ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة النحو والتصريف وأصولهما
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 18-07-2021, 02:36 AM
أسامة عبد الله محمد أسامة عبد الله محمد غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2021
التخصص : معلم لغة عربية
النوع : ذكر
المشاركات: 5
افتراضي من معضلات الإلغاز النحوي في الدربة والمران, إعراب (هو هو) أنموذجا:

من إشكالات التلغيز في الدربة والمران على الإعراب
إعراب (هو هو) أنموذجا.
أرسل أحد الإخوة ملغزا يطلب إعراب, (هو هو)، ، والحق أن في السؤال إشكالا، وفي الجملة إجمالا،وهو:
هل هذه الجملة كما وردت في السؤال تعد كلاما بالمعنى الاصطلاحي النحوي ليعرب ؟ أي, هل يحسن السكوت عليه؟ وهل تعد كما عرضت في الإلغاز كلاما فصيحا؟
وقد يعد بعضم ن يقرأ هذه السطور حول الأثر السلبي للإلغاز من العبث، فإنما هو من باب اللهو والترويح، أو أن كتابة هذه السطور حول كلام من قبيل اللغو من باب تضييع الوقت فيما هو قليل النيل، لكن، يا ترى، لماذا يسود في الوسط العام كراهية النحو والإعراب؟ وما الذي جرأ بعض المتحذلقين فكتب مقالا عنوانه, (الإعراب، هذا الخراب)؟
وقد مرت مرحلة لا يمكن تناسيها ولو على سبيل التاريخ ساد منهج يطمح لتجديد النحو، وذلك باعتبار أن ما شاع عند النحاة من تقاعيد معيارية أوقعت في كثير من الإشكالات، والأولى الاستغناء عن ذلك بالتعامل مع الظواهر بالوصفية، فغيروا أقسام الكلام ووسعوها، وعدوا فرضية أن الإعراب فرع عن المعنى مجرد فرضية ذهنية، لا يمكن إثباتها واقعا، وقد تبنى هذا المنهج أساتذة يشار إليهم بالبنان، ومن هؤلاء د. تمام حسان في كتبه, اللغة العربية معناها ومبناها، واللغة بين المعيارية والوصفية، ومناهج البحث في اللغة، فهو يفترض في كتابه اللغة العربية معناها ومبناها، نصا هرائيا كما يصفه على هيئة شعر فيقول في ص183:
"انظر مثلًا إلى ما يأتي:
قَاصَ التَّجِينُ شِحَالَه بِتَريسِهِ ... فاخِي فَلَمْ يَسْتَفِ بِطَاسيةِ الْبَرَنْ"
ثم يقوم بعد ذلك بإعراب هذا النص الهرائي كما يصفه، منتقدا قاعدة, أن الإعراب فرع عن المعنى.
وانظر كيف يتهكم بمن بعج القياس ومد النحو، وهو عبد الله ابن أبي إسحاق الحضرمي فيقول في الصفحة نفسها:
"إن من حسن الحظ أن ابن إسحاق -- لم يتأخر به زمانه حتى يقرأ ما يبدو هنا أنه أريد به أن يكون من قبيل الشعر, ولو قد حدث هذا لعده من شعر الجنّ, أو لزعم أن آدم قاله قبل أن يعلمه الله الأسماء كلها، ربما دون أن يردف ذلك بقوله: والله أعلم".
ثم يقول في ص184:
"ولو كان الإعراب فرع المعنى الدلالي ما استطعنا كذلك أن نعرب قول المجنون بن جندب:
محكوكة العينين معطاء القفا ... كأنما قدت على متن الصفا
تمشي على متن شراك أعجفا ... كأنما ينشر فيه مصحفا
فإن أبا العلاء العماني لم يستطع تفسير ذلك, ولم يستطع ذلك أبو عبيدة ولا الأصمعي ولا أبو زيد, وقال أبو زيد: إنه كلام مجنون ولا يعرف كلام المجانين إلّا مجنون".
