ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية

ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية (https://www.ahlalloghah.com/index.php)
-   حلقة الأدب والأخبار (https://www.ahlalloghah.com/forumdisplay.php?f=4)
-   -   فَراشُ الفوائد (https://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=8238)

صالح العَمْري 18-02-2013 02:55 AM

فَراشُ الفوائد
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا كما ترى سميتُه فَراش الفوائد، بفتح الفاء من الفَراش، وفَراش الشيء ما تطاير منه وتفرق، قال سلمة بن الخرشب الأنماري:
غدوتُ به تدافعني سبوحٌ * فَراشُ نسورها عجمٌ جريمُ
والمعنى أن نسورها كالعجم الجريم، ولا فراش لها، وهو تفسير أبي جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح، وهو من أعلم الناس بشعر العرب، ومن فسره بغير ذلك فقد أخطأ.

صالح العَمْري 18-02-2013 03:02 AM

1 - أسماء الأيام عند العرب في الجاهلية.
أولها عندهم الأحد، واسمه أَوَّل، ثم على الترتيب: أهون فجُبار فدُبار فمُؤنس فعَروبة فشِيار، شيار هو يوم السبت، وهي مجموعة على الترتيب في قول العربي:
أؤمِّلُ أن أعيشَ وإنَّ يومي * بأَوَّلَ أو بأَهونَ أو جُبارِ
أو التالي دُبارَ فإن أَفُتْه * فمُؤْنِسَ أو عَروبةَ أو شِيارِ

صالح العَمْري 18-02-2013 03:12 AM

2 - أسماء أيام العجوز.
هي آخر أيام الشتاء، وهي سبعة أيام، جمعها الشاعر في قوله:
كُسِعَ الشتاءُ بسبعة غُبرِ * بالصِّنِّ والصِّنَّبْر والوَبْرِ
وبآمِرٍ وأخيه مُؤتَمِرٍ * ومُعَلِّلٍ وبمُطفِئ الجَمرِ
وقوله: كُسعَ الشتاء بسبعة غبر، معناه أن الشتاء خُتم بهذه الأيام الشديدة الباردة، وهي سبعة كما ذكرنا، تقول: كسعتُ الرجل إذا طردتَه واتبعتَ أثره وكنتَ خلفه، فكأن هذه الأيام تطرد الشتاء وتَتبعُه وتشتدُّ وراءه، لأنها آخر أيامه.

منصور مهران 18-02-2013 07:42 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت من قِبَل صالح العَمْري (المشاركة 35052)
1 - أسماء الأيام عند العرب في الجاهلية.
أولها عندهم الأحد، واسمه أَوَّل، ثم على الترتيب: أهون فجُبار فدُبار فمُؤنس فعَروبة فشِيار، شيار هو يوم السبت، وهي مجموعة على الترتيب في قول العربي:
أؤمِّلُ أن أعيشَ وإنَّ يومي * بأَوَّلَ أو بأَهونَ أو جُبارِ
أو التالي دُبارَ فإن أَفُتْه * فمُؤْنِسَ أو عَروبةَ أو شِيارِ


أثابك الله وأجرى على يديك هذا الخيرَ : خيرَ الفوائد ومعها خير التوضيح
وهنا سؤال في مقام التوضيح :
هل الرجلُ يستطيع أن يفوتَ أيامَه ؟
أو الأيامُ هي التي تفوتنا ؟
فتكون رواية ( فإن يفتني ) هي الصواب وفوق رواية ( أفته )

وتوضيحاً آخرَ أرجوه :
لماذا حُرِمَ ( مُؤْنِسٌ ) من الصرف هنا - وهو مصروفٌ في لسان العرب - ؟ أهي العلة المعهودة ( قيد الوزن ) أم سواها ؟

دائماً نتلقف فوائد دِقاقاً من قلم الأستاذ الجليل صالح العَمري فلا ( يفوتنا ) السؤال حيث وجدنا إليه سبيلاً .

صالح العَمْري 18-02-2013 03:49 PM

أهلا بالأستاذ الكبير العلامة الشيخ منصور مهران، حياكم الله يا شيخنا، عظم سروري بوجودكم، ما ألطفكم وأنتم تتكلمون عني وأنا من تلاميذ تلاميذكم.
اقتباس:

وهنا سؤال في مقام التوضيح :
هل الرجلُ يستطيع أن يفوتَ أيامَه ؟
أو الأيامُ هي التي تفوتنا ؟
فتكون رواية ( فإن يفتني ) هي الصواب وفوق رواية ( أفته )
لم أر الرواية التي ذكرها الشيخ -حفظه الله- ولم أقف عليها، ويكفينا أن الشيخ منصورا قد أشار إليها، فهذا يقوم عندي مقام الوقوف عليها.
وأنا أحسب -والله أعلم- أن الرواية التي كنتُ أثبتُّها أولى بالصواب من الرواية التي أشار إليها الشيخ منصور نفع الله به.
وذلك أن الشاعر تكلَّم عن حاله وأن الموت قد أخذ عليه مسالكَه وسدَّ عليه سُبُلَه، وأنَّ تأميلَه للعيش ليس بمنجيه من الموت، وإن نجا من الموت في يومٍ لقيه الموت في اليوم الثاني، وأخذه من غَدِه.
ثم لما كان الموت يأتي في هذه الأيام السبتِ والأحدِ وإخوتِها جعلها كأنها هي الموت الذي يطلبه، لأن الموت إنما يقع فيها، فأخبر أنه متى ينجُ من أحد هذه الأيام يتلقَّفْه اليومُ التالي فيصطلمه.
فأنت ترى أن الشاعر هنا يخبر أنه مطلوب مُطارد، وهو جادٌّ في الهرب من أسباب الموت، فإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن تكون الرواية: "فإن أَفُـتْهُ"، يقول: إن أفلتُّ من الموت في أحد هذه الأيام لقيتُه في يوم يقفوه، فأنا هالك لا محالة.

وإنما تحسن رواية: "فإن يَفُتْني" لو كان الشاعر هو الطالب، يطلب وقوع شيء في يوم من هذه الأيام، كأَنْ يحاول مالا كثيرا أو أمرا خطيرا، يتلمَّسه كل يوم، وينكمِش في بِغائه، فيجعل الأيام حينئذ كأنها هي الشيء المطلوب، لأنه يلتمس حاجته في السبت، فإن فاتته طلبها في الأحد، وهكذا، فيحسُن على هذا أن يقول: "إن يَفُتْني" السبتُ لا يَفُتْني الأحد، فصار كأنه يطلب الأيام نفسها، وهو في الحقيقة إنما يطلب ما يتوقع حدوثه فيها، ويكون هذا فيه مشابِهُ من قول الأول:
فإن يك صدرُ هذا اليوم ولَّى * فإن غدًا لناظره قريبُ
والله سبحانه وتعالى أعلم.

صالح العَمْري 18-02-2013 11:44 PM

اقتباس:

لماذا حُرِمَ ( مُؤْنِسٌ ) من الصرف هنا - وهو مصروفٌ في لسان العرب - ؟ أهي العلة المعهودة ( قيد الوزن ) أم سواها ؟
قد مُنع (مؤنس) من الصرف ضرورة، وهي ضرورة قبيحة، ومنع المصروف -كما فعل الشاعر هنا- أقبح من صرف الممنوع بالاتفاق، لأن الذي صرف الممنوع لم يزد على أن ردَّ الاسم إلى أصله، فهو رجوع إلى الأصل، وهو أكثر من أن يحصى في الشعر، فهو جائز في الشعر بالاتفاق، بل هو لغة لبعض العرب في كلامهم كله لا في الشعر وحده، يصرفون جميع ما يمنعه غيرهم من الصرف.
أما منع المصروف فإنه إخراج للاسم عن أصله، وأكثر البصريين يمنعونه، ولا يجيزونه لا في الشعر ولا في غيره، والكوفيون يجيزونه في الشعر للضرورة، وهي ضرورة قبيحة، والأولى اجتنابها.
والله أعلم

منصور مهران 19-02-2013 03:41 AM

أشكر لك هذا التوضيح
على أن الرواية التي أشرتُ إليها وردت في لسان العرب لابن مُكَرَّم في مادتي : ( أ ن س ) و ( ج ب ر )
وأحمد اللهَ إلى القراء الكرام أن رزقنا باحثاً جادّا كهذا الكهلاني الحصيف .

صالح العَمْري 22-02-2013 01:52 AM

3 - كنت أروي قول تأبط شرا في أول مفضلية:
كأنما حثحثوا حُصًّا قوادمُه * أو أُمَّ خِشْفٍ بذي شَثٍّ وطُبَّاقِ
يصف سرعته، يقول: كأن القوم لما طردوني كانوا يطردون ظليما حصا قوادمه، أو ظبية أم خشف ترعى بين الشث والطباق.
ولم أكن أدري أيُّ النبات الشث والطباق، إنما أعرف أنهما ضربان من الشجر، وأنهما -كما قال الأنباري في شرح هذا البيت في المفضليات- من نبت السراة.
فقلت في نفسي: ما لي لا أسأل عنهما وأقف على حقيقتهما. فلما ذهبنا إلى ديارنا في السراة قبل شهر أو نحو من ذلك سألت والدي عنهما، وكان رعى الغنم في صغره حتى قتل تلك الجبال خبرا، وكان في صغره ذا لسان سؤول وقلب عقول، فهو في ما أعلم من أعلم الناس بتلك الأرض، فقلت له: أتعرف الشث والطباق؟ قال: كيف لا أعرفهما وهما من أكثر ما يكون من الشجر بأرضنا. فقلت: أما تغير اسماهما في كلام الناس؟ قال: ما تغير شيء، لا نعرف الشث إلا باسمه هذا ولا الطُبَّاق إلا باسمه هذا. قلت: أما الشث فاسمه خفيف على اللسان، فلا غرو في بقاء اسمه على حاله، لكن أخبرني عن الطباق أينطقونه هكذا بضم الطاء وشدة الباء؟ قال: نعم، بضم الطاء وشدة الباء، لم نسمع أحدا ينطقه على غير هذا الوجه.
ثم أعدت السؤال عليه تارات، أريه أنني نسيت وأريد أن أستوثق، حتى كاد يبرم بي من كثرة ما سألته.
ثم رأيت الشث ورأيت الطباق، والحقيقة أنني كنت أراهما قبل ذلك في ما خلا من السنين، لكنني لم أكن أدري ما هما، وإنما أعرف أشياء قليلة من مشهور نبت السراة، وضروب نبت السراة كثيرة جدا، حتى قال لي أبي: لا نعرف أحدا يعرف أسماء هذه النباتات كلها، وإنما عرفنا أشياء وغابت عنا أشياء.
فأحببت الآن أن أنقل لإخواني كلاما وصورا وجدتها في بعض المواقع عن هاتين الشجرتين.

"الطُبَّاق واحدته طُبَّاقَة بضم الطاء وشدة على الباء، والقاف مفتوحة. شجيرة من شجر جبال السراة ولم أرها في غيرها، وقد أوردها علماء النبات في كتبهم بهذا الاسم حيث ذكر الاصمعي في كتابه النبات أن الطباق من شجر السراة. ونقل أصحاب المعاجم عن أبي حنيفة الدينوري ذلك حيث جاء في لسان العرب قال أبو حنيفة: والطباق شجر نحو القامة ينبت متجاورا لا يكاد يرى منه واحدة منفردة، وله ورق طوال دقاق خضر يتلزج إذا غمز، وله نور أصفر مجتمع. وأورد بيت تأبط شرا:
كأنما حثحثوا حصا قوادمه * أو أم خشف بذي شث وطباق"

ودونك صورتين للطُّبَّاق:
http://www.thomala.com/swr/wade/tp1.jpg

http://www.thomala.com/swr/wade/tp4.jpg


ثم قال:
"ما لاحظته أن الطباق والشث بينهما ألفة وصحبة، فحيثما وجدت إحدى الشجيرتين تجد الأخرى، ليس على الطبيعة فحسب بل وحتى في الأشعار وبطون الكتب، ولا بد أنكم لاحظتم ذلك فيما سبق ذكره، وإليكم قول أبي العلاء يخاطب جارية حسناء:
وصويحباتك بالفلاة ثيابها * أوبارها وحليها الأوراقُ
لم تنصفي غذيت أطيب مطعم * وغذاؤهن الشَّثُّ والطباقُ
ولغيره:
وأشعث أنسته المنية نفسه * رعى الشث والطباق في شاهق وعرِ"

قلت: صدق في ما قال، فلا تكاد ترى شثة إلا رأيت بجوارها طباقة.
ودونك صورتين للشث:
http://www.thomala.com/upp/upfiles/zdR03294.jpg

http://www.thomala.com/swr/swr-n/107.jpg

والله أعلم

صالح العَمْري 10-03-2013 05:45 PM

4 - كل ما جاء من كلام العرب على (أَفعال) بفتح الهمزة فهو جمع، إلا ثلاثة عشر حرفا:
2،1 - ثوب أسمال وأخلاق.
4،3 - بُرمة أعشار وجفنة أكسار: إذا كانتا مشعوبتين.
5 - ونعل أسماط: إذا كانت غير مخصوفة.
9،8،7،6 - وحبل أحذاق وأرمام وأرماث وأقطاع: إذا كان قطعا موصلة.
10 - وثوب أكياش: لضرب من الثياب رديء النسج.
11 - وأرض أحصاب: أي ذات حصى.
12 - وبلد أمحال: أي قحط.
13 - وماء أسدام: إذا تغير من القِدَم.
[من كتاب (الأُزْهِيَّة في العوامل والحروف) لعلي بن محمد النحوي الهروي، باب (ألف القطع وألف الوصل)، بتصرُّف يسير]

أبو إبراهيم رضوان آل إسماعيل 10-03-2013 07:00 PM

جزاك الله خيرا أبا حيان على هذه الفوائد اللطيفة .
أما ما ذكرت من أن ( أفعال ) جمع إلا هذه الأحرف الثلاثة عشر ، فلعل الصواب أن كل ما جاء على وزن ( أفعال ) فهو جمع ، وقد يصفون المفرد ببعضه ، لمعنى يريدونه من وصف المفرد بالجمع ، كقولهم : ( ثوب أسمال وأخلاق ) ، إنما يقصدون من ذلك المبالغة في الوصف بذلك ، كأن كل جزء من أجزاء الثوب مسمئِلٌّ أو خَلِق ، ثم يجمعون تلك الأجزاء ، فيقولون ثوب أسمال وأخلاق .
جاء في ( تاج العروس ) :
وردة1 تحت مادة ( ر م ث ) :
( و ) الرَّمَثُ : الحَبْلُ الخَلَقُ ، وجمعُه أَرْماثٌ ورِمَاثٌ ، و ( حَبْلٌ أَرْمَاثٌ ) أَي ( أَرْمَامٌ ) كما ، قالُوا : ثَوْبٌ أَخْلاَقٌ .
وردة1 وتحت مادة : ( ح ذ ق ) :
ويقال حَبْلٌ أَحْذاقٌ : أَي أَخلاق ، كأَنه حُذِقَ ، أَي : قُطعَ ، جَعَلوا كُلَّ جزْءً منه حَذِيقاً ، حكاه اللحْيانِيُّ .
وردة1 وتحت مادة : ( خ ل ق ) :
وقد يُقال : ثَوْبٌ أَخْلاقٌ يَصِفُونَ به الواحِدَ : إِذا كانَت الخُلُوقَةُ فيه كُلِّه كما قالُوا : بُرْمَةٌ أعْشارٌ ، وأرْضٌ سَباسِبُ ، كما في الصِّحاح ، وكذا ثَوْبٌ أكياشٌ ، وحَبْلٌ أَرْمامٌ ، وهذا النحْوُ كَثِيرٌ ، وكذلِك مُلاءَةٌ أَخْلاقٌ ، عن ابنِ الأعْرابِيَ ، وفي التَّهْذيبِ : يُقال : ثَوْب أَخْلاقٌ ، يُجْمَع بما حَوْلَه ، وقالَ الرّاجِزُ :
جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أَخْلاقْ ،،، شَراذِمٌ يَضْحَكُ منه التَّوّاقْ
وقالَ الفَرّاءُ : إِنّما قِيلَ : ثَوْبٌ أَخْلاقٌ لأن الخُلُوقَةَ تَتَفَشَّى فِيه ، فتَكْثُرُ ، فيَصِيرُ كُل قِطْعَة منها .
وردة1 وتحت مادة : ( ر م م ) :
( وحَبْلٌ أرمامٌ ورِمامٌ ، كَكِتاب وعِنَب ) أي : ( بالٍ ) ، وصَفُوه بالجَمْع كأَنَّهم جَعَلوا كُلَّ جُزْء واحِداً ثم جَمَعُوه .
وردة1 وتحت مادة : ( س د م ) :
قال الزَّمَخْشَرِيُّ : يقال : ماء أَسْدامٌ وسِدَام على وَصْف الوَاحِد بالجَمْع مُبالَغة كَقَوْله : ( ومِعىً جِياعاً ) اهـ
قلت : فوصفهم المفرد بهذه الكلمات لا يخرجها من كونها وضعت للجمع ، والله تعالى أعلم .

