عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 01-03-2009, 05:54 PM
عمر خطاب عمر خطاب غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Aug 2008
التخصص : بلاغة ونقد
النوع : ذكر
المشاركات: 30
افتراضي

--------------------------------------------------------------------------------

الفصل الثالث

مناقشة أدلة من أنكر المجاز فى مراحله المختلفة

أولا: مرحلة ما قبل الإمام ابن تيمية:

ويجيب الأصوليون على الشُّبه التى ذكرت قبل مرحلة الإمام ابن تيمية فيقولون: المجاز لا بد فيه من قرينة فلا إلباس فيه إذن؟ وليس فى المجاز تطويل بلا فائدة: بل فيه فوائد من أجلها يصار إلى المجاز ويعدل عن الحقيقة([109]).
أما امتناع إطلاق وصف (متجوز) على الله فليس علته نفى المجاز عن القرآن، وإنما أسماء الله توقيفية لا بد فيها من الإذن الشرعى. ولا إذن هنا، فلا يقال إذا على الله أنه (متجوز) لعدم إذن المشرع([110]).
ويضيف بعض الأصوليين لأدلة الظاهرية على نفى المجاز فى القرآن أنهم قالوا: المجاز كذب لأنه يصح نفيه فيصح فى قوله ]واشتعل الرأس شيبا[ ما اشتعل، وإذا كان كذبا فلا يقع فى القرآن والحديث([111]).
وفى عروس الأفراح: يقول بهاء الدين السبكى: «إن الاستعارة ليست بكذب لأمرين:
أحدهما: خفى معنوى وهو البناء على التأويل، لأن الكذب غير متأول ناظر إلى العلاقة الجامعة، وقد التبس ذلك على الظاهرية. فادعوا أن المجاز كذب ونفوا وقوعه فى كلام المعصوم وهو وهْمٌ منهم.
الثانى: ظاهرى لفظى أو غير لفظى وهو كالفرع عن الأول: أن المجاز ينصب قائله قرينة تصرف اللفظة عن حقيقتها وتبين أنه أراد غير ظاهرها الموضوع لها »([112]).
وهذا مردود لأن النفى الذى جعلوه أمارة من أمارات المجاز المراد به نفى حقيقة اللفظ. فإذا قيل: رأيت أسدا يحمل السلاح. فإن النفى أن المتحدَّث عنه ليس هو الأسد الحيوان المعروف. وهذا ليس بكذب ولا يتوجه النفى إلى المعنى المراد وهو الشجاعة([113]).
ومن حججهم أيضا: أن المجاز لا ينبئ بنفسه عن معناه، فورود القرآن به يقتضى الالتباس. والجواب عن ذلك أنه لا التباس مع القرينة الدالة على المراد([114]).
ومنها: استعمال المجاز لموضع الضرورة، و الله أن يوصف بالاضطرار. والجواب عن ذلك: لا نسلم أن استعمال المجاز لموضع الضرورة بل ذلك عادة العرب فى الكلام وهى عندهم أمر مستحسن. ولهذا نراهم يستعملون ذلك فى كلامهم مع القدرة على الحقيقة والقرآن نزل بلغتهم فجرى الأمر فيه على عادتهم([115]).
هذه هى شبه مانعى المجاز – على قلتهم- فى القرآن الكريم، ورأينا الأصوليين يردون عليهم بحجج أقوى، وبراهين أسطع([116]).
ثانيا: مرحلة الإمام ابن تيمية

ذِكْر شُبَه الإمام ابن تيمية ومناقشتها

الشبهة الأولى:
القول بعدم ورود المجاز عن السلف فقد ورد فى كتابه (الإيمان) ما نصه: «وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين فى العلم، كمالك والثورى والأوزاعى، وأبى حنيفة والشافعى، ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبويه، وأبى عمرو بن العلاء ونحوهم وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى فى كتابه[117]، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر عن الآية، ولهذا قال من قال من الأصوليين، كأبى الحسين البصرى وأمثاله: إنما تعرف الحقيقة من المجاز بطرق، منها نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا: هذا حقيقة وهذا مجاز، فقد تكلم بلا علم، فإنه ظن أهل اللغة قالوا هذا، ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة، ولا من سلف الأمة وعلمائها. وإنما هذا اصطلاح حادث، والغالب أنه من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين» [118]. وقال فى موضع آخر: لم يقل أحد بالمجاز إلا الإمام أحمد بن حنبل، فإنه قال فى كتاب الرد على الجهمية: «أما قوله ]إنا معكم[ فهذا فى مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل: إنا سنجرى عليك رزقك، إنا سنفعل بك كذا»([119]). فعبارة (إنا ونحن) ونحو ذلك فى القرآن من مجاز اللغة.

