ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة العلوم الشرعية
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 28-01-2021, 12:42 PM
أبو علي زين العابدين بن علي أبو علي زين العابدين بن علي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2019
التخصص : لغة
النوع : ذكر
المشاركات: 32
افتراضي سلسلة التقاسيم/السلسلة الثالثة/تقريرات وتحريرات المعاصرين في مسألة تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد.

السلسلة الثالثة[[تحريرات وتقريرات المعاصرين في مسألة تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد]].
ثالثا/أقوال المعاصرين في حكم تقسيم السنة إلى متوتر وآحاد.

أولا:د.سليمان الرحيلي.
قال :أقسام الخبر باعتبار طُرقه: ينقسم الخبر باعتبار طرقه إلى متواترٍ وآحاد.
هذا تقسيمٌ للخبر باعتبار عدد الرواة في طرقه، فهو ينقسم عند جمهور أهل العلم إلى متواتر وآحاد.
وهذا التقسيم معاشر الفضلاء إنَّما هو باعتبار القوة، أمَّا باعتبار الاحتجاج فعند أهل السنة الكل سوآءٌ في الاحتجاج، فيحتج بالآحاد فيما يُحتج فيه بالمتواتر، العبرة بالثبوت فكل ما ثبت عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- حجةٌ في الدين كله سوآءً ثبت بطريق التواتر أو ثبت بطريق الآحاد.
وتقسيم الأخبار عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى متواتر وآحاد في الاحتجاج بدعة أحدثها المتكلمون، ما كان السلف يعرفونها، فما كان السلف لاحتجاجهم بالحديث يسألون هل هو متواترٌ أو آحاد، أو يفرقون بين أصول الدين وفروعه في هذا الباب بل حيثما ثبت الحديث عندهم كان حجةً في الدين كله.
إذن لو سألنا سائل: تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد هل تنكرونه؟ نقول: أمَّا تقسيمه باعتبار القوة فهو أمر مسلًّمٌ لا يُنكَر.
وأمَّا تقسيمه باعتبار الاحتجاج فهو بدعةٌ منكرة أحدثها أهل الكلام لمَّا أصيبوا بمصيبة أنَّ العقل هو الحجة في أصول الدين فأرادوا التخلص من الأحاديث في هذا الباب، فقالوا الحديث: إن كان آحاد فهو لا يُحتج به في أصول الدين أصلًا، وإن كان متواترًا فهو لا يدل على اليقين لتطرق الاحتمال إليه من وجوه فلا يصلح أن يدل على العقيدة ولكن يُؤول بما يتناسب مع العامة المصدر:( شرح الأصول من علم الأصول لابن عثيمين/ ص:463-464/ المفرغ).

ثانيا/د.محمد بازمول.
01/إن تقسيم الأخبار من جهة نقلها إلى آحاد ومتواتر وغير ذلك هو أمر واقعي لا يمكن إنكاره.
هناك من الأحاديث ما جاء من طريق واحد ، ومنها ما جاء من طريقين، ومنها ما جاء من ثلاثة طرق، ومنها ما جاء من طرق كثيرة؛ وهذا أمر واقعي يعلمه كل ممارس لهذا العلم الشريف! بل حتى في حياتنا اليومية هناك أخبار تأتي من جهة واحدة، وهناك ما يأتي من أكثر من جهة!
إذا هذا أمر واقعي ينبغي أن لا يكون محل اختلاف!
من أين جاء الاختلاف ؟
جاء الاختلاف في اشتراط صفة وهيئة معينة للنقل، فمن زعم أن من الأخبار ما يأت عن جمع من الصحابة، ويرويه عن كل صحابي تابعيان، ويرويه عن كل تابعي اثنان، وهكذا عن كل واحد منهما يرويه اثنان، إلى أن يصل إلينا على هذه الصفة؛ أقول: من اشترط هذا الوصف ينكر عليه، ويقال له: لا وجود لحديث بهذا الوصف من جهة النقل. فإذا كان هذا هو المتواتر عندك فإننا نقول بناء على كلامك : كل الأحاديث آحاد؛ لأن هذا الوضع لا يوجد في نقل حديث أصلاً.
ومن باب أولى من اشترط في صفة المتواتر من جهة النقل: أن يرويه عن كل صحابي جمع من التابعين، وكذا عن كل واحد من التابعين جمع ممن بعدهم؛ فهذا لا وجود له، فإذا كان هذا هو المتواتر فإن الأخبار كلها آحاد!
هذا محل الإنكار والاختلاف في قضية تقسيم الأخبار من جهة نقلها إلى آحاد ومتواتر.
المقصود : أن تعدد طرق بعض الأحاديث على صفة العموم بدون هذه القيود والأوصاف موجود، فإن من الأحاديث ما يأتي من طريق ومنها ما يأتي من طريقين ، ومنها ما يأتي من طرق كثيرة، بحيث يجتمع في كل طبقة من الطبقات ما يحصل به تلقي جمع عن جمع على صفة العموم لا على صفة أخذ كل واحد منهم بخصوصه عن كل واحد على وجه مخصوص.
هذا أمر واقعي محسوس، إنكاره ومنعه إنكار لواقع محسوس، كمن يقول: لا وجود للشمس!
وليعلم أن نفي المتواتر الذي عناه أبو حاتم محمد بن حبان البستي، و الحازمي رحمهما الله، في نفيهما وجود أو تعذر وجود المتواتر في الحديث، وأن الأحاديث كلها آحاد؛ تسلط على هذه الهيئة المخصوصة للمتواتر.
