ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة العلوم الشرعية
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 27-06-2010, 11:13 PM
أبو المقداد أبو المقداد غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Aug 2008
التخصص : الفقه
النوع : ذكر
المشاركات: 25
افتراضي وقفات مع الكلباني في رسالته في الغناء، للشيخ جلال بن علي بن حمدان السلمي

وقفات مع الكلباني في رسالته في الغناء، للشيخ جلال بن علي بن حمدان السلمي

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وبعد، فقد طلب مني بعض الإخوة الفضلاء أن أعلق على الرسالة الموسومة بـ تشييد البناء في إثبات حل الغناء، والتي كتبها الكاتب عادل الكلباني وفقه الله، وذهب فيها إلى إباحة الغناء مطلقا، فأجبته إلى ذلك رجاء حصول النفع، وبيناً لما أعتقده من الحق، فأقول مستعيناً بالله:
لي مع هذه الرسالة عدة وقفات:
الوقفة الأولى: وهي مع عنوان هذه الرسالة: تشييد البناء في إثبات حل الغناء، فهذا العنوان لا يتلاءم مع المقصود منها، إذ إن الظاهرَ من العنوان يدل على أن الكاتبَ يهدف من رسالته إلى العملِ على إثبات الحلِ للغناء، وجاء في تضاعيف سطورها ما يناقض ذلك، ونصه:ولكني أردت فقط الإشارة إلى أن القول بإباحته ليس بدعا من القول، ولا شذوذا، بل وليس خروجا على الإجماع . اهـ .
الوقفة الثانية: لم يعمل الكاتب على توضيح المراد بالغناء في مقدمة رسالته، وهذا الأمر قد أوقع كثيرا من العامة في الفهم الخاطئ، فهم في الغالب لا يعرفون من لفظ الغناء، إلا ما كان مصحوبا بشيء من المعازف، والأمر على خلاف ذلك، فالغناء في اللغة يطلق على: الصوت المطرب الملحن، ومنه النشيد، وغناء الأعراب المسمى بالحداء، وكان المتعين على الكاتب البيان، ولا سيما أنه قد عمل على نشر رسالته في وسائل الإعلام، وهو بهذا يخاطب شريحة كبيرة من المجتمع، والحال أنه على غير دراية بصحة فهمهم، وقد وقفت على بعض العامة ممن قرأ الرسالة، وهو يقول: أن عمر يرى جواز الغناء، فلما سألته عن ذلك فسره بالموسيقى، وقبل ثلاث سنوات اتصل عليّ أحد العامة يسألني عن حكم الغناء، فأجبته في ذلك، وذكرت له أن الغناء غير المصحوب بشيء من المعازف حكمه الجواز، إذ هو من أمور العادات، والقاعدة في الفقه: [ أن الأصل في العادات الإباحة ]، أما إذا كان مصحوبا بشيء من ذلك فلا يجوز، وذكرت له حديث المعازف الذي سوف يأتي ذكره إن شاء الله ، فلما فرغت من الجواب ذكر لي ذلك العامي أن الشيخ الكلباني يقول بالجواز مطلقا، فطلبت منه رقم الشيخ فاتصلت به، وعرفته بنفسي، وسألته عن الغناء فقال: هو جائز، فقلت: يا شيخ ولو كان مصحوبا بشيء من المعازف، قال: لا، لا يجوز إذا كان كذلك، فقلت له: يا شيخ اتصل علي أحد العامة، وذكرت له القصة، وأنه قد فهم منك الجواز، فقال: هذا بسبب فهمه الخاطئ، فقلت له يا شيخ: هذا فهم أغلب العامة، فقال لي: ماذا أفعل لهم، قلت له: يا شيخ هذا الكلام غير مقبول، فأنت ما مقصدك عندما تصديت لإفتائهم، ألا تقصد هدايتهم ؟!، قال: بلى، قلت: فإن هذا لن ولم يحصل، بل قد حصل نقيض قصدك، وأشرت إلى كلام الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه، وهو أن المفتي لا بد أن يكون على دراية بألفاظ العامة التي يستعملونها حتى لا يقع الخطأ في الفهم، ثم انتقلنا إلى بحث مسألة الدف وحكمه، فلما طال الكلام طلب مني أن أزوره في مسجده، فقلت له: أنا أسكن بمكة. اهـ.
