ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة العلوم الشرعية
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 21-10-2016, 07:19 PM
سفير المعرفة سفير المعرفة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
التخصص : علوم الشريعة وآلاتها
النوع : ذكر
المشاركات: 7
افتراضي دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد...
فهذه دروس ميسرة في شرح متن لب الأصول للإمام زكريا الأنصاري كتبتها لمن درس شرح الورقات وأخذ معه جملة من المقدمات في العلوم الشرعية على ما بينته في هذا الرابط:
http://www.feqhweb.com/vb/t22836.html
ثم إني بقيت مدة متحيرا كيف أشرح هذا الكتاب فرأيت أولا أن أسير فيه منهج أهل التدقيق فأخذت أكتب عند قوله المقدمات هل هي بكسر الدال أو بفتحها وهل هي مقدمة علم أو مقدمة كتاب وما الفرق بينهما وما النسبة المنطقية بين الاثنين، ثم شرعت في بيان موضوع علم الأصول فجرني هذا إلى بيان قولهم موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية فأخذت أبين الأعراض الذاتية والأعراض الغريبة وما يرد على هذا القول من إشكال، ثم أردت أن أقارن بين لب الأصول والأصل الذي أخذ منه أعني جمع الجوامع ولماذا عدل صاحب اللب عن عبارة الأصل وغير ذلك فرأيت أن الكلام سيطول جدا وسيعسر على الطالب فاستقر ذهني على أن أخفف المباحث وأقتصر على إفهام الطالب متن اللب فإن لتلك المباحث مرحلة أخرى.
وإني أنصح القارئ أن يقرأ ما كتبته في شرحي على الورقات قبل أو بعد أن يقرأ الدرس وسأقتطع من الشرح مقدار ما يتعلق بالدرس المكتوب فقط.

http://www.feqhweb.com/vb/showthread...ll=1#post77869


الدرس الأول- المقدمات

تعريف أصول الفقه والفقه

أصولُ الفقهِ: أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ، وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها، وحالُ المستفيدِ.
والفقه: علمٌ بحكمٍ شرعِيٍّ عمليٍّ مُكْتَسَبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.
" أدلة الفقه الإجمالية " اعلم أن أدلة الفقه نوعان: نوع مفصّل معين وهو المتعلق بمسألة معينة نحو ( وأَقيموا الصلاةَ ) فإنه أمر بالصلاة دون غيرها، ونحو ( ولا تقربوا الزنا ) فإنه نهي عن الزنا دون غيره.
ودليل إجمالي غير معين وهي القواعد الأصولية نحو: ( الأمر للوجوب )، و( النهي للتحريم )، و( القياس حجة معتبرة ).
فالإجمالية: قيد احترزنا به عن أدلة الفقه التفصيلية التي تذكر في كتب الفقه فإنها ليست من أصول الفقه.
والاستدلال بالقواعد الأصولية يكون بجعلها مقدمة كبرى، والدليل التفصيلي مقدمة صغرى فنقول في الاستدلال على وجوب التيمم:
فتيمموا في قوله فإن لم تجدوا ماء فتيمموا أمرٌ- والأمرُ للوجوب= فتيمموا للوجوب أي أن التيمم واجب وهو المطلوب.
فالعلم بوجوب التيمم الذي هو فقه مستفاد من دليل تفصيلي هو ( فتيمموا ) بواسطة دليل إجمالي هو الأمر للوجوب.
وقولنا: " وطرق استفادةِ جُزئياتِها " أي جزئيات أدلة الفقه الإجمالية، وهي أدلة الفقه المفصلة؛ فإن قاعدة الأمر للوجوب مثلا دليل إجمالي له جزئيات كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فيبحث علم الأصول عن الأدلة الإجمالية، وعن طرق استفادة المسائل الفقهية من الأدلة التفصيلية وذلك بمبحث التعارض والترجيح حيث يبين فيه كيفية رفع التعارض الظاهري بين الأدلة التفصيلية، فالمقصود بالطرق هي المرجحات الآتي بيانها إن شاء الله كقاعدة تقديم الخاص على العام التي يرفع بها التعارض بين العام والخاص.
وقولنا: " وحال المستفيد " أي وصفات المستفيد للأحكام من أدلة الفقه التفصيلية وهو المجتهد فيبين في الأصول ما يشترط في الشخص كي يكون مجتهدا ككونه عالما بالكتاب والسنة ولغة العرب وأصول الفقه.
والخلاصة هي أن علم أصول الفقه يبين فيه ما يلي:
1- القواعد العامة لاستنباط الفقه كقواعد الأمر والنهي.
2- القواعد التي ترفع التعارض بين النصوص.
3- صفات المجتهد أي الشروط اللازمة للاجتهاد.
فهذه الثلاثة مجتمعة هي أصول الفقه.
وأما الفقه فهو: علمٌ بحكمٍ شرعِيٍّ عمليٍّ مُكْتَسَبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.
مثل: النية في الوضوء واجبةٌ، فمن صدّق وحكم بهذه النسبة أي ثبوت الوجوب للنية في الوضوء مستنبطا هذا الحكم من النصوص الشرعية كقوله عليه الصلاة والسلام: ( إنما الأعمال بالنيات ) رواه البخاري ومسلم فقد فقه تلك المسألة.
فقولنا: " علم " أي تصديق.
وقولنا: " حكم شرعي " احترزنا به عن غير الحكم الشرعي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن النار محرقة، وأن الفاعل مرفوع، فالعلم بها لا يسمى فقها.
وقولنا: " عملي " كالعلم بوجوب النية في الوضوء، وندب الوتر، احترزنا به عن الحكم الشرعي غير المتعلق بعمل كالإيمان بالله ورسوله فليس من الفقه إصطلاحا.
وقولنا " مُكتسَبٌ " بالرفع صفة للعلم وهو العلم النظري، احترزنا به عن العلم غير المكتسب كعلم الله سبحانه و بالأحكام الشرعية العملية فإنه لا يسمى فقها لأن علم الله أزلي وليس بنظري مكتسب.
وقولنا: " من دليلٍ تفصيليٍّ " احترزنا به عن علم المقلد، فإن علمه بوجوب النية في الوضوء مثلا لا يسمى فقها لأنه أخذه عن تقليد لإمام لا عن دليل تفصيلي.