والذي عناه أهل العلم بالمتواتر هو وجوده بغير هذه الصفة التي يذكرها الأصوليون بالعدد المعين في كل راوٍ!
والأمر لا يحتاج إلى كـثير كلام أو تشغيب، إنما يحتاج إلى إحسان ظن بأهل العلم، وحمل لكلامهم على الوجه اللائق بهم رحمهم الله!
وقد ألمح إلى هذا ابن الصلاح (ت643هـ) حيث قال: “ومن المشهور: المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الحافظ الخطيب (ت463هـ) قد ذكره، ففي كلامه ما يُشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث؛ ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم ولا يكاد يوجد في رواياتهم، فإنه عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، و لا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه ومن سئل إبراز مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه، …، نعم حديث: “من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار” نراه مثالاً لذلك”اهـ.
ولتعلم ـ وفقك الله ـ أن المحدث قد يثبت له تواتر الحديث بالنظر إلى أفراد طرق الحديث، فهو يقف للحديث على طريق أو طريقين أو ثلاثة، فيحكم عليها بما يناسبها، ثم يقف على طريق آخر، وطريق آخر، فيقوم لديه العلم بثبوت هذا الحديث، إما لكثرة الطرق، أو لصفة الناقلين، ونحو ذلك، وهكذا حتى ينشأ لديه علم نظري بتواتر هذا الحديث، فيصح بهذا الاعتبار أن الحديث المتواتر من مباحث هذا العلم!
وقد أشار الشاطبي إلى أن التأنق في استخراج الحديث من طرق كثيرة على قصد طلب تواتره؛ من صلب العلم لا من الملحالمصدر:( الانتصار للسنة/ص:138-141)

02/سؤال:
«ما محل ما نسمعه من أهل العلم من أن تقسيم الأخبار إلى آحاد ومتواتر لم يكن من علوم السلف، وأنه مما دخل إلى الثقافة الإسلامية تأثراً لمناهج المدرسة العقلية اليونانية؟».
الجواب:
لم ينكر العلماء -رحمهم الله- إن تقسيم الأخبار من جهة نقلها إلى آحاد ومتواتر وغير ذلك أمر واقعي، ولم ينكروا تفاوت الأخبار في إفادتها للعلم فإنها قضية بدهية.
إنما أنكروا الأمور التالية:
1- أنكروا حصر إفادة العلم على المتواتر، وذلك أن أتباع المدرسة العقلية الذين ساروا على خطى المدرسة اليونانية حصروا إفادة العلم على المتواتر، فعندهم أن خبر الآحاد يفيد الظن مطلقاً، والمتواتر يفيد العلم مطلقاً. أمّا جمهور أهل العلم من أهل المذاهب الأربعة فقالوا: العلم قد يستفاد من المتواتر، وقد يستفاد من قرائن أخرى، منها ما يرجع إلى صفات النافلين، ومنها ما يرجع إلى أمور أخرى كإخراج صاحبا الصحيح له أو أحدهما، أو تلقي الأمة له بالقبول ونحو ذلك.
2- أنكروا إطلاق القول في أن الآحاد يفيد الظن ولا يفيد العلم، فقالوا: قد يقترن بخبر الآحاد ما يجعله يفيد العلم. بل قال أهل الحديث: إذا ثبت الخبر عن رسول الله أفاد العلم وأوجب العمل.
3- أنكروا تقسيم أبواب الشرع إلى العقيدة والأحكام، فجعل أتباع المدرسة العقلية أبواب العقيدة لا تثبت إلا بيقين، وبما أن الأخبار لا يفيد منها العلم إلا المتواتر، فلا تثبت أمور العقيدة إلا بالمتواتر، أما حديث الآحاد فهو يفيد الظن مطلقاً، على أي حال أو صفة، فلا محل له في أبواب العقيدة، إنما محله في الشرائع والأحكام. هذا التقسيم أنكره أهل السنة والجماعة، فقالوا تقسيم الأخبار إلى متواتر يفيد العلم وآحاد يفيد الظن، والبناء على هذا أن العقيدة لا تثبت إلا بالمتواتر، فالآحاد لا محل له في العقائد، هذا أمر مردود عند السلف وأتباعهم؛ لأن إفادة العلم ليست محصورة في المتواتر، ولأن هذا التقسيم لأبواب الشريعة حادث لم يأت من سلف الأمة.
هذا هو محل إنكار العلماء لقضية تقسيم الأخبار إلى آحاد ومتواترالمصدر: (الانتصار للسنة/ص:143-144)

03/هل تعلم ١٠: أن (تقسيم الأحاديث إلى متواتر: يفيد العلم، وآحاد: يفيد الظن) هذه القسمة باطلة، وهي مأخوذة من المعتزلة
هل تعلم:
أن تقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد تقسيم يقرره العلماء والواقع، وأن محل إنكار هذه القسمة عند أهل العلم هو حصر إفادة العلم في المتواتر فقط. فتجد أهل العلم يقولون: (تقسيم الأحاديث إلى متواتر: يفيد العلم، وآحاد: يفيد الظن) هذه القسمة باطلة، وهي مأخوذة من المعتزلة والتي تأثروا فيها بعلم اليونان.
فتوهم بعض الناس أن المقصود إنكار أصل التقسيم إلى آحاد ومتواتر، وليس كذلك؛ لأن هذا هو الواقع، بل المقصود: إنكار ما رتب على هذه القسمة من إفادة العلمالمصدر:( مدونة الشيخ أ.د. محمد بازمول).

