ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة البلاغة والنقد
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 03-06-2008, 10:14 PM
رعد أزرق رعد أزرق غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
السُّكنى في: فلسطين
التخصص : طبيب
النوع : ذكر
المشاركات: 19
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 9 مرة في 7 حديث
افتراضي أصالة التفكير الأدبي عند العرب .



اصالة التفكير الادبي عند العرب - هل تأثرت البلاغة العربية باسلوب ارسطو في كتاب الخطابة؟ - عبد الرزاق الحروب
تتردد في بيئات التفكير الأدبي أسئلة تدور حول حقيقة واحدة هي معرفة مدي أصالة التفكير الأدبي عند العرب، ومدي اعتماده علي الأصول الأولي التي أرسي اليونان قواعدها، باعتبارها أعرف الأمم في دراسة فن الشعر وفن الخطابة.
هل تأثر النقد الأدبي عند العرب بالنقد الأدبي عند اليونان؟
هل تأثرت البلاغة العربية بما كتب أرسطو عن الأسلوب في كتاب الخطابة؟.
يذهب المثبتون لهذه الأصالة إلي ان النقد الأدبي هو خلاصة الفكرة العربية في الفن الأدبي الذي عرفت براعتهم فيه منذ عرق التأريخ المحقق للأمة العربية، وان البلاغة العربية لم تستحق مباحثها وفنونها إلا من هذا المورد الطبيعي، أما الآخرون فإنهم ينفون هذه الأصالة عن التفكير الفني عند العرب، وباستقاء الدراسات النقدية والبلاغية من معين يوناني اهتدوا إليه أبان ازدهار نهضتهم العلمية في العصر العباسي.
ان البحث المنصف الهادي إلي التعرف إلي الحقيقة ينبغي إلا تدفع إليه عصبية للعرب ولا تصعب ضد العرب حتي يستطيع البحث تأدية مهمته في الوصول إلي نتيجة صحيحة يخدم الفكرة وحدها دون ان يكون هدفها محاولة إثبات أمجاد أو هدم أمجاد، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري لن يؤثر في التراث الفكري العربي ثبوت الإفادة من ثقافات الأمم الأخري لأن أمة العرب لم تعش وحدها علي الأرض ناهيك عن صلاتها القريبة أو البعيدة بكثير من هذه الأمم والأجيال ولا خير في تفاعلها وتأثرها وتأثيرها في الأمم الأخري، فالعرب قد وقفوا علي الآثار الباقية مما حفظ التأريخ من آثار اليونان وفي مقدمتها كتاب الشعر وكتاب الخطابة.
وهناك حقيقة مفادها ان تأليف الكلام المنظوم والكلام المنثور عند العرب لم يتأثروا بما لدي الأدباء اليونانيين ولم يكن له أثر علي نتاجهم الأزلي إذ ليس في شعرهم أثر لما عرف عند اليونان من فنون الشعر ولا تري فيه إشارة للإلياذة أو الأوديسا ولا بغيرهما من الشعر التراجيدي أو الشعر الكوميدي، ولم تظهر محاولة مجدية أو غير مجدية في تأليف شعر ملحمي أو شعر مسرحي في العصر الذي عرف فيه العرب أدب الإغريق، ومن هنا يمكن الحكم المطمئن بأصالة الأدب العربي واستقلاله، ولكن الأدب العربي في العصر العباسي بدت فيه بعض الاتجاهات الفكرية التي عرفت في الحياة العقلية إذ ذاك بتأثير نقل التراث اليوناني في الفلسفة والمنطق في ازدهار(علم الكلام) وفي نشأة الفلسفة الإسلامية. فإن مجال تأثر الأدب العربي محصور في التأثر بتلك الثقافة التي راجت في بيئات الفكر العربي والتي استطاع من خلال الأدب العربي ان يصور الحياة الفكرية الجديدة وان يفيد منها، وهناك فرق بين إفادة الأدب من حياة عقلية متأثرة بثقافة فكرية ما، وإفادة هذا الأدب العربي من أدب أمة ما، وهذا يعني ان تأثر الأدب العربي بمناهج التفكير الجديد وقضاياه، أو تصويره لما طرأ علي الفكر والحياة في العصر العباسي حقيقة من الحقائق تبدو في أدب بعض الشعراء أو بعض الكتاب أو بعض الخطباء، أما تأثر هذا الأدب بالمأثور من الأدب الإغريقي فلا يبدو له أثر في الأدب العربي.
