بما لم يألفوه، إذ كانوا أسرع شيء تكذيبًا لما فارقَ العادة، وخرج عن الإلف، وهذا كثير في العامة ومَن يَتقيَّل أخلاقهم من المنتسبين إلى العلم. ص9
4. ولم نرَ الله أوجب علينا اتباع أحد من النحاة، ولا قصرَ العلم عليهم، ولا حاطهم بالعصمة من السهو والغفلة، ومن النقص والتقصير، ولم يجعل اجتماعهم على أمر ما في عصر من العصور حجة على مَن بعدهم، ولا وجدنا العقل الصحيح يقضي بهذا. ص11
5. على أن العلماء الذي خلفوا ابن مالك كان أكثرهم مقلِّدًا متقفِّيًا، غايته أن يَشرح مجملاً، أو يُحَشِّي على شرح، أو يصنع متنًا، أو يختصر مطوَّلاً، أو ينظم منثورًا، أو ينثر منظومًا، ولم يكن عصرهم في الجملة عصر اجتهاد وتحقيق. ص12
6. ولا شكَّ أن ابن مالك لو كان من أهل العصر الأول = لما خَفِي على العلماء أمر أبياته، ولا ضلُّوا سبيل معرفتها ومعرفة قائلها، فقد كانوا من البصر بالشعر، والعلم بضروبه وأجناسه بحيث لا يلتبس عليهم عصره؛ وذلك لقوة ملكتهم، وسلامة طباعهم. وكانوا ربما ميّزوا بين شعر الشاعرين يكونان في عصر واحد. ص12
7. وكذلك كل علم وكل فن، فإنك تجد فيه من أهله من يقدِر على النظر في أحكامه على سرعة من الخاطر والبديهة بما لا ينقاد لغيره إلا بطول البحث والتروّي، وبمراجعة القوانين والأصول. ص14
8. فقد علم الله ، وهو عالم خفيّات كل مكتَتَم = أني ما كتبتُ ذلك إلا تأثّمًا من وقوع هذه الأبيات إلى النحو مع ما يصيبه من أثرها، ومن اغترار الناس بها، وإذعانهم لها. ص18
9. ومعاذ الله أن يكون غرضي الطعن في ابن مالك، أو الغضَّ من قدره، فهو بلا شك عالم جليل، وركن باذخ من أركان النحو، وقَلَّ رجل تعلّم النحو بعده إلا وله في عنقه منّة، غير أن الحق أكبر من الجميع. ص18
10. إن أول ما يستوقف المتصفِّح لهذه الأبيات أنها مما تفرَّد به ابن مالك، إذ لم توجد في كتاب قبله، ولم يعرفها أحد بعده، وقد رأينا العلماء الذين تعاوروا شرحها، وتجشَّموا أمر نسبتها قد أعياهم معرفةُ قائليها، وعجَزوا أن يقعوا عليها عند أحد من المتقدِّمين. ص21
11. وقد كان المتقدِّمون من العلماء يرتابون في الرجل يتفرّد بما لا يعرفه الحفاظ الثقات، ويتخذون ذلك سبيلاً لاتهامه، والطعن في روايته حتى يتعرّفوا فيها شواهد الصدق، ومخايل الأمانة...ص22
12. وذلك أن العلماء حين أبوا قبول البيت المجهول القائل أحيانًا فليس لأن معرفة القائل أمر مقصود بعينه؛ إذ كان العرب جميعًا عدولاً عندهم، وإنما لمخافتهم أن يكون البيت مولَّدًا، أو مصنوعًا، ولذلك متى عرفوا راويه، ووثقوا منه = لم يبالوا أن تفوتهم معرفة قائله، وهذه مسألة قد تخفى على بعض الناس. ص31
13. وهذا كتاب سيبويه فيه خمسون وألف بيت كلها منسوبة إلا نحو مئة بيت فقط، هذا والشِّعر في عهده مفرّق غير مجموع، ومتناثر غير منظوم، وذلك قبل أن يتوفَّر العلماء على صناعة الدواوين، وجمع شعر كل شاعر على حدة، وقبل أن يعنوا بتحقيق نسبة كل بيت إلى قائله. ص32