ثالثا/د.عبدالكريم الخضير.
01/وبعض طلاب العلم ممن عرف بالغيرة على علوم الكتاب والسنة ينفي تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، ويقول: إنه دخل على علوم الحديث من الأصوليين، والأصوليون تلقوه من المتكلمين
،وأن المتكلمين عندما قسموا الأخبار إلى متواتر موجب للعلم القطعي الضروري،وآحاد مفيد للظن لا يفيد العلم، وإن أوجب العمل، كان هدفهم إبطال بعض العقديات بحجة عدم ثبوتها بالخبر المتواتر، والعقائد عندهم لا تثبت بالآحاد، فنفوا بهذه الحجة كثيرا من الصفات الإلهية، فهؤلاء الطلاب خشوا من هذه الآثار واللوازم المترتبة على هذا التقعيد.
لكن لا يختلف أحد في أن الأخبار متفاوتة؛ فمنها ما يضطرك إلى تصدیقه بمجرد سماعه فتجزم بصدقه، ومنها ما يغلب على ظنك صدقه ، ومنها ما تتوقف فيه، ومنها ما يغلب على ظنك كذبه، ومنها ما تجزم بكذبه.
نعم لفظ المتواتر والآحاد لم ينطق بهما سلف هذه الأمة؛ لا الصحابة ولا التابعون، لكن لو طردنا هذا الكلام وقلنا: لا نثبت من الألفاظ إلا ما ثبت عن الصحابة والتابعين نفينا كثيرا من الاصطلاحات العلمية في جميع العلوم الشرعية، في التفسير والحديث والفقه والعقائد، والصحيح أنه إذا استعملت هذه الاصطلاحات من قبل الأئمة الموثوقين المعتبرين، وعرفنا مأخذها، ومدلولها، وما يلزم من إطلاقها، فاحترزنا من اللازم الباطل إن وجد وقبلناها على أنها اصطلاح، فلا مشاحة في الاصطلاح ،فالطريقة الصحيحة في مثل هذا أننا نقسم الأخبار إلى متواتر وآحاد، ونمثل له بالأمثلة التي مثل بها شيخ الإسلام وغيره ممن اعتنى بهذا التقسيم، ولا نخشى من اللوازم الباطلة التي لزم عليها المحظور الشرعي فلا نلتزم بها.
فشيخ الإسلام ابن تيمية قسم الخبر إلى متواتر وآحاد، وقسم المتواتر إلى متواتر لفظي ومتواتر معنوي، ومثَل للمتواتر اللفظي بحديث: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار» كما يمثل أهل العلم ، ومثل للمتواتر المعنوي بفضائل أبي بكر وعمر، كما في منهاج السنة.
وابن الصلاح وغيره يشيرون إلى أن مثل هذا التقسيم لا يوجد عند أهل الحديث، فعلى سبيل الخصوص لا يوجد التواتر عند أهل الحديث، مع أنهم أثبتوه ومثلوا له؛ لأنهم ليسوا بحاجة إليه، فعلماء الحديث يبحثون عن الأخبار من حيث الثبوت والرد، والخبر المتواتر لا يحتمل الرد، فلذلك لا يبحثونه.
فالمقصود أن إقرار مثل هذا التقسيم لا يلزم عليه محظور، والشيخ أحمد شاكر لما اعتمد هذا التقسيم قال بعد ذلك: ودع عنك تفريق المتكلمين في اصطلاحهم بين العلم والظن، فإنما يريدون بهما معنى آخر غير ما نريد ، والصحيح أن حديث الآحاد موجب للعمل في جميع أبواب الدين بما في ذلك العقائد والأحكام والفضائل والتفسير والقراءات وغيرها عند جميع من يعتد بقوله من أهل العلم، إذا وصل إلى درجة القبولالمصدر:(تحبير الصفحات بشرح الورقات/ص:325-327).

02/والتقسيم إلى متواتر وآحاد لم يكن موجودا عند من تقدم من الأئمة ، حتى قال بعضهم : إنه ليس من مباحث علوم الحديث، وإنما هو من شأن المتكلمين والأصوليين والفقهاء، أما أهل الحديث، فإنهم لا يقسمون الأخبار
بهذه الأقسام، وكونهم لا يقسمونها لا يعني أنها في الواقع غير موجودة.
فالتسمية وإن كانت حادثة، إلا أن الأخبار لا شك أنها متفاوتة، والذي يأتي من طريق شخص واحد ليس كالذي يأتي من طريقين، والذي يأتي من طريقين ليس كالذي يأتي من ثلاثة، وهكذا، والذي يُروي من طريق عشرة أقوى مما يُروى من طريق خمسة - مثلا -، فكلما كثر العدد وجدت نفسك مُلزما بقبول الخبر.
يعني : قد تتردد حينما يخبرك زيد من الناس بخبر ما، ولو كان في أعلى درجات الثقة والضبط، فتتردد فيه لما قد يعتريه ويطرأ عليه من غفلة ، وسهو ، و نسیان ، وأما لو جاءك من طريقين اطمأنت النفس قليلا ، وإذا جاء من طريق ثلاثة زادت الطمأنينة إلى أن يصل إلى حد لا يمكن أن تستطيع رد الخبر، فإذا وصل إلى هذا الحد قالوا : بلغ التواتر.
