عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 28-09-2018, 11:49 PM
د:إبراهيم المحمدى الشناوى د:إبراهيم المحمدى الشناوى غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Feb 2012
التخصص : طبيب
النوع : ذكر
المشاركات: 1,226
افتراضي

وها أنا ذا أذكر شيئا من معرفتي بالشيخ :
كان أول معرفتي بالشيخ -- في سنة 1994م وقد كنت أسمع به ولا أعرف مكانه ولا أعرف كيف أصل إليه، فقد كنت أتمنى أن أجد عالما في النحو واللغة خاصة يحل لي إشكالات كثيرة كانت تعترضني أثناء قراءتي في المطولات والحواشي

ثم قضى الله باللقاء فعلمت أن الشيخ يسكن في سيجر من أحياء طنطا لكن لم أعرف أين يلقي دروسه فعزمت أن أذهب إليه في بيته فأخذت صاحبا لي وظللنا نسأل عن بيت الشيخ حتى عرفناه فذهبنا إليه وطرقنا الباب ففتح لنا
فسلمنا عليه وقلنا له: نحن من طلاب العلم وكنا نتمنى التعرف على فضيلتكم


فرحب بنا وأَهَلَّ وسهَّل واستقبلنا ثم جلسنا نتحاور معه فقال: أنا ألقي دروسا بعد العصر في مسجد كذا، ووصف لنا المكان، وأشرح فيه متن الأزهرية للشيخ خالد الأزهري

فقلت: أنا انتهيت من هذه المرحلة من قديم فقد درست الأزهرية في الصف الثاني الإعدادي وقطر الندى في الصف الثالث الإعدادي وألفية ابن مالك في المرحلة الثانوية وانتهيت من هذا كله فأريد مرحلة فوق ذلك

فقال: نحن لا نقتصر في شرحنا على المتن بل نتوسع ولكن نراعي حال الطلاب

فقلت: بل أريد لقاء خاصا

فقال: وقتي لا يسمح فاحضر الدروس وسترى هل تستفيد أو لا؟

ثم سألني هل أتقن هذه الكتب السابقة أو أنني درستها فقط للدراسة ثم نسيتها؟

فقلت: بل أتقنها أو على الأقل أتقن الألفية إلى نهاية باب ظن وأخواتها ثم عندي بعض الضعف في المفاعيل ثم أتقن أبواب الحال والتمييز... وعندي بعض الضعف في باب الإضافة... وهكذا فذكرت له الأبواب التي عندي فيها ضعف لكنه ضعف غير شديد

وأما ما أتقنه فأتقنه إتقانا شديدا فقد قرأته من شرح ابن عقيل وتعليقات محمد محيي الدين عبد الحميد وحاشية الخضري وشرح الأشموني وحاشية الصبان وهذه كلها كانت عندي وكنت أستعين أحيانا بحاشية الأمير على مغني اللبيب وهذه كنت أذهب إلى دار الكتب للقراءة فيها عند الحاجة

فجعل الشيخ يسألني وأجيبه ويسألني وأجيبه وأقول هذه مما أتقنه هذه مما أتقنه فأعجبه ذلك واستبشر خيرا

ثم سأله صاحبي –وكان في كلية الآداب قسم اللغة العربية- عن مسألة نحوية فقال: يجوز، فقلت: كيف هذا؟ أظنها لا تجوز؛ إنها ثقيلة في لساني

فضحك الشيخ وقال: وهل أنت سَلِيقِيٌّ تقولُ فتُعْرِبُ؟ ثم استشهد على جوازها ببيت من الشعر، وكانت المسألة من باب المفعول لأجله

فقلت: أبواب المفاعيل لا أتقنها جيدا

المهم صرت أحضر دروس الشيخ -- أنا وصاحبي ثم صرنا نذهب إليه في بيته فنجلس معه إلى قبيل الفجر فلا يمل هو من القراءة ولا نمل نحن منها وكان كل ساعة تقريبا يقوم فيحضر لنا مشروبا، وكان لا يشرب المنبهات من الشاي والقهوة، فكان يأتينا أولا بالحلبة ثم بعد ذلك يقول: تريدون الآن يانسون أو كراوية؟


فنقول: لا، جزاك الله خيرا

فيصحح لنا ويقول: لا، وجزاك الله خيرا، ويشدد على ذكر الواو لأنه بدونها يكون دعاء على المخاطب وأما بها فهو دعاء له.

القول البارع في أن تنقاد فعل مضارع

لما توثقت علاقتنا بالشيخ وصرنا نجالسه في بيته هذه المدة الطويلة كانت قد وقعت لي مشكلة قديمة من المشكلات التي كانت تقابلني عند قراءة الحواشي والمطولات، بل أحيانا في الكتب الأساسية كشرح ابن عقيل
ومن ذلك أنه في يوم من الأيام حين كنت في الصف الثالث الثانوي كنت أحضر حصة نحو مع القسم الأدبي لأنه كان أفضل أساتذة النحو وقتها في المعهد الأحمدي هو أستاذنا رمضان عجيبة – - وكان كاسمه أعجوبة في النحو فكنت أحيانا أتسلل من الحصة لأحضر عنده في القسم الأدبي، وفي يوم من الأيام حضرت عنده وكان يشرح المصدر ثم ذكر الشاهد المشهور:

تَنْفِي يداها الحَصَى في كلِّ هاجرةٍ ... نَفْيَ الدراهيمِ تَنْقَادُ الصياريفِ

فأَعْرَبَ قوله: "تنقاد" فاعلا للمصدر "نَفْي" فرفعت يدي فأذن لي

فقلت: لا يجوز أن تعرب "تنقاد" فاعلا

فقال: ولِمَ؟

فقلت: لأنها فعل مضارع والفعل لا يكون فاعلا فإن أردت أن تكون فاعلا فلتكن الجملة كلها جملة: "تنقاد الصياريف" في محل رفع فاعل

فقال: ولكن ابن عقيل ذكر أنها فاعل

فقلت: أخطأ، أو أراد الجملة كلها

فقال: أخطأ ابن عقيل وأصبت أنت؟!