( شرح النص )

قال الإمام أَبو يحيى زكريا بنُ محمدِ بنِ أحمدَ الأنصاريُّ الشافعيُّ ( ت 926 هـ ):

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

الحمدُ للهِ الذي وَفَّقَنا للوصولِ إلى معرفةِ الأصولِ، وَيسَّرَ لنا سُلوكَ مناهِجَ بقوَّةٍ أَودَعَها في العقولِ، والصلاةُ السلامُ على محمَّدٍ وآلهِ وصحبهِ الفائزينَ مِنَ اللهِ بالقَبولِ .
وبعدُ فهذا مُختصرٌ في الأَصلينِ وما معَهُما اختصرتُ فيهِ جمعَ الجوامعِ للعلَّامةِ التَّاجِ السُّبْكِيِّ رحِمَهُ اللهُ، وأَبدلْتُ مِنْهُ غيرَ المعتمدِ والواضحِ بهما معَ زياداتٍ حَسَنَةٍ، ونبَّهْتُ على خلافِ المعتزلةِ بعندِنا، وغيرِهمْ بالأصحِّ غالبًا.
وسمَّيْتُهُ لُبَّ الأصولِ راجيًا مِنَ اللهِ القَبولِ، وأَسألُهُ النَّفعَ بهِ فإنَّهُ خيرُ مأمولٍ.
وينحصرُ مقْصُودُهُ في مقدِّمَاتٍ وسبعِ كُتُبٍ.
......................... ......................... ......................... ......................... ...................
( بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ) الباء في البسملة للمصاحبة لقصد التبرك أي أؤلف مع اسم الله الرحمن الرحيم متبركا باسمه العظيم، والله: علم على المعبود بحق، والرحمن والرحيم صفتان مشبهتان من رحم، والرحمن أبلغ من الرحيم لأنه يزيد عليه بحرف وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولذلك قالوا: الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، وأما الرحيم فهو خاص بالمؤمنين يوم القيامة.
( الحمدُ للهِ ) الحمد هو: وصف المحمود بالكمال حبا له وتعظيما ( الذي وَفَّقَنا ) التوفيق هو: جعل الله فعلَ عبده موافقا لما يحبه ويرضاه ( للوصولِ إلى معرفةِ الأصولِ ) أي أصول الفقه، وفي هذا التعبير براعة استهلال وهو أن يستفتح المتكلم كلامه بألفاظ تدل على مقصوده وهنا ذكر المصنف كلمة الأصول ليشير إلى أن كتابه هذا في علم الأصول.
( وَيسَّرَ ) أي سهّل ( لنا سُلوكَ ) أي دخول ( مناهجَ ) جمع منْهَج و هو: الطريق الواضح، أي سهل الله لنا سلوك طرق واضحة في العلوم ( بـ ) سبب ( قوَّةٍ ) للفهم ( أَودَعها ) اللهُ سبحانه و ( في العقولِ ) يخص بها من شاء من عباده.
( والصلاةُ السلامُ على محمَّدٍ ) الصلاة من الله هو ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، ومن الملائكة والخلق هو طلب ذلك الثناء من الله ، والسلام أي التسليم من كل النقائص، ومحمد اسم نبينا عليه الصلاة والسلام سمّي به بإلهام من الله لأنه يكثر حمد الخلق له لكثرة صفاته الجميلة ( وآلهِ ) هم مؤمنو بني هاشِم وبني المطَّلِب ( وصحبهِ ) أي أصحابه والصحابي من اجتمع مؤمنا بنبينا ( الفائزينَ ) أي الظافرينَ ( مِنَ اللهِ بالقَبولِ ) والرضا.
( وبعدُ ) أي بعد ما تقدم من البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على من ذكر ( فهذا ) المُؤَلَّفُ ( مُختصرٌ ) وهو ما قل لفظه وكثر معناه ( في الأَصلينِ ) أي أصول الفقه وأصول الدين ( وما معَهُما ) أي مع الأصلين من المقدمات والخاتمة التي ذكر فيها نبذة في السلوك والتصوّف ( اختصرتُ فيهِ ) أي في هذا المختصر ( جمعَ الجوامعِ للعلَّامةِ ) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي الملقّب بـ ( التَّاجِ ) أي تاج الدين ( السُّبْكِيِّ ) نسبة إلى سُبْكٍ وهي قرية من قرى محافظة المنوفية بمصر المتوفي عام 771 هـ ( رحِمَهُ اللهُ ) وغفر له ( وأَبدلْتُ ) معطوف على اختصرتُ ( مِنْهُ ) أي من جمع الجوامع ( غيرَ المعتمدِ ) من المسائل ( و ) غير ( الواضحِ ) من الألفاظ ( بهما ) أي بالمعتمد والواضح ( معَ زياداتٍ حسنةٍ ) أضافها على جمع الجوامع.
( ونبَّهْتُ على خلافِ المعتزلةِ بـ ) قوله ( عندِنا ) أي عند الأشاعرة فحيث قال: عندنا فيعرف أن المعتزلة- ولو مع غيرهم- قد خالفوا الأشاعرة في هذه المسألة.
( و ) نبهَّتُ على خلاف ( غيرِهمْ ) أي غير المعتزلة كالحنفية والمالكية وبعض أصحابنا الشافعية ( بالأصحِّ ) فحيث قال: الأصح كذا فيعرف وجود خلاف في المسألة لغير المعتزلة ( غالبًا ) أي هذا بحسب غالب استعماله للتعبير بعندنا وبالأصح وقد ينبه على الخلاف بقوله: والمختار كذا.
( وسمَّيْتُهُ ) أي هذا المختصر ( لُبَّ الأصولِ ) واللب خالص كل شيء فمن أراد لبَّ هذا العلم فعليه بهذا الكتاب ( راجيًا ) أي مؤملا ( مِنَ اللهِ القَبولِ ) أي أن يتقبله عنده ولا يرده على صاحبه ( وأَسألُهُ النَّفعَ بهِ ) أي بلب الأصول لمؤلفه وقارئه ومستمعه وسائر المؤمنين ( فإنَّهُ خيرُ مأمولٍ ) أي مرجو.
( وينحصرُ مقْصُودُهُ ) أي مقصود لب الأصول ( في مقدِّمَاتٍ ) أي أمور متقدمة على الكتب السبعة تعرض فيها لتعريف علم الأصول وبيان الحكم الشرعي وأقسامه وغير ذلك ( وسبعِ كُتُبٍ ) الكتاب الأول في القرآن، والثاني في السنة، والثالث في الإجماع، والرابع في القياس، والخامس في الاستدلال بغير ذلك من الأدلة كالاستصحاب وبيان الأدلة المختلف فيها، والسادس في التعارض والترجيح، والسابع في الاجتهاد وما يتبعه من التقليد وأدب الفتيا، وما ضم إليه من مسائل علم الكلام وخاتمة التصوف، فهذا هو محتوى هذا الكتاب.

