ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة البلاغة والنقد
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #31  
قديم 27-07-2009, 06:39 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

28-لمحة في قوله :
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

1-انتظم في الآية بيان ثلاث مقاصد:
- مقصد بيان التوحيد.
-مقصد بيان كمال الصفة.
-مقصد بيان كمال الملك.
وقد جاءت مرتبة في الآية مرتين:
"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ" هذا بيان التوحيد،
"الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ".. وهذا بيان كمال الصفة،
"لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"..وهذا لبيان كمال الملك..
ثم أعادتها الآية في الشق الثاني:
"مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ"...هذا بيان التوحيد
"يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ".. ..بيان كمال الصفة.
"وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا".. بيان كمال الملك..
لكن الأطرف هو ورود هذه المواضيع وفق ذلك الترتيب في الآيات التي جاءت بعد آية الكرسي إلى حدود خواتم السورة..
فكأن بداية الآية:"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.." إرصاد لما سيرد بعدها من فصول..حسب البيان التالي:

-" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ "إرصاد لموضوع التوحيد في الآيات:
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ256 اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ257

-" الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ" إرصاد لموضوع الحياة والموت الذي ستظهره ثلاث قصص مع بيان مغزاها من كمال الصفات الإلهية:
قصة المناظرة بين إبراهيم والملك:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ258
قصة الرجل صاحب الحمار:
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ259
قصة إبراهيم والطير:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ260

-"لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" إرصاد لموضوع الملكية وما يرتبط بها من دعوة إلى الإنفاق وتمييز بين ملك مشروع وغير مشروع وصدقة مقبولة وغير مقبولة ..وغير ذلك:
مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ261 الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ262 قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ263 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ264
وهو موضوع متصل ومفصل إلى حدود خواتم سنام القرآن.
2-
هي سيدة آيات القرآن لأنها آية السيد !

فقد اشتملت -كميا -على ست عشرة إحالة لغوية على ذاته ،وهذه الإحالات –كيفيا-بكل المقولات التي تعرفها العربية:من اسم وصفة وصريح ومضمر:
-الأسماء والصفات الصريحة خمسة:
الله،الحي،القيوم،العلي ،العظيم
-الضمائر المنفصلة اثنان:
هو( لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)
هو(وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)
-الضمائر المستترة اثنان:
فاعل المضارع يَعْلَمُ
فاعل الماضي شَاءَ
-الضمائر المتصلة سبع:
تَأْخُذُهُ
لَهُ
عِنْدَهُ
بِإِذْنِهِ
عِلْمِهِ
كُرْسِيُّهُ
يَئُودُهُ
[جاءت الضمائر متصلة بكل أقسام الكلم(فعل،حرف ،اسم،ظرف)]

3-
1-من الظواهر المشهودة في الآية أن تعاقب فيها الإثبات والنفي :
الله(إثبات)
لا إله(نفي)
إِلَّا هُوَ(إثبات)
الحي القيوم(إثبات)
لا تأخذه سنة ولا نوم(نفي)
له ما في السموات وما في الأرض(إثبات)
من ذا الذي يشفع عنده(نفي)
إلا بإذنه(إثبات)
يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم(إثبات)
ولا يحيطون بشيء من علمه(نفي)
إلا بما شاء(إثبات)
وسع كرسيه السموات والارض(إثبات)
وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا(نفي)
وهو العلي العظيم(إثبات)
2-وجاء أسلوب الحصر ضمن هذا التعاقب العام في ثلاثة مواضع..
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ.


3-انتظم في الآية نسق ثنائي تقابلي:
الْحَيُّ/ الْقَيُّومُ
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ/ وَلَا نَوْمٌ
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ /وَمَا فِي الْأَرْضِ
مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ/ وَمَا خَلْفَهُمْ
السَّمَاوَاتِ /وَالْأَرْضَ
هذا الاطراد الأسلوبي كاشف عن الدلالات العامة في الآية:
فمن النفي والإثبات -وخصوص أسلوب الحصر- يتم الدلالة على مقصد التوحيد..
ومن خلال الثنائيات المتقابلة يتم الدلالة على مقصد بيان الكمال..على اعتبار أن البليغ إذا أراد أن يعبر عن الاستغراق لأمر ما أو الإحاطة به فإنه يكتفي بالإشارة إلى طرفيه المتقابلين..
فلو قيل عن ملك " ملَك الشرق والغرب " فهذا يعني أنه ملك كل الأقاليم والأصقاع ومن الخطأ أن يفهم من العبارة عدم تناولها لجهتي الشمال والجنوب..

وكذلك قوله" لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" يدل على ملكية ما بينهما أيضا..
وعلى هذه القاعدة ينبغي أن يفهم قوله : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ:
فذكر جهتين فقط لا يعني أن الجهات الأخرى غير مشمولة في الحكم أو مسكوت عنها ،وهذا الأسلوب أبلغ مما لو قيل:"يعلم كل شيء" لأنه يترك للمتلقي فرصة التخيل والتصور مع فهم المراد..
فالفرق بين "يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ" و"يعلم كل شيء" كالفرق بين" قُتل" و "قُطعت رأسه" مثلا..فمعنى الموت مفهوم من التعبيرين إلا أن الثاني انفرد بقوة تصويرية لا توجد في الأول -أعني تتبع الخيال لمشهد انفصال الرأس عن الجسد وتتدحرجه بعيدا - فكان أبين وأبلغ..
وهكذا يمضي التصور مع" مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ" إلى وجهتين:
-وجهة المكان:حيث تتصور المساحات الأمامية والمساحات الخلفية.
-وجهة الزمان :حيث يتصورما يغيب على صعيد المستقبل وما غاب على صعيد الماضي..
ويبقى التعبير منفتحا على تصورات أخرى :
1-ما مضى من الدنيا وما خلفهم من الآخرة.[ مجاهد-السدي]
2- ما مضى أمامهم من الدنيا و ما يكون بعدهم من الدنيا والآخرة. [ابن جريج]
3- ما هو ملاحظ لهم من المعلومات وما خفي عنهم أو ذهلوا عنه منها[ ابن عاشور]
4-ما هو واقع بعدهم وما وقع قبلهم [ ابن عاشور]
5-وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به؛ لأن ما بين اليد هو كل ما تقدّم الإنسان ، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده؛[ابن عطية]


4-
"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ"
هذا المطلع منبه على مبدأ التوحيد وأنواعه:
فالمبدأ دل عليه أسلوب الحصر حيث انتفت المعبودات الباطلة كلها وثبت المعبود الحق..وفي الأسماء السنية الثلاثة حصلت الدلالة على الأنواع:
فاسم"الله " علامة على توحيد الألوهية
واسم "الحي" علامة على توحيد الصفات
واسم" القيوم "علامة على توحيد الربوبية.

"الحي القيوم":
الترتيب في ذكر الصفتين بديع على أكثر من اعتبار:
فصفة الحياة لازمة، وصفة القيومية متعدية..
صفة الحياة صفة ذات، والقيومية صفة فعل
الحياة كمال في الذات ،والقيومية إكمال للغير...
ولعل ملحظ الإحاطة بهذه المعاني في "الحي القيوم" هو ما جعل بعض السلف يرون في الحي القيوم اسم الله الأعظم.. والعبد-من جهة أخرى- إذا دعا ربه بهذا الاسم يكون قد جاء بأنواع التوحيد كلها مرة واحدة:
فتوحيد الألوهية في الفعل أي الدعاء نفسه.
وتوحيد الأسماء والربوبية في اعتقاد معاني الاسمين.

" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ"..
هذا المطلع- من جهة خطاب الحجاج- مؤلف من دعوى ودليلها
فكأن قائلا اعترض :ولماذا (أو بماذا) استحق الله وحده العبادة.
فالجواب: لأنه وحده الحي القيوم.

" الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ".
تعبير "لا تأخذه سنة ولا نوم"جاء لتأكيد للصفتين الثابتتين بسلب الضد ..
فالنوم هو أخو الموت كما هو معروف فنفيه تأكيد لصفة" الحياة"
والنوم من جهة أخرى سبات وانقطاع فنفيه تأكيد لاستمرارية القيومية..وهكذا جاء السلب تأكيدا للثبات على قاعدة أهل السنة في أن السلب في الأسماء والصفات ليس عدميا محضا بل يتضمن دائما ثبوتا بوجه من الوجوه، لأن العدم المحض لا مدح فيه أو به...
لماذا تقدمت السنة على النوم في الترتيب مع أن القياس يقتضي تقديم النوم على السنة؟
(انظر أول لمحة في هذه السلسلة)

" لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض "

ذكر لكمال الملكية بعد كمال الوجود،وقد وطأت صفة القيوم لذكر متعلقها ..كما تم التصريح الآن بتوحيد الربوبية بعد الإشارة إليه في صفة "القيوم "وأكدت -من جهة الحجاج -الدعوى الأولى:فالله وحده مستحق للعبادة لكمال صفاته وانفراده بالملكية.


"مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ"...
أسلوب الحصر دال على التوحيد، والتنصيص على الشفاعة لأنها المفهوم الخطير الذي أفسد توحيد الأقوام:
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يونس18
فقد جعلوا الشفاعة علة للشرك..
قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ الزمر44
جمع الشفاعة لله هو التوحيد نفسه وتخصيص حصة منها لغير الله إدخال للشريك ووقوع في الشرك..واقترانها بملكية السماء والأرض –كما في آية الكرسي- ربط للألوهية والربوبية.
منازعة مع اقتباس
  #32  
قديم 28-07-2009, 10:19 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

29-لمحة في قوله :
لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ الزخرف13

لماذا العدول عن" التحميد"إلى "التسبيح"!
الاستواء على الدابة مظهر من مظاهر تكريم بني آدم ،وقد نصت الآية على أن ذلك نعمة تستوجب الشكر بقول اللسان " سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ"
ولكن أليس قول اللسان:"الحمد لله الذي سخر لنا هذا" هو ما يقتضيه المقام؟
أليس الحمد هو الأنسب في سياق ذكر النعمة ؟
فما السر البياني في هذا العدول!
إن الإرشاد إلى التسبيح ينبه على معنى دقيق وعميق في الآية..فليس القصد هو الإشارة إلى نعمة فقط،وإنما توجيه العقول إلى التفكير في "الوضع الوجودي" العام ...
وضع متصف بالتراتبية وتدرج في طبقية الكائنات..فثمة طبقة أدنى وطبقة أعلى منها..وطبقة مسخرة لطبقة...وطبقة مفتقرة إلى أخرى..
فهذه الدواب-مع أشياء أخرى غيرها- مسخرة لبني آدم ،فلا بد من غائية في الوجود الإنساني..وليست إلا عبادة الخالق...فكان الأمر بالتسبيح تنبيها على تنزيه الرب عن الافتقارإلى خدمة خادم ،وعن الاحتياج إلى عبادة عابد...فكأن تقدير الآية :"هذه الدواب في خدمتكم ولكم فيها متاع وحاجة ، فنزهوا الرب الغني عن العالمين"!
فهذه نكتة العدول إلى التسبيح .والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
  #33  
قديم 01-08-2009, 06:12 AM
المجاور المجاور غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2009
التخصص : النقد الأدبي
النوع : ذكر
المشاركات: 1
افتراضي سؤال فيما يتعلق بالأوجه البلاغية التي يُفَسَّر بها آيات من القرآن الكريم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه أولى مشاركاتي في منتداكم العامر
ولديّ إشكال بخصوص ما عنونت به هذه المشاركة
فإن كان هذا المكان الملائم لطرح السؤال ومن ثمّ الإجابة عليه ..
وإلا أفردت له موضوعا في منتدى البلاغة والنقد .
تحياتي للجميع ولأبي عبدالمعز
منازعة مع اقتباس
  #34  
قديم 07-08-2009, 05:06 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

30-لمحة في قوله :
الْقَارِعَةُ1 مَا الْقَارِعَةُ2 وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ3 يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ4 وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ5 فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ6 فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ7 وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ8 فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ9 وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ10 نَارٌ حَامِيَةٌ11

-الْقَارِعَةُ1 مَا الْقَارِعَةُ2 وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ3

المطلع لتحقيق مقصد التهويل،والتهويل تعظيم وتخويف:
التعظيم لموضوع الخطاب،والتخويف لمتلقيه...
"القارعة" تحتمل أن تكون مستقلة تركيبيا ،كما تحتمل أن تكون مبتدأ أخبر عنه بالجملة الاستفهامية بعدها..وإنما الإعراب الأول هو الأنسب لمقصدية التهويل، لما فيه من إثارة التوتر عند المتلقي..فالإنسان مفطور على ترقب "المسند" كلما وقع في سمعه "مسند إليه" وتأجيل ذكره - أو عدم حصوله- يفضي إلى زيادة مدة التوتر واشتداده..
كيف و توتر غياب الخبر - الذي يشرئب له العنق- يعضده هنا حصول امتلاء السمع بجرس كلمة"القارعة"!
ويلحظ معها إيحاء صيغة التأنيث في اسم الفاعل ،فالعربية في الغالب تخصص هذه الصيغة لما هو مخيف وشديد مثل "الداهية" و "المصيبة" و" القاصمة" و "الصاعقة" و"الحالقة" وغيرها...ولهذا الملحظ كثرت في القرآن الأسماء المؤنثة الدالة على اليوم الآخر: "القيامة"و "الواقعة" و"الطامة" و"الصاخة" و"الغاشية"و "القارعة"...

-مَا الْقَارِعَةُ2

استدامة للتوتر..فلم يحصل إخبار ولكن حصل سؤال..فيكون المتلقي واقعا تحت وطأة السؤال مرتين:
-السؤال المضمر في ذهنه الناشيء من سماعه الكلمة الغريبة "القارعة" "ما هذه القارعة "!
-السؤال الذي جاء في محل الجواب المرتقب.."ما القارعة"...

-وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ3

تأجيل الإخبار مرة ثانية لتأجيج التشوق إلى ما سوف يأتي..والآية مكونة من استفهامين: الثاني مكرر لما سبق، والأول متناسب مع حالة المتلقي المتلهف على المعرفة "وَمَا أَدْرَاكَ".
ثلث التكرار للكلمة والأسلوب:
فقد جاءت كلمة "القارعة" في خواتم الفواصل الثلاث وتكرر معها أسلوب الاستفهام ثلاث مرات أيضا..
لقد اجتمع في هذا المطلع من أساليب التهويل ما لا يجتمع في الكلام عادة:
1-الجرس.
2-الصيغة.
3-الحذف.
4-التكرار.
5-الاستفهام.
6-تأجيل الخبر.
7-الإظهار في موضع الإضمار.
8-المواجهة بالخطاب.

-وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ3 يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ4

انتقال من مجال المسموع إلى مجال المرئي:
"القارعة":تنبيه شديد للأذن مبنى ومعنى...قال ابن عاشور:
"...والقارعة : وصف من القرع وهو ضرب جسم بآخر بشدة لها صوت ".
ويؤخذ منه المقومين الدلالين :الضرب + الصوت..
والضرب لا ينفصل عن إيحاء الشدة والعنف، ماديا في مثل :
"قرع الباب" و" مقارعة الأبطال"و "المِقْراع" ( فأسٌ أو شِبهُه تُكسَرُ بها الحجارةُ كما في التاج)
ومعنويا في مثل:
"قرع الناب والسن" كناية عن شدة الندم كما في قول الصعلوك:
لَتَقْرَعَنَّ عليَّ السِّنَّ مِن نَدَمٍ ... إذا تذَكَّرْتَ يَوْمَاً بَعْضَ أخلاقي
والمناسبة بين "القارعة" و"الفراش المبثوث "تتلمس في معاني الغرابة والتهويل:
ف"القارعة" مثير شديد للسمع ،و"الناس كالفراش المبثوث" مشهد غريب يفاجيء البصر!!

-كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ

قال الطبري: هو الذي يتساقط في النار والسراج، ليس ببعوض ولا ذباب.
قال الفراء : إنه الهَمَج الطائر ، من بَعوض وغيره؛ ومنه الجراد .
قال ابن عاشور:"الفَراش : فرخ الجَراد حين يخرُج من بيضه من الأرض يَركب بعضه بعضاً وهو ما في قوله : يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر [ القمر : 7 ] . وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ويتساقط على النار ليْلاً وهو إطلاق آخر لا يناسب تفسيرُ لفظ الآية هنا به" .

وادعاء ابن عاشور-- أن لا مناسبة فيه نظر،فكأنه غفل عن "نار حامية"التي هي آخر ما يقرع الأذن في السورة!
والمناسبة قوية جدا لأن من شأن الفراش التهافت على النار وهو نفسه ذكر هذا المعنى.
وارتباط الفراش بالنار كثير في كلامهم..فالطبري في كلامه السابق جعل التساقط في النار من مقومات حد الفراش.
قال قتادة( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ) هذا الفراش الذي رأيتم يتهافت في النار.
قال جرير:
إن الفرزدق ما علمت وقومه ... مثل الفراش غشين نار المصطلى
قال في الصحاح:
والفَراشَةُ: التي تطير وتهافتُ في السِراج. وفي المثل: أطْيَشُ من فراشَةٍ "
وذكر الألوسي أنه قيل:
هو طير رقيق يقصد النار ولا يزال يتقحم على المصباح ونحوه حتى يحترق.
وأحسن من كل هذا مارواه مسلم :
4235 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا قَالَ فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ هَلُمَّ عَنْ النَّارِ هَلُمَّ عَنْ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا. صحيح مسلم - (ج 11 / ص 399)
فتشبيه الناس بالفراش في سياق ذكر النار الحامية مناسب كما ترى...
وقد جاء القرطبي بتفصيل بديع فميز الفراش عن الجراد ثم جمع بين التشبيهين : كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ [ القمر : 7 ] و كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ[ القارعة : 4 ] فقال:
فأوّل حالهم كالفَراش لا وجه له ، يَتَحيَّرُ في كل وجه ، ثم يكونون كالجراد ، لأن لها وجهاً تقصده"
وهي لمسة بلاغية دقيقة!!
وتوحيد الوجهة-في حركة الجراد- تفسرها الاستجابة للداعي الذي ذكر قبل التشبيه وبعده:
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ6
مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ8

ويبقى التشبيه المجمل منفتحا على دلالات أخرى منها:
1-الإيحاء بالحقارة والهوان.
2-الحركة المضطربة على غير هدى..
3-التداخل والتراكب.
4-الكثرة غير المتجانسة في الأشكال والألوان.
5-وارتقاب التهافت على النار بعد حين.

-يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ4 وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ5

اختزال لبعض أهوال القيامة من خلال صورتين:
صورة منتزعة من عالم الناس:"الناس كالفراش المبثوث"
وصورة منتزعة من عالم الطبيعة:"الجبال كالعهن المنفوش".
وتكون كل صورة -على اختزالها-نموذجا تمثيليا لما يقع في عالمها..وهذا الأسلوب مطرد في وصف القيامة ،فنجد الآيات تبين آثار شدتها وهولها في المحلين الطبيعي والإنساني،الجامد والحي،فمنه:
زلزلة الارض/رعب الإنسان:
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا1 وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا2 وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا3
انشقاق السماء/كدح الإنسان:
إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ1 وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ2 وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ3 وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ4 وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ5 يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ6
انقلاب الكون/عمل الإنسان:
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ1 وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ2 وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ3 وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ4 وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ5 وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ6 وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ7 وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ8 بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ9 وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ10 وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ11 وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ12 وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ13 عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ14

-وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ5

وقع اختيار الجبل لارتباطه في المخيال البشري بالثقل والخلود،ومن ثم يكون تحول الجبل إلى نقيض معناه مفارقة دلالية مثيرة للمتلقي:
- فالعرب تضرب به المثل في الثقل فتقول:
أثقل من ثهلان
أثقل من شمام
أثقل من نضاد
أثقل من عماية
أثقل من دمخِ الدماخِ
وهذه كلهاجبال وكل قوم يتمثلون بالجبل الذي يقرب منهم!
-وبهذا المعنى جرت النقائض،قال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنا إذا ما نجهل
فادفع بكفك إن أردت بناءنا ... ثهلان ذا الهضبات، هل يتحلحل
ورد جرير:
إني إلى جبليْ تميمٍ معقلي ... ومحلُّ بيتيَ في اليفاعِ الأطولِ
أحلامنا تزنُ الجبالَ رزانةٌ ... ويفوقُ جاهلنا فعالَ الجهلِ
أما معنى الخلود فيظهر في مثل قولهم:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدناوالمصانع
وقولهم:
لن يبرح العز منهم أبداً حتى تزول الجبال من قرظه

-كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ5

العهن الصوف.والصوف مرتبط في الأذهان بمعنى الخفة،والصفة المقيدة (الْمَنفُوش)تأكيد للمعنى الإيحائي، قال في التاج:
النَّفْشُ : تَشْعِيثُ الشَّيْءِ بأَصَابِعِك حَتّى يَنْتَشِر ، كالتَّنْفِيشِ ، وقَالَ بَعْضُهُم : النَّفْشُ : تَفْرِيقُ مَا لاَ يَعْسُرُ تَفْرِيقُه ، كالقُطْنِ والصُّوفِ ، نَفَشَه فنَفَشَ ، لازِمٌ مُتَعَدٍّ . وقَالَ أَئمَّةُ الاشْتِقَاقِ : وُضِعَ مادَّةُ النَّفْشِ للنَّشْرِ والانْتِشَارِ ، نَقَلَهُ شَيْخُنَا . وقِيلَ : النَّفْشُ : مَدُّكَ الصّوفَ حتّى يَنْتَفِشَ بَعْضُهُ عن بَعْضٍ ، وعِهْنٌ مَنْفُوشٌ .
والاتساق واضح بين "المبثوث" و"المنفوش" إذ يلتقيان معجميا عند معنى الانتشار...وصرفيا عند صيغة اسم المفعول الدالة على ما لم يسم فاعله..
وهذه الصيغة وأخواتها (صيغ البناء للمجهول وصيغ المطاوعة) هي المهيمنة اللغوية في وصف القرآن للقيامة وإرهاصاتها..وقد مر بنا قريبا "زلزلت" و"انشقت" و"كورت" و"عطلت" و"زوجت" ...وغيرها كثير.

-وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ5

تحتمل "الواو"أن تكون للاعتراض الاستطرادي وظيفتها التشريك في الذكر،وتحتمل أن تكون للعطف المؤذن بالتشريك في الحكم..

-مسوغ احتمال الاعتراض ناشيء عن كون الكلام قد سيق لسرد أحوال الناس فجاء وصف الجبال فاصلا القصة الواحدة إلى قسمين:
فقد ذكر الناس مجتمعين في الصفة والمكان أولا ، ثم متفرقين في الصفة والمكان ثانيا.بمعنى أن الناس مروا من حالة الاختلاط واللا-تميز- المفهومة من التشبيه- إلى مرحلة الافتراق والتميز عند تشكل الفريقين الكبيرين.
فتكون دلالة الجملة الاعتراضية على هذا التأويل غير مقصودة في الحكم وإنما جاءت لتوكيد خلفية التهويل.

-اعتبار عطف أحوال الجبال على أحوال الناس تشريكا في الحكم-وهذا هو الأظهر-فيكون المقصود هو بيان أهوال القيامة على الصعيد الشمولي: الإنساني والطبيعي....
وبناء على ذلك تكون السورة قد اختزلت تأريخ القيامة في لحظتين:
-لحظة الابتداء حين يخرج الناس من الأجداث كالفراش المبثوث في إطار عالم طللي.
-لحظة الانتهاء حين يستقر كل فريق في مأواه...
وذكر الطرفين أغنى عن ذكر ما بينهما:فالطرف الأول موجه لتأكيد "البعث"-الحدث- والثاني موجه لتأكيد" الجزاء"-التقييم-..

-فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ6 فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ7 وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ8 فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ9

ثنائية الثقل والخفة التي قومت الوجود الطبيعي (الجبال/الصوف) تعود من جديد لتقوم الوجود الإنساني(من ثقلت موازينه/من خفت موازينه)

-فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ9

قال ابن كثير:

قيل: معناه: فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم. وعَبَّر عنه بأمه-يعني (2) دماغه-روي نحو هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي صالح، وقتادة -قال قتادة: يهوي في النار على رأسه وكذا قال أبو صالح: يهوون في النار على رءوسهم.

تفسير الأم بهذا المعنى أفضل بكثير من التفسير الآخر الذي رواه ابن جرير:

-حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:( فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) قال: الهاوية: النار، هي أمُّه ومأواه التي يرجع إليها، ويأوي إليها، وقرأ:( وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ) .
-حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس( فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) وهو مثلها، وإنما جعل النار أمَّه، لأنها صارت مأواه، كما تؤوي المرأة ابنها، فجعلها إذ لم يكن له مأوى غيرها، بمنزلة أمّ له.

أقول :اختيار "الأم" بهذا المعنى لا يتسق مع معنى السورة وأجوائها:فكلمة الأم تصحبها عادة كوكبة من الدلالات الإيحائية من اللطافة والرقة والحنان والإطمئنان..وفكرة العودة إلى الأم لا تنفصل في الوعي الإنساني عن الحنين إلى المأوى واللمسة الحانية والحضن الآمن...فأنى أن تتصل هذه المعاني بمصير أعداء الله!!وأنى لجهنم أن تكون أما بالنظر إلى هذه الدلالات الإيحائية!!
وقول قتادة:
قال قتادة: يهوي في النار على رأسه..
هو التفسير الأمثل حيث تُتخيل النار-أعاذنا الله منها-حفرة هاوية، يسقط فيها، مع إيحاء بالهلاك والرعب والظلمات..
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
  #35  
قديم 04-09-2009, 06:00 AM
الاثري البهجاتي الاثري البهجاتي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Nov 2008
السُّكنى في: الكنانة،،الدولة الاسلامية
التخصص : لغة العرب
النوع : ذكر
المشاركات: 33
افتراضي

حياكم الله أخي ابا عبد المعز
واصل وصلك الله بحبل طاعته
كثير
منازعة مع اقتباس
  #36  
قديم 17-09-2009, 08:55 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

31-لمحة في قوله :فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ.
من قوله:
وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ لقمان32

هذه الجملة من عجيب القرآن فقد جمعت أوسع معنى في أقل لفظ:
فهي من جهة المعنى قد استغرقت جميع طبقات الناس، وصنفت مختلف درجات الأعمال..وعبرت عن كل ذلك بلفظ واحد! وهنا وجه العجبـ،إذ كيف يتأتى للكلمة الواحدة أن تدل- في استعمال واحد - على تصنيف فيه اختلاف وتضاد بين الطبقات والأقسام ؟
الآية استثمرت دلالة الاقتضاء إلى أقصى الحدود..فذكر "مقتصد" يقتضي وجود صنفين آخرين:"مفْرط" و مفَرّط"..لأنه لا يعقل معنى الاقتصاد إلا بتعقل معنى تجاوز الحد ،وهذا التجاوز يكون من جهتين كما هو معلوم..فيكون ذكر طبقة في قوة ذكر ثلاث طبقات.
بل في العبارة أمر آخر:
فالاقتصاد يحتمل معنيين،فقد يعني التوسط والاعتدال...وقد يعني الاستقامة على الحق..
فعلى الأول يكون التصنيف كما وضحته آية فاطر:
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر: 32]
فالتصنيف هنا عام لكل الناس، ومرتبة الاقتصاد تعنى خلط الصالح بالسيء..فيكون فوقها السابقون بالخيرات وتحتها الظالمون..
وعلى الثاني تكون مرتبة الاقتصاد هي المرتبة المثلى -على قاعدة "خير الأمور أوساطها- بين غلوين: غلو في الإفراط، وغلو في التفريط..كما في تصنيف آية الفاتحة:
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
التعبير إذن مستعرض لطبقات الناس وهي ثلاث: الفجار، و الأبرار، والذين خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ...
ومستعرض لمراتب الأعمال وهي ثلاث: عمل فيه إفراط، وعمل فيه تفريط ،وعمل سوي على الصراط المستقيم.
كل ذلك من بركات كلمة واحدة!!!
منازعة مع اقتباس
  #37  
قديم 19-09-2009, 05:27 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

32-لمحة في قوله :
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ8اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ9قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ10

جو التآمر هنا قريب جدا مما يقع في محكمات العصر:
-تلاوة صك الاتهام:
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ.
-إصدار للحكم:
اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ.
-استئناف من أجل تخفيف الحكم:
قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ.

ونريد أن نقف قليلا عند صياغة التهمة لنكشف عن عمقها البلاغي والنفسي:

إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ.

إن المقام يفترض تقديم المتهم وعرض التهمة..فتكون الصياغة اللغوية الملائمة جملة اسمية مبتدؤها يوسف وخبرها جنحة أو جريمة مقترفة من قبله..ويستحسن تأكيد هذه الجملة الإسمية حسما للظنون..-كما سيقول الإخوة بعد هذا بزمن طويل في موقف آخر : إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ-
وسواء أكانت اللام للابتداء أم جوابا لقسم محذوف فإن الوظيفة واحدة هي تأكيد مضمون التهمة فهي موازية ل"إن" في الصياغة الثانية..غيرأن موضعي الابتداء و الإخبار يتسمان بنوع من التعقيد في الصياغة الأولى على عكس الثانية المتسمة بالوضوح الشديد: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ.
فقد يقال مثلا:
-لماذا أقحموا أخا يوسف في قفص الاتهام واستثنوه من تنفيذ الحكم؟
وقد يسأل أيضا:
-ما طبيعة التهمة الموجهة إلى يوسف وأخيه بالتحديد؟

1-
نعتقد أن الإخوة لم يكن لهم غرض في أخ يوسف..وإنما أدخلوه في الاتهام تحت باعث نفسي عميق..يتمثل في تقوية موقع الاتهام إسكاتا لصوت الضمير...وحثا على إصدار الحكم القاسي...ذلك لأن المواجهة غير متكافئة من بعيد: فمن جهة يوجد عشرة أفراد كبار أقوياء ومن جهة يوجد غلام صغير منفرد..وهذا وضع مقلق للضمير قد يثير الشكوك في عدالة المحاكمة خاصة وأن الإنسان بطبعه يتعاطف مع الجهة الضعيفة..
فكان الاهتداء إلى إزالة شيء من ضعف يوسف، بعطف أخيه عليه، وفي الوقت ذاته يتأتى لهم تقوية التهمة بإضفاء سمة التكرار عليها..فالجريمة ليست صدفة ولكن فيها إصرار " لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ".