14. جميع المنسوب من الأبيات المتهم بوضعها إنما هو منسوب إلى (الطائي) أو إلى (رجل من طيئ)، وليس فيها بيت واحد منسوب إلى شاعر باسمه، أو قبيلة أخرى غير طيئ، كتميم، وهذيل، وأسد، وبكر، وغيرهم، فأين ذهب شعرهم؟ ولم لا يكون حظهم من هذه الأبيات كحظ طيئ. ص32-33
15. لكل إنسان ألفاظ يصطفيها لنفسه، ويؤثرها على غيرها، ولا يزال مولعًا بتكرارها في كلامه، وإقحامها في فحوى خطابه. وهي ألفاظٌ تصدر عن طبيعة فكره، ومنتهى ثقافته، وقلما استطاع أن ينفك من وشايتها به، وإنبائها عنه، إلا من فطن لذلك، ورامه بشيء من التكلف. وكذلك أهل كل زمان، فإن لهم ألفاظًا خاصة بهم يمليها عليهم نمط معيشتهم، ويجرون فيها على مقادير حاجاتهم. ص35
16. وقد رأينا في أبيات ابن مالك دلائل متواردة، وبرهانات واضحة على أنها لرجل واحد، ثم هو رجل إسلامي متأخِّر العصر. ص35
17. وذلك أن الأبيات التي يقولها شاعر واحد لا بد أن تكون مفارقة كل المفارقة للأبيات يجتمع عليها الطائفة من الشعراء المتنازعي الديار، المتفاوتي الأعصار؛ لأن الشاعر الواحد لا يلبث إذا هو أكثر من النظم واتسع فيه أن تُنزَف مادته، وتنقطع موارده، فيُضطر أن يعيد ألفاظه ويكررها، ولا يزال يفيئ إليها الفيئة بعد الفيئة. ص37
18. ألا ترى أن في كثرة تكرار كلمة (ابن) و (قوم) خاصة في شواهد سيبويه دليلاً على حياة العرب الأوائل القائمة على رعاية الأواصر والقربى، وعلى الاعتزاء والانتماء، وعلى الولاء والعداء. ص38
19. وأنتَ تعلم وَلوع المتأخرين بألفاظ المعاني أولاً، وبالغزل ثانيًا. ص38
20. من طبع الإنسان إذا أقبل على أمرٍ ما، وقدح فيه زناد فكره، ثم نزع عنه، وأراد الانتقال لغيره = فإنه لا تزال تعتاده خطرات منه، ولا يزال متردِّدًا في ذهنه، ومهيمنًا على مخيِّلته، إلا من كابر طبعه، وتكلَّفَ غير جبلّته. ص48
21. للشِّعْر القديم المقطوع بصحته صفات تكثر فيه، وأمورًا لا تنفك عنه عَرِيت منها أبيات ابن مالك، فدلَّنا هذا على أن قائلها ليس من شعراء العصر الأول الذين يُحتَجُّ بشعرهم. ص54-55
22. وجدنا الشعر القديم الثابت النسبة حافلاً بالغريب، والوحشي من الكلام. وهم وإن كانوا في الاستكثار منه متفاوتين مختلفين = فإنك إذا حصّلتَ عامة أشعارهم، وتصفحت مجموع أبياتهم = وجدتَ الغريب أغلب عليهم، وأحظَّ عندهم، لا تكاد تسلم قصيدة أو مقطَّعة من ذلك. ص55
23. ولو صَحَّت أبيات ابن مالك، وكانت من الشعر الذي يُحتج به = لوجب أن تكون لجماعة من الشعراء. ص55
24. فإنك تجدُ مع كثرتها، وتفشّيها، ولَهَجه بها = معانيَ لا يطرقها إلا إسلامي متأخِّر واعٍ للقرآن، بصير بأحكامه وشرائعه. ص60
25. ولا تُخطئ في أبياته تأثّره الواضح بالقرآن الكريم. ص63