الُمقَدِّمَات

أصولُ الفقهِ: أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ، وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها، وحالُ مُسْتَفِيدِها. وقِيلَ مَعْرِفَتُها.
والفِقْهُ: علمٌ بحكمٍ شرعيٍ عمليٍ مكتسبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.
......................... ......................... ......................... ......................... ...................
هذا مبحث ( المقدِّمات ) وهي أمور متقدِّمة على المقصود ينتفع بها الطالب قبل أن يدخل في مباحث العلم، ابتدأها بتعريف العلم كي يتصوره الطالب تصورا إجماليا قبل أن يدخل فيه فقال: ( أصولُ الفقهِ ) أي هذا الفن المسمى بهذا الاسم هو ( أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ ) أي غير المعينة كالأمر للوجوب والنهي للتحريم ( وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها ) أي جزئيات أدلة الفقه الإجمالية التي هي أدلة الفقه التفصيلية كأقيموا الصلاة، والمراد بالطرق المرجحات عند التعارض الآتي بيانها في الكتاب السادس ( وحالُ مُسْتَفِيدِها ) أي صفات مستفيد جزئيات أدلة الفقه الإجمالية وهو المجتهد.
( وقِيلَ ) إن أصول الفقه ( مَعْرِفَتُها ) أي معرفة أدلة الفقه الإحمالية وطرق استفادةِ جزئياتها وحال مستفيدها، فبعض العلماء اختار في تعريف أصول الفقه التعبير بأدلة الفقه الإجمالية.. وبعضهم اختار التعبير بمعرفة أدلة الفقه الإجمالية... أي إدراك تلك الأدلة، والفرق بين التعريفين هو أنه على التعريف الأول يكون أصول الفقه نفس الأدلة، عُرفت أم لم تعرف، وعلى التعريف الثاني يكون أصول الفقه المعرفة القائمة بعقل الأصولي، والمصنف أشار بقيل إلى أن التعريف الأول أولى، لأنه أقرب إلى المدلول اللغوي فإن الأصول في اللغة جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيره كالدليل فإنه أصل للحكم، والأمر في ذلك هين فإن العلوم المدونة تارة تطلق ويراد بها القواعد وتارة تطلق ويراد بها معرفة تلك القواعد، كالنحو فتارة يراد به الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب ونحو ذلك وتارة يراد به معرفة تلك القواعد.
( والفِقْهُ: علمٌ ) أي تصديق ( بحكمٍ شرعيٍ ) أي مأخوذ من الشرع المبعوث به النبي ( عمليٍ ) قيد لإخراج الأحكام الشرعية الاعتقادية كالإيمان بالله واليوم الآخر ( مكتسبٌ ) هو بالرفع صفة للعلم لإخراج العلم غير المكتسب كعلم الله الأزلي ( من دليلٍ تفصيليٍّ ) للحكم قيد لإخراج علم المقلِّد.
منازعة مع اقتباس
  #2  
قديم 21-10-2016, 07:19 PM
سفير المعرفة سفير المعرفة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
التخصص : علوم الشريعة وآلاتها
النوع : ذكر
المشاركات: 7
افتراضي

الدرس الثاني- تابع المقدمات

تعريف الحكم الشرعي

الحكمُ الشرعيُّ: خطابُ اللهِ المتَعَلِّقُ بفعلِ المكلَّفِ اقتضاءً أو تخييرًا أو بأعمَّ منه وضعًا.
فقولنا: " خطابُ اللهِ " هو كلامه سبحانه و.
وقولنا: " المتَعَلِّقُ بفعلِ المكلَّفِ " أي المرتبط بفعل البالغ العاقل على وجه البيان لحاله هل يطلب فعله أو يطلب تركه أو يخير فيه، فلا يكلف صبي أومجنون.
وقولنا: " اقتضاءً " أي طلبا للفعل وجوبا أو ندبا، أو طلبا للترك حرمة أو كراهة.
وقولنا: " أو تخييرًا " أي بين الفعل والترك وهو الإباحة.
مثال ذلك: قوله : ( وأقيموا الصلاةَ ) فهو خطاب من الله متعلق بفعل المكلف إيجابا للصلاة عليه.
مثال آخر: قوله : ( وكلوا واشربوا ) فهو خطاب من الله متعلق بفعل المكلف إباحًة له للأكل والشرب.
وقولنا: " أو بأعمَّ منه " أي بأعم من أن يكون متعلقا بفعل المكلف أو بغير فعله.
وقولنا: " وضعًا " أي جعلا لشيء علامة على الحكم التكليفي.
مثال ذلك: قوله : ( أقم الصلاةَ لدلوكِ الشمسِ ) فهو خطاب من الله متعلق بغير فعل المكلف وهو زوال الشمس عن وسط السماء عند الظهيرة من حيث جعله علامة على حكم شرعي وهو وجوب صلاة الظهر.
فالحكم الشرعي له قسمان:
أولا: الحكم التكليفي وهو : خطابُ الله المتعلقُ بفعلِ المكلَّفِ اقتضاءً أو تخييرًا.
وله خمسة أنواع: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة.
ثانيا: الحكم الوضعي وهو : خطابُ الله الوارد بجعل شيء سببا أو شرطا أو مانعا أو صحيحا أو فاسدا.
وله خمسة أنواع: السبب، والشرط، والمانع، والصحيح، والفاسد.
ويدخل في خطاب الله السنة النبوية لأن السنة مبينة للقرآن ومفصلة له، وكذا سائر الأدلة كالإجماع والقياس لأنها تكشف عن خطاب الله وليست منشئة للحكم قال : ( إن الحكم إلا لله ).