منصور مهران 10-03-2013 10:05 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت من قِبَل صالح العَمْري (المشاركة 35416)
4 - كل ما جاء من كلام العرب على (أَفعال) بفتح الهمزة فهو جمع، إلا ثلاثة عشر حرفا:
2،1 - ثوب أسمال وأخلاق.
4،3 - بُرمة أعشار وجفنة أكسار: إذا كانتا مشعوبتين.
5 - ونعل أسماط: إذا كانت غير مخصوفة.
9،8،7،6 - وحبل أحذاق وأرمام وأرماث وأقطاع: إذا كان قطعا موصلة.
10 - وثوب أكياش: لضرب من الثياب رديء النسج.
11 - وأرض أحصاب: أي ذات حصى.
12 - وبلد أمحال: أي قحط.
13 - وماء أسدام: إذا تغير من القِدَم.
[من كتاب (الأُزْهِيَّة في العوامل والحروف) لعلي بن محمد النحوي الهروي، باب (ألف القطع وألف الوصل)، بتصرُّف يسير]

قولكم :
11- وأرض أحصاب . أي : ذات حصى
أحسب أنه تصحيف ، وصوابه :
أرض أخصاب ( بالخاء ) إذا أصابها الخِصب

منصور مهران 10-03-2013 10:36 PM

ملحق
 
وقالوا :
رمحٌ أقْصادٌ
وفي أسماء البلدان : الأنبار والأبواء والأبلاء
على أن بعض أهل اللغة يعدونه جمْعاً يُنقل أحياناً للوصف أو التسمية كما سَمَّوْا ( أشجان ) و ( أنغام ) علماً على المرأة .
هذا ما يحضرني الآن ولعل الإخوان الكرام يعقبون بما يرونه صواباً
وبالله التوفيق

صالح العَمْري 11-03-2013 12:40 AM

اقتباس:

أما ما ذكرت من أن ( أفعال ) جمع إلا هذه الأحرف الثلاثة عشر ، فلعل الصواب أن كل ما جاء على وزن ( أفعال ) فهو جمع ، وقد يصفون المفرد ببعضه ، لمعنى يريدونه من وصف المفرد بالجمع
اقتباس:

قولكم :
11- وأرض أحصاب . أي : ذات حصى
أحسب أنه تصحيف ، وصوابه :
أرض أخصاب ( بالخاء ) إذا أصابها الخِصب
الحقُّ في ما قاله رضوانُ * وقد أصاب شيخُنا مهرانُ
[هذا من تسمية الرجل باسم أبيه ضرورة! كما قال:
صبَّحن من كاظمة الخُصَّ الخَرِبْ * يحملن عباس بن عبد المطلبْ
وإنما أراد ابنه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما]
أما ما ذكره أستاذنا أبو إبراهيم فقد استحسنته واستجدته، لكن أقول للفائدة: هذا الذي ذكرتُه من كونها مفردة ليس من عندي، وإنما هو من كلام الهروي، ونص كلامه هو: "فكل ما في كلام العرب (أفعال) بفتح الألف فهو جمع إلا ثلاثة عشر حرفا: يقال: ثوب أسمال وأخلاق.."، لأني خشيت أن يُفهم مما ذكرتُه من تصرفي في كلامه أنني أتيت بشيء لم يقله هو.
وأما ما ذكره شيخنا الشيخ منصور من وقوع التصحيف في "أحصاب" فما أراه إلا مصيبا فيه، ويكون أصل الكلام هكذا:
"وأرض أخصاب: أي ذات خصب"
فصُحِّفت "أخصاب" إلى "أحصاب"، وحُرِّفت "خصب" إلى "حصى"!
والله أعلم

صالح العَمْري 13-03-2013 06:31 PM

5 - من الخطأ الشائع قولهم: "رجال الأمن البواسل"، فهذا لا يجوز، وباسل على زنة فاعل، وهو صفة لمذكر عاقل، وفاعل إذا كان صفة لمذكر عاقل لا يجمع على فواعل، وإنما يجمع على فواعل ما كان على وزن فاعلة، أو كان على وزن فاعل صفة لمؤنث مثل حائض وحوائض، أو كان لغير العاقل مثل حائط وحوائط.
وشذ من ذلك قولهم: فلان فارس من الفوارس. فهذه صفة لمذكر عاقل، وجمعت على فواعل، وعللها العلماء بأن المرأة لا تتصف بالفروسية، ولم يُسمع امرأة فارسة، فذلك خاص بالرجال، فلما أمنوا اللبس قالوا في جمع فارس: فوارس.
وشذ أيضا قولهم: فلان هالك في الهوالك، قال العلماء: هو مثل سُمع هكذا فأجري على أصله.
وشذ أشياء أخرى جاءت في الشعر، منها: نواكس، في قول الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم * خضع الرقاب نواكس الأبصار
ومثله غوائب في قول عتيبة بن الحرص:
أحامي عن ذمار بني أبيكم * ومثلي في غوائبكم قليل
فهذان كما ترى ضرورة شعرية، وصرح سيبويه بكون الأول ضرورة.
ومنها: شواهد وخوالف وعواطس وكوادس ورواهب وقوارس وقوابس.
وذكر بعض النحويين أن ما شذ من ذلك إحدى عشرة كلمة.
وبعض العلماء يحمل على ذلك على معنى الطوائف، فيقول في خوارج: هو جمع طائفة خارجة، وهي طوائف خوارج.
والمقصود أن البواسل في قولهم: "رجال الأمن البواسل"، لا يصح قياسا، وليس أيضا من الشاذ المسموع.
والله أعلم

منصور مهران 13-03-2013 10:37 PM

قال ابن بري : يجوز أَن يريد هالك في الأُمم الهَوالِك فيكون جمع هالكة ، على القياس ،
وإِنما جاز فوارس لأَنه مخصوص بالرجال فلا لبس فيه .

( لسان العرب : هلك )

فيصل المنصور 17-03-2013 01:03 AM

اقتباس:

والمقصود أن البواسل في قولهم: "رجال الأمن البواسل"، لا يصح قياسا، وليس أيضا من الشاذ المسموع.
بارك الله فيك، وشكر لك.
وكتيبةٍ سُفعِ الوجوهِ بواسلٍ *** كالأسْدِ حين تذبُّ عن أشبالِها
هذا بيتٌ من أبياتِ الحماسةِ. وعليه اعتمَد بعضُ من أجازوا هذا الجمعَ كعباس أبي السعود في (أزاهير الفصحى)، والسيد أحمد صقر في إحدى مقالاتِه.
وليس كلُّ ما وردَ في الشِّعر ساغَ استعمالُه في الكلامِ، إذْ قد يجوز أن يكون ضرورةً، أو يكونَ له وجهٌ من التأويلِ يُخرِجُه عن صحّة الاستدلالِ بهِ.
والكلامُ على هذا طويلٌ جدًّا. وأرجو أن أكتبَ فيه مقالةً مفصَّلةً إن شاء الله.

صالح العَمْري 20-03-2013 11:45 PM

أحسن الله إليكم يا أبا قصي.
قد غاب عني بيت الحماسة الذي أنشدتموه، وقد أحسنتم في التذكير به، فلعله ضرورة كبيت الفرزدق، ونحن نرجو أن نرى مقالتكم في تفصيل ذلك قريبا.

صالح العَمْري 20-03-2013 11:46 PM

6 - كل ما جاء من كلامهم على (إفعال) بكسر الهمزة فهو مصدر إلا خمسة أسماء:
1 - إعصار.
2 - إسكاف.
3 - إمخاض، وهو السقاء الذي يُمخض فيه اللبن.
4 - إنشاط، يقال: بئر إنشاط، وهي التي تخرج منها الدلو بجذبة واحدة.
5 - رمية إنباء، وهي التي تنبو ولا تدخل إلا شيئا يسيرا.
[من كتاب (الأُزْهِيَّة في العوامل والحروف) لعلي بن محمد النحوي الهروي، باب (ألف القطع وألف الوصل)، بتصرُّف يسير]

منصور مهران 21-03-2013 01:36 AM

قلتُ :
وإسحاق : اسمٌ أعجمي
قال سيبويه : ألحقوه ببناء إعصار

وقلت :
وفي القاموس : الإسنام - بالكسر - جبلٌ لبني أسد
قال الزبيدي : ولم يذكره ياقوت

صالح العَمْري 06-04-2013 05:00 PM

7 - أعجبني قول بعضهم في تعزية من فارق أهله وإخوانه وودَّعهم:
لا تأسَ يا قلبُ من وداعٍ * فإن قَلبَ الوداع عادوا
القلب في صدر البيت هو الفؤاد، وفي عجزه معناه أنك إذا عكست حروف (وداع) كانت (عادو)، تُنطق هكذا وتُكتب (عادوا).
فكأنه يقول: ما بين الوداع وبين العودةِ وقولِ الناس: (عادوا) إلا كما تَقلِب حروف هذه الكلمة.
أو يقول: إذا ودَّعت فلا تيأس من العودة وتفاءل بها، فإن الوداع في الحياة مقترنٌّ بالعودة كما اقترن لفظُه بلفظها.

محمد بن إبراهيم 09-04-2013 09:18 AM

جزاك الله خيرًا.
اقتباس:

فكأنه يقول: ما بين الوداع وبين العودةِ وقولِ الناس: (عادوا) إلا كما تَقلِب حروف هذه الكلمة.
بشرك الله بالخير.

صالح العَمْري 02-06-2013 09:18 PM

8 - اشتهر عند الناس أن مطلع مقصورة ابن دريد هو:
يا ظبية أشبه شيء بالمها * ترعى الخزامى بين أشجار النقا
ثم بعده:
إما تري رأسي حاكى لونه * طرة صبح تحت أذيال الدجى
وهذا البيت الأول لم يروه ابن خالويه، وإنما جعل أول القصيدة قوله: "إما تري..."، وابن خالويه سمع القصيدة من ابن دريد نفسه مرارا، وقرئت على ابن دريد وابن خالويه يسمع، قال ابن خالويه في مقدمة شرحه:
"أنشدنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي غير مرة، وقرئت عليه وأنا أسمع:
إما تري رأسي حاكى لونه * طرة صبح تحت أذيال الدجى"
ثم بدأ في شرح البيت، وأكمل باقي القصيدة.
فابن خالويه سمعها من ابن دريد نفسه مرارا، وليس فيها البيت الذي أوله: "يا ظبية...".
وكذلك التبريزي لم يرو البيت الذي أوله: "يا ظبية..."، وأول المقصورة عنده هو قوله: "إما تري رأسي...".
وقد بين ابن هشام اللخمي حال هذا البيت وروايته، قال ابن هشام في شرحه على المقصورة بعد ما أثبت هذا البيت وشرحه: "وهذا البيت لم يثبت في رواية أبي علي ولا في أكثر الروايات، وإنما وقع في رواية شاذة وهي رواية إسحاق بن مخلد."
قال المحقق في الحاشية: "هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر بن يعقوب الحنظلي المعروف بابن راهويه المروزي، نزيل نيسابور، وروى عن ابن عيينة وابن المبارك وجماعة،...، وتوفي سنة 237 أو 238"
لكن هذا الذي ذكره المحقق لا يستقيم، لأن ابن دريد ولد سنة 223ه، وابن راهويه توفي سنة 238ه، أي أن عمر ابن دريد لما توفي ابن راهويه كان 15 سنة، وابن دريد لم ينظم المقصورة إلا بعد ما بلغ السبعين، فإنه لم ينظمها إلا بعد سنة 294ه بعد ما ذهب إلى بلاد فارس، فكيف يكون ابن راهويه قد روى هذا البيت في مقصورة ابن دريد وابن راهويه توفي قبل أن ينظم ابن دريد مقصورته بأكثر من 50 سنة؟!
(فالسؤال للإخوة الكرام: من إسحاق بن مخلد الذي نسب إليه ابن هشام اللخمي رواية هذا البيت؟)
والمقصود مما ذكرنا أن البيت لم يقع إلا في رواية شاذة كما قال ابن هشام، وأكثر الروايات لا تثبته، وإنما الصحيح أن مطلع المقصورة هو قوله:
إما تري رأسي حاكى لونه * طرة صبح تحت أذيال الدجى

صالح العَمْري 10-04-2014 01:43 AM

9 - رُبَّ مَن يَعْنيهِ حالي * وَهْوَ لا يَجري ببالي
قَلبُهُ مَلآنُ مِنِّي * وفُؤادي مِنهُ خالي

محمد بن إبراهيم 14-04-2014 11:14 PM

بارك الله فيكم، وزادكم علما.
اقتباس:

(فالسؤال للإخوة الكرام: من إسحاق بن مخلد الذي نسب إليه ابن هشام اللخمي رواية هذا البيت؟)
جاء في غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري: (إسحاق بن مخلد بن عبد الله بن زريق. وقال الأهوازي: إسحاق بن مخلد بن محمد بن يعقوب أبو يعقوب الضرير الدقاق البغدادي، قرأ على أبي أيوب الخياط ...والحسن بن سعيد المطوعي قرأ عليه سنة ثلاثمائة، قال الذهبي بقي إلى [ما] بعد الثلاث مائة.) قلتُ: وكذلك ابن دريد بقي إلى ما بعد الثلاث مئة، فلعله رواها عنه حين كان ببغداد.

صالح العَمْري 17-04-2014 06:47 PM

أحسنت يا شيخنا أبا بكر، جزاك الله خيرا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
10 - قرأت اليوم في صفحات بعض الفضلاء هذا:
"قبل قليل وفي إحدى الإذاعات ؛ قال المذيع في ختام برنامجه اليومي : أتمنى لكم weekend [ ويك إند ] سعيد ! لكِ الله يا لغتنا"
فجاء رجل آخر يؤيد المذيع في ما ذهب إليه، ويعد ذلك إيجازا محمودا، فقال:
"ويكند = إجازةُ نهايةِ الأسبوع (خير الكلام ما قل و دل)"
فجاء رجل ثالث ينكر على هذا الثاني، ويدعوه إلى تعريبها لكنه ما أتى بشيء مرضي، فقال:
"قل: نهاية الأسبوع أو الجمعة والسبت، المسألة هُوِيّة ومبدأ وشعار"
ولا أدري كيف يبعَل الناس بمثل هذه الدمائث فلا يجدون منها مخرجا، حتى يتلدّد فيها من يعرفون منهم بالعلم والفضل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على كل حال، هذا قضاء الله تبارك وتعالى، وقد نفذ فينا، فإليه المشتكى والمعول.
وقد كنت قبل نحو من سبع سنين أيام الدراسة في الجامعة أسميها: الوجيزة، لأننا كنا قد ابتلينا بلهج الناس بالويكند، فكنت أسميها الوجيزة، فسمعها مني جملة من الأصحاب والأصدقاء من طلاب العلم، ففرحوا بها واستحسنوها، وأكثروا من استعمالها بعد ذلك، وما زلت إلى اليوم أسميها بذلك، ولا أدعوها بغيره.
وقد يقول قائل: كل شيء يقصر يصح أن يوصف بالوجيز، فهذا شيء مشترك.
فهذا لا ينبغي أصلا أن يُرد عليه، لتفاقم جهله وتراكبه، وما أفسد اللغة ولا نكّل بها إلا هذا الصنف من البشر، ولذلك أخرجهم جهلهم هذا إلى سرد الجمل وأشباهها في أسماء الأشياء، فيسمونها إجازة نهاية الأسبوع، لأنهم يريدون أن يصفوها بوصف جامع مانع لا يدخل فيه غيره ولا يدع شيئا من حقيقة المسمى وصفاته إلا أتى عليه.
وتالله ما كانت العرب تسلك هذا المسلك المخزي، بل كانت تسمي الشيء بما تدل عليه صفة واحدة من صفاته، سواء أكانت أظهر صفاته أم لم تكن، وهذا أكثر من أن يحصى في كلام العرب، ولا معنى لتتبعه والاستقصاء فيه لأن الأعمار تفنى دونه.
فمن ذلك تسميتهم العقل، قال العلماء: لأنه يعقِل الإنسان ويقيده عن الوقوع في القبيح.
فسمته العرب بذلك على أن العقل له خصائص كثيرة، وليس مقصورا شأنه على هذا التقييد، فإنه يدل صاحبه على الحسن، ويحفظ ما يصل إليه من العين والأذن، ويمِيز الذي يشَمه الأنف وتمسُّه اليد بعضَه من بعض، ويحل المشكلات، ويفتق المعضلات، وغير ذلك.
فلو كان أمر تسميته إلى هؤلاء المتأخرين زمنا وعلما لسمّوه: المقيِّدَ عن القبيح الدليلَ على الحسن الحافظَ لما يُسمع ويُرى المميزَ لما يُحَس ويُلمَس المفكِّرَ في كذا وكذا...
فهل رأيت اسما في حياتك أطول من هذا؟!
فكذلك تسمية الإجازة التي تكون في نهاية الأسبوع: وجيزةً، النظرُ فيه إلى وصف من أوصافها، ونعت واحد من نعوتها، وهو القصر، لأنها أقصر إجازة في السنة، ثم إن لفظه في السمع قريب من لفظ الإجازة فاستعماله حسن مرضي، ولسنا نعرف الآن شيئا من الأشياء يُسمى بهذا الاسم، إنما توصف به الأشياء وصفا، فلمّا خرج هذا إلى باب الاسمية لم يلتبس بغيره، ففيم المراء؟
ولست أحمل الناس على هذه التسمية دون غيرها، معاذ الله، من كان عنده شيء خير من هذا، فليفدنا به، أما إن كان سيأتينا بجملة أولها في رأس الصفحة وآخرها في ذيلها فلا نريده، ما أزهدنا فيه!
وبالله التوفيق.