فإن كان هذا حال من طالع كتب اللغة وتخصص فيها، فكيف بحال العامة؟!
وقد اشتد نكيره على العامل وتأثيره، وعنده أن ما يؤثر في الإعراب هي أمور وظيفية تنشأ من المستويات الثلاثة, الصوتي، الصرفي، التركيبي، وأما الدلالي فلا علاقة له بأمور المبنى ومنه الإعراب.
ساد هذا المنهج إلى أن ظهرت نظرية تشومسكي التوليدية والتحويلية، وترجمت إلى العربية، وعاد بعد المدارس المتأثرة بالوصفية للنحو هيبته.
فهل كنا بحاجة إلى تشومسكي ليعيد لنا هيبة النحو؟ وقد سبق أهل العربية إلى بيان المقصود بالنظم، وهو معاني النحو التي لم يدقق فيها د. تمام حسان ومن نهج نهجه، ومعاني النحو غير المعنى المعجمي.
لكن، ما علاقة هذا كله بالإشكالات في الإلاغز؟ وإعراب, (هو هو)،
إن هذه الألاغز التي ساد تداولها في أزمنة ليست بالقصيرة هي التي أتاحت لسلك التغريب التغلغل في نقد اللغة، فبدت عندهم كائنا جامدا، بينما علماؤنا المتقدمون تعاملوا معها على أنها شريان نابض يتدفق بالمعاني، وهي مع هذا لها قداسة وخصوصية لأنها اللغة التي بلغنا بها الوحي، من كلام الله وكلام رسوله .
ولعلك أيها القارئ الكريم حين تطالع كلام شيخ الإسلام الآتي في عود الضمير سترى ذلك جليا.

وقد أعرب بعض الإخوة بارك الله فيه هذه الجملة, (هو هو) بدون اعتبار ما فيها من إبهام، على أن الضمير (هو) الأول مبتدأ، والثاني خبر، ولذا وردت الأسئلة التالية:
هل تكلمت العرب بهذا الكلام على أنه جملة مؤسسة؟ وهل لهذين الضميرين المبهمين من عائد؟
إن من المسلمات المعلومة عند المبتدئين في دراسة النحو فضلا عن غيرهم أن موضوع علم النحو الكلام المركب المفيد بالوضع، ولا بد من شرط الإفادة، وهذه الجملة كما وردت في السؤال مكونة من ضمير مكرر للغائب، ويقول العلماء: إن الضمائر من الأسماء المبهمة، أي, لا تختص بمعين، فهي لا تدل على شخص بعينه مثلا، فكل شخص يقول أنا، ويصدق على كل مخاطب مذكر أن تقول له أنت، وضمائر الخطاب والتكلم استغني بدلالتهما على الحضور فلا يحتاجان إلى عائد، بينما ضمير الغائب لا بد فيه من عائد يعود عليه، إما مذكور، وإما موصوف في الذهن، كما هو الحال في ضمير الشأن, كما في قول الله : قل هو الله أحد، فليس للضمير ما يعود عليه، ولكن الذهن يقدره بالشأن أو القصة أو الحال، وقوله : وهو محرم عليكم إخراجهم، أي والشأن أو الحال أنه محرم عليكم، فهنا في جملة (هو هو) علام يعود الضمير المكرر؟ فلو قلت لشخص ابتداء: هو هو، فلن يفهم عنك مقالك، زد على ذلك أن العلماء فسروا استعمال العرب لضمير الفصل أو العماد بألا يلتبس المعنى بين ما هو مبتدأ وخبر، وما هو موصوف وصفة، وبين ما هو توكيد في مثل قولك: (العذر هو العذر)، وما أشبهها من التراكيب.
وأما ما تكلمت به العرب مما صورته مشابهة لهذه الجملة من تكرار الضمير فيها فإن العرب تكلمت به على وجود عائد، ومثاله ما يعرف بالمسألة الزنبورية، وفيها: كنت أظن أن النحل أشد لسعا من الزنبور، فإذا هو هي. فالمتكلم حين يسمع (فإذا هو هي)، لا يلتبس عليه الفهم, لأن للضميرين عائدا.

