ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة العلوم الشرعية
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 25-01-2021, 12:25 PM
أبو علي زين العابدين بن علي أبو علي زين العابدين بن علي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2019
التخصص : لغة
النوع : ذكر
المشاركات: 32
افتراضي سلسلة التقاسيم/السلسلة الأولى/تقريرات وتحريرات المعاصرين لمسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
فهذه سلسلة من التقاسيم جمعت فيها أقوال المعاصرين من أهل العلم والباحثين في مسائل علمية متعددة،كثيرة الدوران والشيوع في كتب أهل العلم وشروحاتهم في فنون مختلفة، ووجدت فيها تحريرات بديعة وتقريرات نفيسة وتنبيهات ومهمات دقيقة حري بطالب العلم أن يكون على بينة منها،وهذه المسائل كالتالي:
01/ أقوال المعاصرين في حكم تقسيم الدين إلى أصول وفروع.
02/أقوال المعاصرين في حكم تقسيم الدين إلى ظاهر وباطن.
03/أقوال المعاصرين في حكم تقسيم الدين إلى ثوابت ومتغيرات.
04/ أقوال المعاصرين في حكم تقسيم الدين إلى لب وقشور.
05/أقوال المعاصرين في حكم تقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة.
05/ أقوال المعاصرين في حكم تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد.
06/أقوال المعاصرين في حكم تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية.
07/ أقوال المعاصرين في حكم تقسيم الأحاديث إلى قطعي وظني.
08/أقوال المعاصرين في حكم تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة.
09/أقوال المعاصرين في حكم تقسيم أفعال النبي إلى عبادات وعادات.
10/ أقوال المعاصرين في حكم تقسيم العلم إلى مسائل وفضائل.
11/ أقوال المعاصرين في حكم تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز.


السلسلة الأولى:[[تقريرات وتحريرات المعاصرين لمسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع]].

أولا/أقوال المعاصرين في حكم تقسيم الدين إلى أصول وفروع.

[[تقريرات وتحريرات المعاصرين لمسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع]]

أولا/عبدالرحمن البراك.
01/السؤال : هل يصحُّ تقسيمُ الدِّينِ لأصولٍ وفروعٍ ؟
الجواب : نعم ؛ الدِّينُ فيه أصولٌ وفيه فروعٌ، والمعروفُ أنَّ تفصيلَ مسائلِ الاعتقادِ وتفصيلَ مسائلِ الأحكامِ هذه فروعٌ، وأمَّا الأصولُ فهي الأمورُ المجملَةُ، الإيمانُ باللهِ: أصلٌ، والإيمانُ بأنَّه مستوٍ على العرشِ: مِن فروعِ العقيدةِ، ولكن أنكرَ شيخُ الإسلامِ على مَن يخصُّ الأصولَ بمسائل الاعتقادِ والفروعَ بمسائلِ الأعمالِ، فالصَّلاةُ مِن أصولِ الدِّينِ العمليَّة، وصيامُ رمضانَ مِن أصولِ الدِّينِ العمليَّةِ، ولا يُقالُ: إنَّها مِن الفروعِ، لكن مسائلُها وتفاصيلُ أحكامِها فروعٌ، مثلُ الكلامِ في واجباتها وسننها هذا مِن الفروعِ، أمَّا وجوبُ الصَّلاةِ فهي أصلٌ مِن أصولِ الدِّينِ، فمسائلُ الدِّينِ منها ما هو أصولٌ ومنها ما هو فروعٌ ؛ صحيحٌ المصدر: (الموقع الرسمي للشيخ البراك/ فتاوى الدروس/أصول الفقه).

02/السؤال: ما القول الرّاجح في حكم تقسيم الأحكام الشّرعيّة إلى "أصول وفروع"؟
الجواب: هذا التّقسيم صحيح، الصّلاة: أصل، وتفاصيل أحكامها: فروع، حكمُ الاستفتاح وحكمُ التّسبيح في الرّكوع والسّجود: هذه فروع، أمّا وجوب الصّلوات الخمس: فهذا أصل مِن أصول الدين، (بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ)
لكن الغلط: مَن يجعل جميع مسائل الاعتقاد أصولًا، وجميع مسائل الأعمال فروعًا، هذا الذي فيه الغلط، مَن يقول أنّ الأعمال فروعٌ والاعتقادات أصولٌ، هذا غلط، فالاعتقادات لها أصول؛ أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، إلى أخره، والأفعال لها أصول، وكلٌ منها لها تفاصيل وجزئيات وفروع المصدر:(الموقع الرسمي للشيخ البراك/فتاوى الدروس/أصول الفقه).

03/السؤال : ما المقصودُ بإنكارِ شيخِ الإسلامِ وابنِ القيمِ -رحمهما الله- لتقسيمِ الدِّينِ إلى أصولٍ وفروعٍ ؟
الجواب : هذا مُنْصَبٌّ على مذهبِ المتكلّمين، طوائف المتكلِّمين يقولون: "إنَّ جميعَ مسائلِ العقيدة أصول، جميع مسائل العقيدة أصول، وجميعُ المسائل العمليّة فروع"، فمعناه أنَّ الصَّلاة مِن الفروع، صيام رمضان مِن الفروع، وإثباتُ -مثلًا- مَنْ يُثبِتُ منهم عذابَ القبرِ هذا مِن الأصول، فعندهم مسائلُ الاعتقادِ أصول، والصَّوابُ: أنَّ كلًّا مِن الاعتقادات والأعمال فيها أصولٌ وفروعٌ، أصول الإيمان ستة، ولهذه الأصول فروع، الإيمانُ بالله: أصلٌ، لكن مِن فروعه مثلًا: الإيمان بأنَّه يُرَى يوم القيامة هذا مِن الجزئيات، وليس معناه فرع أنَّه أمرُه.. لا، لكن هذه فروع تفصيليَّة، المسائل التَّفصيليَّة هذه فروعٌ، في العقائد وفي الأعمال، الصَّلاة أصل، الصَّلواتُ الخمس أصلٌ مِن أصول الدِّين، وهي عمليَّة لكن الواجبات والأركان التي يذكرُها الفقهاء هذه جزئيات وتفصيلات يمكن أن نسمِّيها "فروع" يمكن، فالذي أنكرَه شيخُ الإسلام هو ما يزعمُه أهلُ الكلام مِن أنَّ مسائل الاعتقاد أصول، ومسائل الأعمال فروع، حتى يقولوا: إنَّ الصَّلاة مِن الفروع، الصَّلوات الخمس المصدر: ( الموقع الرسمي للشيخ البراك/فتاوى الدروس/القواعد الفقهية والأصولية).