صالح العَمْري 11-05-2014 04:40 PM

11 - تعليم الأطفال العقيدة والتوحيد في سوريا بدير الزور، بهذا والله تنتصر الأمة بعد نصر الله لها، لا بالبرامج الحوارية والمجالس الانتخابية.
http://safeshare.tv/w/UmmxErxzxs

أبو محمد يونس المراكشي 12-05-2014 08:36 AM

واصلوا وصلكم الله بهداه

صالح العَمْري 25-03-2015 06:31 PM

12 - في العرب قبيلان يقال لهما: رِزام بن مازن.
أحدهما رزام بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان.
وهم الذين يقول فيهم مزرد بن ضرار الذبياني:
فقلت ولم أملك رزام بن مازن * إلى إبة فيها حياء الخرائدِ
والآخر رزام بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم.
وهم الذين يقول لهم سعد بن ناشب المازني التميمي:
فيا لرزام رشحوا بي مقدما * إلى الموت خواضا إليه الكتائبا

صالح العَمْري 04-08-2015 01:52 AM

(13)
عاب المتنبي قول أبي تمام:
رقيقُ حواشي الحلم لو أن حلمه * بكفّيكَ ما ماريتَ في أنه بُردُ
فقد روى الحاتمي في مناظرة جرت بينه وبين أبي الطيب ذكرها في (الرسالة الموضِحة) أن المتنبي قال: "فهل امتدح أحدٌ قبله أحدا برقة الحلم؟ ووصفه بالركانة والثخانة أولى، ألا ترى إلى قول عدي بن الرقاع:
أبت لكم مواطن طيبات * وأحلام لكم تزن الجبالا
قال: ثم إنه شبه الحلم في رقته بالبُرد، ورقة البرد دال على هلهلة نسجه، وليس ذلك من أوصافه ولا ممادحه"
ولم يُجب الحاتمي عن هذا بشيء.
فالمتنبي عاب على أبي تمام أمرين:
1 - وصف حلم الممدوح بالرقة.
2 - وصف البُرد بالرقة.
وقد أصاب المتنبي في انتقاده الأول لو أن أبا تمام وصف الحلم بالرقة لكنه لم يصفه بذلك كما سنبين فالعيب في كلام المتنبي وفهمه، وأخطأ المتنبي في انتقاده الثاني من وجهين سنبينهما.
فجاء أبو هلال العسكري وأخذ على أبي تمام ما أخذه المتنبي في المأخذ الأول، وهو قوله في (الصناعتين):
"وما وصف أحدٌ من أهل الجاهلية ولا أهل الإسلام الحلم بالرّقة، وإنما يصفونه بالرجحان والرزانة، كما قال النابغة:
وأعظمُ أحلامًا وأكبر سيداً * وأفضلُ مشفوعًا إليه وشافعا
وقال الأخطل:
صمٌّ عن الجهل عن قيل الخنا خرُس * وإن ألـمَّت بهم مكروهةٌ صبرُوا
شمسُ العداوةِ حتى يستقادَ لهمْ * وأعظمُ النّاسِ أحلامًا إذا قدرُوا
وقال أبو ذؤيب:
وصبرٌ على حدثِ النّائباتِ * وحلمٌ رزينٌ وعقلٌ ذكيّ
وقال عديّ بن الرّقاع:
أبتْ لكم مواطِن طيّبات * وأحلام لكم تزنُ الجبالا
وقال الفرزدق:
إنَّا لتوزنُ بالجبال حُلومنا * ويزيد جاهلُنا على الجهَّالِ
ومثل هذا كثير.
وإذا ذمّوا الرجل قالوا: خفّ حلمه وطاش، كما قال عياض بن كثير الضبي:
تنابلةٌ سودٌ خفافٌ حلُومُهُم * ذوو نيربٍ في الحيِّ يغدو ويطرقُ
وقال عقبة بن هبيرة الأسدي:
أبنُو المغيرةِ مثلُ آل خويلدٍ * يا للرِّجال لخفَّةِ الأحلامِ
لا، بل أحسبني سمعت بيتاً لبعض المحدثين يصف فيه الحلمَ بالرّقةِ وليس بالمختار".
وجاء القاضي الجرجاني فأخذ على أبي تمام ما أخذه المتنبي في مأخذه الثاني، وهو قوله في (الوساطة):
"البُرد لا يوصف بالرقة، وإنما يوصف بالصفاقة والدقة، وقد أقام الرقة مقام اللطف والرشاقة في موضع آخر، فقال:
لك قدٌّ أرقُّ من أن يحاكى * بقضيب في النعت أو بكثيب
والقد لا يوصف بالرقة".
وهذا موافق لمأخذ المتنبي الثاني على بيت أبي تمام، وهو أن البرد لا يُنعت بالرقة، وزاد الجرجاني أن أبا تمام وضع الرقة موضع الدقة كما وضعها موضعَ اللطف والرشاقة في بيت آخر.
ثم جاء العلامة الكبير أحمد تيمور باشا فوافق أبا هلال على انتقاده، وردّ على الجرجاني في انتقاده، ولم يُشر إلى كلام المتنبي، وكلام المتنبي قد جمع النقدين، قال العلامة تيمور في (أوهام شعراء العرب في المعاني):
"أما الذي انتقده أبو هلال فصحيح، وأما قول الجرجاني بأن البُرد لا يوصف بالرقة فقد نقل التبريزي في شرحه لديوان أبي تمام عن المرزوقي: أن الرقة تستعمل في صفة الفاخر من الثياب وغيره حتى يقال: عندي ثوب أرق من الهواء".
وفي كلام العلماء المتتابع أشياء مضطربة، منها:
1 - أنهم زعموا أن أبا تمام وصف الحلم بالرقة، ولا أدري كيف تتايعوا فيه، وإنما الذي وصفه أبو تمام بالرقة حواشي الحلم لا الحلم نفسه، وفرق بين معظم الشيء وبين حواشيه وأطرافه.
2 - أنهم زعموا أن أبا تمام وصف البُرد بالرقة، وهذا غير صحيح أيضا، لأنه لا يُفهم من كلامه رقة البُرد بل يُفهم منه رقة حواشي البرد، لأنه قال: حلمه رقيق الحواشي لو كان في كفك لتوهمته بردا، فلو قال قائل: لماذا تتوهمه بردا؟ قيل: لأن البُرد رقيق الحواشي مثله.
فليس في كلامه وصف البُرد بالرقة أصلا.
3 - إنكار المتنبي والجرجاني أن يوصف البُرد بالرقة، على أن ذلك لا عيب فيه إن لم يكن هو الممدوح المستحسن، وسننشد شاهدا له.
4 - غفلتهم عن تشبيه العرب الشيء الرقيق بحاشية البُرد، وهو ما أراده أبو تمام، وسننشد شاهدا له.
5 - اعتراض الشيخ تيمور على الجرجاني بأن من الثياب الفاخرة ما يكون رقيقا، ولم يُسدَّد الشيخ تيمور في هذا، فليس كلام القوم عن الثياب كلها، وإنما هو عن ضرب من الثياب وهو البُرد، ولا شك أن في الثياب ما يكون أرق من الهواء لكن كلامهم عن ضرب خاص من الثياب هو البُرد.
ـــــــــــــــــــــــ
فأقول: قد أخطأ المتنبي والجرجاني في منع وصف البُرد بالرقة، وقد وجدتُ في شعر العرب القديم بيتا نَدْرا صرح فيه باسم البُرد -لم يقل الثوب- وصرَّح فيه بلفظ الرقَّة وجاء بذلك في معرض المدح للبُرد ولابسه، فدل ذلك على أن رقّة البُرد مما يُمدَح، قال المصعب الزبيري في (نسب قريش):
"وكان يقال لعبد الله الـمُطْرَف من حسنه وجماله، وله يقول ابن الرئيس الثعلبي:
جميلُ المحيا واضحُ اللون لم يطأ * بحزن ولم يألم له النكبَ إصبعُ
من النفر الشم الذين إذا انتدوا * وهاب اللئامُ حلقةَ الباب قعقعوا
إذا النفرُ الأُدم اليمانون نمنموا * له حَوكَ بُردَيه أرقُّوا وأوسعوا
جلا الغِسْلُ والحَمّامُ والبيضُ كالدُّمَى * وطيبُ الدِّهان رأسَه فهو أفرعُ
وقال غيره: "أنزع"، يريد أن شعره يذهب به الطيب
".
فهذا مدح كما ترى، وقد وصف بُردَه بالرقة والسعة، فلو كان أبو تمام وصف البُرد صراحة بالرقّة ما كان قوله معيبا بل ذلك هو الممدوح، والمعيب اعتراض خصمه عليه، على أن المفهوم من قول أبي تمام هو وصف حواشي البرد بالرقة، وليس في قوله هذا ما يُعاب فقد يكون البرد صفيقا وله حواش رقيقة وشبّه الحلم به في هذه الصفة، فلم يجعل الحلم نفسه رقيقا، وإنما حواشيه وأطرافه.
وقد وقفتُ على شعر نادرٍ في وصف حواشي البُرد بالرقّة وجعلها أصلا في تشبيه الشيء الرقيق، أنشد السرقسطي في (الدلائل):
ألم تعلما أن المصلَّى مكانه * وأن العقيقَ ذا الظلال وذا البَردِ
وأنَّ به لو تعلمان أصائلا * وليلا رقيقا مثل حاشية البُردِ
فهل يُعاب أبو تمام أن وصف حواشي البُرد بالرقّة؟! إنما العيب على من اعترض عليه، وذلك من ثلاثة أوجه:
1 - أنه زعم أن أبا تمام وصف البُرد نفسه بالرقة وهو إنما وصف بالرقة حواشيَه.
2 - أنه خفي عليه أن البُرد الجيد قد يوصف بالرقة كما في أبيات الثعلبي فلا يكون أبو تمام معيبا به لو أنه قاله.
3 - أنه خفي عليه أن حواشي البرد أيضا قد توصف بالرقة وتُجعلَ أصلا لتشبيه الشيء الرقيق كما في بيتي الدلائل.
وقد يكون البُرد غليظ الحاشية، وفي خبر جذبة الأعرابي لبُرد الرسول عليه الصلاة والسلام: "وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية"، فنصهم على غلظ حاشية ذلك البُرد دليل على أن في البرود ما يكون رقيق الحاشية.
وقوله: "إذا النفر الأدم اليمانون": لأن أهل اليمن كانوا مشهورين بحوك البرود متقنين لها، وقال جرير يصف خيلا:
وطوى الطرادُ مع القياد بطونَها * طي التجار بحضرموت بُرودا
وفي كلام خالد بن صفوان: "هم بين حائك بُرْد..."
وقد بقي فيها ما يحتاج إلى نظر وتأمل، والله أعلم.

صالح العَمْري 06-08-2015 07:49 AM

بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا تنبيه رأيت أن لا بد من كتابته، وقد عزمت أولا أن أضرب عنه صفحا، ثم رأيت إثباته لغلبة سوء الظن اليوم على كثير من طلاب العلم، وهذه حقيقة مؤلمة.
وذلك أني لا أكاد أجري في شيء مما أكتبه منذ عرفت الكتابة في المنتديات على طريقة الباحثين المجدين في تحصيل أطراف المسألة ولم ذيولها وحواشيها والاستقصاء فيها، ولا أكاد أذكر أنني كتبت بهذه الطريقة وإن كانت طريقة جيدة مُرضية، ولا على طريقة الهارفين بما لا يعرفون المقحمين أنفسهم في كل مسألة بالجهل والظنون والأوهام، ولا أكتب هنا إلا شيئا أستحضره من قبل أو أستحضر معظمه مما أعلم أنني قادر على استحضاره وارتجاله في أي محفل ومجمع ومجلس دون الاستغاثة بالكتب والدفاتر، خشية أن أكون هنا متدثرا بما ليس من لباسي ومتزينا بأكثر مما حويت.
وإنني منذ سنين أدع الكتابة في أشياء كثيرة في المنتدى لو أردتُ أن أراجع فيها الكتب وأستخلص وأجمع لكتبت فيها ما يكثر ويطيب، غير أن نفسي تأبى أن أتزيى بما ليس من زيي وأتشبع بما لم أُعط، فما علمت أني عاجز عن المحاضرة به أو بمعظمه لجليسي أجحمت عن التظاهر لقراء الملتقى بمعرفته وإتقانه، وربما راجعتُ عند الكتابة هنا اسم شاعر أو رواية بيت أو نقلتُ كلاما طويلا للحاجة إلى نقله بنصه ونحو ذلك.
وإني لما كتبتُ ما كتبتُه في هذا الحديث ارتجلتُه إلا أنني أنقل كلام العلماء من كتبهم لآتي بنصه، ولم أبحث في كل مظنة من مظان وجود هذه المسألة لتحريرها، ولا أضنيت نفسي في استقصائها، وإنما كتبتُ ما حضرني، فكان من ذلك أنني رأيت إشارة العلامة تيمور إلى كلام نقله التبريزي عن المرزوقي فظننت أن ذلك هو معظم ما في كلام المرزوقي والتبريزي فلم أرجع إلى ديوان أبي تمام بشرح التبريزي وهو موجود عندي.
ثم بدا لي بعدما كتبتُ هذا ورأيتُ الديوان مرة قريبا مني أن أنظر فيه فوجدت في حاشية المحقق نقولا طويلة عن المرزوقي وابن السيد البطليوسي وابن المستوفي ووجدتُ المرزوقي قد استشهد ببيت الثعلبي الذي أنشدتُه، فقضيت العجَبَ من ذلك، وإني والله ما رأيت كلام المرزوقي واستشهاده بهذا البيت إلا بعد ما كتبتُ حديثي هذا، ولا كنتُ أعلم أن أحدا من العلماء استشهد به في هذه المسألة، ولو علمتُ لذكرتُه وصرحتُ بالنقل عنه والاستفادة منه، وهل أنا عند هؤلاء الأئمة إلا كالوصع الصغير الوضيع، بيد أني لم أكن رأيتُ كلام المرزوقي، لكني كنت قد قرأتُ إنكارهم وصف البرد بالرقة مرارا وثبت ذلك في ذهني ثم قرأت مرة في (نسب قريش) وأنا حديث عهد بقراءة إنكارهم فلما رأيت البيت استبشرتُ به ولم أكذب أن كتبتُه حاشية في أحد الكتب.
وقد وجدتُ في كلامهم أشياء لم أذكرها، وفي كلامي أشياء لم يذكروها، فمن شاء أن يراجعها فهي ثَمّ.
وإني لأعلم أنه لا يلزمني التسويغ لكل شيء أكتبه، ولا أن أدفع عن الخواطر كل وهم، فإن الاشتغال بالناس مضيع للعمر متلف للبدن، لكني كتبت هذا لهذه المسألة ولغيرها حثا للناس على حسن الظن ولأبين طريقتي، فقد رأيتُ بوادر من أناس أزعجتني للكتابة والتبيان.
وفق الله الجميع.

محمد محمد مقران 07-08-2015 08:25 PM

أحسنت يا أبا حيان،
وهذا الفن، فن معاني الشعر، على أهميته البالغة -قد ذهب أهله أو كادوا، مع الأسف.

صالح العَمْري 10-08-2015 09:04 AM

(14)
من الوهم الذي يقع للمحققين المتقنين ما وقع للميمني في تعليقه على تنبيهات علي بن حمزة ص 233 عند قول بعض الشعراء واسمه سحيم:
وما ليَ مالٌ غير دُهْمٍ بوائكٍ * ضواربَ بالأمراس في لجة البحر
قال الميمني: "ويريد بالدهم السفن السود من القار، والبوائك أصلها السمان من النوق".
وهذا من أغرب الأوهام، لأن الأبيات التي قبله والتي بعده كلها في صفة النخل، فما للسفن ولهذا البيت؟!
والصحيح أنه أراد بالدهم البوائك: النخل، والنخل يوصف بالدهمة، ويوضحه أيضا العجز، فإنه أراد بالأمراس جذورها، والأمراس في الأصل: الحبال، واحدها: مَرَس، يريد أنها تطلب الماء الذي في جوف الأرض بجذورها حتى تصل إليه.
ويوضحه قول عمارة بن عقيل:
من كل دهماءَ زلوجِ الوقر * يضربن بالأمراس حول البحر
فوصفها بالدُّهْمة كما في بيت سحيم وسمى جذورها أمراسا أيضا وسمى الماء العذب بحرا أيضا، وذلك لكثرته.
وقال المرار بن منقذ في صفة نخل:
طلبنَ البحر بالأذناب حتى * شربنَ جمامه حتى رَوِينا

صالح العَمْري 14-09-2015 02:12 AM

(15)
من غريب التشبيه تشبيه حُسن المرأة بحُسن رجل وجسمها بجسم رجل وريحها بريح رجل، قال الأحوص:
لها حُسنُ عَبّاد وجِسمُ ابنِ واقدٍ * وريحُ أبي حفصٍ ودينُ ابن نوفلِ
وقال آخر:
أُحبُّ من النسوان كلَّ خريدة * لها حُسنُ عَبّادٍ وجِسمُ ابنِ واقِدِ
قال الزبير بن بكّار: "وكان عَبّاد بن حمزة سريا سخيا حلوًا، أحسن الناس وجهًا، يضرب المثل بحسنه، وإياه عنى الأحوص حين يقول يصف امرأة:
لَهَا حُسنُ عَبّادٍ وجِسْمُ ابن واقدٍ * وريحُ أبي حفْصٍ ودينُ ابن نَوْفَلِ
عَبّاد بن حمزة [بن عبد الله بن الزبير بن العوام]، وابن واقد: عثمان بن واقد بن عبد الله بن عمر [بن الخطاب]، وأبو حفص: عمر بن عبد العزيز، كان عطرًا، وابن نوفل: أبان، كان بالمدينة، كان فتيانيًا."
وقال ابن قتيبة في المعارف: "فولد واقدٌ عبد الله بن واقد، وكان من رجال قريش وفيه يقول الشاعر:
أُحبُّ من النسوان كل خريدة * لها حُسنُ عَبّادٍ وجِسمُ ابنِ واقِدِ
يعني عَبّاد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير."
قال عادل سليمان جمال في حاشية ديوان الأحوص: "وليس في ولد واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب من يسمى عثمان، كما قال الزبير، وإنما هو عبد الله كما ذكر ابن قتيبة"

صالح العَمْري 15-09-2015 12:21 AM

(16)
كان الإمام ابن التلاميد الشنقيطي -رحمه الله- شديد الاعتداد بنفسه إلى حدٍّ منكَر جدًّا، وهو الذي يقول في ردّه على بعض نحاة عصره:
وما لهمُ غيرَ الضرورة حُجَّةٌ * وتقليدِ مَيتٍ مخطئٍ والهوى الـمُعْمي
ولو كان ذاك الـمَيتُ حَيًّا وجاءني * لتاب وخَصَّ الرِّجْلَ مِنّي باللثْمِ!
ولم أر قطُّ في حياتي أحدا من العلماء قال شيئا كمقالته هذه.
وأراد أنهم يحتجّون على من قال بصرف عُمَر وأشباهه بأن ما جاء فيه الصرف من الشعر ضرورةٌ لا يُقاس عليها.
وهذا يقوله في قصيدته التي مدح بها ملك السويد والنرويج أُسكار الثاني بطلب من السلطان عبد الحميد الثاني، وكان من ضمن ما طلبه منه سفير السويد في مصر المتسمّي بالشيخ عمر السويدي أن يضمن قصيدته ما استدركه على من قبله من العلماء، فذكر استدراكه عليهم في منع عُمَر وأشباهه من الصرف، وزعم أن حقها الصرف، وذكر أنه وقف على مئة شاهد ونيّف جاء فيها الصرف، وأن الأئمة كلهم ضلوا عن هذا، وسماهم بأسمائهم، فمن ذلك قوله:
مضى سيبويهِ الفحلُ لم يشعرن به * ولم يشعر النحرير أخفشه المنمي
ولم يشعر القاري الكسائيْ عليُّهم * ولم يشعر الفرّاء بعد ولا الجَرمي
ولا ثعلب ولا المبرّد قِرنه * ولا الفارسيّ فارس النصب والجزم
إلى آخرها، وهي أبيات كثيرة، والقصيدة طويلة.
ولم أنقل هذا لأحكم بين الفريقين أو أقضي بين الخصمين، إنما هو شيء للإحماض.
وبالله التوفيق.