26. فهو لا يفتأ على قلة أغراضه التي يتناولها يعيد المعنى نفسه مرارًا، ويُطيف به، ولا يملّ من ترداده. ص64
27. فهذه معانيه، أكثرها صريحة مباشِرة، وليس فيها ما ينبي عن مناسبة، أو يصوِّر حادثة، أو يدلُّ على حياة قائله كما نرى في أبيات سيبويه وغيره. ص66
28. تجد من هذه الأبيات أبياتًا لا رُوحَ فيها، ولا معنى تحتها، باردة غَثَّة، وساقطة مستهجنة، وهذا بلا شك دليل من أدلة وضعها وافتعالها؛ لأن كثرتها توحي بأن قائلها ليس من همّه توليد المعاني واختراعها، وإنما همّه أن يكون في البيت حُكمٌ نحوي يجعله قابلًا لأن يستشهد به، والمعاني عنده ليست إلا وسيلة إلى هذا الغرض. ص66-67
29. نرى كل بيت من أبيات ابن مالك مستقلًا بمعناه، قائمًا بنفسه، لا يحتاج فهمه إلى بيت قبله غير مذكور. وهذا غريب؛ لأنا نرى في الأبيات الصحيحة كأبيات سيبويه ما لا يُفهَم معناه إلا ببيت آخر لم يُذكَر. ص73
30. وقد تتفرّد العلماء بالأبيات القليلة من الشعر، وهذا غير مستنكَر ولا مدفوع. ص84
31. ومتى سقط الاحتجاج بهذه الأبيات = سقط معه جميع الأحكام والآراء والترجيحات التي انبنت عليها. ص87
32. والحقُّ أن ابن مالك لم يكن كذّابًا فيستحلّ بذلك التلعّب بأحكام النحو، والافتراء على العرب، وإنما كان قُصارى أمره أن يرى الرأي يزيّنه له منزع من القياس، وسُهمة من النظر = فيرفده ببيت من وضعه، ثم يسوقه مساق أبيات الاحتجاج مُدَلِّسًا له، فينخدع به من يأتي بعده؛ وذلك أنه ربما لم يرضَ دليل القياس، فيرى هذا البيت المصنوع وهو جاهل بحقيقة حاله، فلا يملك إلا الإذعان له، والرضا به. ولو علم حقيقته فلعل رأيه أن يستحيل في تلك المسألة. ص91
33. أن هناك 688 بيت غير منسوبة تفرَّد بها ابن مالك، كلها لا يوجد في كتاب قبله، ولم يقع على خبرها أحد بعده. ص181
34. أن 43 بيتًا منها منسوب إلى الطائي، أو رجل من طيئ. ص181
35. أن الجمهور الأعظم والنصيب الأوفى من هذه الأبيات = مقطوع بوضعها بعد عصور الاحتجاج، وهو 615 بيت، وغير المقطوع بوضعها 73 منها. ص181
36. أن واضعها هو ابن مالك يقينًا، بدليل التفرّد، والنِّسبة، واللفظ، والمعنى، وأن هذه الأدلة وإن كان كل دليل منها قد يوجب بانفراده مجرَّد الظن = فإنها باجتماعها تبلغ اليقين إن شاء الله. ص181
37. أن الصحيح في الحكم عليه هو وصفه بالتدليس، وأنه لا يجوز أن يُرمى بالكذب، ولا أن يُبرَّأ البتةَ بدعوى أنه أراد بوضع الأبيات التمثيل، والاستئناس، وحسب. ص181
38. أن هذه الأبيات لم يبتدع بها ابن مالك شيئًا من الأحكام، وإنما أوهمَ من بعده بأنها من الشعر الذي يُحتَجُّ به، فاتكئوا عليها في ترجيح بعض الأقوال، والتمييل بين المذاهب. ص182
39. أنه ينبغي إسقاط جميع الأبيات التي تفرّد بها، المقطوع بوضعها، والأخرى التي لم يُقطَع بوضعها، والتي ذكرنا أنها 688 بيت. ص182