ثانيا/د.محمد علي فركوس.
فإذا ما نُظِر إلى تقسيم الدين إلى أصولٍ وفروعٍ ـ مِنْ جهة كونه قضيَّةً اصطلاحيةً بحتةً ـ لا تُنْسَب إلى الشرع، لا تترتَّب عليها أحكامٌ شرعيةٌ؛ فلا حَرَجَ في هذا التقسيم ولا مانِعَ منه، وإنما النكير حاصلٌ في نسبة التفريق بينهما إلى الشرع بحيث يخلِّف هذا التفريقُ بينهما آثارًا سيِّئةً لا يصلح نسبتُها إلى الشرع.
والتفريقُ بينهما ـ بهذا الاعتبار ـ لم يدلَّ عليه كتابُ الله ولا سنَّةُ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، بل اللهُ قد جَمَع بين الأمرين وسَاقَهما مَسَاقَ المؤتلِف المتزاوِج، وكذلك في السنَّة النبوية، وليس له ـ أيضًا ـ أصلٌ لا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أئمَّة الإسلام ـ كما سيأتي ـ وإنما كان القاضي الباقلانيُّ هو أوَّلَ مَن صَرَّح مِنَ المتكلِّمين مِنْ أهل الأصول بالتفريق بين مسائلِ الأصول ومسائلِ الفروع، وإِنْ كان هذا التفريقُ أَحْدَثَه الجهميَّةُ وأهلُ الاعتزال، وسَرَى بعده إلى كافَّة المتكلِّمين مِنْ أهل الأصول.
وقد ذَكَرَ المقسِّمون بين الأصول والفروع عدَّةَ فروقٍ، وكُلُّ واحدٍ منها ليس عليه دليلٌ مُعتمَدٌ ـ كما سيأتي.
وهذا لو كان مجرَّدَ اصطلاحٍ وتقسيمٍ جديدٍ يدلُّ على مَعانٍ صحيحةٍ ـ كالاصطلاح على ألفاظٍ وتقسيماتٍ للعلوم الصحيحة ـ لَمَا ذُمَّ هذا النظرُ، بل يُستحسَنُ القولُ به لاشتماله على الصحَّة ودلالتِه على الحقِّ.
لكنَّ هذا المتقرِّرَ ـ عندهم ـ مشتمِلٌ على حقٍّ وباطلٍ، بل هذه المقدِّمة التقسيميَّةُ رُتِّبَتْ عليها آثارٌ مكذِّبةٌ للحقِّ مخالِفةٌ للشرع الصريح والعقلِ الصحيح؛ ذلك لأنَّ حقيقةَ هذا التقسيم ـ فضلًا عن كونه مُنْتَفِيًا شرعًا ـ فإنه يَلْزَمُ مِنَ القول بصِحَّته نتائجُ خطيرةٌ بعيدةٌ عن المنهج القويم بل هي في شقٍّ عنه.
أمَّا مِنْ حيث انتفاءُ ثبوتِ هذا التقسيمِ والتفريقِ بين مسائل الأصول ومسائل الفروع فلكونه حادثًا لم يكن معروفًا عند الرعيل الأوَّل مِنَ الصحابة والتابعين، حيث إنه لم يفرِّق أحَدٌ مِنَ السلف والأئمَّة بين أصول الدِّين وفروعِه؛ فكان إجماعًا منهم على عدمِ تسويغ التفريق بينهما.
وإنما كان أوَّلُ ظهوره مُحْدَثًا عند أهل الاعتزال، وأدرجه الباقلَّانيُّ في «تقريبه»، ثمَّ أَخَذَ مَجْراه إلى مَنْ تكلَّم في أصول الفقه مع الغفلة عن حقيقته وما يترتَّب عليه مِنْ باطلٍ. قال ابنُ تيمية ـ ـ: «ولم يفرِّق أحَدٌ مِنَ السلف والأئمَّة بين أصولٍ وفروعٍ، بل جَعْلُ الدين قسمين: أصولًا وفروعًا لم يكن معروفًا في الصحابة والتابعين، ولم يقل أحَدٌ مِنَ السلف والصحابة والتابعين: إنَّ المجتهد الذي استفرغ وُسْعَه في طلبِ الحقِّ يأثم، لا في الأصول ولا في الفروع، ولكنَّ هذا التفريق ظَهَرَ مِنْ جهة المعتزلة، وأدخله في أصول الفقه مَنْ نَقَلَ ذلك عنهم»؛ ومنه يظهر أنَّ أوَّل خطإٍ فيه مُناقَضتُه للإجماع القديم.
أمَّا مِنْ حيث ترتُّبُ الآثار الفاسدة على هذا القولِ فعديدةٌ منها: عدمُ التسوية في رفعِ إثمِ الخطإ عن المجتهد بين مسائل الأصول والفروع؛ فإنَّ معظم الأصوليِّين مِنَ المتكلِّمين والفقهاءِ يؤثِّمون المجتهدَ المخطئ في الأصول لأنها مِنَ المسائل القطعية العلمية المعلومة بالعقل.
وبناءً على الاعتماد على هذا التفريقِ بين الأصول والفروع، رتَّبوا عليه حُكْمَ تأثيم المخطئ في الأصول وتفسيقِه وتضليلِه مع اختلافهم في تكفيره، وقد ذَكَرَ الزركشيُّ هذا المعنى ونَسَبَ للأشعريِّ فيه قولين، بل ادُّعِيَ الإجماعُ على تكفيره إِنْ كان على خلافِ ملَّة الإسلام، فإِنْ لم يكن فمُضَلَّلٌ ومُبتدِعٌ كأصحاب الأهواء مِنْ أهل القبلة.
ولا يخفى ما في هذه النتيجةِ مِنْ حكمٍ خطيرٍ وباطلٍ ظاهرٍ، بل إنَّ ما زعموه مِنْ إجماعٍ على تكفيرِ وتأثيم المخطئ في الأصول مدفوعٌ بإجماع السلف مِنَ الصحابة والتابعين وأئمَّةِ الفتوى والدِّين؛ فكُلُّهم يَعْذرون المجتهدَ المخطئَ مُطلقًا في العقائد وفي غيرها، ولا يكفِّرونه ولا يفسِّقونه، سواءٌ كان خطؤه في مسألةٍ علميةٍ أصوليةٍ أو في مسألةٍ عمليةٍ فرعيةٍ؛ ذلك لأنَّ العذر بالخطإ حكمٌ شرعيٌّ خاصٌّ بهذه الأمَّةِ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، ولأنَّ الإثم مرتَّبٌ على المقاصد والنيَّات، والمخطئُ لا قَصْدَ له فلا إثمَ عليه؛ إذ إنه ـ في اجتهاده ـ صادقُ النيَّةِ في إرادة الحقِّ والوصولِ إلى الصواب. أمَّا أهلُ الأغراض السيِّئة وأصحابُ المقاصد الخبيثة فلكُلٍّ منهم ما نوى، والحكمُ للظاهر، واللهُ يتولَّى السرائر.
وهذا الكلام إنما يصدق على المجتهد المؤمن بالله ولو جملةً، الذي ثَبَتَ ـ بيقينٍ ـ إيمانُه، فإِنِ استفرغ طاقتَه الاجتهادية وبَذَلَ وُسْعَه واتَّقى اللهَ قَدْرَ الاستطاعة، ثمَّ أخطأ لعدمِ بلوغ الحُجَّة أو لقيامِ شُبهةٍ أو لتأويلٍ سائغٍ؛ فهو معذورٌ لا يترتَّب عليه إثمٌ ما لم يفرِّطْ في شيءٍ مِنْ ذلك، فلا يُعْذَر ـ حينئذٍ ـ وعليه الإثمُ بقَدْر تفريطه، ويُستصحَبُ إيمانُه ولا يُزالُ بالشكِّ، وإنَّما يزول بعد إقامة الحُجَّة وإيضاح المَحَجَّة وإزالة الشبهة؛ إذ«لَا يَزُولُ اليَقِينُ إِلَّا بِمِثْلِهِ».
أمَّا إِنْ كان غيرَ مؤمنٍ أصلًا فهو كافرٌ واعتذارُه غيرُ مقبولٍ بالاجتهاد؛ لقيامِ أدِلَّة الرِّسالة وظهورِ أعلام النبوَّة.
ويؤيِّد ذلك: ما نُقِل ـ في بعض المسائل العلمية العقدية ـ مِنِ اختلاف السلف فيها: كرؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لربِّه، وعروجِه صلَّى الله عليه وسلَّم إلى السماء: هل كان بالجسد أم بالروح أم بهما معًا؟ وسماعِ الميِّت نداءَ الحيِّ، وإنكارِ بعض السلف صفةَ العَجَب الواردةَ في قراءةٍ ثابتةٍ متواترةٍ.
ومع كُلِّ ذلك لم يُنْقَل عن أحَدٍ منهم القولُ بتكفيرِ أو تأثيمِ أو تفسيقِ مَنْ أخطأوا في اجتهادهم لِمَا تقدَّم ذِكْرُه، ولم يَرِدْ نصٌّ يفرِّق بين خطإٍ وآخَرَ في الحديث السابق، أو في قوله : ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾ [الأحزاب:٥]، وقولِه : ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
ولا يَسَعُ الاستدلالُ بقوله : ﴿لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلْخَٰطِـُٔونَ﴾ [الحاقَّة/٣٧]، وقولِه : ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف/٩١]، وقولِه : ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ.﴾ [يوسف/٢٩] على التفريق بين خطإٍ وآخَرَ؛ ذلك لأنَّ المراد بالخطإ في هذا المَقام هو: ما يُقابِل الصوابَ، أي: ضدُّه، وهو مِنَ الرباعيِّ: «أخطأ يُخْطِئ»، وفاعلُه يسمَّى: «مُخْطِئًا»، أي: مَنْ لم يُصِبِ الحقَّ، أمَّا الخطأ في الآية فثلاثيٌّ مِنْ: «خَطِئ يَخْطَأ، فهو خاطِئٌ»، فهو بمعنَى: «أذنب».
ومِنَ المعلوم ـ أيضًا ـ أنه قد تأتي «خَطِئ» بمعنى «أخطأ»، لكِنْ يختلف المرادُ بكُلٍّ منهما مِنْ تعمُّد الفعل وعدمِه، حيث لا يقال: «أخطأ» إلَّا لمَنْ لم يتعمَّدِ الفعلَ، والفاعلُ: «مخطئٌ»، والاسمُ منه: الخطأ، ويقال لمَنْ تعمَّد الفعلَ: «خَطِئَ فهو خاطئٌ»، والاسمُ منه «الخطيئة».
هذا، ومِنْ نتائجِ هذا التفريق: القولُ بأنَّ العاجز عن معرفة الحقِّ في مسائل الأصول غيرُ معذورٍ وأنَّ الظنَّ والتقليد في العقائد أو الأصولِ ممَّا هو ثابتٌ قطعًا غيرُ مُعْتبَرٍ، أي: أنه لا يجوز التقليدُ في مسائل الأصول، بل يجب تحصيلُها بالاعتماد على النظر والفكر، لا على مجرَّد المحاكاة والتشبُّه بالآخَرين، وقد ادُّعِيَ في ذلك إجماعُ أهل العلم مِنْ أهل الحقِّ وغيرِهم مِنَ الطوائف، بل ذَهَبَ الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائينيُّ إلى القول بأنَّ: «مَنِ اعتقد ما يجب عليه مِنْ عقيدةِ دِينِه بغير دليلٍ لا يَستحِقُّ بذلك اسْمَ الإيمان ولا دخولَ الجَنَّة والخلوصَ مِنَ الخلود في النيران».
هذا، ومع كونِ هذا التفريقِ السابقِ الحادثِ منقوضًا بإجماع السلف فالبناءُ عليه لا يَثْبُت؛ لأنَّ إيمان المقلِّد مُعتبَرٌ غيرُ مشروطٍ فيه النظرُ والاستدلال؛ إذ لو كان واجبًا لَفَعَله الصحابةُ م وأمروا به، لكنَّهم لم يفعلوا ولو فعلوا لَنُقِل عنهم.
والاعتراضُ بأنَّ الصحابة م كانَتْ معرفتُهم بالعقائد مبنيَّةً على الدليل ـ اكتفاءً بصفاء أذهانهم واعتمادِهم على السليقة ومشاهدتِهم الوحيَ ـ يَرُدُّه أنَّ الصحابة م لَمَّا فتحوا البلدانَ والأمصار قَبِلوا إيمانَ العَجَم والأعراب والعوامِّ وإِنْ كان تحت السيف أو تبعًا لكبيرٍ منهم أَسْلَمَ، ولم يأمروا أحَدًا منهم بترديدِ نظرِه، ولا سألوه عن دليلِ تصديقه، ولا أرجَأُوا أَمْرَه حتَّى يَنْظُر، بل لم يَقُلِ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأحَدٍ: لا أَقْبَلُ إسلامَك حتَّى أَعْلَمَ أنك نَظَرْتَ واستدلَلْتَ. قال ابنُ حزمٍ ـ ـ: «فإذا لم يَقُلْ عليه السلام ذلك فالقولُ به واعتقادُه إفكٌ وضلالٌ، وكذلك أَجْمَعَ جميعُ الصحابة م على الدعاء إلى الإسلام وقَبولِه مِنْ كُلِّ أحَدٍ دون ذِكْرِ استدلالٍ، ثمَّ هكذا جيلًا فجيلًا حتَّى حَدَثَ مَنْ لا قَدْرَ له».
ولأنَّ الاستدلال والنظرَ ليس هو المقصودَ في نَفْسِه، وإنما هو طريقٌ إلى حصول العلم حتَّى يصير بحيث لا يتردَّد؛ فإنَّ مَنْ حَصَلَ له هذا الاعتقادُ الذي لا شكَّ فيه مِنْ غيرِ دلالةٍ فقَدْ صار مؤمنًا وزالَتْ عنه كُلْفَةُ طَلَبِ الأدلَّة.
ولو كان النظرُ في معرفة الله واجبًا لَأدَّى إلى الدور؛ لأنَّ وجوب النظرِ المأمورِ به متوقِّفٌ على معرفة الله، ومعرفةُ الله متوقِّفةٌ على النظر، ومَنْ أَنْعَمَ اللهُ عليه بالاعتقاد الصافي مِنَ الشُّبَه والشكوك فَقَدْ أنعم عليه بكُلِّ أنواع النِّعَم وأجَلِّها حتَّى لم يَكِلْهُ إلى النظر والاستدلال لا سيَّمَا العوامُّ؛ فإنك تجد الإيمانَ في صدورِ كثيرٍ منهم كالجبال الراسيات أَكْثَرَ ممَّنْ شاهَدَ ذلك بالأدلَّة، ومَنْ كان هذا وَصْفَه كان مقلِّدًا في الدليل.
وقد جاء في «شرح العقيدة الطحاوية» قولُ ابنِ أبي العزِّ: «ولهذا كان الصحيحُ أنَّ أوَّل واجبٍ يجب على المكلَّف شهادةُ أَنْ لا إله إلَّا الله، لا النظرُ ولا القصدُ إلى النظر ولا الشكُّ، كما هي أقوالُ أرباب الكلام المذموم، بل أئمَّةُ السلف كُلُّهم مُتَّفِقون على أنَّ أوَّلَ ما يُؤْمَرُ به العبدُ الشهادتان، ومُتَّفِقون على أنَّ مَنْ فَعَلَ ذلك قبل البلوغ لم يُؤْمَرْ بتجديدِ ذلك عقيب بلوغه، بل يُؤْمَرُ بالطهارة والصلاة إذا بَلَغَ أو مَيَّز عند مَنْ يرى ذلك، ولم يُوجِبْ أحَدٌ منهم على وليِّه أَنْ يُخاطِبه ـ حينئذٍ ـ بتجديد الشهادتين وإِنْ كان الإقرارُ بالشهادتين واجبًا باتِّفاق المسلمين، ووجوبُه يسبق وجوبَ الصلاة، لكِنْ هو أدَّى هذا الواجبَ قبل ذلك».
أمَّا تبرير القسمة الثنائيَّة بين الأصول والفروع بالتفريق بين القطع والظنِّ، والعلمِ والعمل، ونسبةُ التفريق بينهما إلى الشرع بحيث يترتَّب على هذا التفريقِ أحكامٌ شرعيةٌ؛ فإنه لا يشهد على هذا التقسيمِ ـ أيضًا ـ دليلٌ مِنْ كتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا نَقْلٌ عن أحَدٍ مِنَ السلف وأئمَّةِ الفتوى والدِّين.
فإِنْ كان دليلُ القسمةِ هو ادِّعاءَ القطعيَّة في مسائلِ الأصول دون الفروع فهو فرقٌ يظهر بطلانُه ممَّا هو معلومٌ مِنَ المسائل الفرعية العملية التي عليها أدلَّةٌ قاطعةٌ بالإجماع: كتحريم المحرَّمات ووجوبِ الواجبات الظاهرة، وهي المسائلُ الفقهية المعلومةُ مِنَ الدِّين بالضرورة وغيرُها، ومع وجودِ قطعية الدليل عليها لم يُحْكَمْ بكفرِ مَنْ أوَّلها أو أنكرها بجهلٍ حتَّى تُقَامَ عليه الحُجَّةُ وتُزالَ عنه الشبهةُ: كما هو حالُ مَنْ أَكَلَ بعد طلوع الفجر متأوِّلًا أو جاهلًا في عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا شكَّ أنَّ خطأَه عليه دليلٌ قطعيٌّ، ومع ذلك لم يَصْدُرْ منه صلَّى الله عليه وسلَّم إلَّا البيانُ دون تأثيمٍ فضلًا عن التكفير، وكذلك الطائفةُ التي استحلَّتْ شُرْبَ الخمرِ على عهد عُمَرَ بنِ الخطَّاب ولم يكفِّرْهم الصحابةُ م، بل بَيَّنوا لهم الحُكْمَ فتابوا ورجعوا إلى الحقِّ.
هذا، والقطعُ والظنُّ مِنَ الأمور النسبية؛ فكونُ المسألةِ قطعيةً أو ظنِّيةً أمرٌ إضافيٌّ بحَسَب حالِ المُعتقِدين وليس هو صفةً مُلازِمةً للقول المتنازَع فيه؛ فالقطعُ والظنُّ يكون بحَسَب ما وَصَل إلى الإنسان مِنَ الأدلَّة وبحَسَب قدرته على الاستدلال؛ إذ العبدُ قد يقطع بأشياءَ عَلِمَها بالضرورة أو بالنقل المعلومِ صدقُه عنها، وغيرُه لا يعرف ذلك لا قطعًا ولا ظنًّا، وقد يحصل القطعُ لإنسانٍ ولا يحصل لغيره سوى الظنِّ على ما حقَّقه ابنُ تيميَّة وابنُ القيِّم رحمهما الله .
وأمَّا تبرير القسمة بأنَّ مسائل الأصول يُطلب فيها العلمُ والاعتقاد دون مسائلِ الفروع المطلوبِ فيها العملُ، ففسادُ هذا الفرقِ يظهر جليًّا مِنْ ناحيةِ كون الحكم الشرعيِّ يجب اعتقادُه؛ إذ يجب اعتقادُ وجوب الواجبات وحُرْمةِ المحرَّمات واستحبابِ المُستحَبَّات وكراهةِ المكروهات وإباحةِ المباحات.
ومِنْ جهةٍ ثانيةٍ فإنَّ مَنْ أنكر حُكمًا شرعيًّا معلومًا مِنَ الدِّين بالضرورة فهو كافرٌ كفرًا مُخْرِجًا مِنَ الملَّة: كوجوب الصلاة المفروضة والزكاة وصوم رمضان، وتحريمِ الزنا والقتل، وغيرِها مِنَ الأحكام؛ فدلَّ ذلك على أنَّ المسائل التي يُطلب فيها العملُ يُطلب فيها ـ أيضًا ـ العلمُ والاعتقاد.
وبالمُقابِل فإنَّ مِنْ مسائلِ الأصول ما لا يترتَّب عليها تأثيمٌ ولا تفسيقٌ ولا تكفيرٌ، كما تقدَّم مِنِ اختلاف الصحابة وتَنازُعهم في بعضِ مسائلِ الأصول.
وعليه، فإذا تَقرَّر أنَّ الخطأ في المسائل العمليَّة الفرعيَّة التي يُطلب فيها العلمُ والعملُ يكون فيها المخطئُ معذورًا؛ فإنَّ الخطأ في مسائل الأصول التي فيها علمٌ بلا عملٍ أَوْلى أَنْ يكون المخطئُ فيها معذورًا.
وأمَّا مَنْ جَعَلَ المسائلَ العمليةَ هي المعلومةَ بالشرع، والمسائلَ العلميةَ هي المعلومةَ بالعقل التي يَستقِلُّ العقلُ بدركها؛ فهو تفريقٌ غيرُ ناهضٍ؛ ذلك لأنَّ صفة الكفر والفسقِ، والإيمانِ والإسلام، وغيرِها مِنْ مسائل الأصول، إذا اقترنَتْ بذواتٍ فلا تَستحِقُّ هذه الصفاتِ إلَّا بوصف اللهِ ورسولِه؛ فهي صفاتٌ ثابتةٌ بالشرع، أي: أحكامٌ شرعيةٌ لم يَستقِلَّ العقلُ بدَرْكِها.
أمَّا مثيلُ ما استقلَّ العقلُ بدَرْكِه فكالطبيعيَّات والتجريبيَّات ومسائلِ الهندسة والحساب وغيرِها.
ومنه تُدْرِك أنَّ كُلًّا مِنْ مسائلِ الأصول والفروع ثابتةٌ بالشرع، وليسَتِ الأصولُ مِنَ المسائل العقلية في نَفْسِها التي يُكفَّر أو يُفسَّق مَنْ خالَفَها؛ إذ يَلْزَم مِنَ القول بذلك تكفيرُ المخطئ في مسائلِ الطبِّ والهندسة والحساب وغيرِها مِنَ المسائل العقلية!
هذا ـ وفي الأخير ـ ينبغي أَنْ تعلم أنَّ ما يتمسَّك به المفرِّقون ـ مِنَ المتكلِّمين وممَّنْ أحدثوه قبلهم ـ بين مسائلِ الأصول ـ التي يُسمُّونها يقينيَّةً ـ والفروعِ ـ التي يجعلونها ظنِّيَّةً ـ ثمَّ ينسبونها إلى الشرع ويرتِّبون عليها أحكامًا شرعيةً، فإنَّ هذا التفريقَ ساقطٌ لا ينتهض للاحتجاج ولا يشهد له دليلٌ مِنَ الشرع، وما استدلُّوا به يُثيرُ الاضطرابَ ولا يقوى على الانتهاض، بل إنَّ الآثار المترتِّبةَ على هذا التفريقِ مُخالِفةٌ للكتاب والسنَّة والإجماعِ القديم المصدر: (تنبيه المستبصرين بمفهوم التقسيم الاصطلاحي للدين/ص:56-68).

