ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية

ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية (https://www.ahlalloghah.com/index.php)
-   حلقة فقه اللغة ومعانيها (https://www.ahlalloghah.com/forumdisplay.php?f=5)
-   -   التنبيه على بعض ما يلحن فيه الناس في الدعاء (https://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=14770)

محمد بن إبراهيم 14-04-2021 12:17 AM

التنبيه على بعض ما يلحن فيه الناس في الدعاء
 
البسملة1

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آله وصحبِه ومن والاه.
وبعدُ،
فإنّ حاجتَنا إلى الدعاءِ أعظمُ من حاجتِنا إلى الطعامِ والشرابِ، فالدعاءُ-كما في الأثر-هو العبادةُ، والأولى بالمسلمِ أن يتجنبَ اللحنَ في الدعاءِ ما أمكنَه ذلك، وقد بالغَ الأصمعيّ في الحطِّ على من سمِعَه يدعُو، فيقولُ: (يا ذو الجلالِ والإكرامِ!)، فسأله عنِ اسمه، فقالَ: ليْثٌ، فقالَ:
يناجِي ربَّهُ باللحنِ ليْثٌ * لِذَاكَ إذَا دعَاهُ لَا يجِيبُ
وهذا منه-رحمه الله-مبالغةٌ في الإنكارِ على طالبِ العلم أو العالمِ الذي يلحن في دعائِهِ، ولا يريدُ به أن الله-تعالى-لا يقبلُ دعاءً فيه لحنٌ أو خطأٌ، فكَمْ من داعٍ بغير العربيةِ أصلًا قَدْ أجابَ الله دعاءَه، وكَمْ من داعٍ صادقٍ بلهجتِه العاميةِ التي لا يعرفُ غيرَها ليس بينَ دعائِه وبينَ اللهِ حجاب!
وأما طلابُ العلمِ وأئمةُ المساجد، فحريٌ بهم أن يسلكوا الجادّةَ في مثلِ هذا إسوةً بأفصحِ من نطقَ باللسانِ العربيّ-صلى الله عليه وسلم-، وليقتديَ بهم غيرُهم ممن يسمعُهم.
والله-سبحانه-الموفّق والهادي لسبلِ الرشاد.

محمد بن إبراهيم 14-04-2021 04:50 AM

وردة1 فمِنْ ذلكَ قولُ بعضِهم: (اللهم شافِ مرضانا)، والصوابُ: (اللهم اشفِ مرضانا) من الفعل الثلاثي (شفى)، ومنه قول النبي-صلى الله عليه وسلم-في الدعاء: (اشفِ وأنتَ الشافِي، لا شفاءَ إلا شفاؤُكَ) الحديثَ.

وردة1 فإن قيلَ: إن (شافَى) هنَا على وزنِ (فاعل)، وهو مما يأتِي بمعنى المجرّد، أي: الثلاثيّ، كـ(سافر) بمعنى (سفر)، و(جاوز) بمعنى (جاز)، و(لامس) بمعنى (لمس)، وبه قال الشافعي-رضى الله عنه-في أظهر قوليه-كما في البحر المحيط-في تفسير قوله-تعالى-: ((أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ)) الآية، فإذَا كانَ ذلِكَ كذلِكَ، فلِمَ لا يكونُ (شافَى) هنَا بمعنَى (شفَى)؟!

وردة1 فالجوابُ عن ذلكَ أن يقالَ: إنّ الزياداتِ التي تدخلُ الفعلَ [ كالألف في (فاعلَ) مثلا ] ليستْ قياسًا مطرِّدًا، بل يحتَاجُ في كلِّ بابٍ إلى استعمالِ اللفظِ المعيَّنِ في المعنَى المعيَّنِ، كذا قرَّرَهُ المحقِّقُ الرَّضِيُّ في «شرح الشافية» (1/ 84)، ولم يعرَفِ استعمالُ (شافى) بمعنى (شفى) في الكلام المحتجِّ بِهِ.
والله أعلم.