(تمّت بحمد الله)
ضيف الله بن محمد الشمراني
المدينة المنورة
الاثنين 7-6-1435هـ
__________________
محاضر بقسم القراءات - كلية القرآن الكريم - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
منازعة مع اقتباس
  #2  
قديم 07-04-2014, 07:45 AM
منيب ربيع منيب ربيع غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2012
التخصص : نحو وصرف
النوع : ذكر
المشاركات: 84
افتراضي

جزاك الله خيرا وبارك فيك . وجزى الله المؤلف خير الجزاء ونفع به .
منازعة مع اقتباس
  #3  
قديم 07-04-2014, 01:36 PM
الورزازي الورزازي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Apr 2014
التخصص : رياضيات
النوع : ذكر
المشاركات: 1
افتراضي

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم ،نفع الله بعلمكم.
منازعة مع اقتباس
  #4  
قديم 10-04-2014, 05:52 PM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,591
افتراضي

لما قرأتُ قول ابن مالك :
لا سابغات ولا جأواء باسلة تقي المنون لدى استيفاء آجال
أول مرة ضحكتُ منه كثيرا، فإنه أخذ قوله: "جأواء باسلة" من قول بلعاء بن قيس الكناني:
وفارس في غمار الموت منغمس إذا تألى على مكروهة صدقا
غشيتُه وهو في جأواء باسلة عضبا أصاب سواء الرأس فانفلقا
بضربة لم تكن مني مخالسة ولا تعجلتها جبنا ولا فرقا
فأخذه ابن مالك -- ووضعه في موضع لا يحسُن فيه، لأن الذي جرت به العادة في كلام الناس أن يقولوا: لا يمنع الموتَ أحراسٌ ولا يردُّه جيوش، من غير تفصيل في وصف هذه الجيوش والكتائب، أما أن تقول: لا يمنع الموتَ عنك كتيبة جأواء باسلة، فهذا قبيح جدا، يُبصره من له طبع سليم.
وإنما حسُن في كلام بلعاء لأنه أراد أن يصف فضل شجاعته وتورُّده إلى قرنه وانغلاله إليه وهو في هذه الكتيبة الجأواء الباسلة حتى ضربه بسيفه ضربة أصاب بها سواء رأسه أي وسطه غير مختلس في ضربته ولا متعجِّل، فما أحسن موقعها في شعره وما أقبحها في بيت ابن مالك!
ثم انظر أيضا إلى موضعها من البيت، فإنك تجدها في بيت بلعاء في آخر الصدر منه:
غشيته وهو في جأواء باسلة
وكذلك هي في بيت ابن مالك:
لا سابغات ولا جأواء باسلة
ثم انظر -أيضا- إلى البحر تجد البيتين من البسيط.
ثم انظر إلى ألفاظ بلعاء وقُربها من الغريب: غشَّيتُه، عضبا، سَواء الرأس، فانفلقا، فما أحسن أن تأتي بينها لفظة (جأواء)!
وانظر إلى قول ابن مالك:
تقي المنون لدى استيفاء آجال
وضع الجأواء بجواره، ما أبعد نَجر هذه من هذه!
فلا ريب أن ابن مالك كان ينظر إلى بيت بلعاء، فبنى عليه ولم يُحسن البناء، وبيت بلعاء مشهور، وهو في ديوان الحماسة.
وقد ذكرني هذا بقول أبي تمام:
لقد طلعت في وجه مصر بوجهه بلا طائرٍ سعدٍ ولا طائر كَهْلِ
فإنه أخذه من قول أبي خراش الهذلي:
ولو كان سلمى جارَه أو أجاره رياحُ بنُ سَعدٍ ردَّه طائرٌ كَهْلُ
.
قال الآمدي: "وقوله:
لقد طلعت في وجه مصر بوجهه بلا طائرٍ سعدٍ ولا طائر كهل
وإنما سمع قول بعض الهذليين:
فلو كان سلمى جاره أو أجاره رياح بن سعدٍ رده طائرٌ كهل
ووجدت في تفسير أشعار هذيل أن الأصمعي لم يعرف قوله: (طائر كهل)، وقال بعضهم: كهل ضخم، وما أظن أحداً قال: (طائر كهل) غير هذا الهذلي، فاستغرب أبو تمام معنى الكلمة فأتى بها، وأحب أن لا تفوته.
"
قلت: وانظر أيضا إلى موضعهما في بيتي أبي تمام والهذلي، فإنهما في آخر البيت،كما تشابه الموضعان في بيتي ابن مالك وبلعاء، وانظر إلى البحر تجدهما من الطويل، كما اتفق بيتا بلعاء وابن مالك في البحر.
ولو أردنا أن نتتبع أمثال هذه في شعر الشعراء لبقينا نكتبه زمنا طويلا.
منازعة مع اقتباس
  #5  
قديم 15-04-2014, 12:22 PM
أبو عبد الملك الرويس أبو عبد الملك الرويس غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Apr 2011
السُّكنى في: نَجْد العذيّة
التخصص : علوم نظريّة
النوع : ذكر
المشاركات: 54
افتراضي

قرأت الموضوع ، وفيه مواضع نظر إلا أنّني سأكتفي بما يأتي :
اقتباس:
31. ومتى سقط الاحتجاج بهذه الأبيات = سقط معه جميع الأحكام والآراء والترجيحات التي انبنت عليها. ص87
مع التسليم ـ جدلاً ـ بكلّ ما ورد فليس فيه مِن فائدة لطالب علم إلا هذا الجزء السابق !
إلا أنّها بهذا الجزء اللاحق قد انتفت منه كلّيّة !؟
اقتباس:
38. أن هذه الأبيات لم يبتدع بها ابن مالك شيئًا من الأحكام، وإنما أوهمَ من بعده بأنها من الشعر الذي يُحتَجُّ به، فاتكئوا عليها في ترجيح بعض الأقوال، والتمييل بين المذاهب. ص182
وغدا كلّ ما قيل في حدود الإنشاء لا يهدم منشأ بحجّة مقنعة ، لا يُقيم منشأ بلبنة مفيدة !