ثالثا/بكر أبوزيد.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية - -، وابن القيم - مباحثُ مهمةٌ في نقض هذا التفريق. بما خلاصته: أنه انتشر في كلام المتقدمين أن أحكام الشريعة منقسمة إلى أُصول وفروع، ويقصدون بالأصول: ما يتعلق بالعقيدة، وما عُلِم من الإسلام بالضرورة، وبالفروع: فقه أحكام أفعال العبيد.
وابن تيمية - - لا يرتضي هذا التقسيم، ويراه محدثاً من قبل المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وأن الاعتقاد لموجب النصوص وما تمليه الشريعة في مساقٍ واحدٍ، من حيث لزوم الاعتقاد وداعي الامتثال. وأن التقسيم منقوضٌ بعدم الحدِّ الفاصل بينهما.
وقد أنحى المقبلي في: العلم الشامخ على من قال: الخلاف في الفروع سهلٌ، وما جرى مجرى ذلك. مما تجده منتشراً اليوم.
بل تحول إلى مقولة هزيلة بحيث أوردوا قولهم: هذا قشور وذلك لباب. ويعنون بالقشور: المسائل الفقهية الدائرة في محيط الاستحباب، أو الكراهة، ونحو ذلك من أُمور التحسينات، والحاجيات، وهذا النبزُ إحياء لما لدى المتصوفة، من تسميتهم أهل الفقه باسم: أهل القشور، وأهل الرقص من الصوفية: أهل الحقيقة، فانظر كيف أن الأهواء يجر بعضها بعضاً
ونجد ابن القيم في: إعلام الموقعين يسوق العتاب على لسان السلف لهؤلاء الذين إذا سُئِل الواحد منهم عن حكم فقهي قال: هذا سهل. يقصد به تخفيف شأنه، والله يقول: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً فتنبه. والله أعلم.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك مبحث مبسوط في فتاويه (23/346 - 347)، وفي المسائل الماردينية (ص / 65 - 70)، وابن تيمية - - كثيراً ما يستعمل هذا التعبير، فمراده إذاً من إنكار التفريق ترتيب التكفير، وعليه: فإنَّ المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، فتنبه، والله أعلمالمصدر/(معجم المناهي اللفظية(ص:102/101).