صالح العَمْري 27-09-2015 01:40 PM

(17)
أنشد شيخنا الحبيب أبو ثابت محمد بن عبد الحي الخزرجي قول الشنفرى:
بكفِّ فتى لم يعرف السلخ قبلها * تجور يداه في الإهاب وتخرج
شاهدا على تمدح العرب بعدم الحذق بالسلخ.
فأنشدتُ قول شقران السلاماني:
جفاة المحز لا يصيبون مفصلا * ولا يأكلون اللحم إلا تخذما
وطلب أحد الإخوة الفضلاء شواهد أخرى تؤيد ما ذكرناه من تمدحهم بهذا، فقلت:
عدم الحذق بالسلخ والجزر من صفات الملوك والرؤساء، رأيت العلماء كأنهم مجمعون على ذلك، ونطقت به أشعار العرب، فمنها البيت الذي أنشده أبو ثابت للشنفرى، ومنها البيت الذي أنشدتُه وهو لشقران مولى سلامان القضاعيين، وهو من أبيات الحماسة، فارجع إلى شروح الحماسة واقرأ كلامهم في هذا البيت، وقال رشيد بن رميض العنزي -ويقع في بعض الكتب العنبري وهو تحريف-:
ليس براعي إبل ولا غنم * ولا بجزار على ظهر وضم
فهذا صريح الدلالة على ما ذكرنا.
وقال الجاحظ في (البرصان): "أنشد أبو عبيدة:
وصلعِ الرؤوس عظامِ البطون * جُفاة المَحَزّ غِلاظ القَصَرْ
شداد المقابض يوم الجلاد * رحاب الشداق طياب الخبر"
وهذا يقوله قائله مدحا لهم.
وأنشد الخالديان قول بعضهم في المعنى:
من ال المغيرة لا يشهدون عند المجازر لحم الوضَمْ
ومثله:
لا يمسك المالَ إلا ريث يرسله * ولا يلاطم عند اللحم في السُّوقِ
ومن ما يؤيد ما ذكرناه أبيات أخرى أبعد دلالة وأغمض مسلكا لكنها قطعية الدلالة لمن تأملها، فمن ذلك قول عمرو بن الأهتم المنقري:
وقمت إلى البرك الهواجد فاتقت * مقاحيد كوم كالمجادل روق
بأدماء مرباع النتاج كأنها * إذا عرضت دون العشار فنيق
بضربة سيف أو بنجلاء ثرة * لها من أمام المنكبين فتيق
وقام إليها الجازران فأوفدا * يطيران عنها الجلد وهي تفوق
فجُر إلينا ضرعها وسنامها * وأزهر يحبو للقيام عتيق
ألا تراه ذكر أنه هو الذي تولى عرقبتها بالسيف أو وجء نحرها بطعنة نجلاء، والتفاخر بهذا كثير جدا في الشعر لا نستطيع إحصاءه لكنا نريد الذي ذكره بعد ذلك، فإنه بعد ما عقرها تركها واجتنبها وقام إليها جازراه يكشطان جلدها ويقطعانها.
ومثل ذلك قول أبي الأضياف مرة بن محكان:
وقمت مستبطنا سيفي فأعرض لي * مثل المجادل كوم بركت عصبا
فصادف السيف منها ساق متلية * جَلس فصادف منه ساقها عطبا
أمطيتُ جازرنا أعلى سناسنها * فصار جازرنا من فوقها قتبا
ينشنش اللحم عنها وهي باركة * كما تنشنش كفا قاتل سلبا
فهذا يقال فيه ما قيل في شعر عمرو بن الأهتم، فإنه ذكر أنه هو الذي عرقبها بسيفه، وهذا لا يرونه عيبا بل يفخرون به، ثم تنحى عنها وأمطاها جازره ينشنش عنها اللحم، ولو كان عمل الجازر مما يُفخر به ما ترك الافتخار به في هذا الموضع، ثم إن قوله "جازرنا" وقول الأول: "الجازران" فيه دلالة واضحة على أن هذا كان عملا خاصا يقوم به رجل معين عندهم من عبيدهم ومواليهم، لأنه لم يقل: قام إليها بعض إخوتي أو بعض أصحابي أو بعض من حضرني فكشط عنها جلدها وقطعها، بل قال: "جازرنا"، والأول يقول: "الجازران"، فدل هذا على أنه يكون لهم جازر من مواليهم وعبيدهم هو القائم بهذا حتى صار الوصف بالجازر لازما له.
فإن قيل: ألا تكملون أبيات عمرو بن الأهتم، فإنه قال بعدها في صفة الحُوار:
بقير جلا بالسيف عنه غشاءه * أخ بإخاء الصالحين رفيق
فوصف فاعل هذا بأنه أخ حسن الصحبة والمعاشرة، وليس جازرا من عبيدهم ومواليهم كما تزعم.
قلت: الذي فعل هذا هو أحد صحابته وإخوانه وليس هو الجازر، ولا بأس أن يضع الشريف منهم يده في شيء يسير من هذا العمل، وهو لم يزد على شق غشاء الحوار بسيفه، فهذا أحد إخوانه وصحابته، ولا يجوز أن يكون من الجازرين اللذين قاما إليها أولا يكشطانها، فكيف يصفه أولا بالجازر ثم يصفه بأنه أخ بإخاء الصالحين رفيقُ؟! ثم لو كان أحدهما لما احتاج إلى ذكره مرة أخرى إذ كان قد سبق ذكر الجازرين معا وهو أحدهما، فكان يقول بقير جَلَوَا عنه غشاءه، لكن لما ذكر صفة هذا الفاعل وقال:
بقير جلا بالسيف عنه غشاءه * أخٌ بإخاء الصالحين رفيق
دل على أنه رجل آخر غير المذكورين أولا، ولم يسبق له ذكر.
وهذا جواب الاعتراض المذكور، فتأمله.
والله أعلم.

صالح العَمْري 02-10-2015 06:16 PM

(18)
من أمثال السراة في علامات الجدب والمحول: (إذا رَيت الطَّحَر فكُل الوَحَر).
(رَيت): أي رأيت، و(الطَّحَر) كلمة فصيحة، وهي القطع الصغيرة من السحاب، من القاموس وغيره.
وقال في اللسان: "الوَحَرَةُ: وزَغَة تكون في الصَّحاري أَصغرُ من العِظاءَةِ وهي على شكل سامِّ أَبْرَصَ، وفي التهذيب: وهي إلف سوامّ أَبرص خلقةً وجمعها وَحَرٌ، غيره: والوَحَرَة ضرب من العظاءِ وهي صغيرة حمراء تعدو في الجَبابِينِ لها ذنب دقيق تَمْصَعُ به إِذا عَدَتْ وهي أَخبث العظاء لا تطأُ طعاماً ولا شراباً إِلا سمّته ولا يأْكله أَحد إِلاَّ دَقِيَ بطنُه وأَخذه قَيْءٌ وربما هلك آكله، قال الأَزهري: وقد رأَيت الوَحَرَةَ في البادية وخِلقتها خلقة الوَزَغ إِلا أَنها بيضاء منقطة بحمرة وهي قذرة عند العرب لا تأْكلها. الجوهري: الوحرة بالتحريك دويبة حمراء تلتزق بالأَرض كالعظاء. وفي حديث الملاعنة: إِن جاءَت به أَحمر قصيراً مثل الوَحَرَةِ فقد كذب عليها".
ومعنى المثل: إذا رأيت ذلك السحاب القليل فاعلم أن العام عام جدب وشدة فكن مستعدا لأكل تلك الدويبة على قذارتها.

صالح العَمْري 30-03-2016 03:12 PM

من يعرف منكم موضعا باليمن يقتتل فيه الآن المسلمون والحوثيون ورد ذكره في شعر للنابغة الجعدي وأوله حرف الهاء؟

أحمد البخاري 30-03-2016 03:33 PM

لعلَّ المراد في قول النَّابغة:
تَسْتَنُّ بِالضَّرْوِ مِنْ بَرَاقِشَ أَو * هَيْلَانَ أَوْ نَاضِرٍ مِنَ الْعَتْمِ

صالح العَمْري 30-03-2016 03:52 PM

أحسنتم، وهو اليوم في محافظة مأرب، وهو آخر ما بقي من مأرب بأيدي الرافضة الحوثيين، وبراقش قريب منه أظنه اليوم في أرحب في محافظة صنعاء.
والعُتُم في البيت بضمتين، وهو العُتْم أيضا والعَتَم، وهو الزيتون الجبلي، والعُتُم من شجر السراة، وما زال معروفا باسمه لكنهم يقولون: العِتْم، وعوده أصلب العيدان وأشدُّها، تؤخذ منه مساويط يُساط بها الطعام وعوارض لسقوف البيوت، وكنا نأخذ عودا من عيدانه ونحن صغار فنضرب به عيدانا أخرى من ضروب الشجر أو نضربه هو بها فلا يلقى شيئا إلا حطمه، وسواكه طيب، وما زال الناس يستاكون به، وفي هذا الرابط شيء عنه:
http://www.alriyadh.com/977293

صالح العَمْري 02-04-2016 08:25 PM

أترون أن أسقف نجران أحال في هذه الأبيات أم ترون أن الرواة غيروا ما قاله أم ترون في البيت ما لا أراه، قال أسقف نجران:
منع البقاءَ تقلُّبُ الشمسِ * وطلوعُها من حيثُ لا تُمسي
وطلوُعها حمراءَ صافيةً * وغروبُها صفراءَ كالوَرْسِ
تجري على كبد السماء كما * يجري حِمامُ الموت في النفسِ

والأبيات في العقد الفريد ومعاهد التنصيص والكشكول وزهر الأكم باختلاف يسير بينها.
يعني الشاعر أن ذهاب الأيام والليالي ودورتها تُبلي كل جديد وتأتي على كل نفس.
ولا أدري ما قوله:
وطلوُعها حمراءَ صافيةً * وغروبُها صفراءَ كالوَرْسِ
فإن هذا عكس للواقع المشاهَد، والشمس تطلع صفراء لا حمراء كما قال، وتغرب حمراء لا صفراء كما زعم، فالحاصل أنه عكس الأمر، فجعلها حمراء عند طلوعها صفراء عند غروبها والحق أنها تكون صفراء عند طلوعها حمراء عند غروبها.
وفي البيان والتبيين والحيوان واللآلي وبهجة المجالس وثمار القلوب وربيع الأبرار وزهر الآداب:
وطلوعُها بيضاءَ صافيةً * وغروبُها صفراءَ كالوَرْسِ
فهذا أهون مما قبله.
والله أعلم.

منصور مهران 03-04-2016 01:21 AM

‎من تتبع لون السماء عند الشروق وعند الغروب يبدو اللون مُختلفاً وكذلك عند توسط الشمس في كبد السماء

‎وتفسير اختلاف الألوان يرجع إلى اختلاف الطول الموجي لكل لون من ألوان الطيف السبعة وإلى اتساع مدى تشتتها في الغلاف الجوي.
‎فمن المشاهد أن لون السماء يميل إلى الحُمرة عند شروق الشمس وتزداد الحمرة عند الغروب ، أما في مُنتصف النهار فيكون لون السماء يميل إلى الزرقة .
‎ويرجع ذلك إلى أن أشعة الشمس لا تصل إلى غلاف الأرض على لون واحد ؛ بل يجتمع فيها ألوان سبعة هى ألوان الطيف :
‎ الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي
‎ومنها المرئي ومنها غير المرئي وعند شروق الشمس وعند مغيبها تبدو للعيون أبعد مما تكون عليه عند الظهيرة إذا توسطت السماء ،
‎ ويكون اللون الأحمر الأكثر ظهورا بسبب الطول الموجي الكبير الذي يعد من أهم خصائصه فيسهل اختراقه طبقات الغلاف الجوي المنخفضة

‎أما عند وجود الشمس في كبد السماء ، فإنها تبدو أقرب إلى الأرض ظاهريا،
‎ فيكون كل من اللونين الأزرق والبنفسجي اللذين يتميزان بالطول الموجي القصير أظهر في العيون
‎ وإذا علمنا أن الغلاف الجوي تسبح فيه ذرات من الأتربة والغازات وبخار الماء بأعداد ضخمة جدا فتعمل على تشتيت الألوان في جو السماء لذلك تبدو السماء زرقاء بدرجات مختلفة حسب كثافة العوالق ، ولا تنقطع الأجواء من الأدخنة والغبار أبدا فتعمل على تشتيت أشعة الشمس عند الشروق وعند الغروب لصالح اللون الأحمر، لذا تظهر السماء أكثر حُمرة عند المغيب منها عند الشروق، بفعل تزايد العوامل السابقة خلال ساعات النهار المُتأخرة مُقارنة بساعات الليل المُتأخرة والفجر أي قُبيل شروق الشمس .

صالح العَمْري 03-04-2016 09:42 PM

من الأسماء اليوم في نجد: جِبْرِين، ولا يكاد الناس اليومَ يعرفون أصله ومعناه، وأصله: جِبريل، وقد سُمع من العرب جبريل وجبرين باللام والنون.
ومن سقطات الصاحب بن عبّاد وتحامله القبيح على المتنبي أنه عاب عليه هذا في قوله:
لَعَظُمتَ حتى لو تكونَ أمانةً * ما كان مؤتمنًا بها جِبرينُ
قال الصاحب: "وقلب هذه اللام إلى النون أبغض من وجه المنون، ولا أحسب جبرائيل -عليه السلام- يرضى منه بهذا المجاز المحرَّم، والله -عزّ وجلّ- أعلم، هذا على ما في معنى البيت من الفساد والقبح".
أقول: أما إنكاره عليه في معنى البيت فقد أصاب الصاحب، فإن معنى البيت رديء جدًّا وساقط، وقد كان يجد ألف طريقة لبيان عظمة الممدوح أجمل منها وأحسن.
وكذلك إنكاره عليه إساءته إلى جبريل -عليه السلام- أصاب فيه الصاحب، فإن في بيت المتنبي إساءة إلى من وصفه الله بأنه ذو قوة عند ذي العرش مكين وأنه مطاع ثمّ أمين، وقد أنكر عليه ذلك أيضا ابن وكيع في (المنصف) إذ قال: "أرجو أن لا يكون هذا القول صدر منه عن فساد نيّة، ونحن نسأل الله -تعالى- الإعاذةَ من فتنة القول كما نسأله الإعاذة من فتنة العمل، لأن هذا البيت قد خوَّن فيه مأمونًا جعله الله واسطة في أمانته ورضيه أمينًا على رسالته".
وقال الواحدي -أيضا- منكرًا عليه: "وهذا إفراط وتجاوز حَدّ يَدُلُّ على قلة دين وسخافة عقل".
وأما تحامل الصاحب عليه في قوله: "جِبْرِين" فلم يُصِب فيه، فإن هذه لغة من لغات العرب حكاها الجوهري في (الصحاح) عن الأخفش، وعدّ في (التاج) أربع عشرة لغة هذه واحدة منها، ثم قال: "وقد نَظَم الشيخُ ابنُ مالك سَبْعَ لغات من ذلك في قوله:
جَبْرِيل جِبْرِيلُ جَبْرَائِيلُ جبْرَئلٌ
وجَبْرَئِيلُ وجَبْرالٌ وجِبْرِينُ
قال شيخُنا: وذَيَّلَها الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بقوله:
وجَبْرَأَلُّ وجَبْرايِيلُ معْ بَدلٍ
جبْرائِلٌ وبِيَاءٍ ثمَّ جَبْرِينُ"
وقال العكبري في شرح ديوان المتنبي: "وبنو أَسَدٍ يقولون: جِبْرِين، بالنون"
وقال الواحدي في شرح ديوانه: "جِبْرِين لغةٌ في جِبْرِيل بكسر الجيم وحذف الهمزة وتُبدل اللام نونا، وكذاك يقال: إسماعيل وإسماعين وإسرائيل وإسرائين".
وقال المعرّي في (معجز أحمد): "وجِبْرِين لغة، أي جِبْرِيل، وقيل: إن النون بدل من اللام".
والله أعلم.


منصور مهران 04-04-2016 04:10 AM

قلب اللام نونا شائع في لغة العرب وليس مقصورا على أسماء إسماعيل وجبرائيل وإسرافيل ؛ فإني وجدت أسماءً كثيرة جرى عليها هذا الإبدال ، منها :
البلّالات ـ وهي الحمامات ـ فقالوا : البلانات
الجنْمة ـ وهي جماعة الشيء ـ فإنما أصلها الجلْمة
والجَرَل : الجَرَن
قال ابن بري: من النحويين من يقول ذانِّك، بتشديد النون، تَثْنِيةَ ذلك قُلِبَتِ اللام نوناً وأُدْغِمَت النون في النون ( اللسان : ذا)
والذُّبْنة وأصلها الذُّبْلة وهي ذبول الشفتين من شدة العطش
وكذلك قالوا : شراحين وأصله شراحيل
وقالوا : الفَنَس وهو الفَلَس ؛ من الإفلاس

قلت : فهي ظاهرة مسموعة عن العرب وغفلة الصاحب عنها لا ينفيها .
وأشكر أخي الأستاذ الجليل صالح العَمْري للتنبيه على هذه الظاهرة التي أوشك الناس أن ينسَوْها .
وبالله التوفيق

صالح العَمْري 04-04-2016 04:45 PM

بارك الله فيكم شيخنا الكريم أبا محمد، وثبّت ربّي دعائم العلم بطول بقائكم.
هذه ذخائركم ونفائسكم لا يأتي بها أحد غيركم.

صالح العَمْري 04-04-2016 04:52 PM

بسم الله الرحمن الرحيم.
شاع في أسماء البنات اليومَ اسمُ (جُوري)، وأكثر الناس يعرف أنه اسم لورد وإن كان لا يعرف من أين أُخذت تسمية هذا الورد.
ذكر ياقوت الحموي في (معجم البلدان) [218/2] مدينة جُور وكيف فُتحت فقال -وقد اختصرتُ كلامه-:
جُور: مدينة بفارس بينها وبين شيراز عشرون فرسخًا، وجُور مدينة نزهة طيبة، والعجم تسميها (كور)، وكور اسم القبر بالفارسية، وكان عضد الدولة ابن بويه يكثر الخروج إليها للتنزه فيقولون: (ملك بكور رفت)، معناه: الملك ذهب إلى القبر، فكره عضد الدولة ذلك فسماه (فيروزاباذ)، ومعناه: أتم دولته.
وإليها يُنسب الورد الجُوري، وهو أجود أصناف الورد، وهو الأحمر الصافي، قال السري الرفاء يهجو الخالدي ويدعي عليه أنه سرق شعره:
قد أنست العالمَ غاراتُه * في الشعر غاراتِ المغاويرِ
أثكلني غيدَ قوافٍ غدت * أبهى من الغيد المعاطيرِ
أطيبَ ريحا من نسيم الصبا * جاءت برَيّا الورد من جُورِ
وأما خبر فتحها فذكر جماعةٌ من أهل العلم أن جُور غُزيت عدة سنين فلم يَقدر على فتحها أحدٌ حتى فتحها عبد الله بن عامر، وكان سبب فتحها أن بعض المسلمين قام ليلة يصلي وإلى جانبه جراب فيه خُبزٌ ولحمٌ فجاء كلبٌ وجَرَّه وعدا به حتى دخل المدينة من مدخل لها خفيّ، فألظَّ المسلمون بذلك المدخل حتى دخلوها منه وفتحوها عنوة.
والله أعلم.