الوقفة الثالثة: قال الكاتب في مقدمة رسالته: فليس في شرع الله أن لا يستمتع الإنسان بالصوت الندي الحسن.
وهذا الكلام فيه نظر: فالصوت الندي الحسن الذي يكون من امرأة، أو يخشى منه عدم أطهرية القلوب فإن الشريعة جاءت بمنعه، والنهي عن استماعه، قال : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ، فقد علل الحكم - أي الوجوب - في الآية بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء، والقاعدة في الأصول: [ أن العلة تعمم معلولها أي الحكم ]، فكل ما ينافي أطهرية القلوب فهو محرم، وكل ما يحصلها ويحققها فهو واجب.
الوقفة الرابعة: قال الكاتب -وفقه الله-: بل جاء فيه ما يحث عليه ويشير إليه، كما في قوله : علمها بلالا، فإنه أندى منك صوتا .
وهذا الكلام فيه نظر: فليس في هذا الحديث ما يدل على الحث على سماع الصوت الندي كما ذكر، بل غاية ما فيه: أن تحسين الصوت بالأذان مقصود، وأنه يشرع اتخاذ المؤذن المتصف بحسن الصوت.
الوقفة الخامسة: قال كتاب الرسالة: وإنما عاب الله نكارة صوت الحمير، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير، ومن المثير للتأمل أن الإشارة إلى نكارة صوت الحمار جاء في نفس السورة التي يَسْتَلُّ منها المحرمون للغناء دليل تحريمه ! ومن غير المعقول أن يطلب الله من الإنسان بعد أن أودع فيه هذه العاطفة نزعها أو إماتتها من أصلها.
هذا الكلام فيه نظر من جهة الأسلوب والمعنى: أما من جهة الأسلوب فلأنه قال: عاب الله نكارة صوت الحمير على أن هذا هو مدلول الآية، والصحيح أن يقال: عاب الله صوت الحمير إذ وصف صوتها بأنه أنكر الأصوات، وعيبه سبحانه مستفاد من إقراره للعبد الصالح لقمان، وأما من جهة المعنى: فلأنه ليس في الآية ما يثير التأمل على الوجه الذي ذكر الكاتب، فالله سبحانه لم يقل ليس من الأصوات ما ينكر إلا الحمير حتى يعتمد عليها في هذا الموطن، وإنما أخبر أنه أنكرها، فقد يكون ثمة ما ينكر غيره، والأمر كذلك، ثم إن قوله : ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) تعليل لقوله: ( واغضض من صوتك )، ويؤخذ من هذا أن نكارة صوت الحمير حاصلة من جهة منافاتها لغض الصوت أي خفضه، ومن الغناء ما هو على هذا الوصف.
ثم إن كلامه يوهم بأن من قال بالتحريم ( أي تحريم الغناء المصحوب بالمعازف) إنما يستدل فقط بدليل واحد مذكور في هذه السورة، وليس الأمر كذلك على ما سوف يأتي بيانه إن شاء الله .
الوقفة السادسة: قال كتاب الرسالة: وقد ذكر الأطباء منذ القدم أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق فيصفو له الدم وتنمو له النفس... .
هذا الكلام فيه نظر من جهتين: الجهة الأولى: خطأ منهجي في الكتابة: فإنه من غير المناسب ذكر مثل هذا الكلام في رسالة قصيرة لا تتجاوز عشرة صفحات مقصودها وما ينادي به عنوانها إثبات الحل للغناء مطلقا.
الجهة الثانية: أن الصوت الحسن قد يؤدي إلى نقيض ما ذكر الكاتب، فقد يجلب الهم، ويشرد الذهن، ويضعف الهمة... إلخ ، ولا سيما إذا كان مصحوباً بالمعازف، وشواهدُ الواقع قاضية بذلك.
الوقفة السابعة: قال كاتب الرسالة: وقد صح عن عمر ، أنه قال: الغناء من زاد الراكب، وكان له مغني اسمه خوات ربما غنى له في سفره حتى يطلع السحر .
هذا الكلام فيه نظر: الأثر الأول ضعيف، أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر ، وفي إسناده: أسامة بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، ضعفه يحي بن معين وأحمد والنسائي وجماعة، وضعفه حاصل من جهة سوء حفظه، والقاعدة في الأصول: [أن سوء حفظ الراوي يقتضي رد خبره].