ويرى بعض الغيورين على السنة أن هذا التقسيم دسيس ودخيل على علوم الحديث، وأنه يجب أن يُنكر ويُستنكر، ويُنفي ويُبعد عن علوم الحديث ، وأن علوم الرواية لا تُشاب بمثل هذه الاصطلاحات التي منشأها ومبتدؤها من أهل البدع، لا سيما أن لها لوازم، وهي قولهم : الآحاد لا يفيد إلا الظن، والمتواتر يفيد القطع - وتقدم مبحث هذا في باب ما يُفيده الخبر -، ورتبوا على ذلك أن العقائد لا تثبت بالآحاد؛ لأنه لا يفيد إلا الظن، إنما تثبث بالمتواتر، وأنكروا بعض مسائل الاعتقاد، لا سيما ما يتعلق بالله عزوجل من الأسماء والصفات ؛ لأنها إنما ثبتت بأخبار آحاد، ولو كانت في البخاري أو في مسلم؛ لأن الظن لا مدخل له في هذا العلم في العقائد.
ونحن نقول إن الشرع واحد، وجاء من رب واحد، عن طريق رسول واحد، فهو متساوي الأقدام، يتساوى في ذلك العقائد، والأحكام، وغيرها من أبواب الدين ، وقلنا: إنها كلها تثبت بما صح وثبت عن الله و عن رسوله ، سواء بلغت حد التواتر أو لم تبلغ ؛ فلا نلتزم باللازم الذي التزمه المبتدعة، علما بأن هذا التقسيم - تقسيم الأخبار - موجود عند أهل الحدیث، كالحاكم، وابن عبد البر، والبيهقي، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيم، وجمع غفير من أهل العلم فهم يثبتون هذا التقسيم.
وإذا لم نلتزم باللازم فلا ضير حينئذ أن يُثبت هذا التقسيم ؛ لأنه مجرد اصطلاح، وإذا طردنا أن الاصطلاحات الحادثة ينبغي أن تُنفى عن العلوم الشرعية ، ما بقي شيء من الاصطلاحات؛ لأنك لو طالعت كتب المتقدمين ما وجدت فيها شيئا من هذا مما يتعلق بجميع العلوم، حتى فيما يتعلق بلغة العرب، فهل تجد المتقدمين يسمون الفاعل فاعلا ، والمفعول مفعولا ، والتميير تمييزا، وغيرها؟ لا يسمونها ، لكن استُحدثت هذه الاصطلاحات لما احتج إليها.
فهذه التقسيمات في العلوم لا شك أنها اصطلاحات طارئة ، وفي بعضها ما يخالف نصا، والذي يخالف نصا يُنفى، لكن الاصطلاح الذي لا يخالف نصا ووُضع لمجرد التقسيم والتيسير والتوضيح لطلاب العلم، قد درج عليه أهل العلم من قرون، من القرن الرابع وما بعده؛ بل قبل ذلك توجد بعض هذه الاصطلاحات، فإذا لم نلتزم باللازم الذي التزم به المبتدعة فليس في ذلك ضير، ولا إشكال.
ثم إن هذا التقسيم للأخبار ليس محصورا فيهم، فابن القيم و غيره من أهل السنة يقسمون هذه الأخبار - أيضا -، ولم يلحظوا هذا الملحظ، لكنهم لا يلتزمون باللازم الذي التزم به أهل البدعالمصدر:(صعود المراقي إلى ألفية العراقي/ص:1039-1041)

رابعا/د.صالح العصيمي.
01/ثم ذكر قسمة الأخبار إلى آحاد، وتواتر
و مأخذ هذه القسمة هو تقسيم الخبر باعتبار طرق نقله إلينا، فإن الخبر يقسم باعتبارات متعددة و مآخذ مختلفة من أفرادها قسمته باعتبار طرقه إلينا فينقسم إلى قسمين:
أحدهما: المتواتر. والآخر: الآحاد. فالأول وهو المتواتر، هو اصطلاحا: خبر له طرق بلا حصر يفيد بنفسه العلم بصدقه.
والآخر وهو الآحاد:خبر له طرق مع حصر لا يفيد بنفسه العلم بصدقه.
وهاتان الحقيقتان للمتوتر والآحاد هما المستعملتان عند أهل الحديث والسنة، فإن قسمة الأخبار إلى متواتر و آحاد موجودة في كلام جماعة يستفاد ذلك من ذكرهم التواتر، فإن إثبات التواتر يفيد إثبات مقابله، وإن لم يقع بها هذا الاسم في لسان الأوائل، وأما المتواتر فإنه يوجد في كلام الإمام أحمد والبخاري وابن خزيمة،فمورد القسمة هو النظر إلى طرق الخبر مع ما يُفيده الخبر من حکم حال تواتره أو كونه آحادا، وإنما وقع الغلط في التواتر والآحاد بتوليد معان أو ترتيب أحكام لم تكن في عرف المحدثين أجراها جماعة من أهل البدع،کالترتيب العملي على التواتر دون الآحاد، أو جعل الآحاد حجة في العمليات دون العلميات، فإن هذا محل الوهن والإبعاد لهذه المقالة، ومثل ذلك لا يعود بالإبطال على أصل المسألة، فإن الحقيقة الواحدة ربما وجدت على معنى عند أهل السنة ومخالفيهم، ويحصل بينهم افتراق في بعض أفرادها ،كحقيقة الإيمان مثلا، فإن أهل السنة و الخوارج متفقون على أن الإيمان يزيد وينقص، لكنهم يفترقون بما ينتقض به الإيمان، فأهل السنة لا ينقضون الإيمان بمجرد فعل الكبيرة، وأما الخوارج فإنهم ينقضون الإيمان بمجرد فعل الكبيرة.