الكلام النفسي واللفظي

ذهب المتكلمون من الأشاعرة إلى أن الله سبحانه و لا يتكلم بكلام لفظي صوتي مسموع بل هو متكلم بكلام نفسي توضيحه:
إن كل متكلم يرتّب الكلام في نفسه قبل أن ينطق به، فذلك الكلام اللفظي المسموع يكشف عن وجود مثله في النفس فالذي في النفس كلام نفسي والذي في الخارج كلام لفظي.
مثال: إذا أراد شخص أن يطلب ماء من شخص آخر فقبل أن يحرك لسانه قد قام بنفسه هذا المعنى فذلك المعنى النفسي الذي لا تختلف به اللغات هو الكلام النفسي.
والله سبحانه تكلم بالقرآن والإنجيل والتوراة والزبور وصحف إبراهيم وموسى بكلام نفسي معنوي لا لفظي مسموع فكل تلك الألفاظ التي تتلى معانيها قائمة بنفسه سبحانه منذ الأزل قبل أن يخلق الخلق ويبعث الرسل.
فخطاب الله المتعلق بفعل المكلفين هو كلامه النفسي الأزلي، والقرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها من الأدلة المعتبرة تكشف عن ذلك الخطاب الأزلي وتدل عليه لا أنها نفسه.
فإن قيل فعلى هذا منذ الأزل قد قام في نفسه سبحانه معنى وأقيموا الصلاة ولا تقربوا الزنا أي خاطب الخلق ولا مخاطَب حينئذ فكيف يتم هذا؟
قالوا: إن هذه الخطابات وغيرها متعلقة بالمكلف على نحوين:
الأول: قبل وجوده ويسمى هذا بالتعلق الصلوحي بمعنى أن المخاطب إن وجد مستجمعا لشروط التكليف تعلق الخطاب به.
الثاني: بعد وجوده ويسمى هذا بالتعلق التنجيزي، فالتعلق الأول قديم أزلي، والثاني حادث.
هذا تقرير مذهبهم.
وذهب المتكلمون من المعتزلة إلى نفي هذا الكلام النفسي وأنه سبحانه متكلم بمعنى أنه خلق هذه الأصوات في محل فهو سبحانه خلق صوتا سمعه جبريل وموسى عليهما السلام فبلغوه.
وذهب أهل الحديث والسنة إلى أن الله متكلم بكلام لفظي مسموع وأن جبريل عليه السلام سمع كلام الله من الله فنزل به مبلغا رسله، قال : ( نزّله روحُ القدسِ من ربِّكَ ).
وهذا هو الحق الذي تشهد به الأدلة وتفصيل ذلك في كتب العقائد.

( شرح النص )

والحكمُ خطابُ اللهِ المتعلِّقُ بفعلِ المكلَّفِ اقتضاءً أو تخييرًا أو بأعمَّ وضعًا، وهو الواردُ سببًا و شرطًا ومانعًا وصحيحًا وفاسدًا.
......................... ......................... ......................... ......................... ...................
لما ذكر أن الفقه علم بحكم شرعي أراد أن يبين المقصود منه فقال: ( والحكمُ خطابُ اللهِ ) أي كلامه المباشر وهو القرآن أو ما يرجع إليه كالسنة والإجماع وسائر الأدلة المعتبرة ( المتعلِّقُ بفعل المكلف ) أي المبين لحال فعل المكلف من حيث كونه مطلوب الفعل أو الترك أو مخييرًا فيه، وخرج بقوله المتعلق بفعل المكلف نحو قوله الله لا إله إلا هو الحي القيوم فإنه خطاب الله لكن لم يتعلق بفعل المكلف ( اقتضاءً ) أي طلبا للفعل إيجابا وندبا أو طلبا للترك تحريما أو كراهة ( أو تخييرًا ) بين الفعل والترك وهي الإباحة، وخرج بقوله اقتضاءً أو تخييرًا نحو قوله والله خلقكم وما تعملون فإنه وإن كان خطاب الله المتعلق بأعمال المكلفين إلا أنه ليس بالاقتضاء أو التخير فإنه لم يفهم منه طلب أو تخيير ( أو ) لم يتعلق بفعل المكلف بل ( بأعمَّ ) من فعل المكلف فقد يتعلق الخطاب الوضعي بفعله كقوله : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، فإن السرقة فعل المكلف، وقد لا يتعلق بفعله كقوله : أقم الصلاة لدلوك الشمس، فإن دلوك الشمس أي زوالها عن وسط السماء ليس فعلًا للمكلف ( وضعًا ) أي جعلا للشيء سببا أو شرطا أو مانعا أو عده صحيحا أو فاسدًا ولذا قال ( وهو ) أي الوضع الخطاب ( الواردُ ) بكون الشيء ( سببًا و شرطًا ومانعًا وصحيحًا وفاسدًا ) وسيأتي بيانها إن شاء الله.
منازعة مع اقتباس
  #3  
قديم 21-10-2016, 07:20 PM
سفير المعرفة سفير المعرفة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
التخصص : علوم الشريعة وآلاتها
النوع : ذكر
المشاركات: 7
افتراضي