وأما الأثر الثاني: فهو ضعيف أيضا، أخرجه البيهقي عن خوات بن جبير ، وفي إسناده: قيس بن أبي حذيفة مجهول، والقاعدة في الأصول: [أن جهالة الراوي تقتضي رد خبره]، وفي إسناده فليح بن أبي سليمان سيء الحفظ، والقاعدة في الأصول: [أن سوء حفظ الراوي يقتضي رد خبره] .
وليس في الأثر أن خواتاً كان مغنياً، بل غاية ما فيه أنهم طلبوا ذلك منه، ولا تلازم بين الأمرين.
ثم إن كل ما ثبت عن الصحابة في الغناء فالمراد به النشيد والحداء، وهذا جائز كما تقدمت الإشارة إليه، ولا يصح سحبه على كل غناء، لأنها من الأفعال، والقاعدة في الأصول: [ أن الفعل لا عموم له ].
الوقفة الثامنة: قال كاتب الرسالة: ومن أكبر دلائل إباحته أنه مما كان يفعل إبان نزول القرآن، وتحت سمع وبصر الحبيب ، فأقره، وأمر به، وسمعه، وحث عليه، في الأعراس، وفي الأعياد .
وفي هذا الكلام نظر:
1/ لم يبين المعنى المراد بالغناء.
2/لم يرد عن النبي أنه أقر الغناء المصحوب بالمعازف.
3/ ورد عنه أنه أقر الغناء من غير معازف أي النشيد.
4/ لم يرد عن النبي أنه أمر بالغناء مطلقاً.
5/ لم يرد عن النبي أنه سمع غناءً مصحوباً بمعازف.
6/لم يرد عن النبي أنه حث على الغناء في الأعراس.
7/ لم يرد عن النبي أنه حث على الغناء في الأعياد، بل غاية ما في الأمر أنه أقرهم عليه، وفرق بين الإقرار والحث، فمقتضى الحث أَنَّ مَنْ فَعَلَهُ فهو مثاب، ومعنى الإقرار أن من فعله فلا إثم عليه.
الوقفة التاسعة: قال كاتب الرسالة: ومن دلائل إباحته أيضا أنك لن تجد في كتب الإسلام ومراجعه نصا بذلك، فلو قرأت الكتب الستة لن تجد فيها باب تحريم الغناء، أو كراهة الغناء، أو حكم الغناء، وإنما يذكره الفقهاء تبعا للحديث في أحكام النكاح وما يشرع فيه.
هذا الكلام فيه نظر من جهة أن الحجة في حديث النبي لا في تراجم المحدثين، وجعل هذه التراجم حاكمة على النصوص الواردة في الباب ضرب من التقليد الذي حذر منه وأعلن النكير على أربابه، ثم ما هو الفرق عندك بين تراجم المحدثين وبين كلام الفقهاء ؟!، كلاهما قول صادر من غير معصوم فيطلب له الدليل، ولا يجعل دليلاً.
الوقفة العاشرة: قال كاتب الرسالة: وهكذا جاء الحديث عنه في أحكام العيدين وما يسن فيهما، ولهذا بوب البخاري : باب سنة العيدين لأهل الإسلام ، ثم ذكر حديث عائشة ا وأرضاها، أعني حديث الجاريتين وغنائهما بحضرة النبي وفي بيته .
هذا الكلام فيه نظر من جهة أن السنة تطلق ويراد بها الطريقة، أي الجادة المسلوكة، وهذا قدر صادق على الواجب والمندوب ( السنة بالاصطلاح الخاص) والمباح، والمراد هنا بالترجمة أن هذا - أي الغناء من غير معازف - من الجائز المباح.
الوقفة الحادية عشر: قال كاتب الرسالة: وكل ما أراد أن يوسع للناس ويترك لهم المجال ليفهموا من نصوص كتابه، أو سنة نبيه جاء بنص محتمل لقولين أو أكثر... واختلفوا في كل تفصيلاتها تقريبا، فاختلفوا في تكبيرة الإحرام حتى التسليم،... حتى إنهم اختلفوا في النطق بالشهادتين ! وليس هذا إلا من توسعة الله على عباده .