2-
لكن أية جريرة هذه ؟
لو تأملنا التركيب اللغوي حيث مظنة الدلالة على الجريمة لن نجد أي فعل صادر عن يوسف أو أي وصف قائم به...فعم يحاكم إذن؟

أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ.
إن يوسف في العبارة يقوم بوظيفة المفعول لا الفاعل..وكونه محبوبا وصف قائم بغيره لا به..فكيف يحاكم على صفة قائمة بغيره..!
إن التركيب المنطقي ينبغي أن يكون:
"لأبونا يحب يوسف وأخاه أكثر منا ونحن عصبة.."وهذا أيضا أحسن اتساقا مع التذييل : إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ.
لكن التركيب على هذا المنوال يجعل الأب هو المتهم لا يوسف فيكون الحكم بعد ذلك لغوا...وعلى فرض صياغة الحكم على النحو التالي:
لأبونا يحب يوسف وأخاه أكثر منا ونحن عصبة...اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا..
فسيكون المقصود الأول بالعقاب هو يعقوب لا يوسف، وما قتل يوسف إلا آلة لتحقيق ذلك العقاب..فكأن التقدير :"أبونا يحب يوسف أكثر منا فلنحرق قلبه بقتل ابنه"
لكن الإخوة لا يقصدون هذا-ظاهرا على الأقل-
فكان لا بد من إزاحة الأب من موقع المبتدأ-موقع الاتهام- وجعل يوسف مكانه ..فكأنه يكفي لثبوت الجريمة وضع الشخص في موضع الاتهام...!!
فكون يوسف محبوبا من قبل أبيه ليس جريمته ولا حتى جريمة أبيه...
فإن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْحُبَّ وَالْمَوَدَّةَ كَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.(الترمذي)
صحيح إن قولهم :
إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ..اتهام صريح لأبيهم...لكن تقديم يوسف في موقع المبتدأ يجعل له دخلا في ذلك الضلال..فكأنه سبب فيه..ومن ثم يكون الحكم بإعدام يوسف إزالة لسبب ضلال يعقوب. !!!
منازعة مع اقتباس
  #38  
قديم 24-09-2009, 06:07 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

33- لمحة في قوله :
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ100
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ101
من الراجح أن المشهدين منفصلين في الزمن،فدعاء يوسف الصديق –عليه السلام-ليس من تمام القول الذي قاله بعد أن خروا له سجدا..وكيفما كانت الحال فههنا خطابان مختلفان أسلوبا ومقصدا، إخبارا وإنشاء ،استعراضا لما قد استدبر وتطلعا لما سوف يأتي..
لكن السر البلاغي يكمن في مجاورة المشهدين ،إذ تؤسس هذه المجاورة معاني عميقة:
-فالمشهد الأول يرسم صورة هي أوج المصالحة مع الدنيا ،في قصة كثر فيها الغم والحَزَن،فقد جاءت الدنيا،بعد كل ذلك، راغمة إلى النبي الحصيف:
1- انقاد إليه الملك،
2- تمت له السلطة،
3- اجتمع لديه شمل العائلة،
4- وتطهرت النفوس من الأحقاد والأضغان.
لكن العجب أن يوسف الصديق ينتشل نفسه ،فجأة وبدون تمهيد،من كل أجواء" النهاية السعيدة"، وينخرط في دعاء لا تخفى رنة الحزن فيه:
تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
التطلع إلى الآخرة في أسعد لحظة مرت بحياة يوسف!!
ذلكم هو الدرس العقدي العظيم من هذا النبي الحصيف ،الكريمَ ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم.
لقد مرت به أوقات حالكة في الجب والسجن لكنه لم يكن يرى هذا الدعاء مناسبا للأسر والسجن، فادخره لهذه اللحظة المشهودة..فمثل هذه النفوس الكبيرة التى اجتباها الله لا تطلب الموت لأن الدنيا قد أدبرت عنها، بل تطلبه لأن الدنيا قد أقبلت إليها!!
منازعة مع اقتباس
  #39  
قديم 05-10-2009, 01:57 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

34-لمحة في قوله :
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً32 كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً33 وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً34 وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً35 وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً36 قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً37 لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً38 وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً39 فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً40 أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً41 وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً42 وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً43


1-
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً....


لا يكاد القرآن الكريم يوقع على "المثل" والأمثال إلا فعلا مشتقا من مادة" ضرب ".
ابتداء من آية البقرة: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا..البقرة26
وانتهاء بآية التحريم وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ التحريم11
ولم يتأخر "الضرب" إلا في موضعين....حيث جاء مكانه" الصرف":
- الموضع الاول في سورة الإسراء:
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً الإسراء89
-والموضع الثاني في سورة الكهف:
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً الكهف54
مع ملاحظة أن فعل" الضرب" جاء أيضا مرتين في تركيبين متماثلين:
الموضع الأول في سورة الروم:
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ .الروم58
والثاني في سورة الزمر:
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الزمر27

ما السر في هذا التلازم بين مادة فعل" الضرب" ومادة مفعول "المثل"؟

لو تأملنا الدلالات المعجمية الذاتية والإيحائية لفعل ضرب لوجدنا هذا الفعل هو الأنسب لكي يوقع على المثل .فثمة تشاكل بديع بين معاني الضرب ووظيفة المثل...وسنقتصر هنا على بيان ثلاث دلالات:

أ- قال ابن عاشور في تحريره:"أصل الضّرب هو إيقاع جسم على جسم وقرعه به ، فالسير ضرب في الأرض بالأرجل ..."
فالضرب والقرع يقترنان بالشدة مع حدوث صوت منبه بسبب احتكاك الجسمين ...وهذا يناسب تماما إحدى وظائف المثل وهي تنبيه الناس وإثارة أذهانهم ..كما في قوله :

يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ... الحج73
فتشاكل في الآية الكريمة فعل الضرب مع حاسة السماع والدعوة إلى الانتباه...
وهذا سبب -والله أعلم- من أسباب ورود النهي عن ضرب الأمثال لله ...فالله ليس غافلا فينبه....
فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ النحل74
وضرب الأمثال لله هو من ديدن الكفار والمشركين،:
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ يس78
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ الزخرف17

ب-مادة"ضرب"قد تأتي بمعنى "مثل" فيتحول التشاكل إلى ترادف..
قال في اللسان:
-"الضَّرْبُ المِثْل والشَّبيهُ وجمعه ضُرُوبٌ وهو الضَّريبُ وجمعه ضُرَباء..
-وقوله كذلك يَضْرِبُ اللّهُ الحقَّ والباطلَ أَي يُمَثِّلُ اللّهُ الحقَّ والباطلَ حيث ضَرَبَ مثلاً للحق والباطل والكافر والمؤمن في هذه الآية .
-ومعنى قوله واضْرِبْ لهم مثلاً أَي اذْكُرْ لهم و مَثِّلْ لهم.
-يقال عندي من هذا الضَّرْبِ شيءٌ كثير أَي من هذا المِثالِ
- وهذه الأَشياءُ على ضَرْبٍ واحدٍ أَي على مِثالٍ
- قال ابن عرفة ضَرْبُ الأَمْثال اعتبارُ الشيء بغيرِه.
- فمعنى اضْرِبْ لهم مَثَلاً مَثِّلْ لهم مَثَلاً."

قال ابن عاشور في تفسيره لقوله إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا..البقرة26
"وجوز بعض أئمة اللغة أن يكون فعل ضرب مشتقاً من الضرب بمعنى المماثل فانتصاب مثلاً على المفعولية المطلقة للتوكيد لأن مثلاً مرادف مصدر فعله على هذا التقدير ، والمعنى لا يستحي أن يشبِّه بشيء ما "

على هذا المعنى يكون فعل "ضرب" يوحي بإحدى وظائف المثل وهو الاعتبار والانتقال من النظير إلى النظير...فالناس أضراب :ما يقع لبعضهم قد يقع لغيرهم، إذا اتحدت الاسباب وتماثلت العلل.

ج-من معاني الضرب الصياغة...
ف"ضرب المثل" يوحي في الذهن بمعنى" ضرب السكة"...قال الأزهري في تاج العروس:
"ثم إِنه اخْتُلِفَ في أَنَّ ضَرْبَ المَثَل مَأْخَوذٌ مِمَّاذَا ؟ فقِيل : من ضَرْبِ الدِّرْهَم صَوْغُه لإِيقَاعِ المَطَارِق سُمِّيَ به لتَأْثِيرِه في النُّفُوسِ..."

على هذا القول سنلحظ توافقات عجيبة بين السكة المضروبة والمثل المضروب...توافقات على صعيدي الشكل والمضمون معا:
-شكليا العملة منقوشة لا تتغير صياغتها وكذلك المثل المضروب لا يتغير تركيبه فهو عبارة مصكوكة ومسكوكة...فمثل" الصيف ضيعت اللبن" يحتفظ بخطاب الأنثى دائما سواء قيل لامرأة أو لرجل لفرد أو لجماعة.

-دلاليا :العملة النقدية الواحدة تتداولها الأيدي وتستعمل لمرات كثيرة دون أن تفقد شيئا من قيمتها..وتبقى دائما صالحة للصرف والشراء.وكذلك المثل تتداوله الألسنة والأقلام في ظروف مختلفة دون أن يفقد شيئا من مخزونه المعنوي.
لعل في هذا الطابع التكراري ما يكشف عن سر استعمال فعل "صرف"في الحالتين الوحيدتين حيث حصل العدول عن "الضرب" ،أعنى في آية الإسراء وآية الكهف.
والله أعلم.

2-
رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ....

من الرجلان؟
من الذي امتلك الجنتين منهما؟
القرآن أبهم ...وفي هذا الإبهام سر بياني بديع!
لقد رجح جمهور المفسرين الأصل الواقعي للقصة بدل الطابع الافتراضي للمثل.وفي ذلك يقول الألوسي:
"والمراد بالرجلين إما رجلان مقدران على ما قيل، وضرب المثل لا يقتضي وجودهما، وإما رجلان موجودان وهو المعول عليه ."
وتناقل المفسرون روايات مختلفة–إن لم نقل مختلقة-جعلت للرجلين اسما ونسبا وحرفةوعقيدة وخلقا ....
وهذه التعيينات –بقطع النظر عن الصحة والبطلان- ضررها أكثر من نفعها فحسبها أنها تتجه إلى غير وجهة القرآن:
القرآن يريد الإبهام...ولن يكون التعيين إلا عرقلة للذهن في سبيل ادراك مقصد القرآن من المثل...
المقصد هو الابتلاء...والابتلاء له بعد مستقبلي ....بخلاف الثواب والعقاب والاستدراج التي تتموضع على البعد الماضوي.
فلو عيننا الرجلين مؤمنا وكافرا مثلا،فإنّ جعْلَ الجنتين للمؤمن وحده سيجعل النفس ترى في ذلك ثوابا ما...وإن جعلتا للكافر رأت النفس فيه استدراجا ما...وهكذا فكل تعيين لماضي الرجلين سيلقي بظله على الحدث الحاسم في المثل.
الرجلان في القرآن ليس لهما ماض...والتأكيد كل التأكيد على مستقبلها: ها نحن هنا في قلب خطاب الابتلاء.
تبدأ القصة بالتجانس والتشابه ...وتنتهي بالتباعد بعد المشرقين عن المغربين...
-"رجلين" صيغة المثنى المنكر توحد الشخصين وتجانسهما فلا اختلاف ولا تميز.
-" جعلنا لأحدهما" تعبير يؤكد مقصدية التجنيس...فلم تجعل الجنتين لأفقرهما أو أصغرهما أو أتقاهما ...بل لأحدهما ..و"أحدهما" صادقة على أي منهما.
فكأن البيان القرآني بأسلوب الإبهام يضع أمام الفكر أحداثية المنطلق والمنتهى ليقدر بدقة اختلاف الأقدار والمصائر...
لم يكن في البدء إلا رجلان...أما النهاية فسنعلمها بعد حين.
رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ...
هذه الجملة مبنية على التوتر...ومن ثم كانت عمود المثل ومؤسسة للحدث والموقف:فكل التفاصيل وكل النتائج تمت بصلة إليها :
"رجلين" /"جنتين"....تعادل وتشاكل.
"جعلنا لأحدهما"كسر للتعادل وتدشين للتوتر في صورة" الابتلاء":
الحدث واحد لكن الابتلاء مثلث:
-ابتلاء لصاحب الجنتين:أشكر أم بطر.
-ابتلاء للثاني:أصبر أم كفر.
-ابتلاء للقاريء/ الشاهد للقصة: أتسليم أم لجاجة ..فهنا مدخل موطأ لوسوسة إبليس :لماذا كان التوزيع على ذلك النحو...رجل له جنتان اثنتان ورجل ليس له شيء ...ألم يكن أولى لو......-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم-
لكنه سلطان الربوبية:
انظر كيف عبر بضمير الجمع الدال على التعظيم:"جعلنا"!

3-
جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً32

لعل المقصد الرئيس من الذكر المسهب للجنتين وصفا واحتواء هو إظهار التنويع والشمول..
ويتفرع عن أصل هذا المقصد ثلاث مقاصد فرعية أرتبها بحسب تزايد الأهمية:
1-المقصد الجمالي .
2-المقصد النفسي.
3-المقصد الخلقي.
...
أولا:المقصد الجمالي:

البيان القرآني يظهر الجنتين لوحة جميلة في غاية التناسق:وجاء الوصف دقيقا-مع إيجاز-حتى أن المستمع لا يكاد يجد صعوبة في استحضار صورة الجنتين في ذهنه..بل يمكن للمرء أن يأخذ القرطاس والقلم ويخطط صورة تقريبية للجنتين اثناء القراءة...حتى إذا فرغ من القراءة وجد نفسه فرغ من الخطاطة...

أعناب ونخل وزرع...