وقد حاول ضياء الدين بن الأثير ان يوفق في ذلك في كلمة قرر فيها ان المعاني الخطابية وهو يريد بها معاني الأديب كله بفنونه المنظومة والمنثورة، كان أول من تكلم فيها حكماء اليونان، غير ان ذلك الحصر الذي حصروها فيه كلي لا جزئي، لأنه من المجال ان تحصر جزئيات المعاني وما يتفرع عنها من التفريعات التي لا نهاية لها وهذا الحصر لا يفتقر إليه الأديب ولم يكن البدوي راعي الإبل يمر بفهمه شيء من هذا، ومع ذلك قال شعراً، أو تكلم نثراً، لقد كان الشعر والخطابة للعرب بالطبع والفطرة والذين جاءوا بعدهم من الشعراء والخطباء من المتحضرين أجادوا في تأليف النظم والشعر وجاءوا بمعان كثيرة ما جاءت في شعر القدماء من غير ان يقفوا علي شيء مما ذكره علماء اليونان أو يتعلموا منه، مثل شعر أبي نواس وأبي تمام والبحتري والمتنبي وغيرهم وكذلك جري الحكم في أهل الكتابة من أمثال عبد الحميد وأبن العميد ويسوق أبن الأثير من نفسه شاهداً أنه لم يتعرض لشيء مما ذكره حكماء اليونان في حصر المعاني وينتهي إلي ان الناظم والناثر لا يحتاجان إلي معرفة شيء منها وان شعراء اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم لم ينظموه وقت نظمه وعندهم فكرة في منطق أرسطو وتعاليمه.ومن الآثار العربية في البلاغة والنقد التي يظهر فيها شيء من آثار التفكير الأدبي عند اليونان كتاب (البرهان في وجوه البيان) الذي ألفه أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم بن وهب الكاتب ويبدو فيه أن صاحبه واحد من المتكلمين الذين حذقوا علم الكلام ومارسوا الجدل والمناظرة ووقفوا علي آثار اليونان في المنطق والجدل وفي الشعر والخطابة والكتاب يحوي علي إشارات كثيرة تدل علي الإطلاع والمعرفة ثم علي قدرة بارعة في تعريب الفكرة ودعمها بالفكرة العربية وتأثيرها بروائع الشواهد من المأثور من القرآن والحديث وعيون الأدب العربي.
ومن أقوي الأدلة علي ذلك الفصل الذي عقده للكلام في الجدل والمجادلة وفيه شيء من آراء ارسطو وأسلوبه المنطقي ويعرج ابن وهب إلي القول بعد ذلك ان المجادل لا يعد في المجادلين الحذاق حتي يكون يحسن بديهته وجودة عارضته وحلاوة منطقه قادراً علي تصوير الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، وتلك فكرة السفسطائيين الذين لا يرمون إلا إلي الغلبة والانتصار علي الخصم بالقدرة البيانية من غير مراعاة لجانب الحق أو العدل، وقد أتهم سقراط بأنه كان يعلم تلاميذه كيف يجعلون الباطل حقاً والحق باطلاً وقد ردد هذا الرأي قبل أبن وهب عبد الله بن المقفع الذي عرف البلاغة بأنها (كشف ما غمض من الحق وتصويره الحق في صورة الباطل).