الرد على هذا الشبهة:

الواقع أن ما ذكره الإمام ابن تيمية مدفوع ومعارض بحقائق لا تقبل الجدل. فقد ذكر الإمام أن المجاز لم يعرف إلا بعد القرون الثلاثة الأولى ولكننا إذا رجعنا إلى ما كتبه بعض أعلام القرون الأولى وجدناهم تكلموا على المجاز إن لم يكن بلفظه فيكون بمعناه وسنتعرض لهؤلاء العلماء حسب الترتيب التاريخى الأقدم فالأقدم:

أبو زيد القرشى (ت 170هـ) [120]

وهو من أعلام القرن الثانى الهجرى، وصاحب كتاب جمهرة أشعار العرب فقد ذكر فى مقدمة كتابه هذا عندما تحدث عن اللفظ المختلف ومجاز المعانى بقوله: «وقد يدانى الشىءُ الشىءَ وليس من جنسه، ولا يُنسب إليه، ليعلم العامة قرب ما بينهما، وفى القرآن مثل ما فى كلام العرب من اللفظ المختلف، ومجاز المعانى» ثم مثَّل بقول امرئ القيس من الطويل :
قِفا فاسألا الأطلالَ عن أُمّ مالكِ وهل تُخبِرُ الأطلالُ غيرَ التّهالُكِ
فقد علم أن الأطلال لا تجيب، إذا سُئِلت، وإنما معناه قفا فاسألا أهل الأطلال، وقال الله : ]وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا[ [يوسف:82]، يعنى أهل القرية» [121].
فلا يقال أن أبا زيد قد عنى هنا شيئا غير المجاز المعروف فالأمثلة التى مثّل بها هى من صميم المجاز، ومعنى هذا أن المجاز عُرف بلفظه ومعناه خلال القرن الثانى الهجرى، وهو ما يرد قول الإمام ابن تيمية بأنه لم يُعرف إلا بعد القرون الثلاثة الأولى.
وإنكار داود الظاهرى (ت 270هـ) للمجاز دليل على أنه كان معروفا قبل ذلك لأن الإنكار فرع الإثبات.

سيبويه (ت 180هـ)

يذكر المجاز فيقول: «ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله ]وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا[ [يوسف:82]، إنما يريد أهل القرية فاختصر، وعمل الفعل فى القرية كم كان عاملاً فى الأهل لو كان هاهنا. ومثله: « بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ»، وإنما المعنى: بل مكر كم فى الليل والنهار. وقال : « ولكن البر من آمن بالله »، وإنما هو: ولكن البر بر من آمن بالله واليوم الآخر.
ومثله فى الاتساع « قوله »: « ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً »، وإنما شبهوا بالمنعوق به. وإنما المعنى: مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به الذى لا يسمع. ولكنه جاء على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى» [122] .

الشافعى (ت 204هـ) ([123])

قال ابن تيمية: «هذا الشافعى أول من جرَّد الكلام فى أصول الفقه، لم يقسم هذا التقسيم، ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز» [124] .
الرد: «إذا كان مراد ابن تيمية أن الشافعى لم يذكر لفظ المجاز بعينه فكلامه صحيح إلى حد ما ولكن العبرة هل فطن الشافعى إلى جهة التجوز فى كلام العرب وكلام الله النازل على منواله أم لا» [125]، ومن المعلوم أن مصطلح المجاز عند الأوائل كان يعرف به الاتساع فى اللغة، ويقول الشافعى فى الرسالة: « فإنما خاطب الله العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها وأن فطرته أن يخاطب بالشيىء منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر ويستغنى بأول هذا منه عن آخره وعاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه وعاما ظاهرا يراد به الخاص وظاهر يعرف فى سياقه أنه يراد به غير ظاهره فكل هذا موجود علمه فى أول الكلام أو وسطه أو آخره وتبتدئ الشىء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره وتبتدئ الشىء يبين آخر لفظها منه عن أوله وتكلم بالشيىء تعرفه بالمعنى دون الايضاح باللفظ كما تعرف الإشارة ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها وتسمى الشىء الواحد بالاسماء الكثيرة وتسمى بالاسم الواحد المعانى الكثرة[126]» .