فقلت: نعم، أو أن لها تأويلا آخر ولا نعلمه

فشعر بإحراج، وحاول الخروج منه بأن قال لي: ابحث عنها وحتى تجد حلا فهي فاعل.

فقلت: أفعل إن شاء الله

وسبحان الله! فقد كان أستاذنا رمضان عجيبة من القلائل الذين قابلتهم يتقنون النحو إتقانا عجيبا، وكان قادرا على حل هذا اللغز الذي وقعت فيه وظل معي خمس سنوات لا أجد له حلا، ولكن قدر الله أن تقف أمامه هذه المسألة فلا يستطيع جوابها

المهم لما رجعت للبيت أخذت أبحث فيما عندي من كتب النحو والصرف فإذا ابن عقيل ومحمد محيي الدين عبد الحميد والخضري والأشموني والصبان والحملاوي في شذا العرف كلهم وربما غيرهم يعربونها فاعلا

فوقعت في حيرة شديدة كيف يقع الفعل فاعلا، وهم لا يعربون الجملة ولكن يعربون الفعل: "تنقاد" فقط، فاستعنت بالله وكتبت رسالة صغيرة أرد بها على هؤلاء جميعا!! تؤزُّني حُمَيَّا الشبابِ وفورة الصبا أزا، وأسميت رسالتي: "القول البارع في أن تنقاد قعل مضارع"
ثم عرضتها على أستاذي رمضان عجيبة -- فلم يُحِرْ جوابا
ثم بعد مدة عرضتها على أستاذي في البلاغة وقتها: عبد المنعم أبي طالب فقال: ما أتيت به من أدلة لا يمكن دفعه
ثم بعد عام عرضتها على أحد أساتذتنا وكنا نلقبه بالعلَّامة لمعرفته بكل العلوم فكان يُدَرِّسُ الرياضيات أحيانا والانجليزي تارة والفيزياء تارة والكيمياء والأحياء والنحو .... وهو الأستاذ محمد رضا -- وقلت في نفسي: هذا الذي سيأتيني بالجواب المبين، ولكنه لما قرأها وافقني تماما في كل ما قلته
فازددت يقينا بأنني مخطيء وأنه لا يمكن أن يكون ابن عقيل ومن ذكرتهم سابقا كلهم مخطؤون وأنا بأدلتي العرجاء هذه مصيب وإن وافقني من ذكرتهم

وكدتُ أعرض هذه المسألة على الشيخ العلامة عبد الفتاح سلامة -- وكان أستاذا ورئيسا لقسم التفسير والعقيدة بالجامعة الإسلامية وقرينا للشيخ عبد المحسن العباد، وكنت أنا صاحبَ ابنِه فكنت أذهب إليهم في البيت وأناقشه أحيانا ولكني كنت أُجِلُّه –- فكنت أخشى ألا يجد لها جوابا، وكنت قد هممت عدة مرات بسؤاله، ولكن هممت ولم أفعل

المهم أنني بعد نحو خمس سنوات وبعد معرفتي بشيخي محمد بن عبد المعطي -- لمَّا رأيت تضلعه في علوم اللغة لاسيما النحو والصرف كنت أهم بسؤاله لكني كنت أذكر أستاذنا رمضان عجيبة وعدم وقوفه على جواب هذه المسألة مع تمكنه وعلو قدمه، ولكني كنت أرى شيخنا محمد بن عبد المعطي أكثر منه علما وأشد تثبيتا ومعرفة
فهممت بسؤاله وترددت حتى جمعت نفسي وعزمت على سؤاله لعله يزيل هذا الإشكال وكان قد أزال عدة إشكالات ورتَّبَ كثيرا من المعلومات التي كانت عندي بكثرة القراءة ولكنها كانت كثيرة مشوشة أحيانا

المهم ذكرت له مسألة "تنقاد" وكيف تكون فاعلا فأجابني من ساعته -- ولم يتلجلج ولم يجمجم بل لم يفكر فما هو إلا أن ذكرت له المسألة فذكر لي الجواب، وغفر له وأعلى درجته في عليين،

وسبحان الله! فالجواب أمام عيني وأمام عين كل من يقرأ الشاهد ولكن أحيانا تنطمس البصائر وتقع الغشاوة على الأبصار

ولهذا قيل: العلم كنوز وبأيدي العلماء مفاتيحه فمن رام الكنوز بغير مفتاح ضل

نعوذ بالله من الضلال
هذا شيء يسير مما وقع لي مع شيخنا محمد بن عبد المعطي

فأسأل الله سبحانه و أن يغفر لنا ولشيخنا محمد بن عبد المعطي ولمن ذكرته هنا ممن تقدم من أساتذتنا: رمضان عجيبة ومحمد رضا، ولجميع مشايخنا ولكل من له فضل علينا ولآبائنا ولأمهاتنا ولجميع المسلمين، وأن يثبتنا على طاعته حتى نلقاه وهو راض عنا.

اللهم آمين
منازعة مع اقتباس