رابعا/صالح آل الشيخ.
01/السؤال:أشكل علينا نحن مجموعة من طلبة العلم الفرق بين الاختلاف في العقائد والاختلاف في المذاهب وما معنى الأصول والفروع، وهل في الإسلام ذلك؛ أي فيه أصول وفروع أرجو التوضيح مشكورا؟
الجواب :أن الخلاف أو الاختلاف الذي وقع في الأمة نوعان:
اختلاف مذموم.
واختلاف معذور أصحابه فيه.
والاختلاف المذموم هو كل اختلاف ليس لصاحبه مستند من النص، فعارض النص برأيه، وحصل الخلاف باقتفاء رأيه الذي يعارض به النص، أو الذي يخالف النص، فكل اختلاف مبني على رأي يعارض النصوص، سواء أكان في العقائد أم في الشرائع أم في الشريعة أم في الأحكام، فإن هذا اختلاف مذموم.
والقسم الثاني من الاختلاف: اختلاف معذور أصحابه فيه، وهو ما يسوغ فيه الاجتهاد قد ثبت في الصحيح أن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قال «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر واحد» يعني له أجر اجتهاده؛ لأن الاجتهاد طلب حكم الله جل وعلا في المسألة، وهذا الطلب عبادة، كونه يجتهد ويتعب لكي يحصل أمر الله جل وعلا في هذه المسألة هذا عبادة؛ لذلك له أجر واحد، والمصيب له أجران أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، فما ساغ فيه الاجتهاد وهو ما لم يأت النص به أو كان النص محتملا، النص نعني به الدليل، ليس النص عند الأصوليين؛ لأن النص ليس محتملا وإنما النص بمعنى الدليل، إذا كان الدليل محتملا، الدليل من الكتاب والسنة محتملا فاجتهد المجتهد في أن يكون في فهمه للدليل، هذا فيه سعة.
لهذا نعذر الأئمة في اختلافهم قد ألّف ابن تيمية كتابا سماه رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وعلماء المذاهب في وقته رضوا هذا الكتاب منه أو هذه الرسالة لثنائه فيها وعذره للعلماء الذين اختلفوا في المسائل الفقهية.
إذا تقرر ذلك فمسائل العقيدة؛ الإيمان، التوحيد، العقائد بعامة، هذه ليست المسألة نص واحد، دليل واحد، إنما في كل مسألة فيها أدلة متكاثرة، إما عامة أو خاصة، إما إجمالية أو تفصيلية، ولهذا لا مجال للاجتهاد في مسائل الغيبيات البتة، ولا مجال للاجتهاد في أمور العقائد والتوحيد؛ لأن هذه النصوص فيها كثيرة والاجتهاد أو الرأي فيها معناه مخالفة الدليل من الكتاب والسنة؛ لأنه ليس في المسألة دليل واحد، نقول: هذا نزع فيه إلى كذا وهذا نزع إلى كذا. ثم تُنزل هذه المسائل على فهم الصحابة، ونحن نعلم قطعيا أن الصحابة رضوان الله عليهم ما اختلفوا في مسائل العقيدة والتوحيد، وإنما اتفقوا على ذلك، وما يُنقل أنهم اختلفوا في مسألة أو مسألتين في كل مسألة لها تخريجها عند المحققين من أهل العلم، ونقصد بها المسائل الأصلية، أما الوسائل فقد يكون فيها اجتهادات أو بعض تطبيقات السنن كفعل مثلا ابن عمر في مسائل وابن عباس في بعض المسائل المعروفة التي هي ليست من التوحيد والعقيدة وإنما من المتممات أو من الوسائل.
كذلك المسائل الفقهية سماها بعض أهل العلم الفروع.
وتقسيم الشريعة يعني الدين إلى أصول وفروع يكون صوابا باعتبار ويكون خطأ باعتبار:
فيكون صوابا: إذا كان التقسيم فنيا بأن يكون الأصول ما عليه المعتمد والرجوع من المسائل العقدية والعملية، يعني المسائل الكبار العامة، العقيدة كلها أصول وكذلك المسائل العملية الكبار المجمع عليها فتكون أصولا، وتكون المسائل الأخرى فروع باعتبار أنها فروع للأصول كتقسيم، حتى يُفرق بين مسألة العقيدة ومسائل الأحكام.
إذا كان هذا المراد فهذا تقسيم لا بأس به، ولهذا ألف عدد من علماء السنة وأتباع المذاهب ألفوا كتبا أسموها الفروع، كالفروع لابن مفلح وغيره يريدون منها الأحكام الفقهية.
التقسيم الثاني أن تُقَسم إلى أصول وفروع، ويقال فيها: الأصول يكفر المخالف فيها والفروع لا يكفر المخالف فيها، وهذا باطل؛ لأن الفروع منقسمة إلى ما يكفر المخالف فيها أيضا وما لا يكفر وهذا تقسيم المعتزلة.
أو يقال الأصول قطعية والفروع ظنية، وهذا أيضا ليس بصحيح، أخذوا منه أن الأحاديث ،أحاديث لا تثبت بها الأصول والعقائد، وهذا باطل، إلى غير ذلك من المذاهب.
لهذا تجد في كلام بعض الأئمة إنكار لهذا التقسيم، وأن تقسيم الدين إلى أصول وفروع باطل، وهذا ليس على إطلاقه، كما ذكرت لك يُقَر هذا التقسيم باعتبار ولا يُقَر باعتبار آخر.
فتحصّل لك من الجواب أنّ كل خلاف في العقيدة عمّا كان عليه السلف الصالح الذين قالوا بأقوالٍ مُتابعَة للنصوص فهو افتراق في الدين وخطأ واختلاف لا يُعذر أصحابه به ،تَعَدٍ على الشريعة.
وأن الاختلاف في الفروع التي يسع فيها الاجتهاد هذا لا بأس به وللمجتهد أجره إذا اجتهد فيما يسوغ فيه الاجتهادالمصدر/ (محاضرة مفرغة/الإعتصام بالكتاب والسنة).

02/قوله (وما يعتقدون من أصول الدين) هذه الكلمة (أصول الدين) يعبر بها عن العقيدة لأن التعبير عن العقيدة صار فيه اشتراك.
فيعبر عنها -عن العقيدة- عند أهل الحديث بما ذكرنا لك من العبارات: العقيدة، السنة، التوحيد، الشريعة، وعبر عنها المخالفون بعلم الكلام.
والذين تركوا الفلسفة وما أصله علماء الكلام في بيان العقيدة إلى ما دل عليه كلام معظميهم كالأشعري والماتريدي عدلوا عن (علم الكلام) إلى (أصول الدين)
لأن كلمة أصول الدين فيها مخالفة للفظ علم الكلام المذموم، وفيها توسط ما بين الألفاظ الشرعية (السنة، العقيدة، التوحيد، الشريعة) وما بين قولهم: علم الكلام.
فأتوا بهذا اللفظ الذي هو بين اللفظين.
ولهذا نقول هذا اللفظ إن كان دليله ومأخذه هو مأخذ التوحيد والسنة والعقيدة والشريعة فلا بأس باستعماله، ولهذا يستعمله أهل السنة والجماعة، ويريدون به المعنى الصحيح وهو أن (أصول الدين) المقصود بها أصول الإيمان الستة وما يندرج في ذلك من المسائل الأصلية والتبعية.
فكلمة (أصول الدين) كلمة مركبة مضافة، ولذلك يقولون هي مركب إضافي؛ أضيف فيه الأصل إلى الدين.
و (أصول الدين) كلمة معناها العقيدة.
يريدون بكلمة (أصول) ما يخالف الفروع وهي العمليات.
وإذا كان اللفظ محدثا أو مصطلحا عليه فنقول لا مشاحة في الاصطلاح إذا كان لم يختص به أهل البدع، فاستعمله طائفة من علماء الحديث والسنة ويعنون به ما دلت عليه الألفاظ الشرعية؛ العقيدة، السنة، التوحيد، الشريعة.
فإذن (وما يعتقدون من أصول الدين) يعني المقصود بها أصول الإيمان المعروفة، وما يتصل بذلك من مباحث، وما خالف فيه أهل السنة أهل البدعةالمصدر:( شرح الطحاوية/ج 01/ص:41-44)