الدرس الثالث- تابع المقدمات

التحسين والتقبيح

لا حكم إلا لله.
إذا ثبتَ أن الحكم هو خطاب الله فالحكم لله وحده، وحيث لا حكم لله فلا حكم لغيره وهو الحاكم سبحانه دون ما سواه وهذا محل اتفاق بين المسلمين.
ولكن حصل خلاف بين المسلمين فيما يلي:
هل العقل يمكن أن يدرك حكم الله؟ بمعنى أنه قبل ورود الشريعة ومجيء الرسل هل يمكن للعقل أن يكتشف حكمه سبحانه بناء على ما في الأفعال من مصالح ومفاسد فمثلا كان هنالك خلق يشركون بالله ويسرقون ويكذبون فهل العقل يمكن أن يدرك أن الله ينهى عن الشرك به والسرقة والكذب والظلم ونحوها لأنها قبيحة، وأنه يأمر بالتوحيد والعدل والصدق ونحوها لأنها حسنة، أو أن العقل لا دور له في إدراك هذه الأمور لأنها موقوفة على بيان الشرع ؟
1- قال المعتزلة: إن العقل يمكن له أن يدرك حكم الله فيمكن أن يعرف أنه هذا الفعل واجب عند الله وأن هذا الفعل محرم عند الله ويترتب عليه أنه من فعل الشرك مثلا استحق الذم في الدنيا عند الله والعقاب في الآخرة، ومن فعل التوحيد استحق المدح في الدنيا عند الله والثواب في الآخرة.
2- وقال الأشعرية وأكثر الحنابلة: إن العقل لا يدرك حكم الله قبل مجيء الرسول ولا تعرف الواجبات ولا المحرمات إلا بواسطة الرسل فمن فعل الشرك لم يستحق الذم في الدنيا عند الله ولا العقاب في الآخرة، ومن فعل التوحيد لم يستحق المدح في الدنيا عند الله ولا الثواب في الآخرة لإنه لم يأته رسول.
معاني الحسن والقبح

1- يطلق الحسن ويراد به موافقة الطبع الإنساني، ويراد بالقبح منافرته، كالحلو فهو موافق للطبع، والمر فهو منافر للطبع، وكالفرح والحزن فالأول موافق للطباع والثاني منافر لها، فكل ما كان محبوبا للنفوس فهو موافق للطبع وما كان مبغوضا لها فهو منافر للطبع، فهذا المعنى من الحسن والقبح عقلي أي يدركه العقل لوحده من غير توقف على شريعة ورسول.
2- يطلق الحسن ويراد به صفة الكمال، ويراد بالقبح صفة النقص، كالعلم فهو صفة كمال، وكالجهل فهو صفة نقص، وكالقدرة والحلم والكرم والشجاعة فهي صفات كمال، وكالعجز والطيش والبخل والجبن فهي صفات نقص، وهذا المعنى عقلي أيضا يدركة العقل مستقلا عن الشريعة.
3- يطلق الحسن ويراد به ما استحق فاعله عند الله المدح في الدنيا والثواب في الآخرة، والقبح ما استحق فاعله عند الله الذم في الدنيا، والعقاب في الآخرة، وهذا هو محل الخلاف فذهب الأشاعرة وغيرهم إلى أنه شرعي لأنه أمر غيبي يتوقف على إخبار الرسول، وذهب المعتزلة وغيرهم إلى أنه عقلي يدرك بالعقل.

شكر المنعم

شكر المنعم سبحانه و بمعنى ثناء العبد على ربه على نعمه بلسانه، واعترافه بقلبه بنعمته وفضله عليه، وصرف جوارحه في القيام بما يحبه خالقه.
ذهب المعتزلة إلى أن هذا الأمر واجب عقلي لأنه مبني على المسألة الأولى فإنه إذا ثبت أن شكر المنعم حسن فيجب على العبد أن يأتي به وإلا عرّض نفسه للذم والعقاب.
وذهب الأشاعرة وغيرهم إلى أنه واجب شرعي لأنه مبني على المسألة الأولى فإن الواجب هو ما استحق فاعله المدح والثواب إن فعل والذم والعقاب إن لم يفعل، وكون الفعل يترتب عليه هذا هو أمر شرعي، فلا يجب على العباد شيئا من شكر أو غيره ولا يحرم عليهم شيء من شرك أو غيره إلا بعد مجيء الرسول، فحيث لا رسول لا واجب ولا محرم.
( شرح النص )

فلا يُدْرَكُ حكمٌ إلا مِنَ اللهِ، وعندنا أَنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ بمعنى ترتّبِ الذمِّ حالا والعقابِ مآلًا شرعيّانِ، وأنَّ شُكرَ المنعِمِ واجبٌ بالشرعِ لا العقلِ، وأَنَّه لا حكمَ قبلَهُ بل الأمر موقوفٌ إلى ورودهِ.
......................... ......................... ......................... ......................... ...................
إذا ثبت أن الحكم خطاب الله وحده ( فلا يُدركُ حكمٌ إلا من اللهِ ) وحيث لا خطاب لله فلا يدرك حكمه سبحانه ( وعندنا ) أي عند الأشاعرة ( أَنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ ) لشيء ( بمعنى ترتّبِ ) أي استحقاق المدح و ( الذمِّ حالا ) أي في الحياة الدنيا ( والعقابِ مآلًا ) في الآخرة وذلك كحسن الطاعة وقبح المعصية، ثم إن كان المقصود بالمدح والذم هو مدح العقلاء وذمهم لمن اتصف بالكمال والنقص فهذا لا ريب أن عقلي يدرك بالعقل والفطرة، وإن كان المقصود بهما هو المدح والذم عند الله فهذا أمر غيب ( شرعيّانِ ) أي الحسن والقبح بهذا المعنى شرعيان أي لا يحكم بهما إلا الشرع المبعوث به الرسل فلا يؤخذ إلا من الشرع ولا يعرف إلا من الشرع، أما عند المعتزلة فعقليان أي يحكم بهما العقل بمعنى أنه طريق إلى العلم بهما يمكن إدراكه من غير ورود سمع لما في الفعل من مصلحة أو مفسدة يتبعه حسنه أو قبحه عند الله ( و ) عندنا ( أنَّ شكرَ المنعمِ ) وهو صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خلق له فيستعمل سمعه ونظره وسائر حواسه فيما يحبه ويرضاه سبحانه ( واجبٌ بالشرعِ لا العقل ) وهذه المسألة فرع من ذلك الأصل وهو أن الحسن والقبح شرعيان ولا حكم قبل الشرع وعليه فمن لم تبلغه دعوة نبي لا يأثم بتركه خلافا للمعنزلة ( و ) عندنا ( أَنَّه لا حكمَ ) يخاطب به الخلق ( قبلَهُ ) أي قبل الشرع ببعثة أحد من الرسل عليهم السلام ( بل الأمرُ ) أي الشأن في ثبوت الحكم أنه ( موقوفٌ إلى ورودهِ ) أي ورود الشرع فحيث لا شرع لا حكم يعلم، وعند المعتزلة أن الأمر غير موقوف على وروده لأن العقل يستكشف حكم الله بما اشتمل عليه الفعل من مصلحة أو مفسدة.
تنبيه: المختار أن فعل المشرك يوصف بأنه سَيِّءٌ وشر وقبيح قبل مجيء الرسول لكن العقوبة إنما تُستحق بمجيء الرسول، وأن من الأفعال ما ظهر حسنه فأمر الله به، ومنها ما ظهر قبحه فنهى الله عنه لما فيه من القبح قال : ( إِنَّ الله يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) وعلى هذا عامة السلف.
منازعة مع اقتباس
  #4  
قديم 21-10-2016, 07:20 PM
سفير المعرفة سفير المعرفة غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
التخصص : علوم الشريعة وآلاتها
النوع : ذكر
المشاركات: 7
افتراضي