محمد بن إبراهيم 28-04-2021 07:36 PM

وردة1 ومِنْ ذلك قولُ بعضِهم: (اللهُمَّ اعتِقْ رقابَنَا مِنَ النارِ) أو (اعتقِنا منَ النارِ)، والصوابُ: (اللهُمَّ أعْتِقْنَا) بهمزةِ القطعِ لأنَّهُ مِنَ الفِعْلِ الرُّباعيّ (أعتقَ)، وأمَّا (اعتِقْ)، فأمرٌ مِنَ الثلاثيِّ (عتَقَ)، وهوَ فعلٌ لازمٌ، يقالُ: عَتَقَ الْعَبْدُ عَتْقًا مِنْ بَابِ (ضَرَبَ) إذَا خرجَ مِنَ الرِّقِّ، وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ، فَيُقَالُ: (أَعْتَقْتُهُ)، فَهُوَ (مُعْتَقٌ) عَلَى قِيَاسِ الْبَابِ، وَلَا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، فَلَا يُقَال: (عَتَقْتُهُ)، فما يوجَدُ في كَلامِ الفُقَهاءِ وبعْضِ المُحدِّثينَ من قوْلِهِم : (عبْدٌ مَعْتوق) و(عتَقَهُ) ثُلاثيٌّ غيرُ معْروفٍ، ولا قائِلَ به، فلا يُعْتَدُّ به، بلِ المُتَعَدِّي رباعيٌّ، والثُلاثيُّ لازِمٌ أبدًا. [انتهى بتصرف من المصباح والتاج]
قلتُ: وكذا قولُهُم في الدعاءِ: (اعتِقْنَا) الصوابُ فيهِ قطعُ الهمزةِ لأنَّهُ مِنَ الرباعيِّ المتعدِي، وليسَ من الثلاثيِّ.

وردة1 فإنْ قيلَ: إنَّهُ مِنْ بابِ حذفِ همزةِ الوصلِ على حدِّ قولِ الشاعرِ:
إنْ لَمْ أقاتِلْ فالْبِسُونِي بُرْقُعَا * وفَتَخَاتٍ في اليدينِ أربَعَا
يريدُ: فأَلْبِسُونِي

وردة1 فالجوابُ عن ذلك أنَّ ذلك ضرورةٌ، ولا يقاسُ عليه، ومثلُه ما وردَ في قراءة ابن كثير في بعضِ الرواياتِ عنه لقولِه تعالَى: ((إِنَّهَا لَإحْدَى الكُبَرِ)) بحذفِ الهمزةِ من (إِحْدَى)، قالَ ابن جني في {باب حذف الهمزة من الخصائص}: (قد جاءَ هذا الموضعُ في النثرِ والنظمِ جميعًا، وكلاهُمَا غيرُ مقيسٍ عليهِ إلا عندَ الضرورةِ.) انتهى.

محمد بن إبراهيم 29-04-2021 01:21 AM

وهنا فتوى للشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-في الدعاء بهذه الصيغة:
https://binothaimeen.net/content/4430
نسأل الله أن يجعلنا في هذه الليالي المباركة من عتقائه من النار ومن المرحومين المجبورين.

محمد بن إبراهيم 03-05-2021 04:46 PM

وفي الدعاء: (اللهُمَّ اجعلِ القرآنَ العظيمَ ربيعَ قلبِي ونورَ صدرِي وجِلاءَ حُزْنِي وذَهابَ همِّي)، يقرؤه بعضهم: (وجَلاءَ حُزْنِي وذِهَابَ هَمِّي)، والصواب: (جِلاء) كـ(كِتاب) و(ذَهاب) كـ(سَماء).

محمد بن إبراهيم 05-05-2021 06:57 PM

بيانُ معنَى اللفظتيْنِ والفرق بينَهَمُا علَى الضَّبْطَيْنِ (بفتحِ أوَّلِهِمَا وكسرِهِمَا):

وردة1 (الجِلاءُ) بالكسرِ مأخوذٌ مِنْ قولِكَ: جلَوْتُ السيفَ والمرآةَ جَلْوًا وجِلاءً إذَا صقَلْتَهُمَا، ومنْهُ علَى المجازِ: جلَا عنْهُ الهمَّ، أَيْ: أذهَبَهُ، وهو المناسِبُ لمَا فِي الدعاءِ.
وأمَّا (الجَلاءُ) بالفتحِ، فمنْ قولِكَ: جلَا عَنْ وطَنِهِ جَلاءً إذَا خرَجَ، وجليْتُهُ: أخرَجْتَهُ، يتَعَدَّى ولا يتَعَدَّى، ومنْهُ قولُهُ-تعالى-: ((وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا))، أي: الخروجَ.

وردة1 وأمَّا (الذَّهابُ) بالفتْحِ، فمعنَاهُ في الدعاءِ الإزالَةُ مِنْ قولِكَ: (ذَهَبَ بِهِ) أي: أزالَهُ، ومنْهُ قولُهُ-تعالى-: ((وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ)).
وأما (الذِّهابُ) بالكسْرِ، فجمْعُ (ذِهْبَةٍ)، وهِيَ الأَمْطَارُ الضَّعِيفَةُ أو اللَّيِّنَةُ، وهُوَ-أعنِي: (الذِّهاب) بالكسرِ أيضًا-اسمُ موضعٍ، وقيلَ: هو جَبَلٌ بِعَيْنِهِ.
والله أعلم.