والمقصود أن تعلم أن قسمة الأخبار إلى آحاد و متواتر ليست من مقالات أهل البدع، وإنما المعاني الباطلة التي نسبت إليهما هي المرذولة الحقيقة بالوأد والطردالمصدر: (تعليقات على شرح نظم الورقات/ص:102/ المفرغ)

02/ثم ذكر قسمة الخبر باعتبار طرقه التي نُقل بها إلينا، فقسمه إلى قسمين اثنين :أحدهما الآحاد. والآخر المتواتر.
والتواتر والآحاد المبحوث عنه في أصول الفقه هو المتعلق بالأخبار العامة، لا الأخبار الخاصة التي هي نقل الشريعة، ولذلك فإنهم يمثلون للمتواتر بقولهم: ككون (فاس) أي كوجود مدينة فاس، فهم يبحثون عن الأخبار من حيث هي أخبار عامة منتشرة.
ثم بعد ذلك دخل هذا الأصل في أخبار الشريعة وتنازعه متأخرو الأصوليين والمصنفين في علوم الحديث مما نتج عنه غلط عند الطائفتين، وانتحل هذا المذهب بعض أهل السنة يريدون به معنی صحيحا في نفسه لا بالنظر إلى المقرر عند المحدثين، وانتحلته المعتزلة وغيرهم يريدون إبطال المنقولات في الحديث لما عجزوا عن حملها على مذهبهم الرديء، فزعموا عدم الاعتداد بالآحاد.
وأهل السنة والأثر مطبقون على الاعتداد بالآحاد في الاعتقاد، ولا قائل منهم حتی مِن مَن رد هذه التسمية بأن الآحاد لا يثبت بها اعتقاد، وهذا موضع فيه غموض يحتاج تحريره إلى بسط ليس هذا محله، لكن المقصود أن تعلم أن المتواتر والآحاد يقعان على موقع صحيح لا مدخل لأهل البدع فيه. أما من رام أن يجعله سلما لإبطال السنن فذلك مردود عليه كائنا من كان المصدر:( تعليقات على الورقات/ص: 38-39/ المفرغ).

خامسا/د.عبدالسلام الشويعر.
تقسيم الأخبار إلى آحاد ومتواتر، قالوا إن هذا التقسيم مُحدَث لم يكن موجودا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ولا في عهد التابعين، وقد ثبت عن بعض أئمة السنة إنكار ذلك، فجاء عن الإمام أحمد وغيره إنكار تقسيم الأخبار إلى أحاديث متواترة وآحاد، لا إنكار للوجود، فاءن الوجود لاشك أنه موجود ، وإنما إنكار لأثر التقسيم، يعني إنكار السلف رضوان الله عليهم لتقسيم الأخبار إلى آحاد ومتواتر إنما هو إنكار للأثر المترتب عن هذا التقسيم وليس إنكارا للوجود، الوجود موجود، سأذكر لكم كيف.
لذلك العلامة ابن القيم في الصواعق المرسلة جعل من الطواغيت والأوثان التي بنى عليها المعطلة رأيهم تقسيم الأحاديث إلى أحاديث متواترة و آحاد.
فاءذا لم يعجبه حديث الآحاد قال لايدخل الآحاد في العقائد ولايستدل به على الفقه ونحو ذلك.
حتى قال بعض المتفقهة: إن خبر الآحاد إذا خالف قول إمامنا أولناه مباشرة، أو حكمنا بنسخه، وهذا موجود في بعض الكتب كما في القواعد أظن الدبوسي وغيره المصدر:( شرح الورقات/ الشريط الخامس)

سادسا/د.محمد الجيزاني.
تقسيم السنة النبوية إلى قسمين: متواتر وآحاد، له اعتباران:
بالاعتبار الأول يكون هذا التقسيم صحيحًا مقبولاً لا غبار عليه، وبالاعتبار الثاني يكون هذا التقسيم باطلاً مردودًا.
أما الاعتبار الصحيح: فهو بالنظر إلى عدد الرواة، فالحديث الذي رواه عدد كبير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم، فهو متواتر، وما لم يكن بهذه الصفة فهو آحاد.
فهذا التقسيم بهذا الاعتبار يرجع إلى الاصطلاح، فما استوفى شروط التواتر فهو متواتر وإلا فآحاد.
أما الاعتبار الباطل: فهو بالنظر إلى الاحتجاج والعمل، فيقال: يقبل المتواتر دون الآحاد، في بعض المسائل والأبواب، وذلك كتجويز النسخ بالمتواتر دون الآحاد ، وكرد الآحاد دون المتواتر فيما عمت به البلوى وغير ذلك، فهذا التفريق باطل؛ إذ المتواتر والآحاد من السنة الواجب اتباعها، والأدلة الدالة على حجية السنة لم تفرق بين المتواتر والآحاد المصدر:(معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة/ص:146-147).

سابعا/د. يوسف الغفيص
01/تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد هو تقسيم وارد في الكتب المتأخرة لعلم مصطلح الحديث.
وقد وقع في كلام بعض المتقدمين كالإمام الشافعي ذكر متواتر السنة، ولكن التقسيم الذي وجد في كتب أصول الفقه ودخل على كتب المصطلح المتأخرة هو تقسيم باعتبار حده لا أصل له.
ذلك أنهم يقولون في حد المتواتر: هو ما رواه جماعةٌ عن جماعةٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب.