الدرس الرابع- تابع المقدمات

الحكم التكليفي

المكلّفُ هو: العاقلُ البالِغُ غيرُ الغافِلِ والمُلجَأِ.
فاحترزنا بالعاقل عن المجنون.
وبالبالغ عن الصبي.
وبغير الغافل عن الغافل وهو : مَن لا يدري كالنائم والساهي.
وبغير الملجأ عن الملجأ وهو : من يدري ولا مندوحة له عما ألجئ إليه، أي لا سعة ولا فسحة له.
كمن أخذ وألقي من مكان عال على شخص سيقتل بوقوعه عليه، فهو يدري أنه سيقتل غيره ولكن لا مندوحة له فيكون غير مكلف لأنه لا إرادة له.
وخرج بالملجأ المكره وهو : من يدري وله مندوحة بالصبر عما أكره عليه، كمن وضع سلاح خلف رأسه وأعطي سلاحا ليقتل غيره فإما أن يَقتل أو يُقتل، فهذا له إرادة وليس أمامه إلا الصبر، فهو مكلف؛ لأن الإكراه قد سلب رضاه لا اختياره.
والأحكام التكليفية ستة: الإيجاب والندب والتحريم والكراهة وخلاف الأولى والإباحة.
1- فالإيجاب هو: خطاب الله المقتضي طلب الفعل طلبا جازما، نحو قوله : وأقيموا الصلاة.
2- والندب هو: خطاب الله المقتضي طلب الفعل طلبا غير جازم، نحو قوله عليه الصلاة والسلام: لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة. رواه البخاري ومسلم.
3- والتحريم هو: خطاب الله المقتضي طلب الترك طلبا جازما، كقوله ولا تقربوا الزنا.
4- والكراهة هو: خطاب الله المقتضي طلب الترك طلبا غير جازم بنهي مقصود، كقوله : إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلسْ حتى يصلي ركعتين. رواه الشيخان.
5- وخلاف الأولى هو: خطاب الله المقتضي طلب الترك طلبا غير جازم بنهي غير مقصود.
أي لم يأت نهي مخصوص عن الفعل وإنما يستفاد النهي من ترك الأوامر التي للندب.
نحو قوله عليه الصلاة والسلام: صلوا قبل المغرب، رواه البخاري.
فهو يفيد أن ترك الصلاة قبل المغرب خلاف الأولى، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فالأمر بالشيء الواجب نهي عن ضده المحرم، والأمر بالشيء المندوب نهي عن ضده الذي هو خلاف الأولى.
ولو جاء نهي مخصوص غير جازم عن ترك الصلاة قبل المغرب لكره تركها.
فاتضح أنه إذا ورد نهي مخصوص عن شيء نهيا غير جازم فهو مكروه، وإذا لم يرد نهي مخصوص ولكن ورد دليل ندب يحث على فعل الشيء فحينئذ يكون تركُه تركًا للأولى.
6- والإباحة هي: خطاب الله المقتضي التخيير بين الفعل والترك، كقوله : ( وكلوا واشربوا ).

( مسائل )