شمولية لما ينبت من الأرض،وتنوع للثمار،وزينة في المشهد:
ذكر من الشجر نوعين..ولما كان الشجر يراد لنفسه-الاستظلال والاسترواح- أو لثمره –استهلاك واستثمار-فقد نوع في التسمية لتحقيق الشمولية من هذه الجهة:
فذكر النوع الأول بالتنصيص على ثمره :الأعناب.
وذكر النوع الثاني بالتنصيص على شجره:نخل.
هذا التكامل مع التقابل يظهر مرة أخرى في شكل الامتداد في النوعين:
-فالنخل له امتداد عمودي فهو يتجه نحو الأعلى.
-والعنب له امتداد أفقي فهو ينتشر على الأرض.
فحصلت متعة العين في حركتيها معا.
-يمكن أن نلاحظ أن عنقود العنب يجنى غالبا من أسفل...وطلع النخل يسقط من أعلى..فكأن الرجل -صاحب الجنتين- يأتيه رزقه رغدا من السماء والأرض معا!!-
ثم يأتي الزرع –أو المساحة المزروعة-لتقسم اللوحة إلى قسمين متناظرين:
جنة على اليمين وجنة على الشمال.
ثم يأتي النهر ليحدث تقسيما عكسيا فيكون في الجنتين قسم شمالي وقسم جنوبي..
(الشمال والجنوب في تقسيم النهر ليس ضربة لازب فقد تتخيل النهر يقسم من البعد الأخر)
واختراق النهر للجنتين معا ظاهر في البيان القرآني عند قوله : وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً33وهكذا تكتمل اللوحة أمام العين المتأملة:
أعناب محفوفة بالنخل في مثل دائرتين...زرع في مساحة فاصلة بين الدائرتين ...ثم نهر يخترق العنب والنخل والزرع...
لكن لماذا كانت الجنتان على هذا النحو؟
أليس في جغرافيتهما ما يوحي بإمكان التقسيم العادل:
ماذا لو جعل الزرع محورا ممكنا في التقسيم ؟لي يمينه ولصاحبي شماله.
ماذا لو جعل النهر محورا ممكنا للتقسيم؟لي شمال النهر ولصاحبي جنوبه.
لا ننس أن القصة كلها للابتلاء...وبدايتها رجلان جعل الله لأحدهما جنتين ليرى -- كيف يصنع .
فالبعد الجمالي يستبطن بعدا أخلاقيا.
ثانيا: المقصد النفسي:
للجنتين انعكاسات جمالية في بصر صاحبها..كما لهما إيحاءات نفسية بالغة الأهمية...
هذه الإيحاءات تنصب في بؤرة واحدة هي:استشعار الأمن والإحساس بالطمأنينة.
1-حففناهما بنخل:
يبدو أن الثروة الأساس هي العنب:قال :"جنتين من أعناب"أما النخل فقد أنيطت به وظيفة أخرى هي الحماية –مع كونه من ضمن الثمرات- فالنخل يحف الجنتين بحيث يتم عزلهما عن الخارج..واضح أن قامات النخل الباسقات ملائمة لهذا الشأن...ويستتبع هذا العزل تمحض الملكية...والإحساس بالتملك.
بدون إحاطة النخيل لا يحصل ذلك الإحساس...لك مثلا أن تقارن بين إحساس صاحب شقة في عمارة وصاحب فيلا مسورة..فتمحض الملكية عند الثاني أقوى بكثير من تمحضها عند الأول...نحن هنا لا نتحدث عن الملكية من وجهة نظر قانونية قائمة على الرسوم والصكوك.. ولكن من منظور الشعور والإحساس.
ثم انظر كيف قال بعد ذلك:
"ودخل جنته وهو ظالم لنفسه."
فعل "دخل" يفترض الانتقال من فضاء مفتوح إلى فضاء مغلق..
من فضاء عمومي شائع إلى فضاء خصوصي محفوف بالشجر الباسق حيث الإحساس بالحميمية والعزلة عن الآخرين... وقد جاء دخوله-فعلا- لجنته عقب محاورة صاحبه قطعا لها، وانفصالا عن صاحبه القديم.
2-أعناب ونخل.
لتحقيق مقصد الشمول اختار البيان القرآني المعجز النوعين من الشجر لما في ثمرهما من أحوال وعطاءات:
-حالة التفكه:العنب فاكهة والتمر كذلك –البسر والرطب-
-حالة التقوت:العنب يخزن زبيبا، وكذلك التمر.
-حالة التوسع:العنب يعصر ...
وخلف هذا التنوع نجد مرة أخرى الإحساس بالأمن:
فلما كان التمر والعنب يقبلان التخزين ...تجاوزت مدة الاستفادة زمن جني العنب والتمر لتشمل السنة كلها- بل السنوات-وهذا أدعى لاستشعار الأمن الغذائي.
3-وفجرنا خلالهما نهرا.
مع النهر –الماء الضروري للحياة-يصل الإحساس بالأمن إلى أعلى درجاته،فالرجل يجد حاجته من السقيا في الأرض القريبة لا في السماء البعيدة:ثم إن الغيث قد يأتي وقد يتخلف أما النهر فماكث دائم...ولم لا يطمئن:
-والماء غير بعيد فهو وسط الجنتين.
-وهو غير قليل فالقرآن استعمل كلمة" فجرنا" الموحية بقوة الماء وغزارته.
-ثم هاهنا إشارة إعجازية تكشف أن القرآن تنزيل ممن لا يخفى عليه شيء...
قال عز من قائل:
فجرنا خلالهما...
فمنبع النهر من مكان ما في الجنتين ولم يأت من خارجهما ...فالرب العظيم فجر الماء في الجنتين ولم يسقه إليهما مثلا ...لماذا؟
لو جاء النهر من الخارج لانعدم الاحساس بتمحض الملكية...ولربما شابه نوع من القلق والخوف :من يدري فقد يقوم غيره بتحويل مجراه أو تلويثه...
ولكي يمعن الرجل في الشعور بالتفرد والاستقلالية جعل الله النهر منفجرا في جنته ذاتها..
فكانت نتيجة الاستدراج أن قال الرجل:
"ما أظن أن تبيد هذه أبدا...."

المقصد الخلقي:
أولا:
ابتدأ المثل بحالة متجانسة لا تميز فيها فقد جرد الشخصان من كل السمات الفارقة ولم يذكرا إلا بأعم صفة مشتركة"رجلين"
ثم وقع الشرخ الإجتماعي في صورة تفاوت الملكية: "جعلنا لأحدهما جنتين" فنشأت أول سمة فارقة:غنى/فقر...ثم تولدت عنها السمات الفارقة الأخرى تترى.
وفي التنصيص على العدد اثنين تحريك للضمير وتوجيه للنظر:
فهنا رجل له جنتان أي ملكية فائضة...وثمة رجل آخر ليس له من الملكية شيء، فالوضع يقتضي المواساة وجبر الخاطر..
لكن الغني كانت له وجهة غير الوجهة المنتظرة من ذي فكر سديد.
قال –في أول ما قال-:
أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً.
ليست المواساة ولكنها النكاية...
ليس جبر الخاطر ولكنه التشفي...
ليس السعي في تخفيف الفرق ولكن العمل على إظهاره قولا بعد الفعل...
والحصيلة ازدياد ألم الفقير والوقوع تحت قهرين:
القهر المادي المتمثل في فقره.
والقهر الرمزي أو المعنوي الناتج عن مقالة صاحبه المستكثرة من المال والنفر.
فنلحظ الابتلاء المزدوج في أحكم صورة وأمتنها:
-تراكم المنافع المادية عند المطالب بالشكر.
-وتضاعف الهموم (ماديا ومعنويا)عند المطالب بالصبر.
ثانيا:
"جعلنا لأحدهما جنتين"
هذا التفضيل،بدون سبب ظاهر، سيفضي إلى قياس خاطيء- وقاتل إن لم يعتبر فيه مقصد الإبتلاء-قال الرجل:
وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً36
اجتمع في العبارة ثلاث مؤكدات:القسم،اللام،النون.
فمن أين جاء الرجل بكل هذا الجزم ؟
لم يخطر ببال الغني معنى الابتلاء، فقاس حال الآخرة على حال الدنيا...فتوهم أنه إذا كان قد أعطي جنتان اليوم فلا شك أن الله قد رأى فيه ما يقتضي الإكرام والتفضيل...فلا بد من استصحاب القاعدة واطرادها عاجلا وآجلا:
إذا كانت الآخرة خيرا من الأولى فليكن نصيبه هناك خيرا من نصيبه هنا!!
ثالثا:
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً32 كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً33 وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ..
اعتبار توزيع الضمائروالفاعلين في هذه الآيات يكشف عن سر بياني بديع:
-ليس للرجل صاحب الجنتين أي "فعل".
-الأفعال كلها لله -بضمير التعظيم- أو للأسباب العادية.
فمن النوع الأول ثلاثة: "جعلنا"،"حففنا"،"فجرنا" وهي أفعال لله الخالق المنشيء.
ومن النوع الثاني اثنان:"آتت"،"لم تظلم"وهما فعلان يفيدان المطاوعة والاستجابة .
أما الرجل فهو عاطل عن العمل،فليس له أدنى مجهود مذكور لاستحقاق الملكية أوبعضها.
والطريف أن في الآيات السابقة ضميرين عائدين على الرجل :
ضمير في البداية:"أحدهما"
ضمير في النهاية: وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ.
فكأن البيان القرآني المعجز أحضر الرجل في البداية عند "تسلم" الجنتين وانعقاد الملكية ..وأحضره ثانية في النهاية عند تسلم الناتج والغلات ،ومابين اللحظتين لا عناء ولا حرث ولا سقي ولا شقاء...
فلم لا يكون الرجل"مدللا"!!!
رابعا:
رأينا أن وصف الجنتين عمد إلى إظهار معنى"الاستمرارية " و "البقاء":
-فالناتج من الأرض عنبا وتمرا يقبل التخزين وفي ذلك تجاوز للفصول والمواسم .
-وأسباب استمرار الناتج قائمة في الجنة ومتوفرة فيها ومستقلة بها كما يراها الرجل متجسدة في النهر المتفجر،فلا خوف من تقلبات المناخ وعاديات الظروف.
هذا الإحساس بالأمن والاستقلال خطير جدا...
فقد نشأ عنه خط فكري منحرف أفضى بصاحبه إلى الهلاك:
-هذه الجنة لن تبيد بفضل توفر أسباب الحياة..
-ولما كانت هذه الجنة جزءا من الحياة الدنيا فقد سرى حكم الجزء إلى الكل:فالدنيا مستمرة ، إذن فلا آخرة.
قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً35 وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً.
لكن هذا التمرين الفلسفي الذهني لا يقاوم المعيش الواقعي:
فهب الدنيا لا تبيد..فماذا عن نفسه هو، أهو أيضاخالد في جنته؟
هو قطعا سيموت..فما السبيل لمنع الحسرة والقلق ؟
يعود مرة أخرى للتمرين الذهني:
هو ميت....فلا بد من افتراض حياة أخرى -للنجاة من العدم-.
ولا بد من استئناف السعادة هناك على أعلى مستوى –مستوى الخلود.
"وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً"
وهكذا أمن الرجل نفسه على كل تقدير!!
4-
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً32 كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً33 وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ.
هذا الوصف من بديع بلاغة القرآن:يضع أمامنا مثالا معجزا لاجتماع أسلوبي الإطناب والإيجاز ...
فعندما وصف نشأة الجنتين أسهب واسترسل وفصل:
-جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ
-وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ
-وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً
- كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا.
- وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً.
- وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً.
- وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ.
سبع جمل...كذلك الحياة تنشأ شيئا فشيئا..وتنمو جزءا فجزءا..وتحتاج إلى رعاية وتربية وتدبير.
لكن الموت يأتي كلمح بالبصر ليضرب ضربة واحدة...
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ.
جملة واحدة ...واحدة فقط...لكنها كافية للإتيان على كل ما سبق.فالجنين يحتاج إلى بضعة شهور ليتكون في الرحم بإذن الله...لكن لا يحتاج إلا لأقل من ثانية ليموت بأمر الله .!!
فانظر كبف عبر توزيع الجمل عن حظ الحياة وحظ الموت.
ثم لاحظ كبف بني فعل" أحيط" لما لم يسم فاعله عكس الأفعال السابقة..إشعارا بالخفاء والغموض والبغتة...
قاتل الله أبا الطيب ما أشعره عندما يقول:
وما الموت إلا سارقٌ دقّ شخصه ... يصول بلا كفٍ ويسعى بلا رجل
ثم لاحظ كيف أن فعل الإحاطة وقع على الثمر...وهي آخر ما ذكر في مسار الحياة وأشرف ما فيها :لأن لها مقام المقصد وما سبقها من باب الوسائل.

أريد هنا- بمناسبة الحديث عن الحياة والموت-أن أشير إلى سر تكرار "أصبح "ثلاث مرات في ثلاث آيات متعاقبات:

فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً
أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا.
[ثمة تكرار رابع في المثل الموالي : فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ]


"أصبح" من أفعال التصيير والتوقيت معا:
فهو يعنى الانتقال من حال إلى حال ،كما يؤشر على حلول زمن الصبح.
قال الزبيدي:
-أَصْبَحَ : دَخَل فيه " أَي الصُّبْحِ كما يقال : أَمْسَى إِذا دخل في المَسَاءِ... وفي التَّنْزِيل " وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ "
-أَصْبَحَ : " بمَعْنَي صارَ " .
واستقراء التنزيل المحكم يكشف عن معنى بديع :
توقيت العذاب والهلاك بالصبح...
وهو معنى منصوص عليه في قوله :
إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ هود81
وأشار إليه في مناسبات متعددة من هلاك الأقوام :
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ الأعراف78
وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ هود67
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ العنكبوت37
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ الأحقاف25
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ القلم20

وقد يعبر بالشروق عن المعنى ذاته:

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ الحجر73
فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ الشعراء60
[والآية الأخيرة عن فرعون...قال الطبري:مشرقين: حين أشرقت الشمس، وقيل حين أصبحوا.]

وفعل أصبح يأتي كذلك في معرض الأمثال للدلالة على النهاية كما في مثل الرجلين الذي ندرسه وفي المثل الذي جاء بعيده في السورة نفسها:
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً الكهف45

أرى –والله أعلم-أن اقتران الهلاك بالصبح جاء لاعتبارات نفسية شعورية واجتماعية حضارية.

1-فالعرب الذين خاطبهم القرآن العظيم كان في معهودهم أن الإغارة لا تكون إلا في الصباح..كما أشار القسم القرآني في سورة العاديات:
فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً العاديات3
ومن ثم كان نداؤهم:"واصباحاه" بمثابة إنذار عام.
جاء في سنن البيهقي الكبرى:
لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - - حَتَّى صَعِدَ عَلَى الصَّفَا فَهَتَفَ : وَاصَبَاحَاهُ. فَقَالُوا : مَنْ هَذَا الَّذِى يَهْتِفُ؟ قَالُوا : مُحَمَّدٌ.
وتوسعوا في هذا الاقتران حتى سموا الحرب نفسها صباحا.
قال في العروس:
من المجاز : هذا " يومُ الصَّبَاحِ " ولَقِيتُهم غَدَاةَ الصَّبَاحِ : وهو " يَومُ الغَارَةِ " قال الأَعشى :
به تَرْعُفُ الأَلْفَ إِذْ أُرْسِلَتْ ... غَدَاةَ الصَّبَاحِ إِذَا النَّقْعُ ثارا

فالأمم الهالكة فيما سبق أعلنت الحرب على الله بشركهم واستهزائهم بآياته ورسله.."فأغار" الله عليهم صبحا وكأن رب العزة-وهو الحكم العدل-لم يشأ أن" يخرق "تقليدهم الحربي فأرسل جنده صباحا...وفيه من مراعاة الإنصاف ما فيه.فسبحان الله والحمد لله!!

2-أما الاعتبار النفسي فلأن الإنسان بحكم فطرته يخشى من الليل ومن الظلام..ومن ثم فهو يتوقع المكروه فيه لأن ظلامه ستر مساعد لكل من يريد به سوءا..وهكذا أملى التوجس على الإنسان الهلوع أن يتخذ الحرس والعسس ،وأن يغلق المنافذ والأبواب...
ثم توهم الإنسان أن ظهور ضوء الصبح يضع نهاية التوجس والترقب..فمن شأن النور الكاشف ويقظة الناس وانتشارهم التقليل من الخوف وتزايد الإحساس بالطمأنينة والأمن...
الصبح إذن هو زمن "تنفس الصعداء" فلا جرم أن اختاره العزيز الجبار زمنا للخوف والهلاك..ليقابل مكرا بمكر،وصدق الله:
فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا.
فالمفاجأة مؤلمة حقا والعذاب شديد:
كان الإنسان يتوسم الخروج من احتمال السوء خلفه-ليلا- فإذا هو منغمس فيه بين يديه -صبحا-
قال عن صاحب الجنتين-سابقا-:
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا.
اكتشف انهيار كل شيء عندما فتح عينيه فكأنه انتقل من حلم لذيذ إلى كابوس يذهل العقول...