ولا تتضح الإفادة من الفكرة اليونانية في أي أثر من آثار التفكير البلاغي والنقدي عند العرب كما تتضح في كتاب (نقد الشعر) لقدامة بن جعفر وكتاب (البرهان في وجوه البيان) لابن وهب وكان أولهما نصرانياً وأسلم ثم كان أحد النقلة والمترجمين لآثار اليونان في المنطق والفلسفة وقد أتاح له ذلك خبرة طويلة بمذاهب اليونان في الأدب والنقد، وكان من الطبيعي ان تظهر آثار هذه المعرفة في كتابته عن الشعر العربي ونقده، كما كان أبن وهب أحد علماء الكلام وأهل الجدل والمناظرة وكان من الضروري ان يقف علي ضروب التفكير ومناهج البحث عند من يستطيع الوقوف علي نتاجهم من أبناء الأمم الذين يرعوا في الجدل والسفسطة، ومع ذلك ورغم فضل هذين العالمين فأن أقصي ما يمكن أن يقال انهما يمثلان جانباً من الجوانب الكثيرة التي تزخر بالآراء الأصيلة الجديرة بالتقدير التي امتزجت فيها الخصائص الذاتية بالثقافة المكتسبة، ومع ذلك ظهر لون آخر من العلماء الذين طغي عليهم الفكر اليوناني وغشي علي آثار شخصياتهم وهؤلاء لا يعدون في جملة من أفادوا من الفكرة اليونانية أو تأثروا بها لأن كتاباتهم في البلاغة والنقد الأدبي جاءت أشبه ما تكون بنقل المترجمين وبشروح المفسرين ومن أصدق الأمثلة علي هذا الطراز من العلماء حازم القرطاجني (ت 684هـ) صاحب (منهاج البلغاء وسراج الأدباء) ومما لا شك فيه انه توجد ملامح كثيرة للتشابه بين البلاغة العربية وبلاغة اليونان وأكثر الملامح شبهاً ببلاغة العرب هي مباحث الخاصة بدراسة الأسلوب الخطابي عند اليونان الملكي ولكن هذه الملامح المتشابهة لا يمكن ان تقطع وحدها بالأخذ أو الاحتذاء.

جريدة (الزمان) العدد 1328 التاريخ 2002 - 10 -3
منازعة مع اقتباس
  #2  
قديم 24-07-2008, 05:18 PM
سفير اللغة و الأدب سفير اللغة و الأدب غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2008
التخصص : أستاذ بالتعليم الثانوي
النوع : ذكر
المشاركات: 11
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له مرة واحدة في حديث واحد
افتراضي رد: أصالة التفكير الأدبي عند العرب .

شكرا على هذه المعلومات القيمة و إني اسأل الله أن يوفقكم لكتابة بحث آخر ذي صلة بما كتبتموه هنا و يتعلق الأمر بالحياة العقلية أو العلمية للعرب في العصر الجاهلي إذا كان هذا يسمح لكم به وقتكم و يتيسر لكم بقوة إرادتكم و يدفعه إليه حبكم للعلم.....و شكرا.
منازعة مع اقتباس
  #3  
قديم 28-07-2008, 05:41 AM
أبو محمد النجدي أبو محمد النجدي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2008
السُّكنى في: نجد
التخصص : الشعر والأدب
النوع : ذكر
المشاركات: 56
شكرَ لغيره: 39
شُكِرَ له 60 مرة في 20 حديث
افتراضي رد: أصالة التفكير الأدبي عند العرب .

جميل ما ذكر الكاتب في هذه المقالة وأجدني أوافقه في قوله :
اقتباس:
وهناك حقيقة مفادها ان تأليف الكلام المنظوم والكلام المنثور عند العرب لم يتأثروا بما لدي الأدباء اليونانيين ولم يكن له أثر علي نتاجهم الأزلي إذ ليس في شعرهم أثر لما عرف عند اليونان من فنون الشعر ولا تري فيه إشارة للإلياذة أو الأوديسا ولا بغيرهما من الشعر التراجيدي أو الشعر الكوميدي، ولم تظهر محاولة مجدية أو غير مجدية في تأليف شعر ملحمي أو شعر مسرحي في العصر الذي عرف فيه العرب أدب الإغريق، ومن هنا يمكن الحكم المطمئن بأصالة الأدب العربي واستقلاله.
كما نقول بتأثر العصر العباسي بما صاحب ذلك العصر من توسع في المعارف والاطلاع على الحضارات الأخرى , ولكن لا نقول أن هذا الإطلاع هو أساس التفكير الأدبي لدى العرب .