وكذلك في بيت أبي خراش الهذلي:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
فالضمير المكرر في البيت يرجع إلى الذين أمنوه ليقتلوه بقتيلهم، فللضمير مرجع، ويبقى في البيت, هل الضمير المكرر يعرب مبتدأ وخبرا؟ أم هو على سبيل التوكيد اللفظي؟
قال ابن فارس في الصاحبي في فقه اللغة ص /137:
" وربّما حَذفت العربُ ألف الاستفهام. ومن ذلك قول الهُذْلِيّ:
رَفوْنِي وقالوا يا خويلدُ لم ترَعْ ... فقلت وأنكرتُ الوجوهَ همُ همُ
أراد: أهم?".

وتبعه القرطبي في تفسيره ج11، ص287 وذلك عند كلامه على قول الله : أفإن مت فهم الخالدون، وغيرهما.
وذهب ابن جني في الخصائص إلى أن ما في اللفظ المكرر الثاني من المعنى ما ليس في اللفظ الأول، لكن، كأن سياق الكلام عنده على التقرير لا الاستفهام، جاء في الخصائص ج3، ص340-341:
" فإن قلت: فقد قال أبو النجم:
أنا أبو النجم وشعري شعري
وقال الآخر:
إذ الناس ناسٌ والبلاد بغرة ... وإذ أم عمار صديقٌ مساعف
"وقال آخر":
بلاد بها كنا وكنا نحلها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد
وقال الآخر:
هذه رجائي وهذي مصر عامرةً ... وأنت أنت وقد ناديت من كثب
وأنشد أبو زيد:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هُم هُم
قيل: هذا كله وغيره مما هو جار مجراه، محمول عندنا على معناه دون لفظه؛ ألا ترى أن المعنى: وشعري متناهٍ في الجودة، على ما تعرفه وكما بلغك، ، وقوله: إذ الناس ناس أي: إذ الناس أحرار، والبلاد أحرار، وأنت أنت أي: وأنت المعروف بالكرم، وهم هم أي: هم الذين أعرفهم بالشر والنكر لم يستحيلوا ولم يتغيروا".
وعلى تقدير الاستفهام فالضميران يعربان مبتدأ وخبرا، ولا إشكال، لتعلقهما بكلام سابق، ولهما عائد.
لكن، في ديوان الهذليين وفي شرح أشعار الهذليين، وفي كتاب الأغاني أن لهذه القصيدة قصة، وهذا سوقها بتمامها, لعلنا نستفيد منها المرجح.
قال صاحب خزانة الأدب ج1، ص440-442:
الشاهد الثاني والسبعون
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
لما تقدم في البيت قبله، أي: هم الذين يطردونني ويطلبون دمي.
وهذا البيت لأبي خراش الهذلي، مطلع قصيدة، وهي ستة عشر بيتاً، ذكر فيها تفلته من أعدائه حين صادفهم في الطريق كامنين له، وسرعة عدوه حتى نجا منهم.