خامسا/د. سليمان الرحيلي.
... بعض العلماء يقولون الفروعية بدل العملية يقولون الفروعية هل في هذا بأس ؟ طبعا شيخنا الشيخ ابن عثيمين تجنب كلمة الفروعية و ذكر العملية، و في الشرح نبه على هذا و أنّه تركها قصدا لأنّ شيخ الإسلام ابن تيمية أنكر تقسيم الدين إلى أصول و فروع و قال إنّ هذا بدعة محدثة ،فتركها الشيخ من أجل هذا، لكن الصواب أنّ كلمة الفروعية لا بأس بها فالفروعية يعني المتفرعة عن الاعتقاد هي فرع عن الاعتقاد و هذه هي الأحكام العملية،و إنكار شيخ الإسلام ابن تيمية لتقسيم الدين إلى أصول و فروع ليس إنكارا مطلقا و قد تتبعت كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة و في غيرها في مجموع الفتاوى كلمة كلمة و جمعت كلامه ،فتبيّن لي بجلاء أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية لا ينكر هذا التقسيم من جهة التمييز و إنّما ينكر هذا التقسيم من جهة بناء التكفير عليه فينكر أن يقال يكفر في الأصول و لا يكفر في الفروع، فإنّه قد يقع التكفير هنا و قد لا يقع هنا فإنكار شيخ الإسلام ابن تيمية للتقسيم إنّما هو إذا كان التقسيم لبناء الحكم بالتكفير وعدمه على هذا التقسيم ، أمّا للتمييز و البيان نجد أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرا ما يقول أصول الدين و يقول فروع الدين، و هذا من باب التمييز ولذلك يصح لك بلا حرج في التعريف أن تقول: معرفة الأحكام الشرعية العملية ويصح لك بلا حرج أن تقول معرفة الأحكام الشرعية الفروعية بأدلتها التفصيلية... المصدر/( شرح كتاب الأصول من علم الأصول لابن عثيمين/(ص:19/ مفرغ).

سادسا/د. صالح العصيمي.
01/وتسمية مسائل العقيدة أصول الدين حق ، إذا كان المراد: أنها المسائل القطعية التي لا تقبل الاجتهاد.
ووجود طرف من مسائلها مُتخَلٍفا عن هذه الكلية مما جرى فيه الاختلاف، واحتمال الدليل؛ لا يقدح في كون الأصل العام فيها هو القطع ومنع الاجتهاد، فإن تخلف شيء من الجزئيات لا يقدح في صحة الكلية، كما ذكره الشاطبي في (المواققات)
فالمسائل التي توجد في أبواب الاعتقاد، وهي قليلة - مما مأخذها الاجتهاد لاختلاف الأنظار فيها، وقوة أدلة المتنازعين، فإنه لا يقدح في كون العقيدة بابا للمسائل القطعية غير الاجتهادية.
وإن أريد تسميتها (أصول الدين) أنها تختص بمسائل الخبر العلميات في مقابل کون مسائل الفروع في مسائل الطلب العمليات لم يصح هذا، فهذا اصطلاح أحدثته المعتزلة، وسرى القول به إلى غيرهم، ولا يسلم من انتقاض و اعتراض.
ويعلم بما سلف أن أصول الدين لقب يقع على معنيين:
أحدهما: المسائل القطعية التي لا تقبل الاجتهاد، سواء في باب الخبر أم الطلب، وهذا اصطلاح صحيح.
والآخر: انه اصطلاح يختص بمسائل الخبر العلِميات في مقابل مسائل الطلب العَمليات، وهذا لا يصح، وهو الذي أحدثته المعتزلة، وسري إلى غيرهم من الفرق، ثم رُتِبت عليه أحكام باطلة، ويسود هذا في موضع آخر.
وأشار إلى إبطال الثاني أبو العباس ابن تيمية الحفيد، وتلميذه أبوعبد الله ابن القيم رحمهما اللهالمصدر/ (تعليقات على العقيدة الطحاوية/ص:10/ من المفرغ).

02/وإطلاق الأصول والفروع على الدين منعه جماعة منهم أبو العباس ابن تيمية الحفيد في «منهاج السنة النبوية»، وتلميذه ابن القيم وآخرين، ووقع إطلاقه في كلام جماعة ،منهم هؤلاء المانعون كأبي العباس ابن تيمية وابن القيم -رحمهم الله -، ووجه ذلك أن يقال:
إن أصول الدين وفروعه:
- تطلق تارة باعتبار مع صحيح.
- وتطل تارة باعتبار مع باطل.
فإذا أطلقت باعتبار المعنى الصحيح قُبلت وساغت، وإذا أُطلقت باعتبار المعنى الباطل رُدت.
فإذا قيل: إن الأصول هي الاعتقادات، وإن الفروع هي العمليات، وجُعِل من الأصول مثلا: الإيمان بالله ، وجُعِل من الفروع مثلا: فعل الصلاة، كان هذا الإطلاق باطلا. لأنه يكون معدودا في الأصول ما ليس منها، کالنظر إلى الله سبحانه و في الآخرة من الكفار، فإن هذه مسأله تُجعل في الأصول، مع ذلك وقع فيها خلاف بين أهل السنة أنفسهم، في ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد وغيره، وتُجعل الصلاة التي هي من أعظم أركان الدين فرعا، ويُرتب على هذا أحكام مذكورة في المبسوطات من كتب أصول الفقه والقواعد الفقهيه وغيرها.
أما المعنى الصحيح للأصول والفروع التي دلت عليه الشريعة، فهو أن :
الأصول: هي المسائل المتفق والمجمع عليها، سواء كانت من العمليات الفقهيات أو من الاعتقادات الخبريات.
والفروع: هي المسائل المجتهد فيها، ولا نقول المختلف فيها لأن الخلاف قد يسوغ إذا كان ناشئا من اجتهاد، وقد لا يسوغ إذا كان ناشئا من غيره.
فعرفت بهذا أن الأصول هي المسائل التي لا تقبل الاجتهاد، والفروع هي المسائل التي تقبل الاجتهاد، فمثلا الإيمان بالله عزوجل من المسائل الأصول المجمع عليها، لكن النظر إلى الله عزوجل في الآخرة للكفار من الفروع وإن ذُكر في الاعتقاد، والصلاة و الإتيان بها من الأصول وإن كانت في الفقهيات، وقبض اليدين أو إرسالهما من الفروع وإن كان في الفقهيات، فتعلم بهذا أن الضابط الذي دلت عليه الشريعة هو تقسيم المسائل إلى هذين القسمين كما بُين هذا مطولا في بعض مجالس الدروسالمصدر: تعليقات على كتاب سؤال وجواب في أهم المهمات لابن سعدي/ص:26-27/المفرغ).

سابعا/د.سلطان العميري.
تقسيم الدين إلى أصول و فروع؛ وهو من أكثر التقسيمات انتشارا في کتب علماء الإسلام؛ سواء في كتب العقائد، أو كتب الأصول، أو غيرها من الكتب، وعند النظر في هذا التقسيم لا بد أن نفرق فيه بين مقامین:
المقام الأول : النظر إليه باعتباره مصطلح مجردا.
المقام الثاني : النظر إليه باعتباره مصطلحا بمعنَى معين.
ففي الأول لا بأس فيه من تقسيم الدين فيه إلى أصول و فروع ، لأنه لا يتضمن شيئا مخالفا للشريعة، ولفظه مناسب.
وأما في المقام الثاني فالحكم على التقسيم يكون بحسب المعنى المحدد له، فإن كان صحيحا قبل التقسيم، وإن كان خاطئا . بمعنى: أنه متضمن لشيء مخالف للشريعة , فاءنا نمنع منه باعتبار المعنى، لا باعتبار الأصل.
وقد اختلف الناس في تحديد. ضابط الأصول والفروع على أقوال كثيرة بلغت أكثر من تسعة أقوال ، ومنها:
1- أن الأصول هي المسائل الاعتقادية ، والفروع هي المسائل العملية
2- أن الأصول هي المسائل التي ثبتت بالقطع ، والفروع هي المسائل التي ثبتت بالظن.
3- أن الأصول هي المسائل التي تبنت بدليل العقل، والفروع في المسائل التي بهشت بدليل النقل،
4- أن الأصول هي المسائل التي يكفر تاركها ، والفروع هي المسائل التي لا يكفر تارکها.
وكل هذه الأقوال ليست صحيحة عند التدقيق، فمن أنكرها فهو لا ينكر أصل التقسيم ؛ وإنما ينكر المعاني التي حُدِدت له.
وقد نقل عدد من المعاصرين عن ابن تيمية أنه يرى أن أصل التقسيم - تقسیم الدين إلى أصول وفروع - بدعة ، وأنه لا يجوز استعماله من حيث الأصل.
ولكن هذا النقل عن ابن تيمية غير دقيق، فان ابن تيمية لا ينكر تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وإنما ينكر التقسيم بالمعاني التي ذكرها المتكلمون، والتي ذكرنا منها أربعة المصدر:( العقود الذهبية على مقاصد العقيدة الواسطية/ص:23-24).