بوركت
منازعة مع اقتباس
  #4  
قديم 08-12-2008, 11:03 AM
دقي جلول دقي جلول غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2008
التخصص : بلاغة عربية
النوع : ذكر
المشاركات: 2
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 0 مرة في 0 حديث
افتراضي

دقي جلول-جامعة أبو بكر بلقايد - تلمسان-الجزائر-
جذور البلاغة العربية في مؤلفات النقاد العرب
ظل الاعتقاد السائد لدى الكثير من الباحثين- وحتى منتصف القرن العشرين- أن بعض المفاهيم والمصطلحات البلاغية تمتد في جذورها إلى البلاغة العربية، إذ أن المصنفات البلاغية وما أكثرها لم تكن تحمل في ثناياها موضوع تأثّر البلاغة العربية بالفكر الأجنبي، وهو ما أشار إليه أبو هلال العسكري بقوله: "...ولم يشر أحد المؤلفين العرب -كما قرأنا- موضوع تأثرها بأي فكر أجنبي قبل هذا التاريخ") (، غير أن الدراسات المتأخرة التي تناولها بعض الدارسين أثبتت تأثر البلاغة العربية بالفلسفة اليونانية، وبالأخص تلك الآراء التي جاء بها أرسطو. ويُعزى ذلك حسب رأيهم إلى الحركة اللغوية التي شهدها العرب في تلك الفترة، إذ ترجم العرب عدد كبير من مؤلفات التراث اليوناني، وقد شملت هذه المؤلفات مختلف الميادين و العلوم اللغوية العربية وعلى رأسها البلاغة العربية، كما سمحت هذه المؤلفات للرواد العرب من النهل من مصادرها، والتأثّر بما جاء فيها، ويُعدّ عبد القاهر الجرجاني واحدا من هؤلاء، إذ تأثّر ببلاغة اليونان بعد تسرّب الكثير من المسائل الفلسفية إلى فكره، و ظهر ذلك بصفة جلية في كتابه: "دلائل الإعجاز". إذ يكتشف متصفحه وجود كثير من الآراء التي يستمد فكرتها من الكتابات التي جاء بها أرسطو، ويلمس مدى انعكاسها على كتاباته، وكان عدد من الباحثين قد "أشاروا إلى انتفاع عبد القاهر ببعض أراء أرسطو خاصة فيما كتبه في كتابه: "فن الشعر "عن أقسام الكلمة، والفروق بينها، والمقاطع والحـروف والأصوات، وغيرهـا من المسائل التي رآها ضرورية فـي البلاغة"( ). ولقد كان حسن الاقتباس عند لجرجاني مثـار الإعجاب حتى قال عنه طه حسين :"لا يسع من يقرأ دلائل الإعجاز إلا أن يعترف بما أنفق عبد القاهر فيما حاول توفيقا يدعو إلى الإعجاب". ( )وفي نفس الفكرة دائما و في موضع آخر حول تأثّر عبد القاهر بالفلسفة اليونانية يقول :"صنّف عبد القاهر كتابين يعتبران بحـق أنفس ما كتـب في البيان العربي، هما: "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز"، فعندما نقرأ أولهما نكاد نجزم بأن المؤلّف قرأ الفصل الذي عقده ابن سينا للعبارة، وأنه فكّر كثيرا و حاول أن يدرسه دراسة نقد وتحميص"( ).
يذهب الدكتور طه حسين تأثّر عبد القاهر بالبلاغة اليونانية، وبالأخص للإطار البلاغي الأرسطي، وكان من نتيجة هذا التأثر إتباعه لمسالك وعرة وأساليب جافة ظهرت في منهجه، ولاسيما في طول الجملة، فضلا عن وجود بعض المصطلحات الغامضة بين ثنايا كتابه، مما جعل أسلوبه يميل إلى التعقيد، وهذا ما يُعاب عليه" عِيبَ على عبد القاهر أسلوبه الجاف الذي يميل إلى التعقيد أحيانًا كثيرة في كتابه دلائل الإعجاز، ولعلّ السبب في ذلك كما يرى محمود شاكر أنّه كان مهتمًا بنقض آراء القاضي عبد الجبار صاحب المغني، وطائفة من المعتزلة في مسألة اللفظ"( ).