هذا الكلام فيه نظر من وجوه:
1/ أن دلالة النصوص على الأحكام دلالة واضحة، بمعنى أنها كافية في الإفهام الصحيح، ومؤدية لغرض البيان، وهي متفاوتة، منها ما لا احتمال فيه، وهذا ما يسمى عند الأصوليين بالنص، ومنها ما فيه احتمال مرجوح، وهذا ما يسمى عند الأصوليين بالظاهر، وأما ما فيه احتمال مساو، وهو ما يسمى بالمجمل فلا وجود له في مجموع النصوص، بمعنى أنه قد يوجد في نص، لكن يرد نص آخر يوضحه ويبينه، وهو أمر فيه شيء من النسبية، وذلك بسبب اختلاف الفهوم، وتفاوت العلوم .
إذا تقرر هذا فالاحتمال الموجود ليس على التساوي على ما يوهم كلام الكاتب، بل الاحتمال راجح ومرجوح، والعمل بالراجح واجب لا راجح.
2/وجود المآخذ اللطيفة في تضاعيف نصوص الشريعة أمر لا ينكر، وقد تلمس علماء الأصول الحكمة من ذلك فقالوا: ليستفرغ المجتهد وسعه في درك الحكم الشرعي فيعظم أجره، ويمكن أن يضاف وجه آخر لعله يكون مقصوداً، وهو الامتحان والابتلاء فإن المسائل الخالية من الدليل القاطع قد يتساهل بعض الناس في امتثالها.
وأنا لا أنكر بأن العامي من أهل الفهم، لكن ليس له أن يتفهم النصوص كيفما اتفق من غير ضوابط، وعليه أن يراجع العلماء فيما يشكل، وظاهر كلام الكاتب يوهم خلاف ذلك.
3/القول بأن الخلاف وقع في كل تفاصيل الصلاة كلام غير مقبول، أين اتفاقهم على وجوب الركوع والسجود والترتيب بين الأركان... إلخ ؟!.
4/قوله بأن الخلاف يقتضي التوسيع على العباد يوهم القول بجواز التخيير بين الأقوال، وهذا كلام باطل؛ إذ الخلاف حصل بعد الشرع، وما كان كذلك فلا يصلح أن يكون دليلا، ومن المعلوم المتقرر أن الحق في مسائل الخلاف واحد قال : فما ذا بعد الحق إلا الضلال ، وفي الصحيحين عن عمر بن العاص مرفوعا: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد ، وطلب الحق واجب.
الوقفة الثانية عشر: قال كاتب الرسالة: فلو كان تحريم الغناء واضحا جليا لما احتاج المحرمون إلى حشد النصوص من هنا وهناك، وجمع أقوال أهل العلم المشنعة له، وكان يكفيهم أن يشيروا إلى النص الصريح الصحيح ويقطعوا به الجدل، فوجود الخلاف فيه دليل آخر على أنه ليس بحرام بين التحريم، كما قرر الشافعي،وقد قال ابن كثير ، إذ تكلم عن البسملة واختلافهم في كونها من الفاتحة أم لا، قال ما نصه: ويكفي في إثبات أنها ليست من الفاتحة اختلافهم فيها وإني أقول مثل ذلك يكفي في إثبات حل الغناء أن النبي لم يحرمه نصا.
هذا الكلام فيه نظر فكلام الكاتب صريح في أنه يستدل بالخلاف على الجواز، وقد تقدم بطلان ذلك.
قال الإمام أبو عمرو ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ( 2 / 80): و الواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول على الصواب منها وذلك لا يعدم فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يبن ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين .
وقال الإمام أبو إسحاق الشاطبي - - في الموافقات( 4/141): وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار الخلاف في المسائل معدودا في حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف؛ فإن له نظرا آخر، بل في غير ذلك، فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع؛ فيقال: لم تمنع والمسألة مختلف فيها، فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة حيث جعل ما ليس بمعتمد متعمدا، وما ليس بحجة حجة .