ثامنا/ د.صالح السندي.
هل يصح تقسيم الدين إلى أصول وفروع؟؟
الجواب:بعض طلبة العلم حصل عندهم بعض الإشكال في مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع،والسبب في ذلك أنه ربما اشتبه عليهم بعض كلام شيخ الإسلام ، الذي قد فُهم منه إنكار تقسيم الدين إلى أصول وفروع
،والحق أن شيخ الإسلام ما أنكر تقسيم الدين ، وإنما أنكر تقسيم أهل البدع للدين إلى أصول وفروع، فالحق أن هذا التقسيم صحيح وسائغ إذا كان تقسيما صحيحا، والتحقيق في هذا،ماقال شيخ الإسلام نفسه، وهو أن الجليل من المسائل العلمية والعملية أصول، والدقيق من المسائل العلمية والعملية فروع،هذا هو الصواب والتحقيق في هذه المسألة، بخلاف الذين يجعلون المسائل العلمية يعني العقدية أصول، والمسائل العملية كلها فروع، فشيخ الإسلام ينبه على خطأ ذلك، فالصلاة مثلا من المسائل العملية وهي عندنا من الأصول بل هي من أعظم الأصول، وهي الركن الأهم في هذا الدين بعد الشهادتين، ومن المسائل العقدية مالا تصل إلى هذه الدرجة بل كثير من مسائل العقيدة مسائل دقيقة لاتصل إلى مبلغ وأهمية الصلاة.فالصواب والذي به ينضبط هذا التقسيم أن نقول:إن الجليل من المسائل العلمية والعملية هو الأصول.والدقيق من المسائل العلمية والعملية فروع
المصدر:(شرح فتح رب البرية بتلخيص الحموية/ الشريط:01/المفرغ)

تاسعا/د.يوسف الغفيص.
01/نذكر قاعدة بين يدي هذا التقسيم، وهي أن جمهور التقاسيم سواء كانت في باب الاعتقاد أو باب الشريعة فضلاً عن مسائل العلم الأخرى كمسائل اللغة ونحوها، جمهور هذه التقاسيم اصطلاح، فينظر إليها باعتبار المعاني، أما باعتبار الألفاظ، فإن الأصل أنه لا مشاحة في الاصطلاح.
ولكن الشأن يكون باعتبار معانيها، فهل هذه الألفاظ والمصطلحات وضعت لها معانٍ مناسبة للمعاني الشرعية التي بعث بها النبي عليه الصلاة والسلام أم لا؟
هناك أمثلة كثيرة: كتقسيم الدين إلى أصول وفروع، وكمسألة الحقيقة والمجاز، والآحاد والمتواتر، وغير هذه التقاسيم، وإنما ذكرت هذه التقاسيم الثلاثة؛ لأنه يقع خلط كثير بين القول فيها باعتبارها ألفاظاً ومصطلحات، وباعتبار كونها من عوارض المعاني.
فنقول: تقسيم الدين إلى أصول وفروع، أو القول بمسألة الحقيقة والمجاز، أو القول بمسألة تقسيم السنة إلى آحاد ومتواتر، النظر في هذا باعتباره من عوارض الألفاظ يقال: إن الأصل أنه لا مشاحة في الاصطلاح، ولكن النظر يكون باعتبارها من عوارض المعاني؛ فمن قسم الدين إلى أصول وفروع، قيل له: هذا مصطلح أمره يسير، أما من جهة المعاني، فإن ثمة إجماعاً بين المسلمين أن الدين ليس درجةً واحدة، بل منه مسائل كلية، ومنه ما دون ذلك، ومنه ما هو ركن، ومنه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، وأن ثمة مسائل تسمى أصول الدين، ومثل هذا المعنى متفق عليه بين سائر المسلمين على اختلاف طوائفهم؛ فإن النبي -بل وجميع الأنبياء والمرسلين- بيّن هذا الأمر.
وقد تكلم شيخ الإسلام وطائفة في نقض هذا التقسيم، لكن هذا لا يعني أنهم لا يصوبون أن تسمى مسائل توحيد الألوهية والأسماء والصفات وإثبات أن الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه بمسائل أصول الدين؛ فإن تسميتها بمسائل أصول الدين مجمع عليه بين المسلمين، ولا ينازع فيه أحد.
وإنما تكلم شيخ الإسلام في نقض هذا التقسيم باعتباره من عوارض المعاني، فإن من استعمله وضع له حداً -أي معنى- ليس مناسباً للاعتبار الشرعي، وإن شئت فقل: ليس مناسباً للحد الشرعي.
وذلك أن أول من اشتغل بهذا التقسيم ليس أئمة السنة والجماعة، بل طوائف من أئمة النظر من المتكلمين ومن اشتغل بشأنهم من الفقهاء ممن كتبوا في أصول الفقه أو في فقه الشريعة، فصاروا يقولون: إن الأصول هي المسائل المعلومة بالسمع والعقل، ويقصدون بالسمع الكتاب والسنة، والفروع هي المسائل التي دليلها السمع وحده.
ومن الحدود المشهورة في كتبهم -أيضاً- أنهم يقولون: إن مسائل الأصول هي المسائل العلمية، ومسائل الفروع هي المسائل العملية
إلى غير ذلك من الحدود.
فهذه الحدود لا شك أنها حدود باطلة؛ فإنه لا يصح أن يقال: إن مسائل الأصول هي ما دل عليه السمع والعقل، والفروع هي ما دل عليه السمع وحده، فإن ثمة مسائل في أصول الدين لم تعلم إلا بالسمع وحده، والعقل لا يحيلها، ولكنه لا يدل عليها كمسائل الغيب المحضة، فإنها مسائل علمت بالسمع، والعقل لا يدل عليها، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لو لم يحدث بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، لم نعلم ذلك؛ لأن هذه المسألة لا يدركها العقل ولا يعلمها قبل ورود خطاب الشرع.
إذاً: ثمة مسائل في أصول الدين في باب الأسماء والصفات والشفاعة والغيب واليوم الآخر والقدر وما إلى ذلك ليست معلومةً إلا بالسمع، والعقل لا يدل عليها، وإن كان لا يجحدها.
والعكس كذلك؛ فإن ثمة مسائل معلومة بالسمع والعقل وهي لا تعد من مسائل الأصول، بل تعد من مسائل الفروع أو مما هو دون الأصول.
أما قول من قال: إن مسائل الأصول هي المسائل العلمية -وهذا يوافق التعبير الذي يقول: هي مسائل الاعتقاد- وأن المسائل العملية لا تكون داخلةً في مسائل أصول الدين ..
فهذا غلط أيضاً؛ لأنه لا يطرد، فإن ثمة مسائل علمية -أي: مسائل محلها عقد القلب- ومع ذلك ليست من الأصول بإجماع السنة والجماعة، بل بإجماع المسلمين أنها ليست من مسائل أصول دينهم، ومن ذلك مثلاً: الاختلاف الذي وقع بين الصحابة في سماع الميت لصوت الحي، فإن هذه مسألة علمية محلها عقد القلب، ولكن بالإجماع لا تعد من مسائل أصول الدين.
وثمة مسائل عملية تعد بإجماع المسلمين من مسائل أصول الدين كمسألة الصلاة والزكاة والحج، فإنها أركان في الدين وأركان في الإسلام.
فهل يصح أن يقال: إن الدين ينقسم إلى أصول وفروع؟
الجواب: التقسيم باعتباره اصطلاحاً لفظياً لا بأس به، لكن بشرط أن ينزل على معنىً مناسب، وحين يقال: لا بأس به ..
فهذا من باب الجواز، وليس من باب أن هذا التقسيم يقصد إلى تقريره وذكره في مسائل أصول الدين أو في تقرير طريقة أهل السنة والجماعة أو منهجهم، لكنه أمر واسع لا ينبغي الإغلاظ في شأنه.
وأما أن هذا التقسيم بدعة، فنقول: إنه لا يكون بدعة إلا إذا قصد منه معنىً لا يكون مناسباً؛ وإلا فهو من حيث الجملة لا بأس بإطلاقه، وإن كان لا يقصد إليه، فإن السلف لم يقصدوا إلى ذكره والتحدث بلغته المصدر:(شرح العقيدة الواسطية/ص:14-17/ المفرغ).