وقد كان هذا المنهج الذي سلكه عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" دعامة قوية لإثبات نظريته، والدفاع عنها من خلال تحليلاته الدقيقة للنصوص، واستدلالاته الموفّقة على المسائل، جعلته يثير إعجاباً رغم المآخذ التي أشار إليها بعض الدارسين، ومنهم أحمد بدوي الذي قال بشأن الكتاب:" يبدو في كتاب الدلائل تكرير وعدم تركيز الأفكار وعدم التقسيم المحكم للأبواب غالبا، وإنما هي أفكار ترد فيُسجّلها، وربما يكون قد سبق له شرح بعض هذه الأفكار أو شرح مثيل لها، وكان ينبغي ضم اللاحق إلى سابقه، أو زيادة في شرح ما سبق له أن شرحه"( )، ولعلّ من أسباب ذلك هو التبويب والتنظيم الذي افتقده الكتاب وهو العمل الذي أكمله الدارسون فيما بعد.
و من جملة النقاد الذين أشاروا إلى قضية تأثّر عبد القاهر بالبلاغة اليونانية عامة، والأرسطية خاصة، نذكر شكري عياد حين كتب في بلاغة الخطاب والشعر. قال: "نظرية النظم ما كانت لتتم لو لم تسترفد من بين ما استرفدت أصلا فنيا هو اعتبار الحس القولي في"وحدة الكلام" وفي مجموعة أجزائه المترابطة التي لا يقوم جزء منها من مكانه أو يزال عن موضعه إلا انتفض الكل") (. ويذهب بعيدا حين يحدد المواضع التي تأثر بـها الجرجاني بالفكر الأرسطي، كفكرة المحاكاة و الوحدة، إذ يقول : "لو تأملت هذه الفكرة[النظم] التي جعلها عبد القاهر أصلا في "أسرار البلاغة " و "دلائل الإعجاز" لوجدتّها قريبة من فكرة قدامة في هيولي الشعر وصورته، بل لوجدتها هي بعينها فكرة ابن سينا، و في أن العمل الشعري شيء يكون في صورة المعاني لا في مادتها، و لن تراها بعد ذلك بعيدة عن فكرة أرسطو في أن الشعر محاكاة لأفعال، أو محاكاة أي صورة ما تتشكل بها الأفكار والمعاني") ( في حين يقدم الثانية على أساس نظرية استأثرت بالصناعة الشعرية من خلال التشبيهات الكثيرة التي وردت في كتابه، كالعمل الذي تقوم به الصورة والنقوش "إنا سبيل هذه المعاني، سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصورة والنقوش في ثوبه الذي نسج، إلى ضرب من التخيّر والتدبّر في نفس الأصباغ، و في مواقعها ومقاديرها، وكيفية مزجه لها وتركيبه إياها إلى ما يهتدي عليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب وأغرب") (. وما كان لهذا التأثّر أن يخلو من الحدة، إذ دخلت مسألة التعقيد إلى فكر الجرجاني، ولعلّ ظاهر ذلك تلك السمات الغالبة التي ميّزت "دلائل الإعجاز": استعماله لعبارات جافة غموض الفكرة... الخ. وسرّ الغموض يظهر في دقة المسائل التي تعرّض لها و التي تعتمد على قوة الجدل، ودقة العرض. ويعلق أحمد المراغي على هذه المسألة قائلا: " أسلوبه يجمع بين الطريقتين: قوة الجدل المنطقي، و له المعرفة التامّة باصطلاح الفلاسفة والمتكلّمين، إلى الروح الأدبي و القدرة على النقد، وصنعة الكلام، إلا أن أسلوبه في " دلائل الإعجاز" أميل إلى طريقة المتكلمين"( ). فتحمّسه البالغ لنظريته جعله يدخل النحو المتفلسف و المعقد على أبحاثه، ويعرض أبوابه بعبارات منمّقة وهو ما أضفى على نظريته رونقا خاصا.