هذا . وأرجو مِن الله لي وللجميع التوفيق والسداد .
منازعة مع اقتباس
  #6  
قديم 27-04-2014, 07:35 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,591
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
ومما يشبه هذا أيضا قول ابن مالك :
لا تركنن إلى الأمر الذي ركنت أبناء يعصر لما اضطرَّها القَدَرُ
فإن ابن مالك -- نظر فيه إلى قول جرير في هجاء عمر بن لجأ التيمي:
خلِّ الطريقَ لمن يبني المنار به وابرز ببَرزةَ حيث اضطرَّك القَدَرُ
وفي هذا عدة أمور تقطع بلمح ابن مالك لبيت لجرير:
1 - تشابه الجملتين.
2 - وقوعهما في موضع واحد وهو آخر البيت.
3 - البيتان من بحر واحد وهو البسيط.
وهذه الثلاثة كلها رأيناها من قبل في البيت الذي اطَّلَعَ فيه إلى بيت بَلعاء.
4 - اتفاق الروي وهو الراء المضمومة.
5 - اتحاد القافية وهي من المتراكب.
ومن العجيب أن العيني نسب هذا البيت وبيتا آخر وهو قول ابن مالك:
إن تُعنَ نفسُك بالأمر الذي عُنيت نفوس قوم سموا تظفر بما ظفروا
إلى كعب بن زهير ، ولعمري إنها لنسبة باطلة.
ويدل على بطلانها أمور منها:
1 - أن ابن مالك نفسه نسب هذا البيت الذي أوله "إن تُعنَ" إلى بعض الطائيين، وهذا الرجل الطائي هو ابن مالك نفسُه، ومعلوم أن كعب بن زهير -- ليس طائيا فيقال: لعله يعني بالرجل الطائي كعبا، وإنما هو مزني، وشتان ما هذا وذاك، مزينة من عدنان وطيئ من قحطان.
2 - أن البيتين ليسا في ديوان كعب بن زهير برواية السكري، وهذا تتبعته بنفسي، بل ليس في ديوانه شيء على هذا البحر والقافية والروي إلا ثلاثة أبيات سنتكلم عنها، وقد ذكر محققو كتب ابن مالك أيضا أنهم لم يجدوا البيتين في ديوان كعب.
3 - أن العيني -- يخلِّط، ومن ذا الذي ما ساء قط، فمن ذلك أشياء نبه لها الشيخ فيصل المنصور في كتابه، منها قوله عن أحد أبيات ابن مالك: إنه في كتاب سيبويه، وهو ليس في الكتاب، ومنها نسبته بيتا من أبيات ابن مالك إلى زياد بن سيار، وقد تعقبه الأستاذ فيصل، وتعقبه قبله البغدادي في (شرح أبيات المغني)، وبيّنا وهمه في هذا، وقد أشار أبو قصي إلى كلام البغدادي.
ومنشأ وهم العيني في ظني هو أن لكعب ثلاثة أبيات في بحر هذين وقافيتهما ورويهما، وهي مشهورة، وأولها:
لو كنتُ أعجب من شيء لأعجبني سعي الفتى وهو مخبوء له القَدَرُ
ــــــــــــــــ
وقد رأينا شبه أحد بيتي ابن مالك ببيت جرير، فلننظر إلى شبه بيتيه أحدهما بالآخر:
إن تعن نفسك بالأمر الذي عنيت نفوس قوم سموا تظفر بما ظفروا
لا تركنن إلى الأمر الذي ركنت أبناء يعصر لما اضطرها القدر
فمن ذلك:
1 - أن البيتين وضعا لمسألة واحدة وهي جواز حذف العائد المجرور بحرف جُرَّ الموصوف بالموصول بمثله.
فأصل الكلام: بالأمر الذي عنيت به، وإلى الأمر الذي ركنت إليه.
2 - أن البيتين سيقا متتابعين ليس بينهما غير سطر واحد، فأنشد الأول ثم قال: ومثله، وأنشد الثاني، وهذا يبين لك لمَ تشابه البيتان، فإنهما نظما معا في وقت واحد.
3 - كلاهما من البسيط.
4 - قافيتهما من المتراكب.
5 - رويُّهما الراء المضمومة.
6 - موضع الشاهد من البيتين واحد فكلاهما في آخر صدر البيت، فتأملهما:
إن تعن نفسك بالأمر الذي عنيت نفوس قوم سموا تظفر بما ظفروا
لا تركنن إلى الأمر الذي ركنت أبناء يعصر لما اضطرها القدر
7 - أن الموصوف بالموصول في البيتين هو لفظ "الأمر"، ولم يقع في واحد منهما على سبيل المثال: "بالشيء الذي" أو "بالحال الذي"، والحال يذكر ويؤنث.
8 - أن الموصول في البيتين هو (الذي) وليس (التي) أو غيرها.
فهذا التشابه بين البيتين.
ومن دلائل وضع الأول قوله: "عُنيَتْ"، وقد بيَّن الأستاذ فيصل كثرة استعماله لهذا الفعل مع قلته في الشعر القديم.
ولا إله إلا الله كم أفسدت الأبيات التي وضعها ابن مالك، وكم ظُلمت بسببها أقوال للعلماء، وقد بين الشيخ فيصل شيئا من أثرها في المتأخرين، ومن ذلك أيضا قول ابن عقيل في مسألة حذف ضمير الخبر الجاري على غير من هو له إذا أُمن اللبس: "وقد ورد السماع بمذهبهم [أي الكوفيين] فمن هذا قول الشاعر:
قومي ذرا المجد بانوها وقد علمت بكنه ذلك عدنان وقحطان"
فانظر كيف ظُلم قول البصريين بهذا البيت الذي وضعه ابن مالك، مع اضطرابه أصلا في هذه المسألة فإنه في الخلاصة اختار مذهب البصريين، وفي الكافية مال إلى مذهب الكوفيين.
ولذلك أمثلة كثيرة.
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
  #7  
قديم 27-04-2014, 05:53 PM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