02/القول في باب الأسماء والصفات من القول في مسائل أصول الدين، أي: أن القول في أوصاف الرب سبحانه و وأسمائه هو من القول في باب أصول الدين.
ويشار هنا إلى مسألة، وهي: أن المصنف قد ذكر في غير محل من كتبه أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع على ما حده كثير من المتكلمين وأهل الأصول والفقهاء إنما هو بدعة لم يتكلم بها السلف، وهذا المعنى الذي ذكره المصنف في بعض الموارد من كتبه لا يشكل مع ما يوجد كثيراً في كلام شيخ الإسلام من تعيينه لبعض المسائل والأبواب بأنها من مسائل أصول الدين؛ وذلك لأن جميع المسلمين -بما في ذلك السلف رحمهم الله- قد أجمعوا على أن في دين الإسلام ما هو من أصول الدين، وما هو دونها؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم -كما في الصحيحين من حديث ابن عمر ما-: (بني الإسلام على خمس) وفي حديث أبي هريرة وعمر بن الخطاب لما جاء جبريل يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان والإسلام أجابه بخمس في الإسلام وبست في الإيمان، مع أن الإيمان لا يختص بهذا التعيين، وإن كانت سائر المسائل والشرائع تعود إلى هذا التعيين إما بطريق التضمن أو بطريق اللزوم، وكذلك ما قيل في الإسلام.
إذاً: تعيين مسائل بأنها من مسائل أصول الدين هذا لا إشكال فيه ألبتة، وليس هو من محال النزاع لا بين السلف ولا غيرهم، وإنما الذي عني شيخ الإسلام برده هو ما استعمله كثير من المتكلمين ومن قلدهم في هذا من أهل الأصول من جهة اعتبار الحد فيه، فإن المتكلمين ومن وافقهم إذا ذكروا التقسيم إلى أصول وفروع اعتبروا الأصول باعتبارات، وقد يختلف حدهم في هذا، فمنهم من يقول: إن أصول الدين هي المسائل المعلومة بالعقل والسمع، والفروع هي المسائل المعلومة بالسمع وحده -أي: بالدلائل السمعية القرآنية والنبوية-.
ولا شك أن هذا الحد حد فاسد؛ لأن ثمة مسائل بإجماع السلف أنها من مسائل أصول الدين، ومع ذلك هي ليست مما يقال فيه بالدليل العقلي، وإن كان الدليل العقلي لا يدل على مخالفة شيء جاءت به الشريعة سواء كان ذلك في العلميات أو في العمليات.
فمن أمثلة المسائل العلمية التي لم يدل عليها العقل: القول في كتابة الرب سبحانه و لأفعال العباد، فإن من أخص أصول القدر عند أهل السنة والجماعة أن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، وهذه الكتابة ليست هي أصل العلم؛ فإن الله علم ما كان وما سيكون، وقد كان السلف رحمهم الله يرون أن من غلط في هذا الأصل -أعني: أصل العلم- يكون كافراً كما نص على ذلك الإمام مالك وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وأحمد وغيرهم؛ لأنه أصل يعلم بالضرورة الشرعية والعقلية والفطرية.
وأما أصل الكتابة فهذا ليس لازماً للعلم، ولكن لما جاء في خبر الله ورسوله أن الله كتب وجب الإيمان بما أخبر به.
فهذا الأصل لا يدل عليه العقل ابتداءً قبل ورود الشرع؛ مما يدل على أن قول طائفة من المتكلمين بأن أصول الدين: هي ما دل عليه السمع والعقل، والفروع ما دل عليه السمع وحده غلط من هذا الوجه وغيره.
ومن المتكلمين -ومن يوافقهم من الفقهاء والأصوليين- من قال بأن أصول الدين: هي المسائل العلمية، وأن الفروع: هي المسائل العملية.
وهذا الحد قد اشتهر عند كثير من أصحاب الأئمة الأربعة.
وهذا الحد وإن كان اشتغال الفقهاء به أكثر من الحد السابق إلا أنه ليس صواباً؛ فإن ثمة مسائل هي مسائل علمية أي: محلها العلم القلبي وليست من مسائل أعمال الجوارح والأعمال الظاهرة، ومع ذلك لا يقال بأنها من أصول الدين.
قال شيخ الإسلام : وذلك كالقول في رؤية الكفار لربهم في عرصات القيامة؛ فإن هذه مسألة علمية، ومع ذلك لم يُحفظ عن الصحابة فيها قول، وظواهر النصوص فيها بعض التردد أي: من جهة نظر المجتهد فيها؛ ولهذا اختلف أهل السنة في رؤية الكفار لربهم في عرصات القيامة على ثلاثة أقوال، وربما ذكر بعض المتأخرين قولاً رابعاً.
وهذا بخلاف مسألة رؤية المؤمنين لربهم في عرصات القيامة وفي الجنة؛ فهي وإن كانت رؤية كما أن مسألة الكفار رؤية إلا أن القول في رؤية المؤمنين يعد من القول في أصول الدين؛ لأن الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة متواترة في أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات القيامة وفي الجنة، وقد جاء في ذلك عن النبي أحاديث متواترة بلغ رواتها من الصحابة نحواً من ثمانية وعشرين صحابياً.
ومما يبين أن المخالفين للسلف من أئمة الكلام وغيرهم هم من أجهل الناس بالسنن والآثار، كلام بعض أئمة الاعتزال، حيث نرى القاضي عبد الجبار بن أحمد، وهو عمدة المتأخرين من المعتزلة، لما تكلم عن مسألة الرؤية قال: وأما الأحاديث المروية في السنة فهي آحاد، فإنه لم يروها عن النبي إلا جرير بن عبد الله البجلي.
وهذا جهل علمي محض، فإن هذه الأحاديث قد رواها -كما تقدم- ما يقارب الثلاثين من الصحابة، فكيف يقع له -وهو عمدة من كبار أئمتهم- أن يقول: إنه لم ترد إلا من طريق جرير بن عبد الله؟!
ثم طعن في الطريق الذي رواه جرير بن عبد الله مع أنه في البخاري، فهو يبطلها من أوجه يعلم بالضرورة أنها من محال الغلط.
وكذلك ثمة مسائل علمية هي من الأصول: فإن الصلاة من المسائل العملية، ومع ذلك قد أجمع المسلمون على أن الصلاة ركن من أركان الإسلام، فكيف يقال: إن الفروع هي المسائل العملية؟
إذاً: هذه الحدود التي يستعملها من يستعملها من المتكلمين ومن يوافقهم للتفريق بين أصول الدين وفروعه، هي ما أراد شيخ الإسلام رده وإبطاله.
أما القول في مسائل الصفات، ومسائل القدر، ومسائل الإيمان، ومسائل الصلاة -أي: من جهة وجوبها وركنيتها- وأمثال ذلك فإن هذا لا شك أنه من القول في أصول الدين، وهذا ليس محل نزاع بين السلف، بل ولا محل نزاع بين سائر طوائف المسلمين.
هذه هي المسألة الأولى التي قصد التنبيه إليها؛ لأنه يقع في كلام شيخ الإسلام ما هو تارةً من الذم لهذا التقسيم، فينبغي أن يفهم على وجهه المصدر:(شرح الفتوى الحموية/ص:05-08/المفرغ).
03/قال المؤلف عليه رحمة الله تبارك و: [ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر].
قوله: (ونرى المسح على الخفين) مسألة المسح على الخفين هي من مسائل الفروع في الأصل، وإن كان هذا التقسيم وهو تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وقد تكلم فيه غير واحد، ومن أخص من تكلم فيه الإمام ابن تيمية .
ولكن ينبَّه إلى أنه إذا ذُكر هذا التقسيم على معنى أن الدين منه ما هو أصل ومنه ما هو دون ذلك، فإن هذا صحيح ومجمع عليه ولا خلاف فيه، حتى ولو سمي الذي دون ذلك فرعاً فإن هذا مما يسوغ، وقد كان شائعاً في كلام أهل العلم من المتأخرين، وإنما الذي ينتقده شيخ الإسلام الطريقة الكلامية التي دخلت على بعض الأصوليين والفقهاء حين يقسمون الدين إلى أصول وفروع، فيرتبون على ذلك كثيراً من النتائج، فيقول كثير منهم: إن الأصول هي المسائل العلمية، والفروع هي المسائل العملية، أو يقول بعضهم: إن الأصول هي ما يعلم بالسمع والعقل، والفروع هي ما يعلم بالسمع وحده.
ثم يرتب على ذلك نتائج، منها: أن المخالف في الأصول يبدع، وربما يقول بعضهم: المخالف في الأصول يكفر، والمخالف في الفروع لا يكون كذلك .. إلخ.
مع أن هذه الحدود ليست مناسبة وليست موافقة لهدي السلف رحمهم الله؛ بل ولا لآحاد النصوص وصريحها، فإن قلنا: إن الأصول هي العلميات، فهناك من المسائل العلمية مسائل لا تعد أصلاً، وقد تنازع أهل السنة في رؤية الكفار والمنافقين لربهم سبحانه و، وهذه المسألة بإجماع السلف وأهل العلم ليست من الأصول التي يبدع ويضلل فيها المخالف، وتنازع الصحابة رضي الله عنهم في سماع الميت صوت الحي، وتنازع الصحابة م كـ ابن عمر مع عائشة وعمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، مع أن هذه المسائل تعد من العلميات.
وبالمقابل فإن ثمة مسائل من العمليات هي بإجماع المسلمين من الأصول: كالصلوات الخمس، فإنها فعل وعمل ومع ذلك هي أصل في الإسلام بإجماع المسلمين.
ومثله حين يقول بعضهم: الأصول هي ما علم بالسمع والعقل، والفروع ما علم بالسمع وحده، فهناك مسائل كثيرة، هي بإجماع السلف من الأصول، بل ربما بإجماع المسلمين، وهي مع ذلك لم تعلم إلا بالسمع وحده ولم تعلم بالعقل، فمثل هذه لا يجوز أن تسمى فرعاً.
وهذا الحد وما يترتب عليه من النتائج مشكل، ولهذا قرر شيخ الإسلام الإعراض عن هذا التقسيم من أصله، ولا يفهم من هذا أن شيخ الإسلام يمنع أن تسمي مسألة القدر أو مسألة الشفاعة أو مسألة الصفات ونحوها مسائل أصول، فإن هذا لا شك أنه غلط في فهم كلامه، فهو في كتبه يسمي هذه المسائل أصولاً، ولا شك أن في الدين ما هو أصل وما هو دونه، وإنما الإشكال طرد هذا التقسيم وما يستعمل فيه من الحد.
والقصد أن مثل هذه المسألة لم يكن محلها في الأصل مثل هذه المختصرات المقولة في الاعتقاد وأصول الدين، وإنما ذكرها من ذكرها من أهل السنة لكون الخوارج وطوائف من أهل البدع لا يرون المسح على الخفين، ولكونه حصل وانعقد إجماع السلف على أن المسح على الخفين سائغ بل سنة، أي مضت به السنة النبوية، وإن لم يكن مستحباً على الإطلاق، لهذا الموجب ذكروا هذه المسألة في كتبهم أو في بعض كتبهم.
ومن هنا ذهب بعض الفقهاء إلى أن المسح على الخفين أولى من غسل القدمين، وهذا القول قاله طائفة ولكنه ليس راجحاً والذي عليه الجماهير من السلف والخلف أن هذا ليس مشروعاً على الإطلاق، بل المشروع هو الحال المناسبة للإنسان، فلا يتكلف لبس الخفين ولا يتكلف أن يكون بضد ذلك، بل تكون حاله على المناسبة المصدر: ( شرح العقيدة الطحاوية/ ص:306-308/ المفرغ)
04/المسألة الثالثة: هي فقه الفرق بين الأصول والفروع والمحكم والمتشابه.
الأصول والفروع هذه التسمية من حيث الاصطلاح تسمية شائعة في كلام الأصوليين، وفي كلام المتكلمين، وفي كلام الفقهاء بعامة، وهم يعنون بذلك أن الدين ينقسم إلى أصول وفروع.
وهذه التسمية لا شك أنها تسمية متأخرة، أي: أنها لم تظهر زمن النبوة ثم الصحابة ثم زمن الأئمة المتقدمين، بل بدأت بدايات من المصطلحات لما بدأ الاصطلاح وكثر، فتجد في كلام الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام أنه يسمي بعض المسائل فيقول: ما هو من الأصول في الدين وما هو من الفروع فيه، فاستعمل مصطلح الأصول ومصطلح الفروع.
هذا المثال هو تمثيل بـ أبي عبيد، وهو رد على ما يقوله بعض المتأخرين من أن هذه تسمية مبتدعة على سائر مقاصدها.
الإمام ابن تيمية عندما تكلم في مسألة الأصول والفروع تكلم فيها على وجهين:
الوجه الأول: يذكر هذا التقسيم وهذه التسمية مقراً لها، وهذا مقتضى الشرع والعقل.
الوجه الثاني: يذكر هذا التقسيم معارضاً له، ولكن مقصوده بالمعارضة ليس الاصطلاح، إنما مقصوده بالمعارضة الحد الذي ذكره بعض أئمة المعتزلة، ومن نقل عنهم من المتكلمة الصفاتية لما قالوا: إن الأصول هي العلميات، والفروع هي العمليات، فهذا غلط؛ لأنه يستلزم أن تكون الصلوات الخمس والزكاة والحج وصوم رمضان من الفروع، وهذا خطأ؛ لأن مذهب السلف درج على أن العمل أصل في الإيمان.
أو معارضة لقول بعضهم: إن الأصول هي المسائل المعلومة بدليل السمع ودليل العقل، والفروع هي المسائل المعلومة بدليل السمع وحده، فإن هذا أيضاً حد غير صحيح؛ فإن هناك مسائل أصول لا تعرف إلا بدليل السمع، ككتابة الله سبحانه و لمقادير خلقه؛ فإنه لولا خبر الله ورسوله بها لما كان لأحد أن يبتدع بأن الله كتب مقادير الخلق، وكنزوله سبحانه و إلى سماء الدنيا؛ فإنه لولا خبر النبي لما كان لأحد أن يصل بعقله إلى أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا.
بخلاف بعض الصفات التي يشهد العقل بها ابتداء، ككونه سبحانه و سميعاً بصيراً حياً قديراً، فإن هذه مسائل تعرف بالشرع وتعرف بالعقل, وإن كانت المسائل المعروفة بالسمع إذا ورد السمع بها فإن العقل لا يعارضها.
إذاً: القول بأن الإمام ابن تيمية رد تقسيم الدين إلى أصول وفروع أو أنكره هذا غير صحيح، بل في كلام شيخ الإسلام استعمال قديم للأصول والفروع، وهذا مقتضى العقل والشرع؛ لأن مسائل الشرع ليست وجهاً واحداً، وكلمة (فروع) ليس فيها إنتقاص لشيء من مسائل الشريعة؛ بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال ما هو مقارب لهذا المعنى، فقد قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) والشاهد ما تفرد به مسلم من قوله عليه الصلاة والسلام: (فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) فإذا كان الشارع عبر بهذا التعبير واستعمل هذا اللفظ؛ فلفظ الأصول والفروع ليس بعيداً عن مثل هذا المقصود، فهو لا يوجب النقص .
بعض الكتاب يقول: إنه قد يفهم بعض العامة أو حدثاء العهد بالإسلام أن الفروع ليست لازمة في الإسلام.
فنقول: هذا الفهم ليس بالضرورة أنه يقع عند العامة وبعض حدثاء العهد بالإسلام، بل كون العامة وحدثاء العهد بالإسلام يعرفون أن الإسلام فيه ما هو أصل وفيه ما هو دون ذلك، وأن من يفرط في الفرع لا ينبغي له أن يفرط في الأصل، ويفهمون أن أصول الإسلام هذه عزم يجب المحافظة عليها، ولا تغلب النفس على تركها، وأن هذه الفروع شأنها دون ذلك، مع كون بعضها واجباً وبعضها مستحباً ..
هذا الفهم هو عين الحكمة وعين الفطرة البشرية، بخلاف ما إذا قلت للناس: إن الإسلام جميعه من أوله إلى آخره أصل، فهذا ليس عدلاً ولا حكمة، فإن من ترك إماطة الأذى عن الطريق، ليس كمن ترك الصلوات الخمس، ومن فاتته تكبيرة الإحرام ليس كمن ترك صلاة الجماعة، ومن صلى منفرداً ليس كمن أخر الصلاة حتى خرج وقتها، ومن أخر الصلاة حتى خرج وقتها ليس كمن ترك الصلاة بالكلية، فالأصل أن الناس يعرفون أن دينهم منه ما هو ركن تركه قد يكون ردة وكفراً، ومنه ما هو واجب تركه فسق، وقد ذكر الله سبحانه هذا في كتابه، فقال: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:7] فلما ذكر الإيمان ذكره واحداً، ولما ذكر ما يخالف هذا الإيمان أو ما ينقصه قال: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات:7].
فمسألة الأصول والفروع هذه تسمية واسعة إذا ما ضبطت بتفسير صحيح، فقيل: الأصول هي ما أجمع عليها الصحابة والأئمة في مسائل العلم والعمل، والفروع هي ما دون ذلك.
ففي العقل والشرع أن المسائل أحد وجهين:
إما مسألة مجمع عليها، وإما مسألة مختلف فيها.
فإذا رددنا مسائل الشريعة إلى القرون الثلاثة الفاضلة استطعنا أن نصل إلى أن هذه المسألة في القرون الثلاثة إما أن تكون مسألة مجمعاً عليها، وإما أن تكون مسألة قد اختلف فيها الصحابة والأئمة.
فما كان من المسائل المجمع عليها فهو أصل قدره على اللزوم، سواء كان الإجماع بوجه علمي، أو وجه عملي، فقد يكون إجماعاً علمياً، كأن يجمعوا على كون هذا العمل مستحباً، فعندما أجمعوا على كونه مستحباً هل صار فعله واجباً، أم أنه انعقد الإجماع على استحبابه؟ انعقد الإجماع على استحبابه، فلا يجوز لأحد أن يأتي بعد ذلك فيقول: إنه مباح وليس مستحباً، فيخفضه، ولا يسع أحداً بعد ذلك أن يقول: إنه واجب، فيرفعه عن قدره السابق.
فالمستحب من حيث الفعل يتعلق بفروع الشريعة، ولكن من حيث الجهة العلمية فيه يتعلق بمسألة الأصول، فمن أنكر أن هذا مشروع، كمن أنكر شريعة السواك، فإن إنكاره لهذا يتعلق بمسائل التصديق لأحاديث النبي .
أما إذا جئت إلى المستحبات من حيث التطبيق لها، بل وإلى كثير من الواجبات من حيث التطبيق لها، فهذه لا نسميها أصولاً، بل هي من باب الفروع، ولذلك قد يكون الشيء من جهته العلمية أصلاً، ومن جهته العملية التطبيقية فرعاً، وقد يكون الشيء من جهته العلمية والعملية أصلاً، وهذا كالصلاة؛ فإنها من جهة التصديق بوجوبها أصل، ومن جهة إقامتها هي أصل أيضاً المصدر: ( التعليق على الوصية الكبرى/29-33/ المفرغ).