وقال أيضا: والقائل بهذا راجع إلى أن يتبع ما يشتهيه، ويجعل القول الموافق حجة له ويدرأ بها عن نفسه، فهو قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه، لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلًا لأمر الشارع، وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه، ومن هذا أيضًا جعل بعض الناس الاختلاف رحمة للتوسع في الأقوال، وعدم التحجير على رأي واحد، ويحتج في ذلك بما روي عن القاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وغيرهما مما تقدم ذكره، ويقول: إن الاختلاف رحمة، وربما صرح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور أو الموافق للدليل أو الراجح عند أهل النظر والذي عليه أكثر المسلمين، ويقول له: لقد حجرت واسعًا، وملت بالناس إلى الحرج، وما في الدين من حرج، وما أشبه ذلك. وهذا القول خطأ كله، وجهل بما وضعت له الشريعة، والتوفيق بيد الله .
الوقفة الثالثة عشرة: قال كاتب الرسالة: ولم يستطع القائلون بالتحريم أن يأتوا بهذا النص المحرم له، مع وجود نصوص في تحريم أشياء لم يكن العرب يعرفونها، كالخنزير، وتحدث عن أشياء لم يكونوا يحلمون بها كالشرب من آنية الذهب والفضة، ومنعوا من منع النساء من الذهاب إلى المساجد مع كثرة الفتن في كل زمان .
هذا الكلام غير صحيح إن كان المقصود الغناء المصحوب بشيء من المعازف، فقد قام الدليل الصحيحُ الواضحُ على تحريمه، وأعني بذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، قال : وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابي، حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، والله ما كذبني: سمع النبي يقول: " ليكونن من أمتي أقوام، يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ".
فهذا حديث صحيح، إسناده متصل، ورجاله ثقات، وقد أعل هذا الحديث بعدة علل:
1- التعليق: بمعنى أنه سقط بعض رواته مما يلي صاحب الكتاب الذي هو البخاري، ومأخذ ذلك: أنه قال: قال فلان، والبخاري في صحيحه لم يذكر هذه الصيغة إلا تعليقا، إذا تقرر ذلك فهو مردود لأنه منقطع، والقاعدة في الأصول: [ أن الانقطاع في الخبر يقتضي رده ]، ومأخذ هذه القاعدة: أنه لا يعلم حال من سقط من جهة العدالة والضبط.
ويجاب عن هذا: أن هشام بن عمار شيخ للبخاري، لقيه وسمع منه، وقد خرج له في الصحيح من غير واسطة حديثين اثنين غير هذا، الأول في كتاب البيوع من حديث أبي هريرة: كان رجل يداين الناس... الحديث، والثاني في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر، من حديث أبي الدرداء وفيه: أما صاحبكم فقد غامر .
انظر: هدي الساري للحافظ ابن حجر.
وقول الراوي: "قال فلان" في معنى "عن فلان" و"أن فلانا" من حيث كونها محتملة للسماع، والقاعدة في الأصول: [ أن رواية الحديث بالصيغة المحتملة محمول على السماع إذا كان الراوي غيرَ مدلس ]، وهذا هو حال البخاري فيكون متصلاً.
والقول بأن الصيغة صيغة تعليق لا يسلم بها من جهة أنه لا دليل على ذلك من كلام البخاري، وعمله في الصحيح لا يدل على ذلك إذ يحتمل أنه لم يقصد ذلك، على أنه أي البخاري استعمل هذه الصيغة كثيرا في كتابه التاريخ الكبير في روايته عن شيوخه في الأسانيد المتيقن اتصالها.
وجواب آخر: أن هشاماً لم يتفرد به، بل تابعه على ذلك جماعة من الثقات، منهم:
- الحسين بن عبد الله القطان ، أخرجه عنه ابن حبان في الصحيح.
- موسى بن سهل الجوني، أخرجه عنه الطبراني في الكبير.
- عبدان بن محمد المروزي، أخرجه عنه أبو نعيم في مستخرجه على البخاري، هكذا في الفتح، وعنه الذهبي في السير.
والحديث لم ينفرد به هشام فقد أخرجه البيهقي عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحيم، وابن عساكر عن عيسى بن أحمد العسقلاني كلاهما عن بشر بن بكر به.
2-أن في إسناده صدقة بن خالد، وقد جاء عن ابن معين أنه ليس بشيء، وعن أحمد أنه ليس بمستقيم، ولم يرضه.