صالح العَمْري 05-04-2016 07:55 AM

كنتُ قديمًا أستحسنه استحسانا لا أكاد أجد لشيء من الشعر مثله، وكنتُ لا أكاد أقدّم عليه شيئا عرفتُه من الشعر، ولم يكن ينقضي عجبي من حسن تأتّي مُبدعه فيه، وكان ذلك قبل أن أرى كلام إمام أئمة البلاغيين عبد القاهر الجرجاني فيه، فلما رأيته حينئذ طابت نفسي وقرّت عيني، إنه قول أبي العتاهية:
جُزيَ البخيلُ عليّ صالحةً * عني بخفّته على ظهري
أَعلَى وأكرمَ عن يديه يدي * فَعَلَت ونزّه قَدرُه قَدري
ورُزقتُ من جَدواه عافيةً * أن لا يَضيقَ بشُكره صدري
وغَنيتُ خِلوًا من تفضُّله * أَحنو عليه بأوسع العُذْرِ
ما فاتني خيرُ امرئٍ وضعت * عني يداه مؤونةَ الشكرِ
فإن كنتَ لا ترتاح لسماع هذا وتراه كغيره من الشعر فعدّ عمّا بدا واطو سِرّك هذا كطي السجلّ للكتاب وأرح نفسك لا تُضنها في شعاب الأدب.
وقال الإمام الأكبر الجُرجاني:
"ومما ينظُرُ إلى هذا الفصل ويُداخِله ويرجع إليه حين تحصيله الجنْسُ الذي يُرَاد فيه كونُ الشيء من الأفعال سببًا لضدّه، كقولنا أحسن من حيث قَصَدَ الإساءة ونفع من حيث أراد الضُّرَّ، إذْ لم يقنع المتشاغِلُ بالعبارة الظاهرة والطريقة المعروفة، وصَوَّرَ في نفس الإساءة الإحسانَ، وفي البخلِ الجودَ، وفي المنع العطاءَ، وفي موجب الذمّ موجِبَ الحمد، وفي الحالة التي حقُّها أن تُعَدَّ على الرجل حُكْمَ ما يُعتدّ له، والفعلِ الذي هو بصفة ما يُعاب ويُنكر، صفةَ ما يَقْبَلُ المنّة ويُشكَر، فيدُلُّ ذلك بما يكون فيه من الوِفاقِ الحسن مع الخِلاف البيِّن، على حِذق شاعره، وعلى جُودة طبعه وحِدّة خاطره، وعلوّ مصعَده وبُعْد غوصه، إذا لم يفسده بسوء العبارة، ولم يخطئه التوفيقُ في تلخيص الدلالة، وكَشَفَ تمام الكشف عن سُرر المعنى وسِرِّه بحسن البيان وسِحْره، مثالُ ما كان من الشعر بهذه الصِّفة قولُ أبي العتاهية:
جُزِيَ البخيلُ عليَّ صالحةً * عنّي بخِفَّته على ظَهْرِي
أَعلَى وأَكْرَم عن يديه يدي * فَعَلَتْ ونَزَّهَ قَدرُهُ قَدْرِي
ورُزقتُ من جَدْواهُ عافيةً * أن لا يضيق بشُكْرِه صَدْرِي
وغَنِيتُ خِلْوًا من تفضُّلِه * أَحْنُو عليه بأحْسَن العُذْرِ
مَا فاتني خَيْرُ امرئٍ وَضَعتْ * عنّي يَداه مَؤُونةَ الشُّكْرِ

ومن اللطيف مما يُشبه هذا قول الآخر:
أعتَقَنِي سُوءُ ما صنعتَ من الرِّقِّ فيا بَرْدَهَا على كَبِدِي
فَصِرتُ عبدًا للسُّوءِ فيك وما * أحسنَ سُوءٌ قبلي إلى أَحَدِ
"

صالح العَمْري 06-04-2016 09:37 PM

بسم الله الرحمن الرحيم.
اعلم أولا أن ما أكتبه الآن وفي بعض الأحيان في تصحيح بيت أو نحو ذلك ليس المقصد الأكبر فيه تصويب البيت خصوصا إذا كان من شعر المتأخرين ولا يتوقف عليه احتجاج في كتاب أو سنة ولا يُبنى عليه نحو ولا قياس، بل الشأن أعلى من ذلك وهو تدريب النفس وترويض الخاطر وتقليب المعاني وترتيب الحِجاج، وأما البيت نفسه فالأمر فيه قريب.
أنشأ ابن الصيرفي رسالة سمّاها (التَّدَلِّي على التَّسَلِّي) وهي في المجموع الموسوم بـ (الأفضليات) حاصلها تسلية الحزين وتعزية المصاب، وذكر فيها أن مما يخفف المصيبة التأسي، وأنشد شواهد لذلك كقول الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلتُ نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن * أعزّي النفسَ عنه بالتأسي
ثم ذكر أن بعض الشعراء -على عادتهم في الاحتيال وتحسين القبيح وتقبيح الحسن- ناقضوا هذا الباب وزعموا أن التأسي لا يخفف حزن المصاب بل يؤجّجه ويُذكيه.
ثم قال: "فأما قول ابن الرومي مناقضا لهذا الباب، وذاكرا أن التأسي غير مخفّف للمصاب:
وما راحة المرزوء في رزء غيره * أيحمل عنه بعض ما يتحملُ
وضرب من الظلم الخفي مكانه * تعزيك بالمرزوء حين تأمَّلُ
لأنك يأسوك الذي هو كلمه * بلا سبب لو أن رأيك يعدلُ
وقوله:
ومُعزٍّ عن الشباب مؤسٍّ * بمشيب اللدات والأصحاب
قلت لما انتحى يعد أُساه * من مصاب شبابه فمصاب
ليس تأسو كلومُ غيري كلومي * ما به ما به، وما بي ما بي
وقول الآخر:
رأيت التأسي مما يهيج * على المرء ساكنَ أوصابه
وما نال ذو أُسوة سَلوةً * ولكن أتى الحزنَ من بابه
تذكر في مثله أو رآه * فأذكره ما به ما به
فذاك من تمويه الفصيح وخدعه، وتصرف البليغ وتنوعه، وإلا فالأول هو الصحيح الذي جاء في الكتاب والسنة. قال الله - تعالى -: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه}، وقال: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة}.
ولولا أن الاجتماع يخفف كل ما ينوء، والاشتراك يهون صعب ما يسوء، لما قال الله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) لأنه نفى عنهم الانتفاع بالاشتراك في العذاب تغليظا عليهم لما قدموه من الظلم".
وقد أنكرتُ البيتَ الأخير على صورته هذه وحسبت أن فيه خللًا، فبحثتُ عنه فألفيتُه لابن رشيق القيرواني، وهو في ديوانه، ولكنني لم أطمئن أيضا لما في الديوان، وحسبت أن فيه خطأ آخر، فلفّقتُ من هذا وهذا ما أحسبه أحرى بالصواب، وتأملوا ذلك واحكموا فيه.
فالذي في (الأفضليات) كما رأينا هكذا:
تذكر في مثله أو رآه * فأذكره ما به ما به
وهذا الذي تحته خطّ منكر، فالفعل (تذكّر) يتعدى بنفسه ولا يتعدى بـ (في) إلا على تأويل أو تضمين معنى فعل آخر.
ثم كيف يقول: (تَذَكَّر) ويقول بعدها: (فأذكره)؟!
ثم ما معنى (تذكَّر في مثله) في سياق الأبيات؟!
والذي في ديوانه:
تفكّر في مثل أرزائه * فأذكره ما به ما بهِ
وهذا الذي تحته خطّ فاسد، ولا يكون صدر البيت عليه لِفقًا لعجزه، بل تراه نافرًا عنه تباعدَ الضبّ من النون، فما أشبهه بكلام الممرورين!
وقد لفّقتُ من هذا وهذا ما أراه أدنى إلى الصواب وأولى بروح الشعر، فـ (تَفَكَّر) في رواية الديوان صحيحة و(تَذَكَّر) التي في الأفضليات محرفة عنها، وهذا تحريف وارد جدًّا، وما أشبه رسم هذه بتلك!
و(في مثله أو رآه) التي في الأفضليات صحيحة و(في مثل أرزائه) التي في الديوان محرفة عنها، فدمجَ التحريفُ (أو رآه) فصارتا كلمةً واحدة (أرزائه)، والواو تلتبس بالراء في الرسم.
فالصواب -إن شاء الله- في البيت:
تَفَكَّرَ في مثلِهِ أو رآه * فَأَذكَرَهُ ما بِهِ ما بِهِ
فصار بهذا شعرًا، وكان من قبلُ خطراتِ مبرسم.
لأنه لما زعم في البيتين الأولين أن التأسي يزيد الأسى ولا ينقصه بيّن علّة ذلك في هذا البيت، فقال: لأن المصابَ إذا أراد أن يتأسَّى فليس له غير هذين:
إما أن يتفكّر في رجل مثله ممن عراهم ما عراه فيُذكره ما بذلك الرجل ما بنفسه.
وإما أن يرى ذلك الرجلَ بعيني رأسه فيُذكره أيضا ما بذلك الرجل ما بنفسه.
فيكون في كلا المسلكين ما يجدّد ترحَه وينكأ جرحَه، وهكذا فلسفة الشعراء!
فتأملوا ذلك وأبدوا رأيكم إن شئتم، فهي مدارسة محضة أنا المستفيد الأول فيها.
والله أعلم.

صالح العَمْري 13-04-2016 07:11 AM

من جيد ما قيل في كراهية الشيب قول ابن التلعفري:
يا شيبُ كيف وما انقضى زمنُ الصِّبا * عاجلتَ مني اللمةَ السوداءَ
لا تعجلنَّ فوالذي جعل الدجى * من ليل طرّتي البهيمِ ضياءَ
لو أنها يومَ الحساب صحيفتي * ما سرّ قلبي كونُها بيضاءَ

وقد أنشدها الشاعرُ ابنَ خلكان، قال ابنُ خلكان:" فقلتُ له: قد أغرتَ على بيت نجم الدين ابن صابر، حتى إنك قد أخذت معظم لفظه وجميع معناه والوزن والروي، وهو قوله:
لو أن لحيةَ من يشيب صحيفةٌ * لمعاده ما اختارها بيضاءَ
فحلف أنه لم يسمع هذا البيت إلا بعد عمله للأبيات المذكورة، والله أعلم بذلك.
وهذا البيتُ لابن صابر من جملة أبيات وهي:
قالوا بياض الشيب نور ساطع * يكسو الوجوه مهابة وضياءَ
حتى سرت وخطاته في مفرقي * فوددت أن لا أفقد الظلماءَ
وعدلتُ أستبقي الشباب تعللا * بخضابها فصبغتها سوداءَ
لو أن لحية من يشيب صحيفة * لمعاده ما اختارها بيضاءَ
"

صالح العَمْري 13-04-2016 07:45 AM

قال ابن أبي الإصبع في (تحرير التحبير):
"واعلم أن مِن الناس مَن شعرُه في البديهة أبدعُ منه في الرويّة، ومن هو مُجيدٌ في رويّته وليست له بديهة، وقلما يتساويان، ومنهم مَن إذا خاطب أبدع، وإذا كاتب قصّر، ومنهم مَن هو بضدّ ذلك، ومن قوي نظمُه ضعف نثرُه، ومن قوي نثرُه ضعف نظمُه، وقلما يتساويان، وقد يبرز الشاعر في معنى من معاني مقاصد الشعر دون غيره من المقاصد، ولهذا قيل: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، وعنترة إذا كلب، والأعشى إذا طرب".

صالح العَمْري 21-04-2016 07:39 PM

قرأتُ اليوم في كتاب إلكتروني شعرًا لمرداس بن أديّة أحد رؤوس الخوارج، ووجدتُ في أحد الأبيات تحريفا قبيحا جدًّا، وعجبتُ من وقوع مثله، وليس على هذه النسخ الإلكترونية معوَّل، لكني قلتُ: سأنظر في كتاب (شعر الخوارج) للمحقق الكبير إحسان عبّاس فإنه لن يخلو من هذا الشعر، وأريد لأرى هل وقع فيه مثل هذا التحريف، وقلتُ في نفسي جازمًا: يستحيل ويمتنع أن يقع هذا في كتاب للشيخ الأجلّ إحسان عباس، ولا يمكن بحال أن يفوته مثل هذا. فلما رجعتُ إلى كتابه وجدتُ التحريف ثابتًا فيه مع الأسف، وجلّ من لا يسهو، وقد نقل هو عن تهذيب ابن عساكر، وقد أثبت الشيخُ إحسان البيتَ هكذا:
لا كنتُ إنْ لم أَصُمْ عن كلِّ غانيةٍ * حتى يكونَ بريقَ الجورِ إمطار
ولن أصحِّح ما فيه، بل سأدع ذلك إلى القراء، فلعل أحدًا يُجدي فيه.

أحمد البخاري 21-04-2016 07:46 PM

نفع الله بكم وبفوائدكم
ما دام قد صام فلا بد من إفطار، لكن بريق الحور لا الجور، والله اعلم

صالح العَمْري 21-04-2016 07:50 PM

الحمد لله إذ لم تخب فراستي، كنتُ أعلم -والله- أنك ستُجيب بأسرع من ذا ولا، بارك الله لك.

أحمد البخاري 21-04-2016 08:05 PM

بارك الله فيكم، وما أحسن حديثكم هذا وما أكثر فوائده، وكلامكم في معاني الشعر مطرب، زادكم الله فهما وعلماً.

صالح العَمْري 30-04-2016 08:34 PM

بسم الله الرحمن الرحيم.
لأبي تمام أبيات جميلة مشهورة من أجمل ما قيل في السُّرى وخابطي الليل، هي قوله:
ورَكبٍ يُساقونَ الركابَ زُجاجَةً * من السَّيرِ لم تَقصِد لَها كَفُّ قاطِبِ
فَقَد أَكَلوا منها الغَوارِبَ بِالسُّرى * فَصارَت لَها أَشباحُهُم كَالغَوارِبِ
يُصَرِّفُ مَسراها جُذَيلُ مَشارِقٍ * إِذا آبَهُ هَمٌّ عُذَيقُ مَغارِبِ
يَرى بِالكَعابِ الرَّودِ طَلعَةَ ثائِرٍ * وبالعِرْمِسِ الوَجناءِ غُرَّةَ آيِبِ
كَأَنَّ بِهِ ضِغنًا على كُلِّ جانِبٍ * من الأَرضِ أَو شَوقًا إِلى كُلِّ جانِبِ
ولعمري إنها لأبيات جياد، والمعنى في البيت الثالث أخذه أبو تمام من أحد اللصوص المتقدمين، قال ذلك أبو الطيب المتنبي لأبي علي الحاتمي كما ذكر الحاتمي في المُوضِحة في المناظرة التي جرت بينهما، قال الحاتمي: "فقال أبو الطيب: كيف يكون أبو تمام محسنًا في الأخذ وهو القائل:
يقود نواصيها جذيل مشارق * إذا آبه هم عذيق مغارب
وقد أخذه من أجزل لفظ وأفصحه لبعض المتقدمين:
ورَكبٍ بأبصار الكواكب أبصروا * ضَلالَ المَهارَى فاهتدَوا بالكواكبِ
يكونون إشراقَ المشارق مرّةً * وأخرى إذا غابوا غُروبَ المَغاربِ".
فهذا قول أبي الطيب أن أبا تمام أخذ من هذا اللص الأول، ولم ينكره عليه الحاتمي في المناظرة التي كانت بينهما، فهما قائلان بهذا، وقال بهذا عالم ثالث لكن قوله لم يتضح ولم يستبن وأظنه لم يُفهم، وسبب ذلك -في تقديري- سقط في المخطوطة، والله أعلم، فإذا زال اللبس استفدنا فائدتين:
الأولى: إضافة قول عالم ثالث إلى القولين السابقين، وليست بفائدة جليلة، فإن أخذ أبي تمام من بيتي اللص لا يحتاج إلى برهان.
الثانية: وِجدان بيت من هذه القصيدة لم تُثبته نسخ ديوان أبي تمام في ما رأيت، ولا ذكره شيء من كتب الأدب غير هذا الكتاب في ما رأيت.
وهذا العالم هو أبو أحمد العسكري في كتابه (المصون في الأدب)، وقد حقّقه الشيخ هارون رحمه الله، قال أبو أحمد العسكري: "أنشدنا أبو بكر قال: أنشدنا المغيرة لبعض اللصوص:
وركبٍ بأبصار الكواكب أبصروا * ضلالَ المهارَى فاهتدَوا بالكواكبِ
يكونون إشراقَ المشارقِ مرَّةً * وأخرى إذا آبوا غروبَ المغارب
من ها هنا أخذ أبو تمّام:
ألانَهمُ لُبْسُ الحمائل والسُّرى * فلو عُقِدوا كانوا ليَانَ المناكِبِ
"
ولم يعلق الشيخ هارون على هذا بشيء، وقد بحثتُ عن هذا البيت في ديوان أبي تمام في القصيدة المذكورة أولا وبحثتُ في الشاملة وبحثتُ في الشبكة فلم أجد هذا البيت في غير هذا الموضع.
وأنا أحسب أن في المخطوطة سقطًا، فقد سقط منها بيت، لأن البيت الذي أنشده أبو أحمد العسكري ليس فيه معنى مأخوذ من بيتي اللص، فهو ولا بدّ قد أنشد بعده البيت الذي أخذ أبو تمام معناه من اللص بشهادة إمامين في الشعر أبي الطيب المتنبي وأبي علي الحاتمي، فلا بد أنه أنشد بعده:
يقود نواصيها جُذَيل مشارق * إذا آبه هَمٌّ عُذَيق مغارب
وليست الفائدة في معرفة حصول سقط في المخطوطة، فإن هذا لا شأن له لو كان هذا البيت مثبتًا في القصيدة في ديوان أبي تمام وفي كتب الأدب، لكني لم أجده في شيء منها، فهو ساقط من القصيدة أصلا، ولا يُعرف في أبيات أبي تمام إذا أُنشدت في كتب الأدب، فلعل مكانه -إن شاء الله- قبل البيت المأخوذ من اللص، ويكون ترتيب الأبيات هكذا:
ورَكبٍ يُساقونَ الركابَ زُجاجَةً * من السَّيرِ لم تَقصِد لَها كَفُّ قاطِبِ
فَقَد أَكَلوا منها الغَوارِبَ بِالسُّرى * فَصارَت لَها أَشباحُهُم كَالغَوارِبِ
(ألانَهمُ لُبْسُ الحمائل والسُّرى * فلو عُقِدوا كانوا ليَانَ المناكِبِ)
يُصَرِّفُ مَسراها جُذَيلُ مَشارِقٍ * إِذا آبَهُ هَمٌّ عُذَيقُ مَغارِبِ
يَرى بِالكَعابِ الرَّودِ طَلعَةَ ثائِرٍ * وبالعِرْمِسِ الوَجناءِ غُرَّةَ آيِبِ
كَأَنَّ بِهِ ضِغنًا على كُلِّ جانِبٍ * من الأَرضِ أَو شَوقًا إِلى كُلِّ جانِبِ
فأبو أحمد العسكري أنشد البيت الشاهد والبيت الذي قبله، وكأن الشيخ هارون -رحمه الله- لم يستبن وجه إيراد بيت أبي تمام لأنه ليس فيه شيء مأخوذ من بيتي اللص، ولم يجد البيت في مصدر آخر مع أبيات أبي تمام المشهورة فيعلم أن البيت الشاهد قد سقط، فلم يُعلّق عليه بشيء، ولا شك أنه معذور في هذا.
ومن وجد شيئا خلاف ما ذكرتُه فليكرمني بإيضاحه لي، والله أعلم.