شكرَ الله لكم.
وللعينيِّ أوهامٌ كثيرةٌ في كتابِه، في نِسبةِ الأبياتِ خاصَّة، وفي غيرِ ذلك. وقد استعرضتُه كلَّه، فوقفتُ على جُملةٍ من ذلك، نبَّهتُ على بعضِها في موضعِها من كتابي، وأغفلتُ بعضَها محميَةً من الإكثارِ، والإسهابِ، وثقةً بفَهم القارئ. وقد انتهيتُ من ذلكَ إلى عدمِ الاعتدادِ بما يتفرَّد به من النِّسبةِ. وكنتُ متحرِّجًا من الحكم عليه بهذا حتَّى رأيتُ أوهامَه كثيرةً، ووجدتّ بيتينِ زعمَ أن سيبويه أنشدَهما أشرتُ إليهما في الكِتاب، وهما ليسا في كتابِه، ولا يُعرَفان قبل العينيِّ، أحدُهما قولُه:
كَي تجنحون إلى سلمٍ وما ثُئرت قتلاكمُ، ولظَى الهيجاء تضطرِمُ؟
وهو يشبه أسلوب ابن مالك.
وقد تعقَّبَه في ذلك البغدادي، فحينَ إذٍ استحصدَت مِرَّة ظنِّي، فأجمعتُ ترك الاعتدادِ بما تفرَّد بنسبتِه من أبياتٍ كبيتٍ زعمَ أنَّ ثعلبًا أنشدَه، وهو:
ترى أسهمًا للموتِ تُصمي، ولا تُنمي ولا ترعوي عن نقضِ أهواؤنا العزمِ
وآخرَ زعم أن ثعلبًا أيضًا أنشده، وهو:
بكاللّقوة الشغواء جُلتُ، فلم أكن لأولعَ إلا بالكميِّ المقنَّعِ
وآخر نسبَ إنشاده إلى ابن جنِّي، وهو قولُه:
إن تصرمونا، وصلناكم، وإن تصلوا ملأتمُ أنفسَ الأعداء إرهابا
وأبيات أخر غيرها نسب إنشادها إلى الفرّاء، وأبي علي الفارسي.
وكلُّ هذه -وهي معدودة- لم نجِدها منسوبةً إلى متقدِّمي العلماء عند غيرِ العينيِّ، وعلى بعضها سيمَى الوضع، وقد بيَّنتُ وهمَه في عددٍ من الأبياتِ، فوجبَ الاحتياطُ للعِلمِ بنفيِها منه حتى تشهَد على صِحَّتها دلائلُ صريحةٌ.
وهنا هنا مِثالٌ يَصدِّق لكَ دعوى الوهم هذه، وذلكَ أنَّ العينيَّ نسبَ هذا البيتَ إلى الكلحبةِ اليربوعيِّ، وهو:
كرَب القلبُ من جواه يذوبُ حينَ قال الوشاةُ: هندٌ غضوبُ
وهذا وهمٌ بيِّنٌ منشؤه أنَّ ثَمّة بيتًا يذكرُ كثيرًا مع هذا البيتِ، وهو:
إذا المرءُ لم يغشَ الكريهةَ، أوشكت حبالُ الهُوينَى بالفتَى أن تَقطَّعا
وهذا البيتُ معروفُ النِّسبةِ إلى الكلحبةِ اليربوعيِّ بلا ريبٍ. وهو من أبياتٍ له في "المفضليَّات"، والأوَّل شاهدٌ لـ"كرب"، وهذا شاهد لـ"أوشك"، وكلاهما يساقانِ مقترِنَينِ في باب "أفعال المقاربة"، فالتبس الأمرُ على العينيِّ على وجهٍ لا ندري كيفَ كانَ، فنسبَ بيتَ ابنِ مالكٍ إلى الكلحبةِ. ولا يجوزُ أن يكونَ البيتان كلاهما للكلحبةِ، فإنه لا يُعرَف هذا البيت في شِعرِه، ومنشأ الوهم واضحٌ. ويدُلّك على هذا أن ابن مالكٍ نفسَه نسبَ بيتَ (كربَ القلبُ) إلى (رجل من طيِّئ) في "شرح عمدة الحافظ" (2/ 814). والكلحبة من تميم، لا من طيِّئ. ومتَى نسبَ ابنُ مالكٍ بيتًا من الأبيات التي تفرَّد بها إلى (الطائيّ)، أو (طيّئ)، فهو له قطعًا. وهذه مسألةٌ تتبعتُها، فوجدتُّها مطَّرِدة لا تتخلَّفُ.
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
  #8  
قديم 28-04-2014, 12:13 AM
أحمد فال أحمد فال غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2010
التخصص : الفقه
النوع : ذكر
المشاركات: 45
افتراضي

هذا باطل مردود من جهة الشرع وفيه طعن في اللغة العربية
وأدلة بطلانه أوضح من أن تذكر
فاتقو الله واذكروا قوله تعلي:
ولا تقف ما ليس لك به علم
فنسبة عالم من علماء الأمة إلي التدليس هذا جد خطير
لا سيما إن كان بمجرد الوهم
منازعة مع اقتباس
  #9  
قديم 28-04-2014, 08:31 AM
أبو عبد الملك الرويس أبو عبد الملك الرويس غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Apr 2011
السُّكنى في: نَجْد العذيّة
التخصص : علوم نظريّة
النوع : ذكر
المشاركات: 54
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت من قِبَل أحمد فال مشاهدة المشاركة

فنسبة عالم من علماء الأمة إلي التدليس هذا جد خطير
لا سيما إن كان بمجرد الوهم
وهم ومبنيّ على الذوق !؟
منازعة مع اقتباس
  #10  
قديم 28-04-2014, 10:51 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,591
افتراضي