روى السكري في " شرح أشعار الهذليين " عن الأخفش قال: " خرج أبو خراش وأم خراش يريدان بعض أهلهما، فمرا بخزاعة، فلما رأتهما خزاعة قالوا: هذا أبو خراش وامرأته فلا تهيجوهما حتى يدنوا منا. فقال أبو خراش لأم خراش: فإن سألوك فقولي: تخلف كأنه يقضي حاجة، وهو مار بكم. فمضت حتى إذا علم أبو خراش أنها قد جاوزت الثنية وأمنهم جاء يمشي رويداً حتى مر في وسطهم، فسلم فردوا عليه السلام، فقال: ممن أنتم؟ قالوا: إخوتك وبنو عمك منهم، فهموا به فعدا وعدوا على إثره، فأعجزهم وجعلوا ينظرون إليه ويرمونه، ونجا منهم " وفي " الأغاني " بسنده: " أن أبا خراش الهذلي خرج من أهله هذيل، يريد مكة، فقال لزوجته أم خراش: ويحك إني أريد مكة لبعض الحاجة، وإن بني الديل يطلبونني بترات، فإياك أن تذكريني؟ فخرج بها وكمن لحاجته، وخرجت إلى السوق لتشتري عطراً وما تحتاجه النساء فمر بها فتيان من بني الديل فقال أحدهما لصاحبه: أم خراش ورب الكعبة؟ فسلما عليها فقالت: بأبي أنتما من أنتما؟! فقالا: رجلان من أهلك هذيل. قالت: فإن أبا خراش معي فلا تذكراه لأحد، ونحن رائحون العشية. فجمع الرجلان جماعة وكمنوا في طريقه، فلما نظر إليهم قال لها: قتلتني. قالت: ما ذكرتك ورب الكعبة إلا لفتيين من هذيل. فقال: والله ما هما من هذيل ولكنهما من بني الديل، وقد جلسا لي وجمعا جماعة من قومهما، فإذا جزت عليهم فإنهم لن يعرضوا لك لئلا أستوحش فأفوتهم، فاركضي بعيرك وضعي عليه العصا. فكانت على قعود يسابق الريح. فلما دنا منهم وقد تلثموا ووضعوا تمراً على طريقه على كساء فوقف قليلاً كأنه يصلح شيئاً - وجازتهم أم خراش ووضعت العصا على قعودها - وتوثبوا إليه، فوثب العدو، وسبقهم ولم يلحقوه. وقال أبو خراش في ذلك هذه القصيدة " .
فهذه القصة على اختلاف رواياتها فيما ذكر من كتب تفيد بجزمه بأنهم أعداؤه، وسياق القصة على هذا يرجح جانب أن الكلام تقرير.
وعليه، فإن كان استفهاما فالإعراب على أن الضمير المكرر مبتدأ وخبره، وإن كان الكلام إخبارا فللإعراب وجهان, إما مبتدأ وخبر، وإما أن الضمير الأول مبتدأ والثاني توكيد لفظي والخبر محذوف تقديره الذين أخاف أو أحذر، أو هم هم أعدائي، فكأنه يخاطب نفسه حاثا لها على الحزم في الحذر والفرار، فالحاصل أن للضمير المكرر عائدا.
وكذلك الحال في عبارات سيبويه، وهو الذي حصلت معه المسألة الزنبورية، ومنها عن بدل الاشتمال ج1 ص151):
"ويكون على الوجه الآخرَ الذي أذكره لك وهو أن يَتكلّمَ فيقولَ رأيتُ قومَك ثم يَبْدوَ له أن يبيَّنَ ما الذى رأى منهم فيقولَ ثُلُثَيْهم أَو ناساً منهم | ولا يجوز أن تقول رأيتُ زيدا أباه والأبُ غيرُ زيد لأنّك لا تبينَّه بغيره ولا بشيء ليس منه | وكذلك لا تثنَّي الاسم توكيداً وليس بالأوَّل ولا شيء منه فإِنَّما تثنَّيه وتُؤكَّدُهُ مُثَنًّى بما هو منه أو هو هو"
فللضمير مرجع في بداية الكلام.