صالح العَمْري 05-05-2016 10:03 PM

ويُشبه هذا ما وقع في (الموضحة) نفسها، فقد قال الحاتمي وهو يعدد لأبي الطيب محاسن شعر أبي تمام:
"وهو القائل [يعني أبا تمام]:
فإن ترم عن عُمر تمادى به المدى * فخانكَ حتى لم تَجِد فيه منزعا
فقال [أبو الطيب]: أمَا هذا مأخوذ من قول البعيث:
وإنا لنُعطي المشرفية حقَّها * فتَقطَع في أيماننا وتقَطَّعُ"
هكذا في المطبوع، وبيت أبي تمام المذكور ليس مأخوذا من قول البعيث، وإنما المأخوذ من قول البعيث هو قول أبي تمام في البيت الذي يليه:
فما كنتَ إلا السيفَ لاقى ضريبةً * فقطَّعها ثم انثنى فتقطَّعا
فهذا يجوز أن يكون سقط من النساخ، ولسنا نقطع بهذا، فإن هؤلاء رواة حفاظ، وهم في مناظرة، فيجوز أن يكون المتنبي قاطع الحاتمي وهو يعلم أنه سينشد هذا البيت بعد البيت المذكور أولا فقاطعه وقال ما قال، فهذا واردٌ جدًّا، والله أعلم.

صالح العَمْري 08-05-2016 08:28 AM

للشعراء المولَّدين معانٍ بديعة وأساليب ظريفة جدًّا في ذمّ من يذمّون، ومن أكثر ما يبعث على الضحك من ذلك هجاؤهم للبخلاء، وهذه نُفَأٌ يسيرة منه، فمن ذلك قول حمّاد عجرد:
حُريثٌ أَبو الصَّلتِ ذو خِبرَةٍ * بِما يُصلِحُ المِعْدَةَ الفاسِدَه
تخَوّف تُخمَةَ أَصحابِهِ * فَعَوّدَهُم أَكلَةً واحِدَه
ولآخر:
أتانا بخُبزٍ له حامضٍ * كمِثلِ الدراهم في رِقَّتِهْ
إذا ما تَنَفَّس حول الخُوانِ * تَطاير في البَيت من خِفَّتِهْ
فنحن كُظومٌ له كلُّنا * يَرُدُّ التنفُّسَ من خَشيَتِهْ
فيَكلِمُهُ اللحظُ من رِقَّةٍ * ويأكُلُهُ الوَهمُ من قِلَّتِهْ

وصدر البيت الأخير يُشبه قول أبي إسحاق البلخي المعتزلي في غرض من الشعر آخر يصف غلامًا رقيق البشرة:
يَجرَحُه الناسُ بألحاظهم * ويَشتكي الإيماءَ بالكَفِّ
وقول آخر:
توهَّمها طَرفي فأصبح خَدُّها * وفيه مَكانَ الوَهْمِ من نَظَري أَثَرْ
ومن أحلى وألذّ ما يقرب من هذا المعنى قول بعض الفقراء:
ولي ثيابٌ رِثاثٌ لستُ أَغسِلُها * أخاف أَعصِرُها تَجري مع الماءِ
ومن أملح ما وقع في الباب الذي كنا فيه ما صنعه الحمدوني في طيلسان ابن حرب، وكان أهدى له طيلسانا أخلاقًا فلم يزل يذكره في شعره، ومن ذلك قوله فيه:
يا ابَن حَربٍ كسوتَني طَيلَسانًا * مَلَّ من صُحبة الزمان وصَدّا
طال تَردادُه إلى الرَّفو حتى * لو بَعَثناه وَحدَهُ لتَهَدَّى
والبيت الثاني من أعلى وأجود ما تكلم به شاعر، وهو نفثة من السحر، وهو قمن بقول الإمام الجُرجاني:
"واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن كالأجزاء من الصبغ تتلاحق، وينضم بعضها إلى بعض، حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تكبر شأن صاحبه ولا تقضي له بالحذق والأستاذية، وسعة الذرع، وشدة المنة حتى تستوفي القطعة، وتأتي على عدة أبيات، وذلك ما كان من الشعر في طبقة ما أنشدتك من أبيات البحتري.
ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة، حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل، وموضعه من الحذق، وتشهد له بفضل المنة وطول الباع وحتى تعلم -إن لم تعلم القائل- أنه من قِبَل شاعر فحل، وأنه خرج من تحت يَدٍ صَناع.
وذلك ما إذا أنشدته وضعت فيه اليد على شيء فقلت: هذا هذا. وما كان كذلك فهو الشعر الشاعر، والكلام الفاخر، والنمط العالي الشريف، والذي لا تجده إلا في شعر الفحول البزل، ثم المطبوعين الذي يلهمون القول إلهامًا.
ثم إنك تحتاج إلى أن تستقري عدة قصائد، بل أن تفلي ديواناً من الشعر حتى تجمع منه عدة أبيات
".
وله أيضًا في الطيلسان:
يُسَلّم صاحبي فيَقُدُّ شِبرًا * به وأَقُدُّ في رَدّي ذِراعا
أُجيلُ الطَّرفَ في طَرَفيه طُولًا * وعَرضًا ما أرى إلا رِقاعا
فلستُ أَشُكُّ أن قد كان دهرًا * لنوحٍ في سفينته شِراعا
وقد غَنَّيتُ إذ أَبصرتُ منه * بَقاياه على كَتِفي تَداعى
(قِفي قبل التفرُّق يا ضُباعا * ولا يَكُ موقفٌ منك الوداعا)

وله فيه أيضا:
طَيلسانٌ لو كان لفظًا إذن ما * شَكَّ خلقٌ في أنه بُهتانُ
كم رَفَوناه إذ تمزَّقَ حتى * بَقي الرَّفْوُ وانقَضَى الطيلسانُ

وهذا البيت الثاني يشبه ما يُروى عن الشيخ عبد الحميد كشك -رحمه الله- أنه قال: "في السجن جابوا لنا سُوس مُفَوِّل"، يريد أن الأصل أن يكون المأكول فُولًا فلما وقع فيه السُّوس صار فُولًا مُسَوِّسًا فلما كثُر ذلك صار سُوسًا مُفَوِّلًا! فصار السُّوس هو الأصل والفُول جزء ضئيل طارئ، وكذلك بيت ابن حمدويه الحمدوني.
وله في طيلسان ابن حرب مقاطيع كثيرة لا تخلو واحدة منهن من معنى بديع، وله مقطعات بديعة أيضا في شاة سَعيد.
والله أعلم.

عائشة 08-05-2016 09:55 AM

نفع الله بكم.

أذكر أنّ أوّل كتاب في الأدب قرأتُه هو "زهر الآداب" للحُصْريّ، وكان مِن أكثر ما أعجبني فيه مقطعات الحمدونيّ تلك، وبلغ من شغفي بها أنْ خصصتُها بحديثين ههنا:
http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=227
http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=239

وهذا حديث فيه مختارات شعرية طريفة من كتاب "البخلاء" للخطيب البغدادي:
http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=1371

وجزاكم اللهُ خيرًا.

صالح العَمْري 12-10-2016 07:24 PM

لأبي العلاء في صفة دِرع:
وما غُبن الغادي بها ولو انه * تَمَلَّكَها عينُ الدَّباة بمثقالِ
وإن قميصًا جال في الظنّ أنه * يذود الرزايا لا يُقال له غالِ

صالح العَمْري 01-11-2016 01:06 AM

ورُبَّ أَمرٍ مُرتَجٍ بابُهُ * عليهِ أَن يُفتَحَ أَقفالُ
ضاقَت بذي الحيلةِ في فَتحِهِ * حِيلتُهُ والمرءُ مُحتالُ
ثم تَلَقَّتهُ مفاتيحُهُ * مِن حيثُ لا يخطُرُهُ البالُ

صالح العَمْري 18-11-2016 05:35 AM

قال أبو خِراشٍ الهذلي:
ترى طالبي الحاجات يَغشَون بابَهُ * سِراعًا كما تَهوي إلى أُدَمَى النَّحْلُ
قوله: "سِراعًا" ليس حشوا بل فيه فائدة لطيفة، فإنه لم يقتصر على الإخبار بأنهم يغشون بابه بل زاد على ذلك أنهم يغشونه سراعا، وهذا الثاني ضرب من المدح خفيّ، ألا ترى أن طالبي الحاجات هؤلاء لو كانوا يعلمون منه البخل أو لا يستيقنون منه الجود لجاؤوا إليه بطاءًا مترددين؟ وما كانوا ليسرعوا إليه وهم لا يعلمون أيعطيهم أم يحرمهم، وإنما يجيئون سراعا لما علموه من بذله وعطائه، فتراهم يبتدرون إليه لا يشكُّون في إصابة الخير عنده كما يبتدر الناس الغنيمة بعد القتال.
وقد نظم ابن مالك ما جاء على (فُعَلَى) فقال:
فُعَلَى: أُدَمَى أُرَبَى شُعَبَى * وكذا: أُرَنَى جُنَفَى جُعَبَى
وزاد البغدادي في الخزانة: حُلَكَى وحُنَفَى -بالمهملة- وجُمَدَى.
وشاهد (أُدَمَى) بيت أبي خِراشٍ المذكور، وشاهد (أُرَبَى) قول عمرو بن أحمر الباهلي:
فلما غَسَا ليلي وأيقنتُ أنها * هي الأُرَبَى جاءت بأُمّ حَبَوكَرَى
وشاهد (شُعَبَى) قول جرير:
أعبدًا حلّ في شُعَبَى غريبًا * ألؤمًا لا أبا لكَ واغترابا
ولم أجد للباقية شواهد من الشعر.

صالح العَمْري 28-03-2017 02:33 PM

من عجيب ما رأيتُه في مواقع التواصل أناس من المرضى المتشدقين يعمد الأهوج منهم إلى أقرب معجم تطوله يده فيقلبه على غير هدى بحثا عن ألفاظ غريبة فيقتمّ طائفة منها ويسرَطها ثم يقيئها جملةً أخبث ما رأت عين أو سمعت أذن، ويظن بجهله أن ذلك منتهى الفصاحة والبيان، ويُطيف به طائفة من الحمقى لا يرونه إلا مُبِرًّا على الجاحظ وقدامة، ولو طلبت من هذا القَمّام أن ينظم لك بيتًا سويّا أو يكتب لك قطعة نثرية سائغة لأرمّ إرمام سَكَن الأجداث، وإنما هو التنطع السامج على طريقة: (إن كانت إلا أثيّابا في أسيفاط قبضها عشّاروك) و(ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جِنّة افرنقعوا عني) و(صَقَعَت العتاريف) و(فأكلتُ جُبْجُبَة، من صَفِيفٍ هِلَّعة، فاعترتني زُلَّـخَة) و(صِينَ امرؤ ورُعي، دعا لامرأة إنْقَحْلَة مقسئنّة، قد مُنيت بأكل الطُّرموق، فأصابها من أجله الاستمصال، أن يمنَّ الله عليها بالاطرغشاش والابرغشاش) ونحوها من الأمراض العقلية.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون.

صالح العَمْري 27-04-2017 08:41 PM

أفضل شروح الحماسة شرح المرزوقي، ثم شرح الشنتمري وشرح التبريزي، والتبريزي ينقل كثيرا عن المرزوقي لكن فيه فوائد كثيرة لأنه ينقل من شرح أبي رياش وشرح أبي هلال وشرح أبي العلاء وهذه كلها مفقودة، وينقل من المبهج لابن جني ومن شرح النمري وتعقبه للغندجاني وغيرها ويضيف على ذلك، فهو بهذا كله جيد، وأما الشرح المنسوب لأبي العلاء فغثاء ومثله الشرح المنسوب لابن فارس، وأما شرح الفسوي وشرح الديمرتي ففوق ذلك قليلا وما فيهما كبير شيء وربما وجدت فيهما الفائدة والنادرة، والمرصفي له تنبيهات جيدة، وعنوان النفاسة ليس كاسمه وهو جيد لكنه ليس نفيسًا، وشرح المشكل لابن جني نحو وصرف محض على مواضع قليلة مشكلة.
والله أعلم.

صالح العَمْري 15-05-2017 04:26 PM

لو كان لي علمٌ ببرامج الرسم والتصميم وصناعة الفيديوهات وإنتاجها ونحو ذلك مع حال مؤاتية لرجوتُ أن أُظهر من دفائن اللغة وأسرار الشعر ما لا يبيد جَدَّ الدهر، وما يجعل الشعر الجاهلي ودواوين اللغة في نظر العامي كالشعر الشعبي وكلام العامة سهولة ووضوحًا، ولكن لله الأمر، ولن تعدم في الناس خيرًا مني يقوم بها، فدونكم الفكرةَ إن لَقِيَتْ جِدًّا وجَدًّا وجَلَدًا.

محمد بن عبد الحي 16-05-2017 02:53 PM

صدقتَ يا أبا حيَّانَ، لو قد هيَّأ الله لنا من يفعل ذلك لكانت الفائدة عظيمةً، فكم رأيتُني محتاجًا إلى صورةٍ لأعرفَ اسم ذاتٍ، وإلى مرئيَّة لأتصوَّرَ حدثًا، هذا وأنا رجلٌ عربيٌّ، ودارُنا تُشبه دار العرب، فما ظنُّك بالحضريين ! وقد رأيت منهم من لا يُميِّز الضَّأن من المعز، ولا يعرف فرقَ ما بين سَعَف النخل وجريده !
ومن بيوتِ الشِّعر أيضًا ما لا يقدر الشَّارح على شرحه حتَّى يُصوِّرَ شيئًا، وقد عالجتُ من ذلك نصبًا كثيرًا في شرحِ بعض المختاراتِ لطلَّابٍ أعجمينَ وأصحابٍ من أهل القاهرة، ووددتُ لو كان لنا شيءٌ مما وصفتَ، إذًا ترى الأعجمينَ والعامَّة يتمثَّلُونَ بأبياتِ الشعر إذا وافقت أحوالهم مضاربها ! ولا يُنبِّئك مثل خبيرٍ.
كنت أقرأ في مختار الصحاح وأخٌ لي، فشهِدَنا ابنُهُ يومًا، وكنا نقرأ بيتَ عبد منافِ بن رِبْعٍ:
حتَّى إذا أسلكوهم في قُتائدةٍ .. شلًّا كما تطرد الجمَّالة الشُّرُدا
فكانَ أنْ قُمتُ من موضعي، فجعلتُ أصِف البيتَ، وذلك بعينِ الغلام. فحدَّثني أبوه انَّ أخوات الغلام كنَّ يلهونَ، فقال له أبوه: أبعِدْهنَّ عنَّا، فخرجَ الغلام فصاحَ فيهنَّ فتفرَّقن، فرجع الغلام وهو يقول: شلًّا كما تطرد الجمَّالة الشُّرُدا !!
فهذا غلامٌ من غير العرب، ولو سألتَه أن يفسِّر لك كلماتِهِ لعيَّ بهنَّ، ولكنَّه رأى شيئا، فوعاه قلبه، فجرى على لسانه، فما ظنُّكَ ببني العرب؟
وقد أطلتُ البحثَ فيما يرفَع الناس من أهل الجزيرة من مصوَّراتٍ فلم أرَ ما يشفيني، ومنهم رجلٌ (دكتور) يشرحُ قصائدَ وأبياتًا في مواضعَ يزعُمها مواضِعَها، وقد أذاعتْ ذلك له قناةٌ مشهورةٌ، فلما أقبلتُ على الرجل أستمعُ إليه ساءني منه جهلٌ عظيمٌ، ولحنٌ إذا نطقَ، وأنه لا يكادُ يقيم بيتًا، فقلتُ في نفسي: لو كانت هذه الوسائل -لغيره من طلاب العلم !
وبعدُ يا أبا حيَّان، فأبَى الحقينُ العذِرة، والأمر -بعدَ تقدُّم هذه الآلاتِ وتيسُّرها- أيسر، وأنت -بعد استحكام السِّن، وتنجيذ التجارِب- أقدر، والناس -في جهلم بالعربيَّة، ورغبتهم عنها- أحوجُ… ولا يمنعنَّك من فعل شيءٍ أن يكونَ دون ما امَّلتَ، فإنَّه خيرٌ من ألا يكونَ شيءٌ.
وقد قرأتُ يومًا خبر الأصمعيِّ وأبي عبيدة وقد وضع كلٌّ منهما كتابًا في خلق الفرس، فدعا بهما الفضل بن الربيع، وسأل أبا عبيدةَ أن يقرأ من كتابه حرفًا حرفًا ويضع يده على فرسٍ جيءَ به، فيعيِّن موضع الحرف منه، فعجزَ أبو عبيدة، وانتدب لها أبو سعيدٍ، فلله أبو سعيدٍ !
فلما قرأتُها قلتُ: من لي بمثل أبي سعيدٍ إلا أن يكونَ أبا حيَّانَ، وعزمتُ أني إن تيسَّر لي زيارة الحجاز يومًا أن ألقى أبا حيَّانَ، وأن أحمله على ذلك، وعلى أشياءَ من مثله في نفسي، وأن يُصوَّر كلُّ هذا تيسيرًا على طلاب العلم، وقد كانَ هذا قبل بضعِ سنينَ، فلم أصنع من ذلك شيئًا.
وبعد، فإنِّي أبادرُ أن أموتَ، وأبادرُ أن يستأثرَ الله بكَ، ولم نقضِ منك حاجاتٍ في النفوسِ، فيذهَب علينا علمٌ كثيرٌ، ولكنَّك لو أجبتَنا إلى ما نسألك، ثمَّ اختاركَ ربُّك إلى جواره لم نأسَ عليك إلا كما يأسَى على الخليل خليلُهُ، فأمَّا أسًى على ذي علمٍ فلا، كيفَ وقد أبقاه لنا من بعده مشرعًا مورودًا!
وبعد، فهذا شيءٌ جاشَ به الصدر، فأفضيتُ به إليك، لا أدري أيَّ موقعٍ يقع منك، غير أني قد وثِقْتُ بالإخاء منك، وعهدتُّ إحسانَ الظَّنِّ، ولا والله ما أردتُّ به التزلُّفَ إليك، وإن كان ذلك حبيبًا إليَّ، ولكنِّي نظرتُ إلى ما ينفع الإسلام وأهله. والسلام.