5-
يتكون هذا المثل من سبيكتين :
-السبيكة السردية .
-السبيكة الحوارية.
وقد انتظم المثل بواسطة ربط بديع للمكونين:
السبيكة الأولى أظهرت ما يوجد داخل الجنتين ...أما السبيكة الثانية فقد أظهرت ما يوجد داخل الرجلين!
فتحقق التنويع القرآني المعهود: فثم خطاب للبصر يدعو العين لاستكشاف الجنتين .وهنا خطاب للوجدان يدعو الروح لاستبطان أغوار النفس البشرية والكشف عن دسائسها.
لكن الجدير بالملاحظة هو كيفية دمج السبيكة الحوارية وسط السبيكة السردية بحيث ظهرت القطعة الحوارية كأنها قطعة اعتراضية دون أن تكون كذلك!
فلو تتبعنا الخط السردي وحده إلى نهايته -دون أن نقرأ حوار الرجلين- لانتظم الكلام متناسقا على وتيرة واحدة:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ[...]وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ...
فمن الممكن اعتبار الواو عاطفة -دلاليا وليس نحويا-فكثيرا ما نجد في نظم القرآن تجاور أوج الحياة مع حضيض الفناء بحيث يتم الانتقال من حالة إلى أخرى سريعا جدا...
كما في المثل الثاني في هذه السورة الكريمة نفسها:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ....
فعندما نقرأ "فأصبح..." نتوقع -بل نأمل-كلاما عن الاخضرار والنمو والازدهار فقد ذكر قبلها اختلاط الماء بالنبات- المؤذن بتزاوج أسباب الحياة -والعطف الفوري" بالفاء" يرشح شيئا مثل "فاخضر"أو "فنما" أو "فاستوى" لكن البيان المعجز فاجأ القاريء بطي كل ذلك :فما أن ابتدأت الحياة حتى انتهت...!!وما لبث الأجل أن عاجل الأمل...!!
فانظر إلى قوة التعبير في الحالتين:
فعند وصف الجنتين أسهب وفصل، لأن المقصد هو الابتلاء ،فالله الحكيم يعرض على عبده زينة الحياة الدنيا بتفاصيلها، وعندما كان المقصد هو ذكر هشاشة الدنيا وتفضيل الأخرى عليها["وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"] لم يذكر إلا نشأتها وكأن ما بعد ذلك لا يستحق أن يذكر.فلله در هذا القرآن!
جاءت السبيكة الحوارية في موضع اعترضت فيه الكلام عن الثمر:
فقبلها : "كان له ثمر"- ثمر مرفوعة- وبعدها:"وأحيط بثمره"- ثمر مجرورة - والحوارية قامت بوظيفة تعليلية للحالتين معا.
والفاء- كما قال ابن عاشور-" لتفريع جملة قال على الجُمل السابقة ، لأن ما تضمنته الجمل السابقة من شأنه أن ينشأ عنه غرور بالنفس يَنطق ربه عن مثل ذلك القول ."
"كان له ثمر" هو سبب لإظهار "الأنا" الإبليسية الكامنة في الرجل :" أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا"
الحوار - بما تضمنه من كبر وغرور- مسبب عن كثرة الثمار...
وهو نفسه- بما تضمنه من بطر وكفر-سبب للإحاطة بالثمار.
فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ...
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ....
ما سر تكرار الجملة الحالية ؟
لم أجد عند المفسرين شيئا يذكر،بل لم ينشغل سوادهم بالمسألة أصلا إلا ما كان من أبي السعود الذي حاول بيان فائدة التكرار وماكان من الألوسي الذي اكتفى بتكرار عبارات أبي السعود بنصها،-وهذا يدلك على أن السؤال البياني في تراثنا التفسيري لم يحظ بما حظي به السؤال الفقهي أو العقدي أو النحوي- قال أبو السعود في تفسيره:
" قَالَ لَهُ صاحبه استئناف كما سبق وَهُوَ يحاوره جملة حالية كالسابقة ، وفائدتها التنبيه من أول الأمر على أن ما يتلوها كلام معتنى بشأنه مسوق للمحاورة" .
لا يخفى ضعف مثل هذا التعليل ونأيه عن القاعدة العامة في تفسير القرآن المقتضية لحمل المعنى القرآني على أبلغ وجه..وما اعتبر هنا من قبيل التنبيه ليس إلا تحصيل حاصل:
فالمحاورة : مراجعة الكلام بين متكلميْن،وعبارة "وهو يحاوره" الأولى تفترض على الأقل قولا من متكلم وردا من مستمع...بل إن فعل"حاور"يدل على الرد من الجهتين:
-من جهة المادة المعجمية .
-ومن جهة الصيغة.
فمادة "حور"تعني الرد والرجوع كما في قوله :إنه ظن ألن يحور...وكما في قول العرب:"لم يحر جوابا"أي لم يجد ما يرد به على محاوره.
وصيغة "فاعَلَ"من معانيها الدلالة على تناوب الفاعلية والمفعولية...مثل "راسل" و"صارع" و"قاسم" وغيرها..ففي مثل هذه الأفعال لا بد من وجود ذاتين تقوم كل واحدة منهما بدور الفاعل ودور المفعول.
وعند تأمل حوار الرجلين لن نجد غير قولين :ما قاله صاحب الجنتين علوا واستكبارا وما أجابه صاحبه تبكيتا وتأنيبا...
ولا ريب أن عبارة "وهو يحاوره" الأولى دلت على هذا الجواب بالدلالة التضمنية ومن ثم لم يكن ثمة حاجة إلى التنبيه على ما لا يغفل عنه !
فعاد السؤال:
ما سر تكرار الجملة الحالية ؟
ظهر لي-والله أعلم-أن الغاية من التكرار هو التنبيه على أن هناك حوارين منفصلين في الزمان لا حوار واحد..وعلى هذا يكون تقدير الجملة الثانية "قال له صاحبه وهو يحاوره [كرة ثانية]" فتكون الجملة الحالية مؤسسة لحوار جديد لا مؤكدة ...ويترتب على هذا الاعتبار أمور:
1-وجه بديع من الاحتباك:
فمن الحوار الأول احتفظ القرآن برد صاحب الجنتين وطوى قول صاحبه.
ومن الحوار الثاني احتفظ القرآن برد الفقير وطوى قول صاحب الجنتين.
2-قال ابن كثير:
"يقول مخبرًا عما أجابه صاحبه المؤمن، واعظًا له وزاجرًا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا ؟ وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه، الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة:280] أي: كيف تجحَدُون ربكم، ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدومًا ثم وجد، وليس وجوده من نفسه ولا مستندًا إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله، لا إله إلا هو، خالق كل شيء؛ ولذا قال: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أي: أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالربوبية والوحدانية وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له."

كفر صاحب الجنتين هو كفر بالربوبية وهذا المعنى غير موجود في مقالته الأولى :
قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)
فهذا القول يتضمن الشك في البعث وليس فيه جحود الربوبية، وقول الزمخشري :"جعله كافراً بالله جاحداً لأنعمه لشكه في البعث ، كما يكون المكذب بالرسول كافراً ."قول غير صحيح..من وجهين:
-الرجل يذكر إيمانه بالرب في سياق التوكيد بالقسم "وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي" فكيف يجعل كافرا بالرب!
-صاحبه عند الرد عليه لم يذكر أمر المعاد وإنما وبخه على كفره بالرب" أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ" وعندما نص على عقيدته هو لم يذكر البعث وإنما أكد توحيد الربوبية:" لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا " .
نعم، المكذب بالرسول كافر،ولكن في مقام المناظرة لا يليق أن نحتج عليه بدلائل البعث والنشور مثلا، إذ ينبغي تحرير محل النزاع باعتبار مناط الكفر لا الكفر مطلقا...وظاهر من جواب المؤمن أن مناط كفر صاحبه هو الربوبية فرد عليه بدليل الخلق كما جاء في تفسير ابن كثير..
وهذا يقتضي أن يكون الصاحب المؤمن يرد على مقالة كفرية أخرى غير المذكورة ،مقالة فيها كفر غليظ هو إنكار وجود الله ،وهي المقالة المطوية والمدلول عليها من خلال الرد على وجه الاحتباك.

3-بهذا التقرير يتكشف وجه دلالي آخر له خطر عظيم :
فصاحب الجنتين بدأ شاكا في البعث فقط ،ثم سار به الأمر إلى إنكار وجود الله ...ولأمر ما تكرر في القرآن والسنة ذكر الإيمان والكفر باعتبارها صراطا وسبلا وطرقا...فالسبل والطرق ليست للتوقف وإنماخلقت للسير والانتقال من مرحلة إلى أخرى فلا يمكن للمؤمن أن يقول مثلا:" أقف الآن و حسبي ما لدي من إيمان وعمل "لأنه إن لم يتقدم تأخر قطعا .وكذلك الكافر إن لم يعد إلى الهدى توغل في الكفر لا محالة.وهذا معنى قول السلف" المعاصي بريد الكفر" فاحفظ هذا الناموس جيدا فهو نفيس.

6-
فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)
يستجيب ترتيب الكلمات في قول صاحب الجنتين لاعتبارات بيانية في غاية الأهمية..كما أنها تفسح المجال لافتراض نسيج كلامي مكون من ثلاث خطابات متوالية:
-خطاب أناني/ إبليسي.
-خطاب مادي/ تكاثري.
-خطاب حربي/ إرهابي.
1-"أنا"
استهلال الخطاب بالضمير المنفصل الدال عن الذات "أَنَا"وإشفاعه بصيغة التفضيل" أكثر" يلحق خطاب صاحب الجنتين بالخطاب الإبليسي/الفرعوني:
أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. الأعراف12
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ الزخرف52
إنها الذات البارزة والمتصدرة عند الغني في مقابل الذات عند الصاحب الفقير وهي الخفية التي لا يكاد يشعر بها:
لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)
فالقاريء غير اليقظ قد لا يشعر بوجود ضمير المتكلم المفرد المنفصل" أنا"في خطاب الرجل الفقير:
قال الكسائي : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : "لكن الله هو ربي أنا" ، فحذفت الهمزة من «أنا» طلباً للخفة لكثرة الاستعمال وأدغمت إحدى النونين في الأخرى وحذفت ألف «أنا» في الوصل وأثبتت في الوقف .
وقال النحاس : مذهب الكسائي والفرّاء والمازِنِيّ أن الأصل "لكن أنا" فألقيت حركة الهمزة على نون لكن وحذفت الهمزة وأدغمت النون في النون فالوقف عليها "لكنا" وهي ألف أنا لبيان الحركة .
وقال أبو عبيد : الأصل لكن أنا ، فحذفت الألف فالتقت نونان فجاء بالتشديد لذلك.
(انظر هذه الأقوال في تفسير القرطبي)
2-"أكثر منك مالا"
تفصح عن هذه العقلية التكاثرية التي لا تبصر من الوجود غير مقولة "الكم".فما أشبه خطاب العصر بخطاب صاحب الجنتين!فإنك لا ترى القوم يصنفون ويرتبون إلا على سلم العدد وسواء في ذلك تصنيف الأفراد وتصنيف الأمم..فمقياس التقدم والتطور-زعموا-هو ما يحسب ماديا بمقدار الدخل الفردي والقومي والميزان التجاري وقيم الاستهلاك وحجم الاحتياط..
ولعل أخطر ما يلازم هذه العقلية التكاثرية هو سد الطرق على كل الاعتبارات الأخرى حتى يقع الهلاك الحتمي ، مصداقا لقوله :
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ
3- وَأَعَزُّ نَفَرًا
استقراء آيات التنزيل التي تعدد نعم الله على الخلق يكشف عن قاعدة في ترتيب النعم حيث يذكر المال أولا ثم البنين بعده:
-ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً الإسراء6
-الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً الكهف46
-أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ المؤمنون
-أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ الشعراء
-أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ القلم
-وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً نوح
-ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً، وَبَنِينَ شُهُوداً. المدثر.
والسر في هذا يرجع إلى أن كمال النعمة هو في هذا الترتيب بالضبط: مال ثم بنون. فالبنون قبل المال-أو بدون مال- هو مصدر قلق وليس نعمة ،كما أن المال بدون بنين هو أدعى للحسرة والأسف.
(ملحوظة: في آية آل عمران وقع ذكر البنين قبل المال لأن السياق ينص على الشهوة وليس النعمة لذلك جاء الترتيب فيها وفق قوة الشهوة زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ آل عمران14)

"أعز نفرا" جاءت في المرتبة المحفوظة للبنين لذا ذكر جل المفسرين أنها معادلة للبنين على سبيل التضمن كما في قولي ابن كثير والقرطبي... أو على سبيل المطابقة كما في قول ابن عاشور:

-قال ابن كثير" أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا.
-قال القرطبي: النفر : الرهط وهو ما دون العشرة . وأراد هاهنا الأتباع والخدم والولد .
-قال ابن عاشور: والنفَر : عَشيرة الرجل الذين ينفرون معه . وأراد بهم هنا ولده ، كما دل عليه مقابلته في جواب صاحبه بقوله : إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً [ الكهف : 40 ] .

هذا،وقد عدل عن ذكر البنين إلى تعبير" أعز نفرا" لإكساب الخطاب طابعا تهديديا :"النفر "و"النفير" تنتمي إلى الحقل الدلالي الحربي..فصاحب الجنتين لا يكتفي بإظهار نفسه في أبهة الغني بل هو قوي أيضا ذا سلطة...فهو مالك للثمر وقادر على حماية ملكيته بما أوتي من ولد ينفرون معه..وهو في حواره مع صاحبه يقوم بمعرض اقتصادي واستعراض عسكري معا. .!!
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ....

قال الزمخشري:(فإن قلت : فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت : معناه ودخل ما هو جنته ماله جنة غيرها ، يعني أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون ، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما).
قول الزمخشري" ما هو جنته"يفيد أن هنا جنة اعتبارية أي ما هو مقابل للجنة التي وعد الرحمن عباده، لكن قوله لم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما يأباه السياق لذا انتقده أبو حيان:

(ولا يتصور ما قال لأن قوله ودخل جنته إخبار من الله بدخول ذلك الكافر جنته فلا بد أن قصد في الإخبار أنه دخل إحدى جنتيه إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقت واحد)

ولو جمع الزمخشري بين المعنيين لكان أوفق ،إذ لا مانع من أن يكون الرجل قد دخل جنته-إحدى جنتيه- فعلا ،وتكون إضافة الجنة إليه إشارة إلى أن هذا هو نصيبه ،ولا مطمع له وراء ذلك..

على اعتبار أن الإنسان قد كتب له نصيبه من الجنة على كل حال لكن يعجل للكافر في الدنيا ويؤجل للمؤمن إلى الآخرة..
استئناسا بمعنى قوله :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا
وبمعنى قوله :
الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر.
وعلى هذا يكون استبعاد الشوكاني لهذا المعنى فيه نظر عندما تعقب الزمخشري بقوله:
(وما أبعد ما قاله صاحب الكشاف : أنه وحد الجنة للدلالة على أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون )


...وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسه


هذه الجملة الحالية تضمنت الإشارة إلى مفارقتين :
1-مفارقة في التقييم.
2-ومفارقة في السلوك.