واختلفوا في هؤلاء الجماعة كم يكون عددهم، لكن جمهور ما يذكرونه يقارب العشرة، فعلى قولهم: لا يكون الحديث متواتراً عن النبي إلا إذا رواه عنه من الصحابة عشرة، ورواه عن كل واحد من العشرة عشرة، إما من صغار الصحابة وإما من التابعين، ورواه عن كل واحد من هؤلاء المائة عشرة بحيث يصل العدد إلى ألف.
والسوء في هذا الحد في نتيجته أيضاً، فإنهم قالوا: إن الاعتقاد لا يحتج فيه إلا بمتواتر.
وهذا الكلام الذي وضعه أئمة النظار من المعتزلة ومتكلمة الصفاتية، حقيقته إبعادٌ للسنة في الجملة عن الاستدلال في مسائل أصول الدين ..
فإنه لا ينطبق شرط المتواتر اللفظي إلا على عدد قليل جداً من الأحاديث، لهذا نجد أن أهل المصطلح -كـ ابن الصلاح ونحوه- البعيدين عن شر هذا العلم الكلامي المقاربين للسنة والجماعة لا يتعرضون لذكر هذا الحد؛ لأن مثاله إن لم يكن معدوماً، فإنه يسير جداً.
وهذا يلخص نتيجة: أنه ليس هناك متواتر لفظي من كلام الرسول إلا جملة يسيرة من الأحاديث، وهذا على أحسن تقدير إن لم نقل: إنه لا مثال له من جهة السنة، فهو إن ثبت فله مثال أو مثالان أو أمثلة ليست بالكثيرة، وهذا يستلزم أن جمهور كلام النبي عليه الصلاة والسلام الذي اتفق المحدثون عليه، واتفق عليه الصحابة، بل واتفقت عليه الأمة -لولا مخالفة هؤلاء النظار- والذي هو مبنى معتقدها مع كلام الله سبحانه و؛ أنه لا يصلح حجة في مسائل الاعتقاد ومسائل أصول الدين.
ونحن إذا بحثنا عن أصل الانحراف الذي وقع في مسائل أصول الدين عند المسلمين وجدناه في الإعراض عن سنة النبي .
فإن أول انحراف وقع في مسائل أصول الدين هو قول الخوارج الذين ظهروا في آخر خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، والذين حدث النبي عليه الصلاة والسلام بشأنهم، وذكرهم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما تواتر عنه، حتى قال الإمام أحمد: (صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه).
وقال شيخ الإسلام: (إن حديث الخوارج متواتر).
وقال فيهم النبي : (إنه يخرج من ضئضئ هذا -أي: ذي الخويصرة - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) وكان أول هؤلاء ظهوراً هو هذا الرجل الذي قام بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام وطعن في السنة، والسنة هنا هي قسمه للذهب الذي بعثه علي بن أبي طالب من اليمن، فقام هذا الرجل وطعن في قسم النبي ، لما قسمه الرسول بين أربعة نفر، وحقيقة هذا الطعن أنه طعنٌ في السنة النبوية.
كذلك لما ظهر هؤلاء القوم الذين حدث النبي بشأنهم، كان أخص ما فارقوا به أصول المسلمين أو استوجب مخالفتهم لمعتقد الصحابة م هو عدم أخذهم بسنة النبي ، فإنهم أخذوا جملاً مجملةً من القرآن كقول الله : إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [آل عمران:192] وكقوله: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة:20] ونحو ذلك، وتركوا مفصل السنة الذي ذكره الرسول بشأن الجهنمية، مع أن الصحابة كانوا يحدثون به بين ظهرانيهم.
وهذا يقود إلى نتيجة: وهي أن نظرية تقسيم السنة إلى آحاد ومتواتر، والتي هي مذكورة في كتب أصول الفقه وكتب المتكلمين في أصول الدين، ودخلت على الكتب المتأخرة في علم مصطلح الحديث ..
هذه النظرية يظهر تطبيقها جلياً في أفعال الخوارج وأقوالهم؛ فإن الخوارج لم يعتبروا هذه النصوص، وإنما اعتبروا القرآن وحده، فكأنهم يقولون: إنه لا يحتج بهذه النصوص التي رواها الصحابة لكونها ليست قطعية ..ولأنه قد يدخلها الخطأ
إلى غير ذلك.
فلما ظهر علم الكلام في قرن التابعين، وظهر النظار، كتبوا هذه النظرية التي رافقت بعض ألفاظها ألفاظاً تكلم بها أئمة الحديث من المتقدمين، فإن لفظ التواتر ولفظ الواحد من الألفاظ المستعملة في كلام متقدمي أئمة الحديث، فلما تشابهت الألفاظ لم يتبين كثيرٌ من المتأخرين الحد الذي يقصده المتقدمون من أئمة الحديث بلفظ الواحد من الحديث أو ما رواه الواحد، فإنهم لا يقصدون بما رواه الواحد ما تقصده أئمة النظار بالآحاد، وكذلك المتواتر الذي ذكره الشافعي وغيره لا يقصدون به المعنى الذي يذكره النظار من المتكلمين.
إذاً: هذا الحد لا شك أنه حد باطل؛ لأنه يستلزم أن جمهور السنة النبوية لا يصح أن يحتج بها في مسائل الاعتقاد، وهذا مبني على مسألة، وهي أن مسائل الاعتقاد لا بد أن تكون قطعية، وأن القطعي: هو الذي يثبت بعلمٍ قطعي، وأن العلم القطعي لا يثبت إلا بالمتواتر الذي شرطه أن يكون رواه جماعةٌ عن جماعة
إلخ، وأما ما عدا ذلك من الرواية والبلاغ والخبر فإنه يكون ظنياً، والظن لا يناسب أن يكون معتقداً للمسلمين.