صالح العَمْري 17-05-2017 10:48 AM

قد أعييتَني يا أبا ثابت وسددتَّ علي مذاهب القول، حتى رأيتُني لا أُزوِّرُ في نفسي شيئا إلا رأيتُه دون كلامك في الـحُسن والأَنَق، وتعذّر علي أن أُسَدِّيَ كما تُسَدِّي وأُلـحِمَ إلحامَك، ثم ألجأني العَوزُ إلى أن قَبَستُ شيئًا من سَناكَ فألّفتُ هذا الكلامَ المقارِب، وأما كلامُكَ فهو الذَّوبُ يُشاب بماءٍ مثلِ ماءِ المفاصلِ، وسَنُّوتٌ بزُبْد، فبارك الله لك.
وأما الدكتور المذكور عفا الله عنه فلقد ضرّ ونفع، فنفعه كان في تذكير الناس وحثهم على العناية بتراثهم، وضرره كان في ما ذكرتم من تحريف وتخليط، وقد رأيتُ ردًّا عليه لبعض طلاب العلم، وقد أحسن فيه صاحبُه وبيّن ما عند الدكتور المذكور من الخلل.
وأما اللقيا فإنها شرف لي وفائدة، ولو لقيتُكم لرجوتُ أن أُصيبَ من علمكم وأدبكم ما يَكثُرُ ويَطِيب، وأما أن تستفيدوا مني شيئا مذكورًا فذلك شيءٌ لا أُراه يكونُ.
وقد خشيتُ لما رأيتُ كلامكم عن الموت أن يقرأ ذلك بعضُ مَن يُـحسن الظنَّ بي فيألَـمَ حتى يكونَ كما قال ذو الرمّة:
وإنسانُ عيني يَـحسِرُ الماءَ تارةً * فيبدو وتاراتٍ يَـجُمُّ فيَغرَقُ
ويخالني كما قال ابن مُقبِل:
إذا متُّ عن ذِكْرِ القوافي فلن تَرَي * لها تاليًا بعدي أطبَّ وأشعرا
وأَكثرَ بيتًا ماردًا ضُربت له * حُزونُ جبال الشِّعْر حتى تَيسَّرا
أغرَّ غريبًا يمسحُ الناسُ وجهَه * كما تمسحُ الأيدي الأغرَّ المشهَّرا
أو أن يتمثل بقول أحمد بن عبد السلام أو أبي بكر بن العلاف في ثعلب لما مات المبرّد:
ذهب المبرّدُ وانقضت أيامه * وليذهبنّ مع المبرّد ثعلبُ
بيتٌ من الآداب أصبح شطرُه * خَرِبًا وباقي شطره فسيخربُ
فتزوّدوا من ثعلبٍ فبكأس ما * شرب المبرّد عن قريب يشربُ
وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسَه * إن كانت الأنفاسُ مما يُكتَبُ
أو يستحضر قول ابن دُرَيدٍ لأبي علي القالي وكان القالي سأله عن بيت شعر فقال ابن دريد: لئن طَفِئَت شحمتا عينيّ لم تجد من يشفيك من العلم. قال ابن دريد: وكذلك قال لي أبو حاتم السجستاني وقد سألته عن شيء، وقال أبو حاتم: كذلك قال لي الأصمعي وقد سألتُه عن شيء.
والحق أنه لو عرفني وبَلا ما عندي لكنتُ أنا المتمثّلَ تهوينًا لإخفاقه وصَفَر يَدِه بقول الحريري:
ما أنتَ أَوَّلَ سارٍ غَرَّهُ قمرٌ * ورائدٍ أعجَبَتهُ خُضرةُ الدِّمَنِ
فاختَر لنفسِكَ غيري إنني رجلٌ * مثلُ الـمُعَيديّ فاسمع بي ولا تَرَني
وأما المشروع الذي أشرتَ به فإني لأعلل النفس بالآمال، فإن كان فهو ذاك، وإن حِيلَ دونه أنشدتُّ قول الأول:
يُحرَم الليثُ صيدَه وهو منه * بين حَدّ الأنياب والأظفارِ
ويَزِلّ السهم السديدُ عن القَصد وما تلك زلّةُ الإسوارِ
إن يخنّي رشاء دلوي فقد أحكمتُ إكرابَه بعَقدٍ مُغارِ
أو يَعُدْ فارغًا إليّ فما ألقيتُ إلا إلى المياه الغِزارِ
وأما موقعُ كلامك مني فموقع القَطْر، وإن لك من قلبي ما للقِدْح المعلَّى، فالأرواح جنود مجندة تَشامُّ كما تَشامُّ الخيل فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، وإنما الشيء كشكله، فهذا حيثُ التَقَى الثَّرَيان.
أَهدَى إليكَ مَودَّتي ونَصيحَتي * قبلَ اللقاءِ شَواهدُ الأرواحِ
وعلى القُلوب من القُلوب دلائلٌ * بالوُدِّ قبل تَشاهُدِ الأَشباحِ

صالح العَمْري 09-07-2017 12:44 AM

لو قيل: إن أفضل قصيدة في تاريخ الشعر العربي هي قصيدة التهامي التي أولها:
حكم المنية في البرية جار
لكان ذلك قولا قويا حسنًا.

صالح العَمْري 17-07-2017 11:45 PM

ومن أجود الشعر قصيدة أبي العلاء التي قالها وهو ببغداد يحن إلى المعرة وأرض الشام، وأولها:
طَرِبنَ لضوء البارق المتعالي * ببغدادَ وهنًا ما لهن وما لي
وهي في سقط الزند.
وقصيدة له أخرى قالها على لسان رجل أسنّ وضعف عن لبس الدرع، وأولها:
أراني وضعتُ السردَ عني وعزّني * جوادي ولم ينهض إلى الغزو أمثالي
وهي في سقط الزند أيضا مع قصائده الدرعيات.

صالح العَمْري 12-10-2017 05:58 PM

قال زياد الأعجم:
لعمرك ما رماح بني نمير * بطائشة الصدور ولا قصار
ويروى أن امرأة من بني نمير احتضرت، فاجتمع حولها قومها ليلقنوها الشهادة، فقالت لهم: من القائل: لعمرك ما رماح بني نمير؟ فقالوا: زياد الأعجم، قالت: فبكم يجوز أن أتصدق من مالي؟ قالوا: بثلثه، قالت: فأشهدكم أنه له.

صالح العَمْري 12-10-2017 10:06 PM

وقيل لأعرابيّ: من أجدر الناس بالصّنيعة؟ قال: من إذا أُعطي شكر، وإذا حُرم صبر، وإذا قدُم العهد ذكر.
وقيل لأعرابيّ: من أكرم الناس غرّةً؟ قال: من إذا قرُب مَنَح، وإذا بعُد مَدَح، وإذا ظُلم صَفَح، وإذا ضويق سَـمَح.

منصور مهران 13-10-2017 12:49 AM

استفهام
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت من قِبَل صالح العَمْري
[font=traditional arabic
بيتٌ من الآداب أصبح شطرُه * خَرِبًا وباقي شطره فسيخربُ [/font]



دأبتُ على تتبع ثمرات قلم شيخنا الأديب البارع صالح العَمْري وأجد فيها كناشة جادة الهدف جليلة الدلالة
واليوم مرت عيني على هذه الفائدة ووقفت على هذا البيت فتوقفت عند قول الشاعر : ( وباقي شطره فسيخرب )
فتحيرت : ماذا يكون مجيء الفاء هنا في مفاهيم شيخنا ؟
أيجعلها زائدة بلا معنى أو تُزاد لتحسين اللفظ
أم
يختار لها معنى بعد عدة تقديرات يتوهمها النحاة وصولا بها إلى معنى يتسق مع القياس ؟
ولأني لم أرتضِ لها الاعتباط فقد لجأت إلى محفوظ شيخنا لعله يفرد لها قولا في فراش الفوائد ينير سبيلها إلى العقول المتعطشة لعذب اللغة التي غفل عنها أكثرنا .

صالح العَمْري 13-10-2017 06:43 PM

حياك الله شيخنا الحبيب وأستاذنا بحق النحوي الكبير منصور مهران، وإني لا أجد من البيان ما أنعت به كريم تواضعكم وشرف خلقكم، وما أنا -إن عُدِدتُّ- إلا في ساقة تلاميذ تلاميذكم، أمد الله في عمركم على طاعته ومتع أهل الآداب واللغة بكم.
وليتني أجد جوابًا لسؤالكم، ليس ذلك لأفيدكم فليس مثلي يفيد مثلكم ولكن لأنال شرف المدارسة معكم، ولكني لا أجد لذلك السؤال جوابًا، وما في بضاعتي شيء يُنقي ويُجزي، فإن رأيتم بكرمكم أن تفيدونا وتفيدوا القراء بما ترونه فيها كنا لكم شاكرين وعليكم مثنين.
وفقكم الله وسددكم.

صالح العَمْري 30-10-2017 02:52 PM

إذا رأيتَ ما يحلّ ببلاد المسلمين من النكبات وأسلمك طولُ ذلك إلى اليأس فاذكر قول الحريري:
لا تيأسنْ عند النُّوَبْ * من فَرجة تجلو الكُرَبْ
فلكم سمومٍ هبَّ ثم جرى نسيمًا وانقلبْ
وسحابِ مكروهٍ تَنَشّا فاضمَحلَّ وما سَكَبْ
ودُخَانِ خَطبٍ خِيفَ منه فما استبانَ له لَـهَبْ
ولطالما طَلَعَ الأَسَى * وعلى تَفِيئَتِهِ غَرَبْ
فتَرَجَّ من رَوحِ الإلهِ لطائفًا لا تُـحتَسَبْ

تقنويه 31-10-2017 12:51 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت من قِبَل صالح العَمْري (المشاركة 54239)
لو قيل: إن أفضل قصيدة في تاريخ الشعر العربي هي قصيدة التهامي التي أولها:
حكم المنية في البرية جار
لكان ذلك قولا قويا حسنًا.

صدقت. وأغلب الظن أن أبا العلاء قد تأثر بها في داليته المشهورة، فبينهما مواضع اتفاق لا تخفى على الفطن. وفي هذا الصدد أذكر أنني قرأت قديمًا -لا أعلم أين- أن أبا العلاء كلما زاره زائر من بلد التهامي استنشده القصيدة، وصادف أن زاره أبو الحسن نفسه ولم يكن يعرفه، فاستنشده فأنشده، فعرف أبو العلاء من إنشاده أنه صاحب القصيدة.
وهذه القصيدة -على وجه الخصوص- أحبها مسموعة لا مقروءة، وقد بحثت عنها في اليوتيوب فلم أجد إلا تسجيلا قديما للحمين يعيبه كثرة الأخطاء، دعك مما راج مؤخرا من تشويه للشعر من بعض الجهلاء الذين يظنون أنهم يحسنون صنعا، فقد آذونا بتراديدهم وأنغامهم المسماة إنشادا، وصاحب الذوق الأصيل يراها تشويها وإفسادا. والله المستعان.

صالح العَمْري 01-11-2017 08:08 PM

أحسنتم أستاذنا الكريم تقنويه كعادتكم في الإحسان.

تقنويه 02-11-2017 01:26 AM

بارك الله فيكم، فأنتم أهل العلم والفضل.
وكنت سمعت لك عدة قصائد، فأعجبتني فصاحتك، وراق لي حسن إنشادك، فهلا تفضلتم -أستاذنا الكريم- بتسجيل القصيدة ووضعها هنا، ولكم منا خالص الدعاء والثناء.

صالح العَمْري 03-11-2017 11:30 AM

أحسن الله إليكم، يسرني جدًّا استحسان مثلكم لما أنشدته، وأرجو أن أسجل هذه القصيدة إذا استطعتُ ترتيب أبياتها فإني أحسب أن فيها اضطرابًا غير قليل.

عمرو حمدي 21-11-2017 02:02 AM

السلام1
قال الشريف الرضي من قصيدته الكافية المشهورة
وحبذا وقفة والركب معتقل على ثرى وخدت فيه مطاياك
ولم يتبين لي حقيقة معناه حتى رأيت الدكتور زكي مبارك يصحح لفظة "معتقل" ب "مغتفل" ويرى أن المراد بها الإغفاء وترك الأولى على حالها ..فرأيت أن صوابها "وقعة" ..وتعني نزولهم آخر الليل للراحة لانطلاقهم مع الفجر بعدها ..وبذا يتبين المعنى ..إلا أني مازلت من شك في لفظة مغتفل ..
وقال من قطعة أخرى من حجازياته
يا سرحةً بالقاع ، لم يُبلل بغير دمي ثراها
ممنوعة ، لا ظلها يدنو إلي ولا جناها
أكذا تذوب عليكم نفسي وما بلغت مناها ؟!
أين الوجوه أحبها وأود لو أني فداها
أمسي لها متفقدا في العائدين ولا أراها
واها ولولا أن يلوم اللائمون لقلت آها !!
واستشكل علي البيت الأخير فراجعت القاموس المحيط فوجدت فيه "واها كلمة تعجب من طيب كل شئ ، وكلمة تلهف " فما الفارق هنا بين التلهف والتأوه بما يجعل إتقاءً للائمين ومداراة "واها " خير من "آها"

صالح العَمْري 21-11-2017 04:37 PM

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم يا أخانا الكريم، سأتأمل ما ذكرتموه فإن بدا لي فيه شيء أخبرتكم به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال التبريزي في شرح ديوان أبي تمام:
"يقال: جاء القوم بأجمُعِهم، بضم الميم، وهو أفصح عندهم من أجمَعِهم بالفتح، لأن أجمع مقصور على التوكيد".
وقال ابن هشام في مغني اللبيب:
"وأما قولهم جاء القومُ بأجمعهم فهو بضم الميم لا بفتحها وهو جمع لقولك (جَـمْع) على حد قولهم: فَلْس وأَفلُس، والمعنى جاؤوا بجماعتهم، ولو كان توكيدًا لكانت الباء فيه زائدة مثلها في قوله:
هذا وجدّكم الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ ...
فكان يصح إِسقاطها
".

صالح العَمْري 31-05-2018 03:29 AM

اقرأ كتابًا واحدًا سمينًا جزلا وأعد النظر فيه مرات كثيرة وأحكمه يكن خيرًا لك من قراءة مئة كتاب، ولا أعني بالسِّمَن أن يكون الكتاب طويلًا بل أعني السِّمَن المعنوي أي أن يكون جم الفائدة، كما قال شاعر الوحشيات:
وطاح الرئيس وهادي اللواء * ولا تأكل الحرب إلا سمينا

صالح العَمْري 19-08-2018 01:04 PM

لقد وصل الضعف العلمي -في المجتمعات العربية- في العلوم كلها إلى دركة لا تبلغها الأوهام والظنون، فترى الناس إذا سمعوا من أحد كلمتين في الطب قالوا: طبيب حاذق، وإذا سمعوا من أحد بضعة أبيات ولو أنشدها مكسرةً قالوا: أديب باقعة، والذي يتتعتع في مبادئ الاقتصاد اقتصادي فذّ، والمحلل السياسي الجاهل سياسي محنَّك، وقِس على هذا.
وأحسب أني لم أر في مَن يكتبون أو يتكلمون من أهل عصرنا في العلوم المختلفة مَن تدل كتابته أو كلامه على علمه ورسوخه وتمحيصه وتحقيقه إلا نفرًا قليلًا تحصيهم أصابع اليدين.
وإن من الأشياء التي أيقنتُ بوجودها في المجتمعات العربية -وقد تكون في غيرها أيضا- أنهم إذا رأوا شخصًا يتكلم في الأدب والشِّعر وهو طويلُ الشَّعر مثلًا -وخصوصا من اشتعل رأسه شيبًا- أو أصلعُ أو كثُّ الشارب طويلُه أو كان له نظارةٌ ضخمة أو كان في إحدى عينيه انحرافٌ أو كان أحمرَ العينين أو أزرقَ إنسانيهما أو كان رثَّ الثياب ونحو ذلك ثم سمعوه بعد حصول هذه الصفات الشكلية أو بعضها يذكر السيمفونية أو القيثارة أو البوتقة أو ألحان الجنادب أو محاريب التماثيل أو تجاعيد السنين أو ترانيم المساء أو نحو ذلك ثم رأوه بعد ذلك أجشَّ -أي غليظ الصوت- أو صَحِلًا -أي في صوته بُحَّة- أو ذا هينومٍ -أي صوتٍ خفيّ- ليّنَ الـجَرس = إذا رأوا ذلك أجمعوا إجماعًا قولًا واحدًا لا يَـختَلف ولا يَتَبَدَّل أنه شاعرٌ أديبٌ مفكرٌ فيلسوفٌ عميقٌ قامةٌ فكريةٌ أدبيةٌ عاليةٌ.
وتأمل هذا في ما ترى حولك تر ما أخبرتك حقًّا مبينًا.
ولستُ أسخر من شيء من خلق الله، لا والله ومعاذ الله، بل أعجب من جعل هذه الأشياء مقياسًا للعلم والحذق، وهو مقياس لا يُصرِّح به الناس لكنهم قد أضمروه في نفوسهم وتواطؤوا عليه وتظاهروا فيه.
وهذا أعم وأشمل من الأدب بل لا يرون أحدًا فيه تلك الصفات الشكلية يتكلم في علم من العلوم في الطب أو الفلك أو ما شئت إلا أصفقوا وأطبقوا على حذقه ونفوذه وتغلغله، فإن كان مع ذلك فقيرًا فهو الغاية والمنتهى عندهم في العلم، ولا يتصورون غنيًّا عالـمًا.