وأما استعماله هكذا بلا عائد، وبلا سياق يلتحق به فإنه بغض النظر عن سلوك الإلغاز يدخل فيه أمور كثيرة دخلت في الفلسفة والإلهيات، وعلم النفس، ومسائل جدلية لا خير فيها، اقرأ كلام شيخ الإسلام في ج10 ص226-227:
ويبين ذلك أن أفضل الذكر " لا إله إلا الله " كما رواه الترمذي وابن أبي الدنيا وغيرهما مرفوعا إلى النبي أنه قال : أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله وفي الموطأ وغيره عن طلحة بن عبد الله بن كثير أن النبي قال : أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير

. ومن زعم أن هذا ذكر العامة وأن ذكر الخاصة هو الاسم المفرد وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر فهم ضالون غالطون . واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله : قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون من أبين غلط هؤلاء فإن الاسم هو مذكور في الأمر بجواب الاستفهام . وهو قوله : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس إلى قوله قل الله أي الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى فالاسم مبتدأ وخبره قد دل عليه الاستفهام كما في نظائر ذلك تقول : من جاره فيقول زيد . وأما الاسم المفرد مظهرا أو مضمرا فليس بكلام تام ولا جملة مفيدة ولا يتعلق به إيمان ولا كفر ولا أمر ولا نهي ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة ولا شرع ذلك رسول الله ولا يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة ولا حالا نافعا وإنما يعطيه تصورا مطلقا لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات فإن لم يقترن به من معرفة القلب وحاله ما يفيد بنفسه وإلا لم يكن فيه فائدة . والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره . وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد وأنواع من الاتحاد . كما قد بسط في غير هذا الموضع . وما يذكر عن بعض الشيوخ من أنه قال : أخاف أن أموت بين النفي والإثبات . حال لا يقتدى فيها بصاحبها فإن في ذلك من الغلط ما لا خفاء به ; إذ لو مات العبد في هذه الحال لم يمت إلا على ما قصده ونواه إذ الأعمال بالنيات وقد ثبت أن النبي أمر بتلقين الميت لا إله إلا الله وقال : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ولو كان ما ذكره محذورا لم يلقن الميت كلمة يخاف أن يموت في أثنائها موتا غير محمود بل كان يلقن ما اختاره من ذكر الاسم المفرد".
فالإخلال بشرط الإفادة التي يحسن السكوت عليها سبب في الوقوع في الإلحاد، والحيدة عن منهج النبوة في الذكر بورع لا حقيقة له، وهو خوف الموت بين النفي والإثبات في كلمة التوحيد، هذا والاسم المفرد له معنى معجمي متعارف عليه، فكيف باستعمال المبهمات معزولة عن سياقها؟
قال شيخ الإسلام بعد ذلك في المصدر نفسه ص227
"والذكر بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السنة وأدخل في البدعة وأقرب إلى إضلال الشيطان فإن من قال : يا هو يا هو أو : هو هو . ونحو ذلك لم يكن الضمير عائدا إلا إلى ما يصوره قلبه والقلب قد يهتدي وقد يضل وقد صنف صاحب " الفصوص " كتابا سماه " كتاب الهو " وزعم بعضهم أن قوله : وما يعلم تأويله إلا الله معناه وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو " الهو ".
فتأمل قوله, " لَمْ يَكُنْ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَّا إلَى مَا يُصَوِّرُهُ قَلْبُهُ وَالْقَلْبُ قَدْ يَهْتَدِي وَقَدْ يَضِلّ"، فليس كل قلب يوفق إلى معرفة الله بما بأسمائه وصفاته على الوجه الشرعي، وقد يتراءى له وهو ينادي بهذا النداء أو يسمع هاتفا يغره بأنه هو الله، أو ال(هو) الذي يخاطبه، كل ذلك بسبب الإخلال بشرط الكلام، واستعمال الضمير المبهم بلا عود، إلا إلى ما تصوره الذهن، وجال في الخاطر، وكيف لأعرف المعارف أن يعبر عنه بغير ما سمى به نفسه، بل يعبر عنه بالمبهمات؟

إلى أن قال ص233:
"والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه هو ذكره " بجملة تامة " وهو المسمى بالكلام والواحد منه بالكلمة وهو الذي ينفع القلوب ويحصل به الثواب والأجر والقرب إلى الله ومعرفته ومحبته وخشيته وغير ذلك من المطالب العالية والمقاصد السامية . وأما الاقتصار على " الاسم المفرد " مظهرا أو مضمرا فلا أصل له فضلا عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات وذريعة إلى تصورات أحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع"

وقال أيضا ج10، ص565
"فثبت بما ذكرناه أن ذكر الاسم المجرد ليس مستحبا ; فضلا عن أن يكون هو ذكر الخاصة . وأبعد من ذلك ذكر " الاسم المضمر " وهو : " هو " . فإن هذا بنفسه لا يدل على معين وإنما هو بحسب ما يفسره من مذكور أو معلوم فيبقى معناه بحسب قصد المتكلم ونيته ; ولهذا قد يذكر به من يعتقد [ أن ] الحق الوجود المطلق .