وإذا كان موضوع تأثّر عبد القاهر في كتابه "دلائل الإعجاز" من الإشارات الكثيرة التي تعرض إليها المشتغلون بالدراسات اللغوية في أبحاثهم، فإن هناك من ينفي هذا الأمر جملة وتفصيلا، و حجته في ذلك أن ما قيل في هذا الشأن فيه كثير من المبالغة، فعبد القاهر لم يُشر في كتابه أن الثقافة الإغريقية كانت مصدر إلهامه، ولو أن أحمد بدوي ارتاب في القضية حين ذهب إلى "أن صمت عبد القاهـر عن الحديث عن آراء أرسطـو يثـير كثيـرا من الريب في أن صاحب الدلائل والأسرار قد نقل نقلا مباشرا عن الفيلسوف الإغريقي، فإنه حتى في فكرة النظم التي وقف عليها في كتابه" دلائل الإعجاز" قد نقل عن العلماء ما يؤديها، كما فإذا كان قد نقل عن أرسطو فلم يكن الفيلسوف اليوناني يمن يستر عبد القاهر الأخذ عنه، ولذلك وقف في ريبة من أمر دراسة عبد القاهر للثقافة الإغريقية المرتبطة بالبلاغة العربية") (.
و مستفاد القول مما تقدم أن نظرية النظم مرّت بمراحل مختلفة قبل أن تصل إلى المستوى الذي وصلت إليه، فهي ذات أصول تاريخية بعيدة، والفكرة وبالرغم من تناولها من لدن كثير من الباحثين، و خاصة دارسي الإعجاز القرآني، إلا أنها لم تعرف استقرارها إلا على يد عبد القاهر الجرجاني. و هذا المنهج المتمثل في الاستفادة من آراء سابقيه و تطعيمها بآرائه المميزة، نتيجة فكره النافذ، و أسلوبه العلمي، هي التي أوصلت فكرة "النظم" لأن تكون نظرية في غاية الدقّة و البراعة، فالفكرة و بالرغم من تناولها، و معالجتها من لدن عديد الباحثين إلا أنها لم تعرف هدفها المنشود إلا على يد عبد القاهر الجرجاني في كتابه"دلائل الإعجاز"، "إن حديث النظم، ذو أصول تاريخية بعيدة، و هو موضوع عالجه النحاة و اللغويون و النقاد والبلاغيون علاجا يسيرا ساذجا، أُسيء فهم موضوعه وظيفته...، و لكن عبد القاهر منحه سمة تمتاز بالتوضيح و التفصيل و التأويل المذهبي، والإمعان العقلي"( ).
كانت هذه مختلف الروافد التي استلهم منها عبد القاهر الجرجاني أصوله المعرفية، روافد امتزج فيها الرافد الإعجازي بالرافد البلاغي، فالرافد الفلسفي، لتتشكّل على ضوئها ركائز أساسية ساهمت في بناء منهج متكامل، تجلّت معالمه في محتويات كتابه القيم: "دلائل الإعجاز"، وهو المنهج الذي لا يزال يساير الدراسات الحديثة، فإذا كان هناك في تاريخ البلاغة العربية ما نعتزّ به ونشجّعه وندعو إلى دراسته، و نعمل على تطويره بحيث يُلائم نهضتنا الأدبية الحديثة، فهو منهج عبد القاهر الجرجاني في دراسته للبلاغة العربية، ونظريتـه في النظم، وطريقته في فهم اللغـة، و تحوّلها وفقهها، ونهجه اللغوي الذوقي في تحليل النصوص ودراستها والحكم عليها") (. لأنه بنى نظريته في كتابه "دلائل الإعجاز" على أساس من الفكر النحوي والبلاغي، بفضل حذاقة سمتها بناء لغوي شامخ استرفده تراث فكري عميق.
مقتطف من مبحث في رسالة ماجستير والموسومة " منهج عبد القاهر الجرجاني في الدرس اللغوي " تقدم بها الباحث: دقي جلول بجامعة تيارت -الجزائر-
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
أصول النقد الأدبي - أحمد الشايب ( بي دي إف ) فيصل المنصور مكتبة أهل اللغة 16 11-03-2013 09:45 PM
الشعر ديوان العرب أبو طعيمة حلقة الأدب والأخبار 6 20-09-2008 02:27 PM
من أقوال العرب محمد سعد حلقة فقه اللغة ومعانيها 0 05-06-2008 03:30 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 12:46 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