-المفارقة الأولى مبنية على التعارض الكبير بين التقييم الظاهري والتقييم الحقيقي..
فالرجل يعتقد أنه أثبت ذاته، وأكدها بالمال والنفر، وحصنها بالأسباب المادية : فنفسه- على ظنه- في زكاة ونمو ،وقوته إلى زيادة واتساع، لكن التقييم الموضوعي المستند إلى استكناه حقيقي للأمر أخبر بشيء آخر:فالرجل لم يفعل أكثر من أنه ظلم نفسه وأوبقها، فالكسب في اعتبارالرجل هو الخسارة عينها، والزيادة في تقديره هي النقصان نفسه..
واختلاف التقييمين مرده إلى اختلاف الاعتبار:فبينا يقوم التقييم الظاهري على ملحظ الحال ،ينهض التقييم الموضوعي على ملحظ المآل...وقد جاءت في السياق الموسع قصة العبدين الصالحين موسى والخضر -عليهما السلام -لتؤكد بالأمثلة المحسوسة هذا المعنى.

-أما المفارقة الثانية فتلحظ من خلال المقارنة بين "سلوك"الجنتين وسلوك صاحبهما:
فالجنتان "َلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً."
وصاحبهما" ظالم لنفسه."
واستعمال مادة "ظلم"لوصف الطرفين ، هو الذي أوحى بعقد المقارنة بين المالك والممتلك:
الجنة غير عاقلة لكنها مع ذلك تستجيب للأمر اللائق بها –وهو الأمر الكوني-..فإذا توفرت الشروط والأسباب جاءت النتائج وفق ذلك ،فلها أن تخرج كل ما هو كامن فيها من الثمر بدون نقصان ليس محاباة للرجل ولكن استجابة للنواميس...فهي قامت بما" يجب" عليها.
لكن الرجل العاقل لم يقم بما يجب عليه ولم يستجب للأمر اللائق به باعتباره عاقلا –وهو الأمر الشرعي-:فلا هو شكر ربه ولا هو واسى صاحبه.
خلاصة الامر أن في قوله عن كلتا الجنتين:"وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً" تعريضا بالرجل الظالم لنفسه وترتيبا له في دركة أسفل من الجماد نفسه.
قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً


نريد أن نقف هنا وقفة منهجية لها مساس بتصور اللغة ووظائفها وما يترتب على ذلك من تأثير في تفسير كتاب الله:

ذهبت طائفة كبيرة من المفسرين إلى أن تقرير الرجل صاحب الجنتين بشأن خلود جنتيه لا يتناسب مع البدائه والعقول والحواس.

قال الرازي:
(فإن قيل : هب أنه شك في القيامة فكيف قال : ما أظن أن تبيد هذه أبداً مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية؟)

و أكد أبو حيان هذا المعنى من أن:("الحس يقتضي أن أحوال الدنيا بأسرها غير باقية")

هذا التعارض بين "مقتضى الحال" و"ظاهرالمقال" أزاله المفسرون بارتكاب تأويل يسير في موضعين من الآية:
-عند قوله"أبدا"
-وعند قوله"هذه".

فقد حملوا التأبيد المطلق على تأبيد نسبي ،فالرجل إنما قصد بالأبد مدة محددة –هي مدة حياته مثلا-

قال ابن عاشور:(والأبَد : مراد منه طول المدة ، أي هي باقية بقاء أمثالها لا يعتريها ما يبيدها .)
وهذا التوجيه يقتضيه المقام لإنقاذ الكلام من" التساخُفٌ والاغترارٌ المفْرِط ، وقلَّة التحصيلٍ" –حسب تعبيرالثعالبي-فيم لو احتفظنا بالدلالة الأصلية لكلمة "أبدا".

الموضع الثاني يتعلق بتحريرمرجع الإشارة في "هذه"..فذهب فريق من أهل التفسير إلى تعميم دلالة الإشارة .
قال الألوسي:
وقيل:( " هذه " إشارة إلى الأجرام العلوية والأجسام السفلية من السموات والأرض وأنواع المخلوقات ،أو إشارة إلى الدنيا ...)
وقال الثعالبي:

("وظلمه لنفسه هو كُفْره وعقائدُهُ الفاسدة في الشَّكِّ في البعث ، وفي شكِّه في حدوث العالم ، إن كانت إِشارته ب " هذه " إلى الهيئة من السموات والأرض وأنواعِ المخلوقات ، وإِن كانت إِشارته إِلى جنته فقط ، فإِنما الكلام تساخُفٌ واغترارٌ مفْرِط ، وقلَّة تحصيلٍ ،...")

وهكذا لم يجدوا بدا من حشر الرجل مع الدهريين بغية منح كلامه بعض المعقولية !!فاعتقاد عدم إبادة الكون النوعي أولى بالاحتمال من الحكم بعدم إبادة جزء شخصي منه، فليحمل عليه كلام الرجل إذن!

حاصل ما في الأمر، أن ظاهر كلام الرجل ركيك ،لا يليق أن يصدر عن عاقل ولا تتحقق مقبوليته إلا بأحد المسلكين: تضييق دلالة ظرف الزمان ،أو توسيع دلالة اسم الإشارة.

هذا التوجه للمفسرين –دون أن يكون خطأ-ينطلق من قاعدة ضمنية مفادها هيمنة الاعتبارات العقلية والترسيم المنطقي:فصاحب الجنتين يتعين عليه أن يتكلم في حدود ما يجيزه المنطق، والمفسر عليه أن يحمل الكلام أيضا على مقتضيات المنطق ،ويختار من الدلالات الممكنة للعبارة ما هو أقرب لأحكام العقل..

لكن ما مسوغ هذا اللزوم لما لا يلزم؟
لماذا يفترض –مثلا- في الرجل أن يكون" منطقيا" رغم أنفه فيحمل كلامه على مقتضيات العقل؟
وما الداعي إلى حصر وظائف اللغة في الوظيفة المرجعية الواصفة للعالم وحدها ؟

إن القرآن الكريم ينقل الوقائع بصدق ودقة ومن جملة الوقائع كلام الناس..والمتأمل لأحوال الناس في كلامهم سيلاحظ بلا شك أن المتكلم يصدر في مناسبات عديدة عن غير مشرب المنطق: فتراه يركب مطايا التهويل والمبالغة والاتساع والمسامحة، ولا شك أن في تأويل كلامه بإرجاعه إلى المعقول والجائز شائبة الخيانة والتدليس..

لو صرفنا ،الآن، النظر عن الاعتبارات المنطقية في قول صاحب الجنتين -وأكرر أنها غير خاطئة لكنها غير كافية- وفسحنا المجال لاعتبارات عاطفية وانفعالية لاكتشفنا فيه ثراء دلاليا هو اللائق بالقرآن المعجز:

-فلو اعتبرنا مثلا الوظيفة التأثيرية –أو الإفهامية-التي تركز على المخاطب لرأينا في قوله:" مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً" الرغبة في إغاظة صاحبه فقط فيتحصل من الجملة مضمون إنشائي ،وليس مضمونا خبريا ينظر في مطابقته أو عدم مطابقته للواقع...
فصاحب الجنتين صال على صاحبه وجال بافتخاره بماله وولده، ومن المؤكد أن الفقير وجد عزاءه في تقرير حقيقة أن جنة صاحبه زائلة لا محالة في ما هو زائل..فكان الرد استفزازيا ليس إلا: "مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً"هو يدرك أن كلامه مضمونا غير معقول لكنه شكلا ضربة مسددة لإثارة الحنق والغيظ عند صاحبه فلا يسعد بما تعزى به...
وكم يحصل لنا مثل هذا الموقف حينما ننكر الضروريات والبديهيات إما إثارة لحفيظة المخاطب أو طلبا لإنهاء مناظرة لا نريد الاستمرار فيها...

-ولو اعتبرنا الوظيفة التأثرية-أو الانفعالية-التي تركز على المتكلم لرأينا في قوله "مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً"تعبيرا عن الانتشاء بالمال والولد..وكثيرا ما يصاحب تنامي الإحساس بالنشوة تصاعد الرغبة في المبالغة في الكلام:
فكم يقول المرء عندما يحل لغزا مثلا" أنا أذكى رجل في العالم" أو تقول المرأة أمام المرآة وقد ارتاحت إلى بشرتها " أنا أجمل نساء العالمين" فلا الرجل يعتقد حقيقة أنه الأذكى ولا المرأة تظن في قرارة نفسها أنها الأجمل..لكنها النشوة!!
فصاحب الجنتين عندما استعرض ملكيته :جنتين ونهرا متفجرا وثمارا متنوعة وخدما وحشما لم يتمالك نفسه من الانسياق مع الإحساس الجميل فقال ما قال....وبعبارات الألوسي: ("وكأن حب الدنيا والعجب بها غشي على عقله فقال ذلك وإلا فهو مما لا يقوله عاقل وهو مما لا يرتضيه فاضل")
وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً الكهف36
بموجب ما افترضناه من احتباك في الحوار،فإنه بوسعنا استحضار الخطاب الغائب اعتمادا فقط على القول الحاضر...فالاحتمال كبير في أن الرجل الفقير قد نصح صاحبه وعاتبه ووجه نظره-وصاحبه سادر في نشوته وغيه-إلى التفكير في حسرة ممكنة في الدنيا ومؤكدة في الأخرى:
فالحسرة الأولى قد تحصل من إبادة جنتيه كلتيهما فلا اعتداد ولا اعتماد.
وعلى تقدير سلامة الجنتين مؤقتا فالساعة قائمة لا محالة..
وذكر الساعة -أو التذكير بها – هو لتحقيق معنى الحسرة المزدوجة:
-فهي من جهة تأكيد لإبادة الجنتين فالساعة هي نهاية الدنيا وخراب العالم بأسره ومن جملته الجنتان.
-وهي من الجهة الأخرى إرهاص ببدء الحسرة العظمى فليست الساعة إلا لحشر الناس وليس حشرهم إلا لحسابهم..فلو كانت الساعة مجرد انهاء للكون لهان الأمر قطعا...لكنها تنهي وتدشن في وقت واحد!.
وقد جار رد صاحب الجنتين وفق هذا الترتيب:
فقد رأينا رده الاستفزازي في مسألة مصير الجنتين، وهاهو الآن يتعرض للشق الثاني من التهديد فيبدأ بإنكار الساعة وليس مقصوده إلا إنكار اللازم وهو العذاب الآتي ،ذلك لأن الرجل موقن بأنه سيموت ونهاية العالم بعد ذلك لا تضره في شيء إلا إذا أعقبه الحساب...
وعلى الفرض الجدلي بوقوع الساعة فإن المحذور غير واقع:فليس عليه حساب بل سيجد هناك ما هو أفضل وأبقى من جنتيه الحاليتين!!!وقد أثبت هذا لمحاوره على وجه بياني شديد:إقسام وتوكيد.
ولنا أن نلاحظ الدلالة النفسية في قوله : لَأَجِدَنَّ..
"وجد" تعني العثور على ما هو موجود من قبل...فالرجل من غروره يرى أن ربه هيأ له مسبقا بديلا لجنتيه، فحاله في الأخرى أفضل من حاله في الدنيا تصريحا بقوله "خيرا"،وتلميحا لأن جنته في الدنيا" مجعولة "شيئا فشيئا في الزمان والمكان، أما جنته في الآخرة فهي جاهزة تنتظره!!

7-
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً الكهف37
تكتسي الجملة القرآنية مرونة مذهلة ،أعني أن في تركيبها واختيار كلماتها دعوة للذهن للانتقال من مذهب إلى آخر..فحيثما اتجه الفكر وغير من نهج التناول وجد الإشعاع الدلالي للجملة قائما...فلتنظر مثلا في قوله:
" أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً"
لك أن تقرأها على قاعدة الحجاج.
ولك أن تقرأها على قاعدة التأثير.
ولك أن تقرأها على قاعدة التأثر.
وستجد أمامك- على أي قاعدة اخترت -معنيين فأكثر.
1-
أ-الجملة تقرير حجاجي على البعث-وهو مذهب جمهور المفسرين-فذكر الخلق من" التراب"تنبيه على إمكان البعث عن طريق قياس الأولى..فالبعث ليس إلا إنشاء من التراب وإخراجا منه فكيف تنكر الإعادة مع الإقرار بالنشأة الأولى!!! إن جحد النشأة الأولى هذيان وسفسطة، وإنكار النشأة الثانية تجديف في العقل لأن في ذلك تفرقة بين متشابهين!!
ب-الجملة تقرير حجاجي على الربوبية-وهو ظاهر الجملة-بلفت النظر إلى التصرف في العناصر بحيث يبهت المعطل:
-التراب عنصر غير عضوي ،وغير حي...
-النطفة عنصر عضوي، حي، غير عاقل.
-الرجل عنصر حي، عاقل..
فكيف يمكن إخراج شيء موصوف بصفة لا يتصف بها أصله!!
تحويل التراب إلى نطفة أمر مذهل بله تحويل التراب إلى رجل !
من أين جاءت الحياة للتراب لتتشكل النطفة..
ومن أين جاء العقل للنطفة ليتسوى الرجل...
"أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ"
2-
ج-الجملة توبيخ وتأنيب:
كيف تقابل النعمة بالكفر!
"سواك رجلا" وكان من الممكن أن "يسويك امرأة" فتكون في مرتبة أقل، بل كان من الممكن أن "يسويك حمارا"!!
د-الجملة تذكير وتحقير:
صاحب الجنتين طغا وتجبر بغير حق ،فحق أن يذكر بأصليه الحقيرين:
التراب الذي يداس بالأقدام ..والنطفة التي تخرج مما هو معروف!!
3-
ه-الجملة استنكار:
فالرجل الفقير يستنكر أن ينزل صاحبه إلى هذه الدركة الخسيسة من الغرور والتطاول على العباد وعلى رب العباد...
و-الجملة تعجب..
فيكون الاستفهام دالا على الاستغراب :فمن عجائب أحوال الإنسان أن ينطمس عقله فيجادل في البدهيات أو أن تنطفيء ذاكرته فينسى أصله ونوعه..

ولعلك وقفت على شيء من إعجاز أسلوب القرآن ..وأدركت كيف شعت -مثلا -كلمة "تراب" :
عقلا فدلت على الخلق والمعاد ....
وحسا فدلت على الأصل و العنصر
وخلقيا فدلت على الوضاعة والحقارة..
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً37 لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً38 وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً39 فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً40 أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً41

هذا أطول مقاطع المثل المضروب،ويبدو أن المؤمن اتخذ استرسال الخطاب أسلوبا في الحوار، عكس اقتضاب الخطاب عند صاحبه..
وقبل محاولة الكشف عما تضمنه هذا الاسترسال نسجل ملاحظتين إجماليتين:

1-جاء المثل المضروب تصديقا وتثبيتا للسنة الإلهية العامة في تقدم الإنذار على الأخذ بالذنوب ،وإقامة الحجة قبل فتح باب العذاب..
"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"
فالإحاطة بالثمر لم تأت- لفظا- عقيب كفر الغني، ولكنها جاءت إثر الإنذار الطويل من قبل صاحبه المؤمن ..
فيكون المثل قد انتظمت فيه الحالات الأربع الثابتة في مصارع الأفراد و الأمم:

أ-حالة فتح أبواب النعمة على سبيل الاستدراج والابتلاء.
ب-حالة الكفر والبطر والإسراف على النفوس.
ج-حالة بعث من يقوم بالإنذار.
د-حالة الهلاك بعد تأكد عدم جدوى التحذير.