وقد يقول : " لا هو إلا هو " ويسري قلبه في " وحدة الوجود " ومذهب فرعون والإسماعيلية وزنادقة هؤلاء المتصوفة المتأخرين بحيث يكون قوله " هو " كقوله : " وجوده " . وقد يعني بقوله : " لا هو إلا هو " أي : أنه هو الوجود وأنه ما ثم خلق أصلا ، وأن الرب والعبد والحق والخلق شيء واحد . كما بينته من مذهب " الاتحادية " في غير هذا الموضع".

فلإبهام ضمير الغائب وحاجته إلى العائد لم يسعف الصوفية وأهل الباطل استعمال الضمير ولو في جملة لينجوا من الابتداع فضلا عن إلحاد الملحدين، حتى وهم يقولون: يا هو يا من لا هو إلا هو، أو يقولون هو هو زاعمين أنهم يقصدون بذلك الله جل جلاله، فلربما استعمل المبتدعة الإجمال فقال هذه العبارة والضمير فيها يعود على ما أضمره في نفسه، لكن العبارة ب(لا إله إلا الله) لا يرتاب فيها مرتاب، لأنه لا إجمال فيها.

الخلاصة:
هذه الجملة ولو كانت على سبيل الدربة والمران ليست على سنن العرب في كلامها بل هي على سبيل أصحاب المجملات من حلولية واتحادية وفلاسفة، والواجب التعامل مع اللغة العربية على أنها شريان نابض بالمعاني النفيسة، والدرر الثمينة، فالنحو وسيلة لا غاية، وسيلة لتفهم الوحيين أولا، ولكلام العرب ثانيا، واستخدامه وسيلة يوقف على مكنونات وأسرار تبهر العربي الذي بعدت به الشقة بينه وبين لغته، وتغير نظرته للنحو من ذلك الكائن الجامد ذي القوالب المصنعة سلفا، إلى ذلك الدليل الساطع على حياة لغة العرب, لغة الوحيين.
وأما هذه العبارة على سبيل الإلغاز فحالها كما جاءت في السؤال بين أمرين, إما هراء لا معنى له، وإما مجملة يمكن أن يستخدمها أصحاب الأهواء لخدمة أهوائهم، ولكي تكون هذه الجملة على سنن العرب لا بد من عود الضمير على مذكور أو معلوم في الذهن يمنع التصورات الباطلة، واطلاع العربي على شيء من أسرار لغته الحية يبصره بالفارق الدقيق بين معاني النحو التي عناها أهل التصنيف في العربية، وبين ما انتقده المتأثرون بفكر الغرب من تمارين جامدة كانت من أحد أسباب نقدهم للنحو العربي.
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
إعراب سورة النصر .. من "إعراب القرآن وبيانه" للدكتور محيي الدين درويش فريد البيدق حلقة النحو والتصريف وأصولهما 0 24-01-2012 11:42 PM
إعراب سورة " العصر " .. من " الجدول في إعراب القرآن " محمود بن عبد الرحيم صافي فريد البيدق حلقة النحو والتصريف وأصولهما 0 16-06-2011 09:19 PM
إعراب سورة الفيل .. من "إعراب القرآن وبيانه" للدكتور درويش فريد البيدق حلقة النحو والتصريف وأصولهما 0 10-06-2011 09:32 PM
إعراب الفاتحة .. من " إعراب القرآن الكريم " قاسم حميدان دعاس فريد البيدق حلقة النحو والتصريف وأصولهما 1 12-05-2011 12:26 PM
بين النحوي و البلاغي ! السامي حلقة النحو والتصريف وأصولهما 1 16-07-2008 10:40 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 05:03 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