ولا شك أن هذه الحدود وهذه التقارير لا تصح؛ فإن سائر معتقد أهل السنة والجماعة -ولا شك- ثبت بعلمٍ قطعي، ولكن الاختلاف مع هؤلاء النظار ليس في هذا، وإنما فيما يثبت به العلم، وما يكون دون ذلك من الظن، فإن المتفق عليه بين السلف أن الحديث إذا اتفق عليه المحدثون، وجرى عليه الصحابة م، ولم يقع بشأنه اختلاف، فإنه يفيد علماً ضرورياً قطعياً، وإن كان مخرجه من جهة الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام من جهة رجل أو رجلين أو نحو ذلك المصدر:( شرح العقيدة الواسطية/ص:18-22/ المفرغ).

02/بيان وجه بطلان تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد.
فيما يتعلق بأدلة القرآن فإن المنازعين في الجملة ينتهون فيها إلى التأويل، وأما دلائل السنة فإن من الطرق التي شاعت عند المتكلمين هو عدم قبول الخبر من أصله باعتبار أنه آحاد.
وهذه بدعة حدثت في المسلمين بكلام المتكلمين وأمثالهم ومن وافقهم من متأخري الفقهاء وبعض من تكلم في المصطلح فضلاً عن أهل أصول الفقه، بل إن هذا التقسيم بهذا الحد هو تقسيم مبتدع، أما تقسيم الأحاديث النبوية إلى متواتر وآحاد من جهته فليس فيه إشكال.
إذاً: الإشكال هو في الحد، فإنه إذا قيل في حد المتواتر: هو ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس، والآحاد ما دون ذلك ..
فهذا حد مبتدع؛ لأنه تكلف في ثبوت سنة النبي ؛ ولهذا ليس لهذا الحد مثال في جمهور السنة، بل كما قال بعض متأخري أهل الحديث: أنه لم يقع له حديث يصل إلى هذا الحد، الذي هو حد المتواتر!
ثم نقول: ما هي ثمرة هذا التقسيم؟
إن كان يُقصد به ضبط مسائل الإسناد فإننا نرى أن أئمة السنة وأئمة الحديث الأوائل لم يستعملوه، ولكن ترى أنه يذكر لمقصد واحد، وهي مسألة الدلالة، وليس لمسألة ثبوت الحديث، ولهذا اتفق أهل الحديث على ثبوت بعض الأحاديث التي هي آحاد، بل على ثبوت بعض الأحاديث التي هي غريبة، فإنه لم ينقل عن إمام من أئمة السنة أنه طعن في حديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات) مع أنه غريب.
إذاً هذا الحد ليس له ثمرة من جهة الثبوت، يعني ليس المقصود من وضعه مسألة الثبوت؛ فإن من أكثر الكلام فيه وهم أئمة الكلام أصلاً ليس لهم اختصاص بمعرفة الثابت وغير الثابت من النصوص.
حيث إن أئمة المتكلمين ليسوا من أهل العلم بمسائل الإسناد والرواية والرجال والاتصال والانقطاع والتواتر وعدمه، وإنما قرروا هذا الحد في مسألة الدلالة، وعنه رتبوا مسألة الدلالة القطعية والدلالة الظنية، وعنه قالوا: إن ما يتعلق بالاعتقاد لا يقبل فيه إلا المتواتر.
وبهذه الطريقة منعوا قبول جمهور ما جاء في السنة النبوية في مسائل الاعتقاد، فهذا حد متكلف مبتدع، فإن النبي كان يبعث الواحد من أصحابه بأصول الدين إلى قوم من أصناف المشركين، كما بعث دحية بن خليفة الكلبي بكتاب إلى هرقل، فترى أن الذي قابل هرقل الكتاب، والكتاب نقله واحد، وهو الذي حمله دحية بن خليفة الكلبي.
إذاً: الحجة كانت تقوم شرعاً في هدي النبي بواحد ثقة؛ مما يدل على أن هذا الحد متكلف ومبتدع، فإنه لو كان لا يقبل في الاعتقاد إلا المتواتر لما كانت الحجة قامت على أهل اليمن ببعث معاذ إليهم ..
وهلم جرا في الأقوام الذين بعث إليهم النبي واحداً من أصحابه.
ثم إنه ليس في دلائل الشرع ولا دلائل العقل أن الآحاد لا يقبل في الاعتقاد بحسب الحد الذي حدوه في الآحاد، وهو: أنه كل ما قابل المتواتر، بل على هذا الحد: جمهور السنة لا يقبل في العقيدة، بل على طريقة بعض أهل العلم الذي يقول: إنه لم يصلنا شيء من المتواتر اللفظي بحسب الحد الذي شاع عند المتأخرين.
إذاً: كأنه يقال: إن السنة لا تقبل في العقيدة!
ولهذا كان الاعتبار في القبول عند الأئمة رحمهم الله: بمسألة الصحة ومسألة تلقي الأمة له بالقبول، ولهذا كان حديث: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) مجمع على ثبوته باتصال سنده وصحته، ومن جهة أخرى بتلقي أئمة السلف له بالقبول وإنكارهم على من تأوله أو طعن فيه.
وكما أسلفت أنه ليس في دلائل الشرع ولا دلائل العقل دليل على هذا الحد، وحتى اللغة لا تفيده، فإن المتواتر هو ما شاع وتتابع، والتتابع هنا قد يكون تتابعاً في الرواية أو تتابعاً في القبول والعمل ...إلخ.