الأولى: الخطاب يتناول المعدوم، بمعنى أنه إن وجد مستجمعا لشروط التكليف تناوله الخطاب.
فقوله : ( وأقيموا الصلاة ) يتناول من توجّه لهم الخطاب وهم الصحابة م وكل من جاء بعدهم، وكذا خطابات النبي لأصحابه، فكل تكليف وخطاب توجه للجيل الأول فهو يتناول بمقتضى اللفظ كل من جاء بعدهم.
قال : ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَظ°ذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) أي ومن بلغه القرآن في الأزمنة التالية.
وهذا شائع حتى في العرف فقد يكتب الأب وهو على فراش الموت خطابا لابنه الذي لم يولد يوجهه ويرشده.
الثانية: الواجب والفرض مترادفان أي أنهما لفظان يطلقان على معنى واحد.
وقال الحنفية بالفرق بينهما وهو :
الفرض: ما ثبت بدليل قطعي، كالقرآن والسنة المتواترة، مثل قراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقوله : ( فاقرؤا ما تيسّر من القرآن )، وجاحد الفرض كافر مرتد.
والواجب: ما ثبت بدليل ظني، كخبر الواحد والقياس، مثل قراءة الفاتحة في الصلاة الثابتة بحديث الصحيحين: ( لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب )، وجاحد الواجب فاسق.
والخلاف لفظي أي عائد إلى اللفظ والتسمية لأن حاصله أن ما ثبت بدليل قطعي هل يسمى واجبا كما يسمى فرضا، وأن ما ثبت بدليل ظني هل يسمى فرضا كما يسمى واجبا؟ فعند الحنفية لا وعند الجمهور نعم.
الثالثة: المندوب والمستحب والتطوع والسنة مترادفات.
وقال القاضي حسين من الشافعية وغيره إنها ليست مترادفة بل الفعل إن واظب عليه النبي فهو السنة، وإلا كأن فعله مرة أو مرتين فهو المستحب، أو لم يفعله وهو ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد فهو التطوع.
والخلاف لفظي أيضًا لأن حاصله أن ما سمي بأحد هذه الأسماء هل يسمى بالآخر أو لا فما سمي بالسنة هل يسمى بالمستحب والتطوع أيضا ؟ قال الجمهور نعم وقال القاضي وغيره لا.
الرابعة: لا يجب المندوب بالشروع فيه، لقوله : الصائمُ المتطوّعُ أميرُ نفسِهِ إنْ شاءَ صامَ وإنْ شاءَ أفطرَ. رواه أحمد الترمذي وهو صحيح.
مثال: من شرع في صلاة نافلة ثم عنّ له أن يقطعها فله ذلك ولا يلزمه القضاء.
مثال: من صام يوما تطوعا لله ثم رأى أن يفطر فله ذلك بلا أثم ولا يلزمه قضاء يوم آخر.
فإن قيل فالحج المندوب يجب إتمامه بالشروع فيه ؟
قلنا: إن الحج مستثنى لأن ندبه كفرضه في النية وغيرها من الأحكام بخلاف الصلاة والصوم ونحوهما، فالفرق هو:
1- نية النفل في الحج المندوب كنية الحج الواجب فينوي فيهما نية الدخول في الحج، بخلاف الصلاة والصوم فنية الفرض فيهما تختلف عن نية النفل، فالصلاة المفروضة كالظهر والعصر ينويهما إن أراد الفرض وينوي النفل كسنة راتبة أو الوتر إن أراد النفل.
2- الكفارة على من فسد حجه بالوطء لا فرق بين حج مفروض أو متطوع فيه، بخلاف الصوم مثلا فإن من وطئ زوجته في رمضان فسد صيامه ولزمته الكفارة، ومن وطئها في صوم متطوع فيه فسد صيامه ولم تلزمه الكفارة.
3- من فسد حجه وجب عليه إتمامه كمن وطئ زوجته في الحج فسد حجه ووجب عليه إتمامه إلى النهاية فلا يخرج منه لا فرق بين فرضه وندبه، وليس كذلك الصلاة والصوم فمتى فسدا خرج منهما وبطلت صلاته وصيامه.

( شرح النص )