الفراء (ت 207هـ)

قال فى قوله ]كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم[ وقد أدرك أن الاستفهام هنا ليس لطلب الفهم، وصرفه عن الظاهر، فقال: «على وجه التعجب والإنكار والتوبيخ لا على الاستفهام المحض، أى: ويحكم كيف تكفرون[127]» .

أحمد بن حنبل (ت 241هـ) [128]

قال ابن تيمية: «وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز فى كلام أحد منهم إلى فى كلام الإمام أحمد بن حنبل، فإنه قال فى كتاب الرد على الجهمية فى قوله (إنا ونحن) ونحو ذلك فى القرآن: هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنعطيك، إنا سنفعل، فذكر أن هذا مجاز اللغة، وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال: إن فى القرآن مجازا كالقاضى أبى يعلى، وابن عقيل، وأبى الخطاب وغيرهم» [129].
وقال: «حكى بعض الناس عن أحمد فى ذلك روايتين. وأما سائر الأمة فلم يقل أحد منهم، ولا من قدماء أصحاب أحمد: إن فى القرآن مجازا، لا مالك، ولا الشافعى، ولا أبو حنيفة، فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إنما اشتهر فى المائة الرابعة، وظهرت أوائله فى المائة الثالثة، وما علمته موجودا فى المائة الثانية، اللهم إلا أن يكون فى أواخرها. والذين أنكروا أن يكون أحمد وغيره نطقوا بهذا التقسيم. قالوا إن معنى قول أحمد: من مجاز اللغة- أى: مما يجوز فى اللغة، أى يجوز فى اللغة أن يقول الواحد العظيم الذى له أعوان: نحن فعلنا كذا ونفعل كذا، ونحو ذلك. قالوا ولم يرد أحمد بذلك أن اللفظ استعمل فى غير ما وضع له» [130].

الجاحظ (ت 255 هـ)

قد ذكر الاستعارة - وهى نوع من أنواع المجاز- فى كتابه البيان والتبيين، وهو يعلِّق على قول الراجز:
وطفِقَتْ سحابةٌ تَغشاها تَبكى على عِراصِها عيناها
وجَعل المطرَ بكاءً من السَّحاب على طريق الاستعارة، وتسميةِ الشَّىء باسم غيرِه إذا قام مَقامه» [131].

ابن المعتز (ت 296)

ذكر فى كتابه (البديع) الاستعارة وهى ضرب من المجاز ومثَّل لها بالآيات القرآنية ]واخفض لهما جناح الذل من الرحمة[ ]واشتعل الرأس شيبا[، ومن الحديث مثّل بقوله عليه السلام: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ»([132]). والاستعارة موطنها (طار) وهى تصريحية تبعية. ومثّل لها من الشعر العربى بقول امرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع العموم ليبتلى
فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازا وناء بكلكل
وعلّق عليه قائلا: (هذا كله من الاستعارة، لأن الليل لا صلب له).

ابن قتيبة (ت 376 هـ)

يرى ابن قتيبة اشتمال القرآن على المجاز وغيره من الظواهر اللغوية وهذا فى كتاب (تأويل مشكل القرآن)، وقد قال ابن تيمية عن ابن قتيبة أنه من أهل السنة والجماعة وذلك فى كتابه تفسير سورة الإخلاص. وسبب وضع ابن قتيبة: هو الدفاع عن القرآن من طعن الطاعنين. وذكر أن النصارى ضلوا لعد فهم المجاز وفهم كلامهم على حقيقته وذلك بقوله: «وللعرب المجازات فى الكلام، ومعناها طرق القول ومآخذه .... مع أشياء كثيرة ستراها فى أبواب المجاز»([133]).
ويقول فى موضع آخر بعد ذكر أنواع المجاز: «وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، وذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شىء من الألسنة كما نقل الإنجيل من السريانية إلى الحبشية والرومية، وترجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله بالعربية؛ لأن العجم لم تتسع فى المجاز اتساع العرب»([134]).
«وقد اتخذ ابن قتيبة من المجاز سلاحا للدفاع عن القرآن الكريم والاعتقاد الصحيح فقيها كل الفقه بمذاهب العرب فى الإفصاح والبيان» ([135]) .

