ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة الأدب والأخبار
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 30-04-2018, 03:37 PM
محمود العيسوي محمود العيسوي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2017
التخصص : باحث ومراجع لغوي - شاعر وكاتب
النوع : ذكر
المشاركات: 3
شكرَ لغيره: 1
شُكِرَ له 4 مرة في 3 حديث
افتراضي المقامة اللغوية

المقامة اللغوية

حدَّثنا أبو الوليد عن بعض أغاريبِه وأعاجيبِه في بلاد العرب، فكان حديثُه في غايَة العجَب، فكان ممَّا حَكاه مِن أخبار أولئك البشر، مِن غريب الخبر، مما تُستجلى به العِبَر، قال أطال الله بقاءَه وصرَف عنه أعداءه:
يا ابن أخي، قد هفَتْ نفسي إلى التَّطوافِ في البلاد لاستجلاء أخبار العباد، كما كان يَفعل أجدادُنا الأكابِر؛ إذ كانوا يتوارَثون الرحلة كابرًا عن كابر، فأعددتُ لذلك الأَمتعة، متشوقًا للرِّحلة المُمتعَة، وشحَذتُ لذلك همَّتي، وتوكَّلتُ على الله في رحلتي، ويمَّمتُ وجهي شطر أرض العرب، وفيها مِن العِبَر الكفاية لمن طلَب؛ فهي أرضُ الأجداد، ومنزل الأَشاوِس الأنجاد.
ونزلتُ في أرض الحضَر، بين نَسلِ ربيعةَ ومُضَر، فإذا أنا بقوم ألسنتُهم عجيبة، وكلماتُهم غريبة، يَرطنون رطانَة العجَم، كأنما قد أصابَهم البَكَم، فسألتُ: مَن القوم؟ وأين نَسلُ العرب اليوم؟ فتضاحَكوا وتغامَزوا، وتهامسوا وتهامزوا، فعجبتُ ممَّا يَضحكون، ومن أي شيء يسخرون؟ لقد سألتهُم بلسان عربي، غير مُتفاصِح ولا عيِّي، وبينما أُقلِّب بصري فيهم كالحالم، إذا أنا برجل مِن وَرائي قائم، فقال أهلًا ومرحى، بأهل العربية الفُصحى، ثم سار بي على طول الطريق، وانتشَلَني من بين أيديهم كانتِشال الغريق.
وأخَذ يقصُّ عليَّ نبأ أولئك المُستهزِئين، الضاحِكين الشامتين، فإذا هم عربٌ قد تبدَّلت هُويتهم، وانتكسَت فطرتُهم، وقد رسخَتْ فيهم العُجمة رسوخًا، وتبدَّلت ألسنتُهم إليها فصاروا مُسوخًا، وإذا هم فُصَحاء في لغة العجَم، بُلَداء في لغتهم الأُم، لا يستطيعون إقرارها ولا يَعرفون أسرارها.

فوقفتُ في أرضِ العُروبةِ شاردًا = أبكي بُناة المجد من قحطانِ
أهلَ الفصاحةِ والبَيان جميعَهم = الحافظين رسالةَ التِّبيانِ


وأخذتُ أجولُ في شوارِعِهم وأسواقِهم؛ لعلي أطَّلع على فصاحة ألسنتِهم، فما راعني شيء كما راعني استِشراءُ العُجمة فيهم، بين عامَّتِهم ومُتعلِّميهم؛ فأسماء محالهم ومتاجرهم أسماء مبدَّلة، وألقابُهم أعجميَّة غير مُبجَّلَة؛ فالسوق صار «الهايبر» والأخت صارت «سستر»، والأب «فذر» والأم «مذر»، وصار العم والخال «أونكل»، هل هذا بربِّك شيءٌ يُعقَل؟
ما بالُ الناسِ قد تنكَّروا للغتِهم، وهي رمزُ عزِّهم وفَخارِهم، هل نأتِ اللغةُ يومًا عن تحمُّل الأعباء حتى يَستبدلوا بها لغةَ الأعداء؟ وهل جنَتْ في حقِّهم جِناية حتى تُرمى بالسوء والزِّراية؟ وحتى يَشبَّ على بُغضِها الصغير، ويَتنكَّر لأنوارها الكبير، ويتفنَّن في السخرية منها السفهاء، ويَنأى عن الدِّفاع عنها البُلغاء؟ ويُرمى أهلوها والمُستمسِكون بها بالزور والبُهتان، ويَصير البُكمُ الجُهَّال سادة الأوطان؟