2-يكشف مقال المؤمن عن ثابتة أسلوبية تميز خطاب الإيمان عن غيره، تلكم الثابتة هي استحضار الاسم الجليل على طول وعرض مساحة الخطاب.
جاء في سنن ابن ماجة:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَنْبِئْنِي مِنْهَا بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ قَالَ لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
(صححه العلامة الألباني)
أما الكفار والمنافقون فهؤلاء لا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ..
إن الصاحب المؤمن قد ذكر ربه ثلاث مرات:
هُوَ اللَّهُ رَبِّي
وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي
فَعَسَى رَبِّي

وذكرإلهه ثلاث مرات :
لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ..
مَا شَاء اللَّهُ
لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ..
(فضلا عن الاسم الموصول والضمير المنفصل والضمائر المستترة العائدة على رب العزة.)
وفي المقابل لم يجر اسم الله على لسان الكافر إلا مرة واحدة:
وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي.
وهكذا يضع القرآن الحكيم بين أيدينا معيارا حقيقيا لتصنيف الخطابات :فحسبك أن تحصي كم مرة يرد اسم الله في خطاب ما لتصنفه بكل طمأنينة في المرتبة التي يستحقها..
منازعة مع اقتباس
  #40  
قديم 12-10-2009, 10:00 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

35-لمحة في قوله :
الم1 ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ2

مقدمة:
الاتساع مصطلح مشترك تتنوع دلالاته بحسب خصوصية المجال اللغوي المستعمل فيه.
-عند النحويين:
الاتساع دال على كل صنوف التغيير في أصل التعبير من حذفٍ ، وزيادةٍ ، وتقديم وتأخيرٍ ، وحملٍ على المعنى ،قال ابن جني:
" وكيف تصرفتِ الحال ُ فالاتساع فاشٍ في جميع أجناس شجاعة العربية وذلك لأنَّ " من شأن العرب التوسعَ في كل شيءٍ"فما يأتي على خلاف الأصل قيل فيه : هو على سعة الكلام ، أو لاتساعهم فيه .
فالاتساع إذن هو التخطي والتجاوز لكل ما هو ضابط أو أصل أو قاعدة......أو لنقل هو نوع من" الخطأ" لكنه مقبول ومستساغ.....

-عند البلاغيين:
يأتي الاتساع بدلالتين مختلفتين بحسب الفرع البلاغي المستعمل فيه.
1-في فرع البيان:
يذكر الاتساع في سياق ذكرهم للمجاز.....وهنا أيضا" يتوسعون في الاتساع"!
-فقد يكون الاتساع أعم من المجاز فيدل حينئذ على ما يسميه المعاصرون "الانزياح" أي الخروج عن مقتضى المألوف الاستعمالي سواء تعلق الأمر بالمعنى أم باللفظ.
-وقد يكون مساويا للمجاز ومرادفا له.
-وقد يكون أخص منه وشرطا من شروطه . قال ابن جني في الخصائص: الحقيقة ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان ضدّ ذلك، وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة وهي الاتساع والتوكيد والتشبيه، فإن عُدِمت الثلاثة تعينت الحقيقة .
مثاله:
قوله : وأدخلناه في رحمتنا ( الأنبياء: 75)هو مجاز، وفي المعاني الثلاثة. أما السعة، فلأنه كأنّه زاد في اسم الجهات والمحال اسماً هو الرحمة. أما التشبيه، فلأن شبه الرحمة –وإن لم يصح دخولها –بما يجوز دخوله فلذلك وضعها موضعه. أما التوكيد، فلأنه أخبر عن المعنى بما يُخبر به عن الذات.

2-في فرع البديع:
عرف ابن رشيق باب الاتساع :أن يقول الشاعر بيتاً يتسع فيه التأويل، فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ، وقوته، واتساع المعنى"


الاتساع بالمعنى الأخير هو المراد عندنا .....غير أن نظرنا ليس إلى الاحتمالات المعجمية للألفاظ أو تعدد مصاديقها في الخارج- كما في تفسير الأقسام القرآنية مثلا-بل نظرنا -بالقصد الأول-فقط إلى التعدد الدلالي الناشيء عن الاحتمالات التركيبية.

وقد بلغ مطلع سورة البقرة –في تعدد الاحتمال التركيبي-شأوا بعيدا تندق دونه كل أعناق البشر.....فهو الإعجاز في التوسع التركيبي لا ريب.
ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) سورة البقرة

هي سبع كلمات فقط...لكنها من المرونة بحيث تقبل أن تتخذ أوضاعا تركيبية متعددة....فالكلمة الواحدة يمكن في أي لحظة أن تنفصل عن أختها-أو تتصل بها- لاعتبارات تركيبية فيتحصل من الفصل والوصل تنوع دلالي مذهل ،وإعجاز في صورة ملموسة لا تنكر عند المنصفين.
ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ

أولا-كم عدد الجمل في الآية؟

لو قلت :ثلاث جمل لأصبت.
لو قلت: جملتان لأصبت.
لو قلت جملة واحدة لأصبت.
لو قلت بها جميعا-على الشمول أو على البدل- لأصبت أيضا!!!
1-التركيب الثلاثي:
الآية من هذا المنظور المختار مؤلفة من ثلاث سبائك:

-أ-

ذَلِكَ الْكِتَابُ:جملة ابتدائية تامة.
لاَ رَيْبَ فِيهِ:جملة استئنافية تامة.
هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ:جملة استئنافية تامة.

الجملة الأولى: اسم الإشارة فيها مبتدأ، و"الكتاب" خبره.
"اللام" الداخلة على "كتاب" هي لاستغراق خصائص الجنس وصفاته..
وينبغي في هذا المقام التمييز بين اللام الاستغراقية التي تكون لاستغراق جميع افراد الجنس والتي من ضوابطها أن تخلفها "كل"حقيقة، واقعية، أو عرفية، وبين هذه التي أريد بها استغراق خصائص الجنس وصفاته مبالغة في المدح-أو الذم- والتي من ضوابطها أن تخلفها "كل" مجازا وتسمى ب "كل الإحاطية".ومثاله :"زيد الرجل"وتريد أنه جمع في نفسه ما تفرق في غيره من معاني الرجولة.أو أن "زيدا هو من يستحق أن يوصف بالرجولة.
ذلك الكتاب....أي إن كان في الوجود شيء يستحق أن يسمى كتابا فهو هذا.
واحتمال التوسع في دلالة اللام وارد ، فقد تناسب العهد الحضوري والعهد الذهني معا،ومدار الأمر على توسع آخر في دلالة اسم الإشارة:
-فقد قيل المراد بقوله "ذلك الكتاب" ما قد نزل من القرآن قبل سورة البقرة-ما نزل بمكة مثلا-فيكون العهد حضوريا لأن نزول القرآن بمثابة حضوره.
-وقد قيل اللام للعهد الذهني....
لأن رسول الله كان موعودا من قبل بكتاب...قال ابن كثير: وفي حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم يقول الله : [ إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا ]....
ولما نزل بعضه قال الله هذا هو الكتاب الذي كنت وعدتك به .
أو لأن "ذلك"إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد -على رأي الكسائي-
وقيل إن الله كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتابا فالاشارة إلى ذلك الوعد....
حاصله أن التوسع شمل اسم الاشارة بالنظر إلى حقيقة المشار إليه كما شمل اللام بالنظر إلى أنها للعهد الذهني أوللعهد الحضوري أولاستغراق خصائص الجنس.

الجملة الثانية:
"لا ريب فيه".....
جملة اتسعت من جهتين:
-من جهة التركيب إذ احتملت الاعتراض والاستئناف.
-ومن جهة التداول إذ احتملت الإخبار والإنشاء...
فمعنى "لا ريب فيه"إخبارا: أن القرآن –في نفس الأمر-لا شك فيه وإن حصل الشك في نفوس المبطلين....أو إن المرتابين في القرآن من الكفار لو رجعوا إلى أنفسهم وتجردوا من أهوائهم وتعصبهم لظهرت لهم الحقيقة التي يدعون خفاءها أو يريدون إخفاءها.
ومعنى "لا ريب فيه"إنشاءا:النهي عن الارتياب في القرآن فكأن المعنى :
ذلك الكتاب الذي لا ينبغي فيه الارتياب.....والجملة الخبرية في العربية قد يراد بها الطلب.....كقوله "الأئمة من قريش"فالأمر في صورة الخبر .ولا يجوز أن يكون الخبر حقيقيا لأنه يلزم عنه الكذب.....فكثير من أئمة المسلمين من غير قريش...فاللازم محال والملزوم كذلك.

الجملة الثالثة:
هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ......
جملة تامة مبتدؤها مقدر يعود على القرآن.....وحذف المبتدأ المعروف سائغ في العربية وقد جاء منه في القرآن شواهد كثيرة منها:
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35) سورة الأحقاف
بلاغ خبر لمحذوف تقديره هذا بلاغ.


-ب-

ذَلِكَ الْكِتَابُ:جملة ابتدائية تامة.
لاَ رَيْبَ :جملة استئنافية تامة.
فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ:جملة استئنافية تامة.

يتجلى الاتساع هنا في المرونة العجيبة ل "فيه"...فيجوز الوقوف على ريب والاستئناف ب "فيه".....كما يجوز الوقوف على "فيه" والاستئناف ب "هدى" وهذا ما يسمى بوقوف التعانق.
والطريفة الإعرابية أن "فيه "انفصلت عن المبتدأ السابق واتصلت بما بعدها.....فاصبحت لا النافية للجنس بدون خبر وهو سائغ فصيح كما تقول" لا بأس" و"لا فوت" و"لا ضير"-وهذا الحذف مما يلتزمه التميميون والطائيون-
وأصبح "هدى "مبتدأ بعد أن كان خبرا.....والمحذوف مذكورا.
وتعبير "فيه هدى للمتقين "أضاف معنى جديدا :
الاهتداء بالقرآن.
الاهتداء في القرآن.
فعلى المعنى الأول يكون القرآن منهجا ونورا متبعا.
وعلى المعنى الثاني يكون الهدى داخله يبحث عنه ويستنبط منه.
ومفهوم الصفة صحيح هنا فالهداية مقتصرة على المتقين ولا يزيد الفاسقين إلا ضلالا..
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ
وقبل أن نختم الكلام على هذا الوجه نشير إلى صيغة" هدى"
فانتهاؤها بألف مقصورة يستجيب لحكمة بالغة وهي أن تأتي في وضع اتساعي لا يقطع معها بنصب أو رفع ......ومن ثم يجوز أن تكون مبتدأ وخبرا وحالا.......

ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ


2-التركيب الثنائي:
وفيه احتمالات خمسة:


-ج-

ذَلِكَ الْكِتَابُ.
لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ.

ذلك الكتاب مدح كما مر.والجملة الثانية تأكيد لاشتمال القرآن على الهدى بواسطة أسلوب النفي.
"فيه"متعلق بخبر محذوف (كائن)،وهدى مبتدأ.والجملة في محل رفع خبر "لا".
ويجوز أن تكون "فيه"خبر "لا" ليظهر الاتساع مرة اخرى في إعراب "هدى".فتنزل إلى رتبة الفضلة بعد أن كانت في رتبة العمدة: إذ تحتمل أن تكون حالا .فيكون المعنى:لا شك كائن في القرآن في حال كونه هدى للمتقين.وما كان لهذا الإعراب أن يكون لولا الألف المقصورة في "هدى" حيث تكون العلامة الإعرابية مقدرة وبالتالي يتسع المحل لتقدير الرفع والنصب.فلله در هذا القرآن!!!


-د-


ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ.
فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ.

اسم الإشارة مبتدأ ، "الكتاب" بدل أو نعت أو عطف بيان.
"لا ريب"مركب خبري.وقد أشرنا قبل إلى صحة الوقف على ريب والاستئناف ب "فيه".

-ه-

ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ.
هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ.
الاختلاف عن السابق يسير :ذكر خبر "لا"، وحذف مبتدأ "هدى".

-و-

ذَلِكَ الْكِتَابُ- لاَ رَيْبَ فِيهِ- هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ.

-ز-

ذَلِكَ الْكِتَابُ- لاَ رَيْبَ- فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ.
التوسع في الحالتين الأخيرتين مبني على اعتبار جملة "لاَ رَيْبَ" أو "لاَ رَيْبَ فِيهِ" اعتراضية.....
"ذلك الكتاب": مركب ابتدائي،"هدى": خبره، "للمتقين": مركب حرفي متعلق بنعت مرفوع محذوف.
أو:
"ذلك الكتاب" :مركب ابتدائي،"فيه هدى للمتقين": جملة إسمية في محل رفع خبر المركب الابتدائي.
3-التركيب الأحادي
-ح-
ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ.
جملة واحدة،لكن الاتساع هنا ناشيء من تعدد احتمال تعيين أقسامها:
الاحتمال الاول:
ذلك :مبتدأ.
الكتاب : خبر.
لا ريب فيه:خبر بعد خبر.
هدى للمتقين:خبر بعد خبر بعد خبر.
الاحتمال الثاني:
ذلك: مبتدأ.(الكتاب: نعت أو بدل أو عطف بيان)
لا ريب فيه: خبر.
هدى للمتقين :خبر بعد خبر.
الاحتمال الثالث :
لاريب فيه:حال.
الاحتمال الرابع :
هدى:حال من "الهاء"...............

هذا ،وليس التعبير يزيد على سبع كلمات!!فمن-من الثقلين- يستجيب للتحدي؟؟
هذا، ولو أدخلنا في الاعتبار "الم" لزاد عدد الاحتمال التركيبي لدرجة الذهول.....
مثلا:
-على اعتبار "الم" قسما ستكون الجملة جواب القسم.
-وعلى اعتبار "الم"اسما للسورة أو للقرآن تكون مبتدأ خبرها "ذلك الكتاب" واللام للعهد الذكري والاشارة إلى الحروف المقطعة...
-ويجوز اعتبار "الم" بمعنى المؤلف من هذه الحروف...و"ذلك الكتاب" خبر......
وتقدير المعنى :ليس القرآن مؤلفا إلا من هذه الحروف المتداولة بين الناس......
وقد يستشكل هنا ورود الخبر أعم من المبتدأ....فالقرآن أكثر من تلك الحروف الثلاثة.....فكيف يخبر به عنها.....
الجواب:أن تلك الحروف الثلاث ممثلة لغيرها ألا ترى أن مخرج الألف من أقصى الحلق ومخرج اللام من الوسط ومخرج الميم من الطرف ......فتكون بدلالة الإشارة نبهت على استغراق كل المخارج -وتبعا لذلك علىكل الحروف-......
لكن هذا غير مقطوع به وما أشرنا إلى هذه الحروف إلا لإبقاء باب الاتساع مفتوحا .......
والله أعلم.
هذا تمام الكلام على عجيبة الاتساع في مطلع البقرة.......
منازعة مع اقتباس
  #41  
قديم 14-10-2009, 11:43 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

36-لمحة في قوله :
...وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ البقرة212
هذا الجزء من الآية قد لا تستوقف المتدبر،وقد يغتر بوضوحها في الذهن فينصرف عنها إلى غيرها.وهذا نهج غير سليم في تدبر القرآن الكريم :فلا بد من تثوير كل آية على حدة ولابد من الاعتقاد بضرورة العودة إلى تلك الآية مرة أخرى على أمل أن ينكشف اليوم ما استعصى بالأمس،ولا يقال قد فرغنا منها، فمن شأن الكلمة الطيبة أن تؤتي أكلها كل حين.
وقد اخترت هذه الآية لذلك القصد......
فليس أظهر من قوله والله يرزق من يشاء بغير حساب
وليس أوضح من كلمة حساب،لكنها تخفي- خلف ظهورها- ما يخلب الألباب، مثل الشجرة التي تخفي الغابة....أو مثل –وهذا التشبيه أبلغ من السابق-"فص الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعا فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع .ولعلك لو وكلت النظر فيها إلى غيرك رأى منها أكثر مما رأيت".(حسب تعبير الشيخ عبد الله دراز)
إذن،هذه عجيبة قرآنية في كلمة ألماسية!!