ومن الأدلة أيضا: الإنكار المبكر للمجاز
«ذكر صاحب الفهرست أن الحسن بن جعفر وضع كتابا فى الرد على منكرى المجاز وصاحب المجاز متوف فى القرن الرابع ورصد فى كتابه الحركة العلمية والفكرية بدءا من أول عصر التدوين إلى عصره الذى مات فيه» ولم يعرف بالتحديد تاريخ وفاة إلا أنه من المؤكد أنه كان فى القرن الثانى أو الثالث وهذا دليل على أن العرب كانت تعرف المجاز وكان منتشرا وهذا يرد قول الإمام ابن تيمية» ([136]) .
الشبهة الثانية:

إنكار الوضع اللغوى للمجاز وهى من الشُّبه التى بنى عليها الإمام ابن تيمية رأيه فى نفى المجاز بوجه عام، حيث ذكر أن تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز هو على حسب الاستعمال الأول للفظ، فإن استعمل اللفظ فى غير ما وضع له صار مجازا، فرد هذا الكلام بقوله: «وهذا كله إنما يصح أن لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ثم بعد ذلك استعملت فيها، فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال. وهذا إنما صح على قول من يجعل اللغت اصطلاحية، فيدعى أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا، وهذا بكذا، ويجعل هذا عاما فى جميع اللغات.
وهذا القول لا نعرف أحدا من المسلمين قاله قبل أبى هاشم الجبائى، ... والمقصود هنا أنه لا يمكن أحد أن ينقل عن العرب، بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة من فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة فى اللغة، ثم استعملوها بعد الوضع، وإنما المعروف المنقول بالمتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعانى، فإن ادع مدع أنه يعلم وضعا تقدم ذلك، فهو مبطل، فإن هذا لم ينقله أحد من الناس، ولا يقال نحن نعلم ذلك بالدليل، فإنه إن لكن اصطلاح متقدم، لم يمكن الاستعمال. قيل: ليس الأمر كذلك، بل نحن نجد أن الله يلهم الحيوان من الأصوات ما به يعرف بعضها مراد بعض، وقد سمى ذلك منطقا وقولا فى قول سليمان ]عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [ [النمل: 16]،وكذلك الآدميون»([137]).
نرى أن الإمام ابن تيمية يرى أن اللغة هى إلهام من الله، وليست وضعية، وينفى بشدة أن يكون جماعة من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على وضع المسميات وتعيينها للدلالة على المراد منها، ويرى أن كل لفظ قد استعمل ابتداء فيما أريد منه دون أن يكون هناك وضع سابق على الاستعمال، والذى دعاه إلى هذا نفى المجاز نفسه، لا فى القرآن الكريم فحسب، بل فيه وفى اللغة بوجه عام، لأنه رأى مجوزى المجاز يقولون: إن المجاز ما نقلت فيه الكلمة من المعنى الوضعى فاستعملت فى المعنى غير الوضعى، وهذا النقل هو ركن من أهم أركان المجاز وإن احتاج بعد النقل إلى علاقة وقرينة ([138]).

الرد على هذا الشبهة:

نرى أن الإمام ابن تيمية قد خالف فى كلام ما أطبق عليه علماء الأمة فى كل زمان ومكان وفى كل فرع من فروع علم اللغة قواعد وتطبيقات، فقد أدرك الرواد الأوائل وغيرهم حقيقة الوضع الأول والخروج عليه. ومنهم من أشار إليه معنى بغير لفظه ومنهم من نص عليه نصا صريحا.
والذين أشاروا إليه معنى سلكوا عدة طرق منها أن يقولوا: هذا مأخوذ من كذا. ومنهم من يقول: هذا أصله كذا، أو الأصل كذا. ومرادهم من الأخذ والأصل أن اللفظ المتحدث عنه له دلالتان: أحداهم أصلية، وهى دلالة الوضع، والثانية فرعية وهى دلالة المجاز، وقد ينبه بعضهم بقوله: قد يستعار لكذا.
وفكرة المعاجم اللغوية نفسها إنما نشأت لجمع الألفاظ اللغوية والوقوف على مدلولادتها التى كان عليها الحال عند العرب الخلص، ولم يعنوا بالاستعمال المجازى لأنه غير منضبط إلدلالة الوضعية وإنما يكفى فيه ورود نوع العلاقة المعتبرة لا كل صورة من صورها وعلى هذا كان معتمد الحقائق السماع، أما المجاز فهو قياسى، ويستثنى من هذا الإمام جار الله الزمخشرى فى كتابه (أساس البلاغة)، بذكره بعض الاستعمالات المجازية بعد كل مادة يفرغ من ذكر دلالاتها الوضعية، وتابع الزمخشرى بعض العلماء كابن السكيت والثعالبى، ([139]).
منازعة مع اقتباس