منصور مهران 19-08-2018 05:39 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت من قِبَل عمرو حمدي (المشاركة 55181)
السلام1
قال الشريف الرضي من قصيدته الكافية المشهورة
وحبذا وقفة والركب معتقل على ثرى وخدت فيه مطاياك
ولم يتبين لي حقيقة معناه حتى رأيت الدكتور زكي مبارك يصحح لفظة "معتقل" ب "مغتفل" ويرى أن المراد بها الإغفاء وترك الأولى على حالها ..فرأيت أن صوابها "وقعة" ..وتعني نزولهم آخر الليل للراحة لانطلاقهم مع الفجر بعدها ..وبذا يتبين المعنى ..إلا أني مازلت من شك في لفظة مغتفل ..
وقال من قطعة أخرى من حجازياته
يا سرحةً بالقاع ، لم يُبلل بغير دمي ثراها
ممنوعة ، لا ظلها يدنو إلي ولا جناها
أكذا تذوب عليكم نفسي وما بلغت مناها ؟!
أين الوجوه أحبها وأود لو أني فداها
أمسي لها متفقدا في العائدين ولا أراها
واها ولولا أن يلوم اللائمون لقلت آها !!
واستشكل علي البيت الأخير فراجعت القاموس المحيط فوجدت فيه "واها كلمة تعجب من طيب كل شئ ، وكلمة تلهف " فما الفارق هنا بين التلهف والتأوه بما يجعل إتقاءً للائمين ومداراة "واها " خير من "آها"



قولكم :
( فرأيت أن صوابها "وقعة" .. وتعني نزولهم آخر الليل للراحة لانطلاقهم مع الفجر بعدها )

قلت : قراءتك جيدة وصواب إن شاء الله ، ولكن الوقعة ليست في اللغة كما فسرتها ،
لأن معنى الوقعة : النومة في آخر الليل - كما جاء في لسان العرب -
والنومة في آخر الليل أقرب إلى دلالة سائر البيت من النزول للراحة .

وبالله التوفيق

صالح العَمْري 18-09-2018 05:04 AM

دخل الطرِمّاحُ بن حكيم الطائي على خالد بن عبد الله القَسْري فقال له: أنشدني بعض شعرك، فأنشده قوله:
وشَيَّبَني أن لا أزال مُناهِضًا * بغير ثرىً أَندَى به وأَبُوعُ
وإن رجالَ المال أضحوا ومالُـهُم * لهم عند أبواب الملوك شفيعُ
أَمُخترِمي ريبُ المنون ولم أَنَل * من المال ما أَعصي به وأُطيعُ

فأمر له بعشرين ألفًا وقال له: اعص بها الآنَ وأطع إذا شئتَ.
(حسرات الكرام، عبد الرحمن بن يوسف الفرحان، 88، وذكر أن الخبر في ديوان المعاني والأغاني وغيرهما).

صالح العَمْري 22-01-2019 10:53 PM

الفَوتُ في اللغة يكون لما طُلب من مفقود فلم يُدرك، ويكون لما فُقد من موجود، أما استعمال الفَوت للمعنى الأول فهو مشهور وشواهده كثيرة، ولا يكاد الناس يعرفون غيره، كقول الفرزدق:
وهل أنتَ إذ فاتتكَ مَسْعاةُ دارمٍ * وما قد بَنَى آتٍ كليبًا فقاتلُهْ
فإن الفرزدق يزعم أنه ليس لجريرٍ وقومِه مثلُ مَسعاة بني دارم وأنهم يودّون لو نالوا مَسعاةً مثلَها، فهذا شيء مفقود يطلبه جريرٌ وقومُه في زعم الفرزدق ولم يُدركوه، فسمَّى ذلك فواتًا، وهو كما تقول: طلبتُ العدوَّ ففاتني.
وأما مجيء الفَوتِ للثاني فلا يكاد يعرفه الناس، ومن شواهده قول بعض العرب يرثي ابنَه -وهي في الحماسة-:
وكيف يُلامُ مَحزونٌ * كبيرٌ فاتَهُ وَلَدُهْ
فإن هذا كان ولدُه حيًّا عنده ثم مات، فسمّى موتَه فواتًا.
ومنه قول ابن مُقبِل:
قد كنت أَهدِي ولا أُهدَى فَعَلَّمَني * حُسنَ الـمَقادَة أَنّي فاتَني بَصَري
وأتى بها الأسود بن يَعفُر مرتين في بيتين متتاليين إذ يقول:
فلُومي إن بدا لكِ أو أفيقي * فَقبلكِ فاتَني وهو الحميدُ
أبو العَوراءِ لم أَكمَدْ عليه * وقَيسٌ فاتَني وأخي يَزيدُ
وقال عَبِيد بن الأبرص:
فَإِن يَكُ فاتَني أَسَفًا شَبابي * وأَضحَى الرأسُ مِنّي كاللَّجِينِ
وقال مَعنُ بن أَوس:
ألم تَعلَمي عَمرًا وسُفيانَ قَبلَهُ * وضَمرَةُ أَمسى فاتَني ومُسافِعُ
والله أعلم.

صالح العَمْري 18-02-2019 04:56 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت من قِبَل صالح العَمْري (المشاركة 50572)
وأما تحامل الصاحب عليه في قوله: "جِبْرِين" فلم يُصِب فيه، فإن هذه لغة من لغات العرب حكاها الجوهري في (الصحاح) عن الأخفش، وعدّ في (التاج) أربع عشرة لغة هذه واحدة منها، ثم قال: "وقد نَظَم الشيخُ ابنُ مالك سَبْعَ لغات من ذلك في قوله:
جَبْرِيل جِبْرِيلُ جَبْرَائِيلُ جبْرَئلٌ
وجَبْرَئِيلُ وجَبْرالٌ وجِبْرِينُ
قال شيخُنا: وذَيَّلَها الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بقوله:
وجَبْرَأَلُّ وجَبْرايِيلُ معْ بَدلٍ
جبْرائِلٌ وبِيَاءٍ ثمَّ جَبْرِينُ"
وقال العكبري في شرح ديوان المتنبي: "وبنو أَسَدٍ يقولون: جِبْرِين، بالنون"
وقال الواحدي في شرح ديوانه: "جِبْرِين لغةٌ في جِبْرِيل بكسر الجيم وحذف الهمزة وتُبدل اللام نونا، وكذاك يقال: إسماعيل وإسماعين وإسرائيل وإسرائين".
وقال المعرّي في (معجز أحمد): "وجِبْرِين لغة، أي جِبْرِيل، وقيل: إن النون بدل من اللام".
والله أعلم.


قلتُ: قد عَدَّ ابنُ مالكٍ سبع لغاتٍ وزاد السيوطيُّ سبعًا أيضًا، فذلك أربع عشرة لغة كما ذكر صاحب التاج، وسأزيد هنا سبعًا، وليست هي من زيادتي ولا من كَيسي ولا من كِيسي، بل هي من الفوائد التي توجَد في غير مظانها، فقد ذكرها الصالحي في كتابه (الآيات العظيمة الباهرة)، وذكر أن فيه إحدى وعشرين لغة، وقال بعد أن ذكرها: "نقل جميع ذلك الإمام العلامة محب الدين ابن شيخ الحساب والفرائض الإمام العلامة شهاب الدين ابن الهايم في الغرر، ومن خطه نقلت".
ولم أقدر على تحرير الزائد على اللغات التي ذكرها صاحب التاج، فإن بعض الذي في التاج لم يذكره الصالحي إلا أن يكون في ضبط ما نقلناه من التاج خطأ، وعلى كل حال فإن الصالحي عدّ إحدى وعشرين لغة وضبطها وسمَّى من نقلها ومن قرأ بها من القراء، ولا أنشط لكتابة كلامه كلّه، فمن أراده فهو في الكتاب في طبعة الخانجي ص 193.

صالح العَمْري 20-02-2019 09:53 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت من قِبَل صالح العَمْري (المشاركة 35053)
2 - أسماء أيام العجوز.
هي آخر أيام الشتاء، وهي سبعة أيام، جمعها الشاعر في قوله:
كُسِعَ الشتاءُ بسبعة غُبرِ * بالصِّنِّ والصِّنَّبْر والوَبْرِ
وبآمِرٍ وأخيه مُؤتَمِرٍ * ومُعَلِّلٍ وبمُطفِئ الجَمرِ
وقوله: كُسعَ الشتاء بسبعة غبر، معناه أن الشتاء خُتم بهذه الأيام الشديدة الباردة، وهي سبعة كما ذكرنا، تقول: كسعتُ الرجل إذا طردتَه واتبعتَ أثره وكنتَ خلفه، فكأن هذه الأيام تطرد الشتاء وتَتبعُه وتشتدُّ وراءه، لأنها آخر أيامه.

ترقبوا أيام العجوز بعد خمسة أيام إن شاء الله، وهذا خبر عنها:
https://sabq.org/BMzZcn

أبو محمد عبدالله 17-03-2020 06:49 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت من قِبَل صالح العَمْري (المشاركة 35428)
وأما ما ذكره شيخنا الشيخ منصور من وقوع التصحيف في "أحصاب" فما أراه إلا مصيبا فيه، ويكون أصل الكلام هكذا:
"وأرض أخصاب: أي ذات خصب"
فصُحِّفت "أخصاب" إلى "أحصاب"، وحُرِّفت "خصب" إلى "حصى"!
والله أعلم

أحسن الله إليكم
أليست الحصباء الحصى الصغار فلم رأيتم التصحيف؟

صالح العَمْري 09-11-2020 10:37 PM

يقول الشماخ في زائيته المشهورة:
فقال إزارٌ شَرْعَبيٌّ وأربعٌ * من السِّيَراء أو أَواقٍ نَواجِزُ
وقد بحثتُ عن تفسير الشَّرعَبيّ في نشرتين لديوان الشماخ وفي نشرتين لجمهرة أشعار العرب وفي الشاملة والموسوعة الشعرية فوجدتُّ فيها شيئين:
الأول: تفسيره بأنه ضرب من البرود.
وهذا تفسير صحيح، لكنه محتاج إلى زيادة إيضاح.
والثاني: للجواليقي في (شرح أدب الكاتب) وعنه نقل كثير ممن بعده، وقد ذكر أنه ضرب من البرود أيضا، ثم زاد: "جاء على لفظ المنسوب، وأصل الشرعبة قطع الأديم واللحم طولا"، يريد أن الشَّرعَبيّ ليس منسوبًا حقيقة، وإنما جاءوا به على لفظ المنسوب، مثل الكرسيّ والجعظريّ للفظ الغليظ من الرجال والجهوريّ وغيرها، وفي (المزهر) للسيوطي باب في ما جاء على لفظ المنسوب. وذكر الجواليقي معنى الشَّرعَبة كأنه يريد أن الشرعبي معناه في الأصل الـمُشَرعَب أو نحو ذلك لكنهم جاؤوا به على لفظ المنسوب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولم أر أحدًا ذكر في تفسير هذا البيت ما سأذكره لك الآن في تفسيره، وأراه هو الصواب، وهو أن الشَّرعَبيّ منسوبٌ إلى قبيلة من قبائل اليمن، وهم بنو شَرعَب بن قيس، وهم بطن من حِميَر، وهي قبيلةٌ معروفة باليمن.
قال ابن الكلبي: وإليه تُنسب الرماح الشَّرعبيّة، وكذلك البُرود أيضا.
وقال ابن دريد في (الاشتقاق): "والشَّرعبيَّة: ضربٌ من ثياب اليَمَن. قال الشاعر:
والشَّرعبيَّ ذا الأذيالِ"
قلت: وأهل اليمن يُذكَرون بحَوك البُرود ونَسج الثياب، وقال خالد بن صفوان في ذم أهل اليمن: هم بين حائك بُرد وسائس قرد. وقال بعض الشعراء:
إذا النَّفَرُ الأُدمُ اليَمانونَ نَمنَموا * له حَوكَ بُردَيهِ أَرَقُّوا وأَوسَعُوا
وقد ذكروا في تفسير السِّيَراء في بيت الشمّاخ نفسه أنها ثياب من ثياب اليمن، فقد عطف الشماخ السِّيَراء التي هي من ثياب اليَمَن على الإزار الشَّرعَبيّ المنسوب إلى تلك القبيلة اليمنية.
وهو كما قالوا: بُردٌ نجرانيّ، وقالوا في غير الثياب: إبل مَهْريّة نسبة إلى قبيلة مَهرة، وهي قبيلة باليمن وجنوب المملكة، وقالوا: إبل صيعرية، نسبة إلى قبيلة الصيعر، وهي قبيلة كِندية باليمن وجنوب المملكة.
وذكروا في تفسير الـحِبَرة أنها نوع من ثياب القطن تُنسَج باليمن.
ــــــــــــــــــــــــــــ
وقد كنتُ أبحث في الشاملة فوجدتُّ فيها في (سير أعلام النبلاء) طبعة الرسالة:
"قَالَ مُحَمَّدُ بنُ الفَيْضِ: سَمِعْتُ هِشَاماً يَقُوْلُ:
فِي جُوْسِيَةَ (2) رَجُلٌ شَرْعَبِيٌّ (3) كَانَ لَهُ بَغْلٌ، فَكَانَ يُدْلِجُ عَلَى بَغلِهِ مِنْ جُوسِيَةَ - وَهِيَ مِنْ قُرَى حِمْصَ - يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَيُصَلِّيَ الجُمْعَةَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، ثُمَّ يَرُوحُ، فَيَبِيتُ فِي أَهْلِهِ،...."
قال المحققون لهذه النشرة في الحاشية في تفسير (شَرعَبيّ): "أي طويل، حسن الجسم، قال طفيل:
أسيلة مجرى الدمع، خمصانة الحشى * برود الثنايا، ذات خلق مشرعب"
وهذا الذي ذكروه صحيح لغة، فمن معاني الشَّرعَبيّ: الطويل الحسن الجسم، لكني لا أراه مقصودا هنا، وإنما أراد أنه شَرعَبيٌّ نسبًا من القبيلة المذكورة، وقد كان من الشَّرعَبيّين ناسٌ بالشام والعراق منذ صدر الإسلام، وترى في هذا الخبر أن هذا الرجل كان في حِمْص، وقد ذكر علماء التراجم والرجال من رواة الأحاديث أَبا خِداش حِبَّان بن زَيْد الشَّرْعَبيّ، وهو حِمْصيّ، رَوَى عن عَبد الله بن عَمْرو ورجل من أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم. فأبو خداش كما ترى شَرعَبيٌّ حِمصيّ، فقد كان من الشَّرعبيين ناس بتلك البلاد في الزمن الأول.

صالح العَمْري 30-11-2020 05:22 PM

قد وقع خطأ غريب في اللسان والتاج في (ق و د)، فجاء في (اللسان):
"وَيُقَالُ: انقادَ لِي الطَّرِيقُ إِلى مَوْضِعِ كَذَا انقِياداً إِذا وَضَح صَوْبُه؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ فِي ماءٍ وَرَدَه:
تَنَزَّلَ عَنْ زَيْزَاءَةِ القُفِّ، وارْتَقَى * عَنِ الرَّمْلِ، فانقادَتْ إِليه الموارِدُ
قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: سأَلتُ الأَصمعي عَنْ مَعْنَى وانقادتْ إِليه المَواردُ، قَالَ: تتابَعَتْ إِليه الطُّرُقُ".
وفي (التاج):
"وانْقَادَ الطَّرِيقُ: سَهُلَ واستَقَامَ. (و) من المَجاز انْقَادَ (لِي الطَّرِيقُ إِلَيْه: وَضَحَ) واسْتَبانَ. قَالَ ذُو الرُّمَّة فِي ماءٍ وَرَدَه:
تَنَزَّلَ عَنْ زِيزَاءَة القُفِّ وَارْتَقَى * مِنَ الرَّمْلِ فَانْقَادَتْ إِلَيْهِ المَوَارِدُ
قَالَ أَبو مَنْصُور: سأَلت الأَصمعيَّ عَن معنَى: انْقَادَتْ إِليه الْمَوَارِد، قَالَ: تَتَابَعَت إِليه الطُّرُقُ".
كذا فيهما، وأبو منصور المعروف هو الأزهري، والأزهري توفي سنة 370 ه فمتى أدرك الأصمعي المتوفى سنة 216 ه؟! وإنما الصواب أبو نصر، وهو الإمام أبو نصر أحمد بن حاتم الباهلي صاحب الأصمعي، وقد وقع هذا على الصواب في (تهذيب اللغة) لأبي منصور نفسه، إذ قال:
"وَيُقَال: انْقَادَ لي الطّريقُ إِلَى مَوضِع كَذَا انقياداً: إِذا وَضحَ صَوْبُه.
وَقَالَ ذُو الرمة يصف مَاء ورَدَه:
تَنزَّلَ عَن زِيزائه القُفُّ وارتَقَى * عَن الرَّمْل وانقادت إِلَيْهِ المَوارِدُ
قَالَ أَبُو نصر: سَأَلت الأصمعيَّ عَن معنى قَوْله: (وانقادت إِلَيْهِ الْمَوَارِد) ، فَقَالَ: تَتَابَعَت إِلَيْهِ الطُرُق".
ومما يزيد الأمر وضوحا أن هذا البيت الذي سُئل عنه الأصمعي لذي الرمة، والإمام أبو نصر الباهلي له شرح على ديوان ذي الرمة نشر بتحقيق عبد القدوس أبو صالح، لكن أبا نصر لم يذكر فيه عند شرح هذا البيت أنه سأل الأصمعي، فلعله ذكر هذا في موضع آخر، لكنه فسّره بما فسّر به الأصمعي، قال في شرح البيت في شرح ديوان ذي الرمة: "(وانقادت): أي تتابعت إليه الموارد وعمدته من كل مكان، يعني الطرق".
وهو كالتفسير الذي نقله الأزهري عنه، وحاصله أن معناه: تتابعت إليه الطرق.

صالح العَمْري 30-11-2020 08:34 PM

أشار علي بعض الإخوان بإنشاء قناة في التيليجرام، فأنشأتها تجربة، وهذا رابطها:
https://t.me/salehawadhalamri

محمد بن إبراهيم 02-12-2020 04:32 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت من قِبَل صالح العَمْري (المشاركة 58137)
أشار علي بعض الإخوان بإنشاء قناة في التيليجرام، فأنشأتها تجربة، وهذا رابطها:
https://t.me/salehawadhalamri

قناة نافعة كسائر ما تبثه يا أستاذنا، أسأل الله أن يبارك فيك وينفعنا بعلمك.

صالح العَمْري 02-12-2020 06:25 PM

بل أَنتَ أُستاذُنا، ولطالَ ما استَفَدنا منك، هذا وإِنَّ لكَ في قلبي مَنزِلةً عاليةً ما تَـخَوَّنَها نَأْيُ السِّنين، ولستُ أَقولُ بلِساني شَيئًا لا تَنطَوي عليه جَوانحي.

محمد بن إبراهيم 02-12-2020 07:05 PM

رفع الله قدركم وزادكم تواضعا.
وأراكم لا تزالون تحسنون الظن بمحبكم، وإني والله كذلك أحبكم في الله، وأسأله سبحانه أن يديم نفعنا بكم، وأن يبارك لنا في هذا الملتقى، ويعيده موئلا لطلاب العلم وشداته.

صالح العَمْري 03-12-2020 05:32 PM

اللهم آمين، وأحبك الله الذي أحببتنا فيه، وبارك الله فيك من أخٍ كريم.


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 09:35 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