ويجاب عن هذا : أن أحمد وابن معين يقصدان صدقة بن عبد الله السمين، وهو أقدم من صدقة بن خالد، وقد شاركه في كونه دمشقيا، وفي الرواية عن بعض شيوخه، كزيد بن واقد، أما صدقة بن خالد فقد قال عنه أحمد فيما رواه عنه ابنه عبد الله: ثقة ثقة، ليس به بأس، أثبت من الوليد بن مسلم، وقال عنه ابن معين ثقة، نقله عنه معاوية بن صالح.
انظر: الفتح لا بن حجر.
وجواب آخر: أن صدقة بن خالد لم يتفرد به بل تابعه عليه بشر بن بكر التنيسي كما عند أبي داود في السنن، وهو ثقة وثقه أبو زرعة وغيره.
3- أن الحديث جاء بالشك أبو مالك أو أبو عامر الأشعري، وأبو عامر لا يدرى من هو ؟ قاله ابن حزم .
ويجاب عنه: بأن أبا عامر صحابي، ومأخذ ثبوت الصحبة له أنه أخبر بسماعه من النبي ، وزكاه عبد الرحمن بن غنم بقوله: والله ما كذبني .
4-أن الحديث جاء عند أبي داود بغير ذكر المعازف، وهذا يدل على عدم ثبوتها.
ويجاب عنه بجوابين:
-أن الإمام أبا داود قد اختصر الحديث، واقتصر على الشاهد، وهو ذكر الخز لأنه أورده في باب: ما جاء في الخز ، وقد أشار إلى الحذف بقوله: وذكر كلاماً .
- على فرض عدم إشارة الإمام أبي داود للحذف فإن القاعدة في الأصول: [أن زيادة الثقة مقبولة].
إذا تقرر ثبوت هذا الحديث، فإنه يدل على تحريم الغناء المصاحب بالمعازف، ومأخذ الحكم من الحديث من جهتين:
1- أنه قال: يستحلون، والاستحلال بمعنى استباحة الممنوع، وتصييره حلالاً، فيدل على تحريم الفعل، فالقاعدة في الأصول:[أن اللغة معتبرة في تفسير كلام الشارع].
وأجيب: أن هذا يطلق في المباح أيضا، ودليله حديث المقدام بن معدي كرب مرفوعا: فما وجدناه حلالا استحللناه أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه فيكون مشتركاً، والاشتراك من أسباب الإجمال، والقاعدة في الأصول: [يجب التوقف في المجمل إلى أن يرد البيان].
ونوقش من وجهين:
- أنه حديث ضعيف، في إسناده: الحسن بن جابر اللخمي مجهول، والقاعدة في الأصول: [أن جهالة الراوي تقتضي رد خبره].
وردت المناقشة: بأن الحسن بن جابر توبع، تابعه عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرشي كما عند أحمد وأبي داود وابن حبان، وهو ثقة.
-أن سياق الحديث يبين أن المراد هو المعنى الأول، والقاعدة في الأصول:[أن دلالة السياق معتبرة].
2- أنه ذكر في سياق الذم، وأنه سيحصل ذلك في آخر الزمان مع تحريمه، ولو كانت المعازف غير محرمة لما كان لذكرها معنى، بل يكون ذكرها نوعاً من اللغو والعبث، وكلام الشارع ينزه عن ذلك، والقاعدة في الأصول: [أن دلالة السياق على هذا الوجه معتبرة في إثبات الأحكام].
الوقفة الرابعة عشرة: قال كاتب الرسالة: وهذا دليل من أقوى الأدلة على إباحته حيث كان موجودا ومسموعا، ومنتشرا، حتى إن النبي قال لعائشة: هذه قينة بني فلان، أتراه يعلم أنها مغنية ولم ينهها عن الغناء، ولم يحذر من سماعها، بل على العكس من ذلك فقد قال لعائشة: أتحبين أن تغنيك ؟! .
هذا الكلام فيه نظر من جهة أن الكاتب لم يبين ما المراد بالغناء هنا، فالمراد به هنا الخالي من المعازف، وتقدم أنه جاء بدليل الأصل، وأدلة أخرى منها هذا الحديث، فهو حديث صحيح أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح من حديث السائب بن يزيد.
الوقفة الخامسة عشرة: قال كاتب الرسالة: ولهذا سأبدأ مقالتي هذه بذكر المجيزين على طريقة الإجمال، ليتبين المنصف أني لست منفردا بهذا القول.