وأما الاستدلال بمثل ما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: (لما صلى النبي إحدى صلاتي العشي -كما يذكره بعض المتكلمين، وهذا جهل بحقيقة حدهم هم- فانحرف من ركعتين، فقال له ذو اليدين: يا رسول الله! قصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، ثم التفت إلى الناس فقال: ما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: صدق يا رسول الله إلخ) وفي رواية: (قالوا: صدق يا رسول الله! لم تصل إلا ركعتين) فمن يقول: إن خبر الواحد لا يحتج به مستدلاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعمل بخبر ذي اليدين لأنه واحد ..
يقال له: هذا ليس صحيحاً؛ لأنه على حدهم حتى مع خبر أبي بكر وعمر يبقى الأمر داخل دائرة الآحاد، لأنه بعد ما روى جماعة عن جماعة ..
وإنما هذا يفيد ما قرره كثير من الفقهاء من الحنابلة وغيرهم: أن الإمام إذا كان عنده يقين في نفسه فإنه لا يرجع إلى قول واحد في الصلاة ولو كان ثقةً ..
وهذا قول قوي، واستدلالهم بحديث أبي هريرة استدلال مناسب المصدر:( شرح الفتوى الحموية/ص:342--344/ المفرغ).

03/وينبه في هذه المسألة إلى مسألة تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، وسبق الإشارة إلى ذلك، فإن التقسيم المستعمل عند علماء الكلام الذي قالوا به: أن الآحاد لا يستعمل في العقائد، وحقيقة هذا المذهب أن السنة كلها لا تستعمل في العقائد؛ لأنهم قالوا: إنما يستعمل المتواتر.
وجمهورهم يعرفون المتواتر بأنه: ما رواه جماعة عن جماعة بإسناد متصل يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس، وصفة المتواتر على هذا الوجه: أن يرويه من الصحابة عشرة، وعن كل واحدٍ من العشرة عشرة، فيكون الرواة عن الصحابة مائة، وعن هؤلاء المائة، عن كل واحدٍ عشرة وهكذا، وهذا قد صرح كثير من الحفاظ كـ ابن الصلاح ونحوه بأنه لا مثال له، وبعضهم يقول: إنه لا ينضبط له إلا حديثٌ أو حديثان.
فعلى هذه الطريقة لا يستدل بشيء من السنة إلا في محلٍ أو محلين، هذا إذا سلم هذا المحل أو ذاك، وعليه فحقيقة قول من يقول من المتكلمين وأهل البدع: إنه لا يستدل إلا بالمتواتر؛ أنه لا يستدل بالسنة في العقائد؛ إلا إذا فسر المتواتر بما هو معروف في كلام السلف، وهو ما تلقاه الأئمة بالقبول، فإن هذا إذا التزموا به لزم من ذلك بطلان عقائدهم وبدعهم، كأحاديث الرؤية والشفاعة وغيرها.
ولهذا فأهل البدع يقولون عن أحاديث الرؤية: إنها آحاد، ويقولون عن أحاديث الشفاعة: إنها آحاد، مع أنها في الحقيقة متواترة على المعنى المعروف في كلام الشافعي وبعض المتقدمين من أهل العلم، فالقصد أن ما صح عن النبي ، وتلقاه العلماء بالقبول، فإنه يجب التزامه.
وأما الأحاديث التي تنازع فيها المتقدمون من السلف، من أئمة السنة والحديث، ككثير من الأحاديث المنقولة في الأحكام، فإن هذه مقامها على قدر من الاجتهاد باعتبار صحتها، فمن صححها فإنه يعتبرها، ومن لم يصححها لنوع من النظر والعلم رآه في هذه الرواية أو هذا الإسناد، فإنه لا يجوز أن يضاف إلى مخالفة السنة والجماعة.
وكذلك الإجماع، يقول الإمام ابن تيمية : (والإجماع المنضبط هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم)، فإن الإجماع يُذكر في كلام أهل العلم، ويراد به إما الإجماع المنضبط، وهو الحجة اللازمة التي مخالفته بدعة وضلال، وإما أن يراد الإجماع السكوتي، وهو في الجملة حجة ظنية، وإن كان بين الأصوليين نزاع في حجية الإجماع السكوتي المصدر:( شرح العقيدة الطحاوية/ص:363-364/ المفرغ)
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
سلسلة التقاسيم/السلسلة الثانية/تقريرات وتحريرات المعاصرين في مسألة تقسيم الدين إلى لب وقشور أبو علي زين العابدين بن علي حلقة العلوم الشرعية 0 26-01-2021 11:00 AM
سلسلة التقاسيم/السلسلة الأولى/تقريرات وتحريرات المعاصرين لمسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع. أبو علي زين العابدين بن علي حلقة العلوم الشرعية 0 25-01-2021 12:25 PM
سؤال عن كيفية معرفة أصل ألف المقصور الثالثة أم إبراهيم محفوظ حلقة النحو والتصريف وأصولهما 1 15-01-2018 02:16 AM
المقالة الثالثة من : إيقاظ الوسنان من زلاّت اللسان ( الشاطر ) محمد تبركان حلقة فقه اللغة ومعانيها 0 17-05-2012 01:02 PM
الأدب غرسٌ لمعلم اللغة العربية لو أراد وأجاد فريد البيدق حلقة البلاغة والنقد 0 23-04-2012 08:52 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 02:53 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