محمد بن إبراهيم 25-05-2021 07:56 AM

وردة1 ومِنْ ذلِكَ ما سمعتُه من قولِ بعضِ الداعينَ: (اللهمَّ حبِّبْنَا فِي بعضِنَا)، والصوابُ أن يعدَلَ عن هذه الصيغةِ، فيقالَ: (اللهمَّ اجعلْنَا متحابِّينَ أو متوادِّينَ)، أو يقالَ: (اللهمَّ أَلِّفْ بينَ قلوبِنَا) أو ما في هذا المعنى، وذلكَ أن كلمةَ (بعضٍ) تعنِي الطائفةَ من الشيءِ أو الجزْءَ منهُ، فيكونُ المعنى على ذلك: (اللهم حبِّبْنَا في جزءٍ منَّا)، وهو ما لا يريدُه الداعِي.

وردة1 فإنْ قيلَ: قالَ بعضُ العلماءِ: إنَّ كلمةَ (بعضٍ) قد تأتِي بمعنَى (كلٍّ)، وفسّروا به قولَه-تعالى-: ((يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُم))، قالُوا: أيْ: كلُّه، واستدلُوا أيضًا بقولِ لبيدٍ:
* أَوْ يعتلِقْ بعْضَ النفوسِ حِمَامُهَا *
حَمَلُوه على معنَى: (كُلَّ النفوس).

وردة1 فالجوابُ عن ذلك أنّ هذا الذي قالوه في تفسيرِ البعضِ بالكلّ قد ردّه الناس، فأمَّا الآية، فقيلَ فيها: إنّ مؤمنَ آلِ فرعون قالَ ذلك ليهضِمَ موسى-عليه السلام-بعضَ حقّه في ظاهرِ الكلام، فيُرِيَهم أنه ليس بكلامِ مَنْ أعطاه حقه وافيًا فَضْلًا عن أَنْ يتعصَّبَ له، وأمَّا بيتُ لَبيدٍ، فقالوا: إنَّه يعنِي نفسَه، لكنْ عرَّضَ ولمْ يصرِّحْ تفاديًا من ذكرِ موتِ نفسِه، وينظَر للفائدة تفسيرُ الآية الكريمة في {الدرّ المصون}، {وتاج العروس، مادة (ب ع ض) [18/ 245 وما بعدها]}.
وإنْ سلَّمنَا مجيء (بعضٍ) بمعنى (كلٍّ)، فهو أيضًا غيرُ جيدٍ في الدعاءِ لأنّ معناه يكون: (اللهمّ حببنَا في كلِّنا)، وهو كلامٌ ركيكٌ لا يليقُ بمقامِ الدعاءِ بين يدَيِ اللهِ-عز وجل-.
والله أعلم.

صالح سالم قريرة 25-05-2021 10:14 PM

اللــــهم بارك لنا و علينا ...ألف تحية و ألف شكر ..أحسنتـــــــــــــــــم ...

محمد بن إبراهيم 30-05-2021 05:59 PM

اللهم آمين، وشكر لكم، وأحسن إليكم.

وردة1 ومِن ذلِكَ أنَّ بعضَ الناسِ إذا قيلَ له: ألكَ حاجةٌ في كذا؟ أو نحوُ ذلك، يجيبُ بقولِهِ: (لا جزاكَ اللهُ خيرًا)، والوجهُ أن يقولَ: (لا وجزاكَ اللهُ خيرًا).

وردة1 وذلكَ أنَّ القولَ الأولَ يوهِمُ أنَّهُ دعاءٌ على المخاطَبِ، وهوَ من المواضعِ التي ذكرها البلاغيُّونَ في تعيُّنِ الوصلِ في مباحثِ الفصلِ والوصلِ، ومنهُ قولُ بعضِ البلغاءِ لأحدِ الملوكِ: (لا وأيَّدَكَ اللهُ).

محمد بن إبراهيم 07-06-2021 11:36 PM

وفي « إكمال المعلم بفوائد مسلم » للقاضي عياض تعليقا على قول بعض الصحابة لأبي بكر-رضي الله عنهم جميعا-لما سألهم: يَا إِخْوَتَاهْ، أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لا، يَغْفِرُ اللهُ لكَ يَا أُخَىَّ، قال القاضي-رحمه الله-: (كذا جاء فى هذا الحديث، وقد روي عن أبي بكر أنه نهى عن مثل هذا، وقال: قل: عافاك الله، رحمك الله، لا. يريد: ألا تقدم (لا) قبل الدعاء، لاقتضائها نفيه فى الظاهر، ولأنه قد يكون مثل هذا ذريعة للمجَّان وغيرهم من قصدهم هذا فى صورة الدعاء. وقد قال بعضهم: قل: لا، ويغفر الله لك، فيزول الإيهام والاحتمال.) اهـ
وقال بعض الظرفاء: إن هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ في خدود الملاح!
ينظر للفائدة « شرح الشهاب الخفاجي على درة الغواص » (ص: 140)


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 08:50 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