أَبني العروبة أَبشِروا بقَطيعة = تُرديكُمُ لمَجاهِلِ الأَزمانِ
فارقتُمُ لغةَ الكِتابِ، ونِلتُمُ = منها منالَ الجاهلِ الحَيرانِ
وَطَفقتُمُ تتسوَّلون كلامَكُم = بمَوائدِ الجُهَّال والبُكمانِ

ودَلفتُ إلى معاهد العلوم لأُجالسَ أصحابَ الفهوم، القائمين على ميراث الأنبياء، الحُفَّاظ له والأمناء، فإذا هي خَلوٌ من العلوم إلا النُّتَف مِن كلِّ علمٍ مُقتطَف، والطلابُ بين شاردٍ بفِكره مُنصرِف، وآخرَ عن سبيل العلم منعُطِف، وإذا الأفهام مُتعثِّرة، والألقاب مُتغيِّرة، وقد صار المُعلِّم والمُعلِّمة المستر والمس، ونزلَت مكانتُهم إلى دَرَكٍ بخْس، وهم ساكتون وبالدُّون راضُون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فجمعتُ الأساتذة أو أكثرهم، أعظُهُم وأُذكِّرهم، فما وجدتُ فيهم بليغًا، ولا مَن يَستطيع بلسان عربيٍّ تبليغًا؛ فأفصحُهم مُتفاصِح، وجهلُه جهلٌ فاضِح، إلا مَن رحم ربي وعصَم، وبلسانِ أجداده اعتَصَم، وهم قلَّة في وسط حُطام، كالنُّور في رَحم الظَّلام. فأخذتُ أتبسَّم لهم وأرفُقُ بهم، وأرمقُهم بلطائف اللواحِظ وأنا أتلو عليهم المَواعظ، فكان مما قلتُ لهم:
يا معشرَ الأساتذة والمُصلحين الجهابذة، قد ولاكمُ الله أمانَة العلوم، وجعَلكم مفاتيح لمَغاليق الفُهوم، فأنتم أمانُ الخائف الشريد، وقِبلة العارف المُستزيد، ومَقصد الطلاب، والمَناهل العِذاب، والوِردُ المَعين والضِّياء المستبين، فاشكروا الله على ما أولاكم، واتقوا الله فيما ولاكم.
يا معشرَ المُعلِّمين، تعلَّموا لغة أجدادكم، فهي رمز أمجادكم، وعُنوان فَخارِكم. وما عزَّ قومٌ إلا بعزِّ لسانهم وما ذلُّوا إلا بافتِتانهم، فلا تبغوا بلغتِكم البَدائل، ولا تَحيدوا عن نهج الأوائل، فقد كانوا سادة الفَصاحة والبَيان، وملوك الإيضاح والتبيان.
يا معشرَ المُعلِّمين، ونسل العرب الأكرمين، أحبُّوا لسانكم، وعلموه أبناءكم، وافخروا بلغتكم في كل حين، وتحدَّثوا بها وانشروها في ربوع العالمين، فالخير كل الخير في محبَّتها، والرشاد والهُدى في رفع مناراتها وقُبَّتها …

يا نَسْلَ يَعرُبَ إن طلبتُم مجدَكم = ومَفاخرَ الأيَّامِ والأَوطانِ
فلتحفَظُوا عني وصاةَ نزيلِكُم = لا مجدَ في قومٍ بلا تِبيانِ
فلسانُكم خيرُ اللُّغات جميعِها = يَكفيه ما يحوي من القرآنِ
فتعلَّموا هذا اللسانَ وأَفصحِوا = فالمجدُ في الفصحى عظيمُ الشَّانِ

ثم قام عني أبو الوليد قاطعًا عذب كلامه، كاتمًا مُرَّ أوجاعِه وآلامِه …
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( محمود العيسوي ) هذه المشاركةَ :
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
المقامة السامرية: حديث الغربة عمر السنوي حلقة الأدب والأخبار 2 23-07-2017 10:41 AM
طلب : أدب المقالة - عبد اللطيف حمزة عبيد بن احمد مكتبة أهل اللغة 1 18-07-2016 01:22 PM
المقامة الألبانية . محمد البلالي حلقة الأدب والأخبار 0 30-12-2014 04:43 PM
" الثقافة اللغوية " كتاب لتجنب الأخطاء اللغوية رائد أخبار الكتب وطبعاتها 0 23-01-2010 09:02 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 01:13 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