"حساب" .......

جاءت في موقع من النظم اكتسبت معه قدرة على التعدد الدلالي على نحو معجز:

-فهي مسبوقة بفعل "يرزق" وزمن الفعل يحتمل أن يكون دالا على الدارين:في العاجل وفي الآجل.

-وهي مسبوقة ب "من"المجملة المحتملة الدلالة على الفريقين: المؤمنين و الكفار.

-وهي مسبوقة بالفعل والفاعل والمفعول.

-ثم هي نفسها تحتمل أن تكون مصدرا أو مصدرا مرادا به الفاعل أو مصدرا مرادا به المفعول.

-وهي من جهة أخرى تحتمل أن تكون بمعنى العد والإحصاء وبمعنى الظن والترقب وبمعنى
المحاسبة والمؤاخذة.

-وهي ،أخيرا، من المرونة بحيث تقبل أن تنسجم مع جل الاحتمالات السابقة..... فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع!!

وهذه نماذج-ليست للحصر- :

1- والله يرزق من يشاء بغير حساب

أي:عطاء الله لا يدخل تحت عد أو حصر،فهو بغير حساب أي لا يتناهى ،كما في قوله : إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ (54) سورة ص.والأنسب هنا أن تكون "من" دالة على المؤمنين وأن يكون العطاء في الآخرة فالجنة خالدة وأهلها يرزقون فيها لا إلى نهاية.
فتكون الآية مشيرة إلى سعة ملك الله.

2- والله يرزق من يشاء بغير حساب .

أي:لا يحسب ما يعطي لأنه لا يخاف نفادها عنده، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم مقدار ما يعطي وما يبقي، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به، والله لا يحتاج إلى الحساب، لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته.(الرازي)
فتكون الآية مشيرة على الغنى المطلق.

3- والله يرزق من يشاء بغير حساب .

أي: أن بعضها ثواب وبعضها تفضيل محض، فهو بغير حساب،(أبو حيان).
فتكون الآية مشيرة إلى كرم الله :يعطي مقابل الشيء عدلا ويزيد ما لا مقابل له تفضلا .

4 - والله يرزق من يشاء بغير حساب .

أي:يرزق من يشاء ولا يحاسب نفسه على كثرة ما أعطى لأنه كريم.
أو:
لا يحاسبه أحد على فعله ولا يوجد من يحاسبه لأنه هو العلي الأعلى لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ .
فتكون الآية مشيرة إلى الربوبية المطلقة.

5- والله يرزق من يشاء بغير حساب .

يعني أنه يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئاً عن كون المعطي محقاً أو مبطلاً أو محسناً أو مسيئاً وذلك متعلق بمحض المشيئة، فقد وسع الدنيا على قارون، وضيقها على أيوب عليه السلام، فلا يجوز لكم أيها الكفار أن تستدلوا بحصول متاع الدنيا لكم وعدم حصولها لفقراء المسلمين على كونكم محقين وكونهم مبطلين، بل الكافر قد يوسع عليه زيادة في الاستدراج، والمؤمن قد يضيق عليه زيادة في الابتلاء والامتحان، ولهذا قال :
وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ
[الزخرف: 33](الرازي)
فتكون الآية تقريرا لقاعدة الأرزاق في الدنيا وأن نظامها لا يجري على حسب ما عند المرزوق من استحقاق بعلمه أو عمله، بل تجري وفقا لمشيئته وحكمته سبحانه في الابتلاء وفي ذلك ما فيه من التسلية لفقراء المؤمنين ومن الهضم لنفوس المغرورين من المترفين.(دراز)

6- والله يرزق من يشاء بغير حساب .

أي :طائفة من الموحدين الذين يدخلهم الله الجنة بدون حساب وهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب كما في الحديث الصحيح....و ( هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون ).

7- والله يرزق من يشاء بغير حساب .

أي: من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره: لم يكن هذا في حسابـي، فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية: أن هؤلاء الكفار وإن كانوا يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم، فالله قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب، ولعله يفعل ذلك بالمؤمنين، قال القفال : وقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، وبما فتح على رسوله بعد وفاته على أيدي أصحابه حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر.(الرازي)

وقِيلَ : بِغَيْرِ أَن حَسِبَ المُعْطَى أَنْ يُعْطِيَهُ أَعطاهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبْ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : مِنْ حَيْثُ لاَ يُقَدِّرُهُ وَلاَ يَظُنُّهُ كَائِناً مِنْ حَسِبْتُ أَحْسَبُ أَيْ ظَنَنْتُ وجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذاً مِنْ حَسَبْتُ اَحْسُبُ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْسُبْهُ لِنَفْسِهِ ..(تاج العروس)

ولو اعتبرت هذه الدلالات بعضها إلى بعض لاقتبست منها تجليات باهرة لمعاني ستة من الأسماء الحسنى على الأقل :
الغني والكريم والعزيز واللطيف والحليم والرحيم.
-الغني: إذ أن خزائنه لا تنفذ ولا يفنيها العد والحساب.
-الكريم:إذ أن منه العطاء الجزيل الذي لا يحصى ولا يحسب.
-العزيز: إذ أنه يفعل في ملكه ما يشاء ولا يوجد من يحاسبه على عطاء أو منع.
-اللطيف:إذ أنه يرزق من يشاء في خفاء حتى أن المرزوق يفجؤه الرزق من غير توقع ومن طريق لم يكن له في الحسبان .
-الحليم :إذ أنه يرزق الكافر في الدنيا ولا يحاسبه على كفر أو عصيان.
-الرحيم:إذ أنه يرزق بعض عباده المؤمنين الجنة بلا مؤاخذة ولا حساب.
(للاستزادة يرجع إلى تفسير الرازي "مفاتيح الغيب" وتفسير أبي حيان "البحر المحيط" وهامش صفحة 117 من كتاب" النبأ العظيم "للدكتور عبد الله دراز).
منازعة مع اقتباس
  #42  
قديم 15-10-2009, 12:32 AM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

بارك الله فيك يا أبا عبد المعز .
إنك لتفري الفريَّ !
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس
  #43  
قديم 16-10-2009, 04:41 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

37-لمحة في قوله :
"رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا"

لسائل أن يسأل :لم التنصيص على النسيان والخطأ ،مع أن هذا الزوج مرتبط بزوج آخر هو مقابله، طوي طيا ، وكان هو أجدر بالذكر وفق ما يظن في بادي الرأي!!
إن القسمة ليست ثنائية فيكون الترديد بين الخطأ والنسيان ،بل هي في الأصل رباعية:
فقد دل" النسيان" عن مقابله "العصيان" ،
ودل "الخطأ" عن مقابله "التعمد".
إنما قلنا بالقسمة الرباعية استنادا لما يشبه الحصر العقلي..فالمعنى العام متعلق بعدم إنجاز فعل كان ينبغي أن ينجز، ومن ثم يستشعر المؤمنون وقوعهم في التقصير، فيكون ملجأهم التضرع ..
ويمكن تصوير المعنى في تفريعاته الممكنة على النحو التالي:
التقصير في الفعل المأمور به يتخذ شكلين :
1-إما أن لا يؤتى به أصلا..
2-أو أن يؤتى به ،لكن على غير وجهه المطلوب..
ولكل شكل فرعان:
-فالفعل الذي لا يؤتى به يكون:
أ-إما من جهة العصيان ،
ب-أو من جهة النسيان.
-وأما الفعل الذي يتحقق على غير الوجه المطلوب فإما أن يكون :
أ-مقصودا فهو المتعمد،
ب- أو لا يكون كذلك فهو الخطأ..
لكنِ المؤمنون لم يذكروا في دعائهم إلا النسيان والخطأ ،مع أن المطويين أولى بالاستغفار...فلا شك أن النسيان حدث نفسي خارج عن طوق المرء ،يعتريه من دون إرادته، والمؤاخذة عليه هي أقرب إلى التكليف بما لا يطاق ..
أما الخطأ فهو قريب من النسيان حكما..لأنه قد فرض على الشخص فرضا ولعل سلامة النية وحسنها عند المخطيء شفيع مقبول لدى أي حاكم عادل فكيف ورب العالمين هو الحكم العدل!!
فيكون الجرم إذن من الجهة الأخرى،جهة العصيان والتعمد ..و طلب عدم المؤاخذة عليهما أولى !
فكيف تم الإعراض عن ذكرهما مع شدة اقتضاء المقام لذكرهما!

هي بلاغة القرآن!

فإن المؤمن لا يليق به- أصلا -أن يعصى :
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ النور51
مثلما لا يليق به- أصلا -أن يتعمد الخطأ:
"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً.."
(وفي تعبير الآيتين ب" إِنَّمَا كَانَ" و "وَمَا كَانَ" تنبيه على سجية المؤمن التي لا يتصور أن تتلبس بالعصيان أو الإفساد عن قصد...)
وهذا الجزء من الدعاء في ختام سورة البقرة أشبه ما يكون عودا على بدء..فقد أخبرت السورة الزهراء في مفتتحها عن قصة آدم وإبليس ..حيث يظهر الباعث على عدم الامتثال عند الفريقين..فكانت الخطيئة الإبليسية من وحي التكبر و العصيان:
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ34
والخطيئة الآدمية عن ضعف و نسيان:
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً طه115

فجاء دعاء المؤمنين معرضا عن ذكر ما لا يليق بهم ..بل لقد بلغ بهم رهافة الحس الإيماني أن يطلبوا من ربهم أن يغفر لهم ما هو غير داخل في الوسع والوعي ،من جنس الخطأ والنسيان، وذلك منتهى الورع والتقوى!!
منازعة مع اقتباس
  #44  
قديم 20-10-2009, 11:45 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

38- لمحة في قوله :
.....لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.....الكهف48

يمنح التشبيه اتساعا بيانيا في وجه الشبه ،وقدرة على مخاطبة الحس والعقل والوجدان..

1-فاحتمال أن يكون وجه الشبه بين النشأتين هوالاشتراك في الأصل العنصري: فبداية خلق الإنسان كانت من التراب ، وبعثه من التراب .

2-واحتمال أن يكون وجه الشبه هو تعلق القدرة الإلهية..فالله قادر على إعادة الخلق، كما كان قادرا على ابتدائه...وهذا هو الظاهر بالنظر إلى تتمة الآية: بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً48

3-واحتمال أن يكون وجه الشبه متعلقا بهيئة الخروج من الأرحام في الدنيا ،وهيئة الخروج من الأجداث في الآخرة، أي :حفاة عراة غرلا..كما ورد في الحديث الصحيح:
3100 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَرَأَ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [البخاري]

4-واحتمال أن يكون وجه الشبه في الفردية ..وهو معنى تكرر في القرآن:
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ - الأنعام94
وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً مريم80
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً مريم95

والتشبيه في كل هذا متجه لكسر أمور كثيرة في عقل الإنسان ،وخلقه، وطبعه :
-كسر العناد العقلي بصدد تكذيب الرسل في البعث والنشور
-كسرالغرور البشري بالتنصيص على اقتران قدر الإنسان بالتراب المداس بالأقدام، فلم تك نشأته إلا فيه، ولم يك بعثه إلا منه..
-كسر الكبرياء الحاصل من الوضع الاجتماعي الزائل ..فلا يبعث إلاعاريا كما ولدته أمه..عاطلا من مظاهر الأبهة والافتخار.
-كسر الشعور بالقوة الحاصل من الانتماء والعصبية والسيادة، فلا يبعث إلا فردا ،كما خرج من رحم أمه فردا!
منازعة مع اقتباس
  #45  
قديم 26-10-2009, 02:41 PM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 144
افتراضي

39-لمحة في قوله :
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا...طه132

لا إشكال في المعنى من جهة الفقه فالأمر بالاصطبار على الصلاة أمر عام يشمل الرسول وأمته..
لكن الإشكال يأتي من جهة البلاغة، فقد يقال: إن المقام يقتضي توجيه الأمر للمؤمنين مباشرة ..ذلك لأن خطاب الرسول بأمر الاصطبار يفهم منه أنه عليه السلام قد يتضجر من الصلاة، أو قد لا ينشط لها كما ينبغي، أو قد تشق عليه المداومة عليها..وما من شيء من كل هذا صحيح، فإنه عليه السلام قد قال عن نفسه :
".. وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ"
وواضح أن من كانت "قرة عينه في الصلاة" لا يكون في المقام الذي يستدعي أن يخاطب بأمر الصبر عليها ،فضلا عن الاصطبار عنها.

بيد أن العدول عن عموم الخطاب إلى خصوصه يحقق دلالات إضافية:
أولا:الدلالة الرئيسة ،أعني التكليف العام بالاصطبار، وهي منتزعة من الخطاب الخاص بمقتضى قواعد علم الاصول.
ثانيا:الدلالة الحافة من التخفيف النفسي ،فالمرء مجبول على التعزي بغيره، فإذا كانت المشقة التي يعاني منها مشتركة مع أقرانه ونظرائه خفت عنه وهانت في شعوره..وسيكون التخفيف النفسي أكبر عندما يُعلم أن العظماء أنفسهم يجدون تلك المشقة...
ثالثا: التحفيز المتفرع عن الدلالة السايقة..فعلم الإنسان أن من هم أقوى منه قد تشق عليه الصلاة دافع له إلى أن يأخذ عدته ويستجمع كل قواه لأنه أضعف ...
كما لو علم أن رجلا أقوى منه أصابه البرد في سفر..فيعتبر به فيأخذ العدة قبل خروجه من ثياب ودواء ..ولولا هذا الاعتبار لوقع له استهانة تورده المهلكة...
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
ثمان آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أم عبد السميع حلقة العلوم الشرعية 1 20-05-2012 10:18 PM
سؤال : عن إطلاق لفظة ( أداة ) على بعض الأسماء التلميذ حلقة النحو والتصريف وأصولهما 5 15-01-2012 04:29 PM
قضية قرآنية أو شرعية لأطروحة الماجستير ( طلب مساعدة ) قسورة أخبار الكتب وطبعاتها 5 16-06-2011 11:06 AM
سؤال : عن سبب تقدم الخبر في قوله تعالى : (( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )) صلوا على النبي المختار حلقة النحو والتصريف وأصولهما 0 30-12-2008 07:23 PM
من آيات الصيام مهاجر حلقة العلوم الشرعية 0 01-09-2008 09:41 AM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 10:26 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