عاشرا/د.سعد الشثري.
وهنا مسألة : هل يصح إطلاق لفظ "علم أصول الدين" على علم العقيدة ، وإطلاق لفظ "علم الفروع" على الفقه ؟
الجواب: لفظ "أصول الدين" و "فروع الدين" ورد عن بعض السلف، يريدون بكلمة "أصول الدين" المسائل القاطعة التي يُجزم بها، ويريدون بكلمة "فروع الدين" ما لا يُجزم به في المسائل التي تحتمل الاجتهاد والاختلاف، ولذلك فبعض مسائل المعتقد ليست من أصول الدين، وبعض مسائل علم الفقه من أصول الدين، مثلا وجوب الصلاة ووجوب الحج، هذه مسائل قاطعة، ولكنها لا تُبحث في كتب المعتقد، وإنما تُبحث في كتب الفقه، ومع ذلك هي مسائل قطعية ويقينية ، وهي أصل.
فإن قال قائل: هل اختلف السلف في أصول الدين أم اتفقوا ؟
نقول: كلمة "أصول الدين" من الكلام الذي لم يرد في الكتاب والسنة ، وبالتالي نستفصل ماذا تريد بـ"أصول الدين" ؟ إن كان المراد ما دل عليه الدليل القاطع، فهذا لم يختلف فيه السلف، وإن كنت تريد بكلمة "أصول الدين" ما يكون من المسائل الخبرية التي تقابل المسائل الطلبية ، فنقول نعم، هناك مسائل خبرية وقع فيها الاختلاف، لكنه لا يترتب على الاختلاف فيها كبير معتقد ، مثال ذلك مسألة "هل رأى النبي ربه في الدنيا؟" حُكي فيها اختلاف، وهكذا في بعض مسائل المعاد، فهذه مسائل خبرية.
فحينئذ فكلمة "أصول الدين" إن أريد بها القاطع من دين الله، فهذا النوع لم يقع فيه اختلاف من قِبَل السلف، وإن أريد بها معان أخرى فلابد من توضيح هذه المعاني المصدر:(شرح الفتوى الحموية/ ص:27).
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
التعليقات الذهبية للحافظ النقاد شمس الدين الذهبي ( المقالة الأولى ) محمد تبركان حلقة العلوم الشرعية 8 06-05-2013 02:44 AM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 01:39 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