والأَصحُّ امتِناعُ تكليفِ الغافِلِ والمُلْجَأِ لا المُكْرَهِ، ويتَعلَّقُ الخِطابُ عِندنا بالمعدومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا، فإِنْ اقتضى فِعلًا غيرَ كفٍّ اقتِضاءً جازِمًا فإِيجابٌ، أَوْ غيرَ جازمٍ فندبٌ، أَو كَفًّا جازِمًا فتحريمٌ، أو غيرَ جازِمٍ بنهيٍ مقصودٍ فكراهةٌ، أَو بغيرِ مقصودٍ فخِلافُ الأولى، أَوْ خَيَّرَ فإباحةٌ، وعرفتَ حُدُودَها، والأَصحُّ ترادُفُ الفرضِ والواجِبِ كالمندوبِ والمستَحَبِّ والتَّطَوُّعِ والسُّنَّةِ، والخُلْفُ لفظِيٌّ، وأَنَّهُ لا يجبُ إتمَامُهُ، وَوَجَبَ في النُّسُكِ لأَنَّهُ كَفَرْضِهِ نِيَّةً وغيرَها.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
استفتح المصنف المقدمات بعد تعريف الأصول والفقه بتعريف الحكم بقوله فيما سبق: والحكم خطابُ الله.. والكلام على الحكم يجر إلى بيان: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه، فالحاكم هو الله سبحانه و وقد ذكره بقوله: فلا يدرك حكم إلا من الله وما تبع ذلك من بيان أن العقل ليس بحاكم وأنه لا طريق لمعرفة الحكم بغير الشرع وهو ما يعرف بمسألة التحسين والتقبيح، والمحكوم عليه هو المكلف وقد ذكره هنا بقوله: والأصحُّ امتناع تكليف الغافل.. ،والمحكوم فيه هو العمل المكلف به العبد سيأتي الكلام عليه ( والأَصحُّ امتِناعُ تكليفِ الغافِلِ ) أي يمتنع ويستحيل عقلا أن يخاطب الغافل الذي لا يدري فكيف يقال للنائم مثلا صل وصم، فإن شرط الخطاب هو الفهم والغافل حال غفلته لا يدري ولا يفهم ( والمُلْجَأِ ) وهو المكره على فعل لا مندوحة له عما ألجئ إليه كالملقى من شاهق على شخص يقتله، وهو غير مكلف لأنه مسلوب الإرادة فهو كالسكين في يد القاطع ( لا المُكْرَهِ ) وهو من أكره على فعل من غير إلجاء بحيث يسعه الصبر، وهو مكلف لأن الإكراه سلب رضاه لا إرادته، ثم إن قوله: والأصح يشير إلى وجود خلاف في المسألة، فبعض العلماء ذهب إلى أنه لا يستحيل عقلا تكليف الغافل والملجأ ولكنهم اتفقوا على أنه غير واقع في الشريعة فالأمر لا يعدو عن كونه تدقيقا عقليا ( ويتَعلَّقُ الخِطابُ عِندنا بالمعدومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا ) أي إذا قلنا إن الخطاب هو الكلام النفسي الأزلي فحينئذ كيف يتعلق نحو وأقيموا الصلاة بالمكلف وهو غير مخلوق أصلا ؟ أجيب بأن التعلق نوعان: تعلق صلوحي معنوي بمعنى أنه إن وجد المكلف مستجمعا للشرائط صلح أن يتعلق الخطاب به، وهذا واقع منذ الأزل، وتعلق تنجيزي حال وجود المكلف والخطاب الأزلي غير متعلق به ( فإِنْ اقتضى ) ذلك الخطاب الأزلي الذي هو الكلام النفسي ( فِعلًا غيرَ كفٍّ اقتِضاءً جازِمًا ) بأن لم يجز تركه ( فإِيجابٌ ) نحو وأقيموا الصلاة، وقوله غير كفّ هذا قيد احترز به عن النهي، بيانه: إذا قيل افعل كذا نحو: قم وصل وصم، فالمطلوب فيها فعل شيء معين، وإذا قيل لا تفعل كذا نحو لا تقم ولا تزن ولا تسرق، فالمطلوب فيها هو كف النفس عن فعل تلك الأشياء وليس مجرد الترك، والكف هو منع النفس عن أن تقدم على فعل شيء ما، وكف النفس هو فعل من الأفعال النفسية التي يفعلها المرء، فحينئذ إذا قيل الأمر طلب فعل يدخل فيه التحريم لأن لا تسرق هو طلب فعل مخصوص وهو الكف عن السرقة، فتلخص أن هنالك فرقا بين الكف والترك، فالكف أمر وجودي تتوجه النفس إليه، والترك أمر عدمي كمن يترك معصية لم تقع في زمانه ولم تخطر على باله، فهنا أمران فعل وهو أمر وجودي، وترك وهو أمر عدمي، والفعل يشمل الفعل غير الكف أي ما ليس فيه منع النفس عن شيء ما بل هو إقدام على فعل ما كالصلاة والصيام، ويشمل الفعل الذي هو كف نحو لا تسرق ولا تزن، فإذا اتضح هذا علم أننا نحتاج للتقييد بقولنا غير كف حتى تستقيم التعاريف، وإنما لم أقيّد في الشرح لأنني بنيت الكلام على المتبادر من الفعل في العرف أنه في قبال الترك فهو أسهل وجرى عليه أيضا بعض العلماء فتأمل ( أو ) اقتضى الخطاب فعلا ( غيرَ جازِمٍ ) بأن جوز الترك ( فندبٌ ) كحديث لولا أن أشق علي أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ( أَو ) اقتضى الخطاب ( كَفًّا جازِمًا ) بأن لم يجز الفعل ( فتحريمٌ ) نحو ولا تقربوا الزنا ( أو ) اقتضى الخطاب كفًّا ( غيرَ جازِمٍ ) بأن جوز الترك ( بنهيٍ مقصودٍ ) أي مخصوص ( فكراهةٌ ) كحديث إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ( أَو ) اقتضى الخطاب كفًّا غير جازم ( بـ ) نهي ( غيرِ مقصودٍ ) أي غير مخصوص بل مستفاد من أوامر المستحبات ( فخِلافُ الأولى ) كحديث صلوا قبل المغرب المستفاد من ضده أن ترك الصلاة حينئذ خلاف الأولى ( أَوْ خَيَّرَ ) الخطاب بين الفعل المذكور والكف عنه ( فإباحةٌ ) نحو وكلوا واشربوا ( وعرفتَ ) أيها الطالب من هذا التقسيم الذي ذكرته لك ( حُدُودَها ) أي حدود تلك الأقسام فحد الإيجاب: خطاب الله المقتضي فعلا غير كفّ اقتضاء جازما، وحد الندب: خطاب الله المقتضي فعلا غير كفّ اقتضاء غير جازم، وحد التحريم: خطاب الله المقتضي كفًّا اقتضاء جازما، وحد الكراهة: خطاب الله المقتضي كفًّا اقتضاء غير جازم بنهي مخصوص، وحد خلاف الأولى: خطاب الله المقتضي كفًّا اقتضاء غير جازم بنهي غير مخصوص، وحد الإباحة: خطاب الله المخيّر بين فعل الشيء والكف عنه ( والأَصحُّ ترادُفُ ) لفظي ( الفرضِ والواجِبِ ) خلافا للحنفية ( كالمندوبِ ) أي كما أن الأصح ترادف ألفاظ المندوب ( والمستَحَبِّ والتَّطَوُّعِ والسُّنَّةِ ) والحسن والنفل والمرغب فيه أي مسماها واحد وهو الفعل غير الكف المطلوب فعله طلبا غير جازم، وخالف في ذلك القاضي حسين بن محمد من أصحابنا الشافعية، وخالف غيره أيضا فنفوا ترادفها فقالوا: الفعل إن واظب عليه النبي فهو السنة وإلا كأن فعله مرة أو مرتين فهو المستحب أو لم يفعله وهو ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد فهو التطوع ( والخُلْفُ ) أي الخلاف في المسألتين ( لفظِيٌّ ) أي عائد إلى اللفظ والتسمية فالأمر فيهما هين ( وأَنَّهُ ) أي المندوب ( لا يجبُ إتمَامُهُ ) بالشروع فيه خلافا للحنفية ( وَوَجَبَ ) إتمام المندوب اتفاقا ( في النُّسُكِ ) من حج أو عمرة ( لأَنَّهُ ) أي النسك المندوب ( كَفَرْضِهِ ) أي كفرض النسك ( نِيَّةً وغيرَها ) من الأحكام كالكفارة، وهذا جواب سؤال مقدر تقديره إن من تلبّس بنسك مندوب كحج تطوع وجب اتمامه ولا يجوز قطعه فكيف تقولون إن المندوب لا يجب إتمامه ؟ والجواب هو: أن الحج خرج عن القاعدة لخصوصية فيه وهو أن نفله كفرضه في النية وغيرها من الأحكام.
تنبيهان: الأول: قال التاج السبكي صاحب جمع الجوامع: والصواب امتناعُ تكليفِ الغافلِ والملجأ وكذا المكرَه على الصحيح. اهـ وهنا خالفه المصنف في مسألة المكره فاختار تبعا لغيره أنه مكلف، فهذا مصداق واضح لقوله في المقدمة وأبدلت غير المعتمد والواضح بهما، فإن المصنف اعتمد تكليف المكره خلافا للتاج.
الثاني: ليست مسألة تعلق الخطاب بالمعدوم مختصة بالكلام النفسي عند الأشاعرة بل هي تشمل الكلام اللفظي فإنه يقال لفظ وأقيموا الصلاة الذي توجه إلى الصحابة هل يتعلق بمن بعدهم إلى قيام الساعة أو لا ؟ والجواب نعم ولا نحتاج لدليل آخر خلافا للمعتزلة القائلين لا يتناولهم نفس الخطاب الأول لأنهم معدومون ونحتاج لدليل آخر، والصواب هو الأول.
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 02:04 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