عجيب أمره انتصف في مقالته، ويقول سأبدأ !!.
الوقفة السادسة عشرة: قال كاتب الرسالة: إن كثيرا من أئمة الدين المشهود لهم بالعلم والديانة المشهورين بالورع والصيانة قد أباحوا الغناء، وكانت صناعة الغناء مشهورة عند أسلافنا عبر كل القرون , فقد حفظ لنا التاريخ أسماء كثيرة ممن كانت لهم شهرة ذائعة في صناعة الغناء وتطريبه والبراعة في صياغة ألحانه , حتى صار الغناء من أشهر النوادر والملح التي لا يخلو منها كتاب من كتب الأدب والتأريخ !، فممن اشتهر به وذاع صيته , عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وكانت له صحبة ورواية... .
هذا الكلام يدل على عدم وجود تلاءم بين عنوان الرسالة ومضمونها، فتقدم أن العنوان في إثبات الحل، وهو هنا يريد الاعتذار عن نفسه، وأنه لم ينفرد بهذا القول، وهذا يؤكد ما سبق من الاستعجال، وعدم المنهجية في الكتابة، ثم إنه خلط بين من يرى جواز مطلق الغناء وهم قلة، وبين من يرى جوازه إذا لم يكن مصحوبا بشيء من المعازف، وهذا فيه إيهام للقارئ العامي.
الوقفة السابعة عشرة: قال كاتب الرسالة: بل إن الحدث قد كشف عوار أمة تحمل لواء النص، وتزعم إتباعه.
هذا الكلام فيه مبالغة، ولعله من باب ردود الأفعال، فإضافة العوار إلى الأمة بسبب جماعة قليلة تكلمت فيه أو نالت منه ليس من الإنصاف.
الوقفة الثامنة عشرة: قال كاتب الرسالة: وكشف الحدث أيضا أن هناك فئة كبيرة من علمائنا وطلبة العلم منا مصابون بجرثومة التحريم .
هذا الكلام فيه نظر، ولا يليق بمسلم فضلا عن طالب علم، فالتحريم حكم شرعي، ولا يجوز أن يضاف إليه مثل هذا اللفظ، ثم في الكلام شيء من المبالغة، وذلك في وصف هذه الفئة بالكبيرة.
الوقفة التاسعة عشرة: قال كاتب الرسالة: وكل حديث استدل به المحرمون إما صحيح غير صريح، وإما صريح غير صحيح، ولا بد من اجتماع الصحة والصراحة لنقول بالتحريم .
هذا الكلام فيه نظر، وغاية أمره أنه دعوى يُحتاج في إثباتها إلى دليل، وتقدم إبطالها بتثبيت حديث المعازف، وبيان دلالته.
الوقفة الأخيرة: الموقف من صاحب الرسالة: ينبغي على المسلم أن يكف لسانه عن الإساءة إلى المسلمين، ولاسيما العلماء وطلبة العلم منهم، و إذا حصل من أحدهم أن قال قولاً يُرى أن الحق على خلافه، فيجب على المسلم العمل على مناصحته بالحجة والبيان، مع تعاطي الرفق، وأن يحذر من سلوك منهج التجريح والشتم والتجهيل والطعن في العرض ، فإن هذه الأفعال مخالفة للشرع، مبيانة له. والله أعلم.
كتبه / جلال بن علي حمدان السلمي
مكة المكرمة
الأحد: 15/ 7 / 1431 هـ
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
شرح منظومة مئة المعاني، لشيخنا الفاضل: جلال بن علي السلمي أبو المقداد حلقة البلاغة والنقد 15 08-09-2018 08:35 PM
فتوى في رضاع الكبير، وبيان نوع الخلاف في المسألة، والموقف منه، للشيخ: جلال بن علي السلمي، حفظه الله أبو المقداد حلقة العلوم الشرعية 4 26-06-2010 08:10 PM
دراسة أصولية تطبيقية لقوله تعالى: [ويسألونك عن المحيض..] لفضيلة الشيخ: جلال بن علي السلمي، حفظه الله أبو المقداد حلقة العلوم الشرعية 6 20-06-2010 04:34 PM
وقفات مع الشيخ اللحيدان حول نعم وبئس أبوأوس الشمسان حلقة النحو والتصريف وأصولهما 2 08-04-2009 09:42 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 02:42 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