وفقكم الله لكل خير.
اعلم أن بعض الأشياء التي نذكرها لا تخفى على أحد ولو كان أشد الناس غباوة وأعظمهم بلادة، كالذي ذكرناه من أن أبيات ابن مالك لم ترد في كتب المتقدمين، والذي ذكرناه من أن هذه الأبيات غير منسوبة إلى أحد، فهذان الأمران تفهمهما البهيمة العجماء، وهذان الأمران كافيان لإسقاط أبيات ابن مالك كلها، فإن البيت إذا لم يُعرف قائله ولم يوجد في كتب المتقدمين لم يجز الاحتجاج به، وحكى بعض العلماء الإجماع على ذلك.
ومنها ما هو أرفع من هذا قليلا فيفهمه كل أحد معه مسكة من عقل، ولو كان الغالب عليه البلادة، وهذا كالأشياء التي ذكرها الأستاذ فيصل المنصور من قلة الأعلام في أبيات ابن مالك وقلة الغريب ووجود ألفاظ لا تكاد توجد في شعر المتقدمين ونسبة ما نسب من الأبيات كلِّه إلى رجل من طيئ وأشباه ذلك، فهذه يكفي الإنسان لإدراكها أن يكون معه مثقال ذرة من عقل، فمن ارتفع عن حد الجنون لم تُشكل عليه هذه، فإنه يستطيع على بلادته أن يميِّل بين عدد الأعلام في شواهد سيبويه وعددها في شواهد ابن مالك ويرى أيهما أكثر، وكذلك الأمر في ألفاظ الغريب ونحوها.
ومنها ما يكون فيه شيء من غموض وخفاء كقولنا: إن هذا لا يُشبه شعر المتقدمين، وإنه يلوح عليه وسم الصنعة، وما أشبه ذلك، فهذه الأشياء إذا تكلمنا بها لم يكن خطابنا موجها إلى الصنفين الأولين، فإن أفهامهم تقصر عن إدراكها، وتحسر دون غايتها، إذ كان المحلُّ غيرَ قابل للتعليم، فأنت معهم كمن يريد أن يري الأعمى دقيقا لا يكاد يثبته بصرُ البصير، أو يُسمع الأصمَّ جَرسًا خفيًّا يكذِّب دونه سمعُ السميع، وإنما هي موجهة لذي قريح صالحة إن نُبِّه تنبَّه، وإذا بُصِّر أبصر.
ورحم الله الجرجاني كم لقي من الصنفين الأولين، وله في ذلك كلام يُكتب بذوب الذهب.
قال في وصف هذا الداء: "فليس الداءُ فيه بالهين، ولا هو بحيثُ إذا رمتَ العلاجَ منه وجدتَ الإِمكانَ فيه مع كلِّ أحدٍ مُسعفًا والسعي مُنجحًا، لأنَّ المزايا التي تحتاج أن تُعْلِمَهم مكانها وتصورَ لهم شأنها أمورٌ خفية ومعانٍ رُوحانية أنتَ لا تستطيع أن تنبه السامعَ لها وتحدثَ له علمًا بها حتّى يكونَ مهيَّأً لإدراكها، وتكونَ فيه طبيعة قابلة لها، ويكونَ له ذوقٌ وقريحة يجد لهما في نفسه إحساسًا بأنَّ من شأنِ هذه الوجوه والفروق أن تعرضَ فيها المزيّةُ على الجُملة، ومَن إذا تصفّح الكلامَ وتَدبَّر الشِعرَ فرَّق بين موقِعِ شيءٍ منها وشيءٍ."
ثم قال: "والبلاءُ والداء العياء أن هذا الإِحساسَ قليلٌ في الناس حتى إنه ليكونُ أن يقعَ للرجل الشيءُ من هذه الفروقِ والوجوهِ في شِعْرٍ يقوله أو رسالةٍ يكتُبها الموقِعَ الحسنَ ثم لا يعلمُ أنه قد أحسنَ. فأما الجهلُ بمكانِ الإِساءة فلا تَعْدمُه. فلستَ تملِكُ إذًا من أمركَ شيئاً حتى تظفرَ بمَنْ له طبعٌ إذا قدحتَه وَرَى وقلبٌ إذا أريْتَهُ رأى. فأما وصاحِبُكَ مَنْ لا يرى ما تُريه ولا يهتدي للذي تَهديه فأنت رامٍ معه في غيرِ مَرْمًى ومُعَنٍّ نفسك في غيرِ جَدْوى."
ثم قال: "وإِذا كانَتِ العلومُ التي لها أصولٌ معروفة وقوانينُ مضبوطة قد اشترك الناسُ في العِلْم بها واتفقوا على أن البناءَ عليها، إذا أخطأ فيه المخطئ ثم أُعجِبَ برأيه لم يُستَطعْ ردُّه عن هواه وصرفُه عن الرأي الذي رآه إلا بَعْدَ الجهد وإلا بعد أن يكونَ حَصيفًا عاقلًا ثبتًا إذا نُبِّه انتبه وإِذا قيلَ: إنَّ عليك بقيةً مِنَ النَّظَرِ وقفَ وأصغَى وخشِيَ أن يكونَ قد غُرَّ فاحتاطَ باستماعِ ما يقالُ له وأنفَ من أن يَلِجَّ من غيرِ بيِّنة ويتطيَّلَ بغيرِ حجة، وكان مَنْ هذا وَصفه يعزُّ ويقلُّ = فكيف بأن تردَّ الناسَ عن رأيهم في هذا الشأن وأصلُك الذي تردُّهم إليه وتعوِّلُ في مَحاجَّتهم عليه استشهادُ القرائح وسبرُ النفوسِ وفلْيُها وما يعرِضُ فيها من الأريحية عندما تسمع."
ثم قال: "فتبقى في أيديهم حَسيرًا لا تملكُ غيرَ التعجُّبِ. فليس الكلامُ إذًا بمُغْنٍ عنك ولا القولُ بنافعٍ ولا الحجَّةُ مسموعة حتى تجد مَنْ فيه عونٌ لك على نفسِه، ومن إذا أَبى عليك أبى ذاك طبعُه فردَّه إليك وفَتَحَ سَمْعَه لك ورفَعَ الحجابَ بينك وبينَه وأخذَ به إلى حيثُ أنتَ وصرف ناظِرَه إلى الجهة التي إليها أومأتَ، فاستبدلَ بالنِّفارِ أنسًا وأراكَ مِنْ بعد الإِباء قَبولا.
ولم يكنِ الأمرُ على هذه الجملة إلاّ لأنه ليس في أصناف العلومِ الخفية والأمورِ الغامضة الدقيقة أعجبُ طريقًا في الخفاء من هذا."
منازعة مع اقتباس
  #11  
قديم 07-05-2014, 04:36 PM
تقنويه تقنويه غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Apr 2014
التخصص : نحو وصرف
النوع : ذكر
المشاركات: 198
افتراضي

أذكر أنَّ ابن مالك عبَّر في أكثر من موضع من شرح التسهيل عن استيائه من جرأة المبرد في ردِّ الشواهد.
ولا أعلم إن كان الأستاذ فيصل قد تطرَّق إلى هذا الجانب النفسي في دراسته، وأفاد منه في تأييد رأيه أم لا ؟
منازعة مع اقتباس
  #12  
قديم 08-05-2014, 02:34 PM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

وفقك الله.لم أشر إلى ذلك. ولعلك تبيّن علاقته بوضع ابن مالك.
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
  #13  
قديم 12-05-2014, 10:00 PM
تقنويه تقنويه غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Apr 2014
التخصص : نحو وصرف
النوع : ذكر
المشاركات: 198
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت من قِبَل فيصل المنصور مشاهدة المشاركة
وفقك الله.لم أشر إلى ذلك. ولعلك تبيّن علاقته بوضع ابن مالك.
ليس في ذهني شيءٌ محدد تمامًا، ولست ضليعًا في الدرسات النفسية، بيد أني أرى صلةً ما بين وضع ابن مالك للشواهد واستيائه ممَّن يردُّها، وهي صلة دقيقةٌ تحضر عندي تارةً، وتغيب أخرى، وأظنها تحتاج لإجلائها إلى خبيرٍ نفسي، المهم أنَّ مآل هذه الصلة -في ظني- يجعل ابن مالك في موقف المريب الذي يكاد أن يقول خذوني.
ولعلي أعود بذهنٍ أكثر صفاءً
منازعة مع اقتباس
  #14  
قديم 01-06-2014, 02:54 AM
عثمان الشافعي عثمان الشافعي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2012
التخصص : باحث في فقه الشافعي
النوع : ذكر
المشاركات: 3
افتراضي

كيف غفل ابو حيان وخالد الأزهري والسيوطي وكل من جاء بعده عن هذا؟ (اي تدليس ابن مالك)

مجرد استفسار
منازعة مع اقتباس
  #15  
قديم 01-06-2014, 09:12 PM
محمد البلالي محمد البلالي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2014
السُّكنى في: اليمن
التخصص : نحو وصرف
النوع : ذكر
المشاركات: 247
افتراضي

جزاك الله خيرا.
لكن أظن أن كلمة تدليس توحي تعمد ابن مالك لذلك وليس الأمر كذلك والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
فوائد منتقاة عن الأدب والذوق الرفيع الذي افتقدناه ابو عبد الأكرم حلقة الأدب والأخبار 2 17-04-2014 11:57 AM
صدرَ كتابي ( تدليس ابن مالك في شواهد النحو ) فيصل المنصور حلقة النحو والتصريف وأصولهما 4 08-03-2014 12:08 PM
تدليس لجنة إعداد كتاب " قطر الندى وبل الصدى " بالثالث الإعدادي الأزهري فريد البيدق حلقة النحو والتصريف وأصولهما 2 31-01-2014 12:01 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 11:37 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