ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة العلوم الشرعية
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 30-04-2024, 07:55 AM
محمد البلالي محمد البلالي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: May 2014
السُّكنى في: اليمن
التخصص : نحو وصرف
النوع : ذكر
المشاركات: 332
افتراضي الاستخلاص لتنبيهاتٍ عن دقائقَ خادشةٍ في الإخلاص .

الحمدُ لله والصلاةُ والسلامُ على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعدُ :

فإن أعظم ما يأتي به العبد ويقربه بين يدي ربه سبحانه و حسنة التوحيد ، كما أن عظم ذنب يقترفه العبد الشركُ ، ولا خلاف بين العلماء في ذلك .

ألا وإن التوحيد يجب أن يكون خالصا لا تشوبه شائبة من الشوائب الخادشة فيه ، مما قد ينقصه أو يذهبه بالكلية والعياذ بالله ، وإن من أخطر ما يهدد توحيدَ العبدِ الخالصَ الشركَ الأصغرَ ، وذلك أنه على التحقيق إذا مات عليه العبد لم يُغفَر ، والدليل على ذلك قوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ووجه الدلالة من الآية أن قوله أن يشرك به هي مصدر مؤوُّلٌ من ( أن ) المصدرية مع الفعل والتقدير ) ( لا يغفر شركا ) فهو نكرة في سياق النفي وهو يفيد العموم ، والمعنى أن الله لا يغفر أي نوع أنواع الشرك صَغُرَ أم كَبُرَ نسأل الله العافية ، وهذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ حيث قال في رده على البكري بأن من مات على ذلك فإنه يعاقب بدخول النار فقال : وقد يقال الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى عموم القرآن وإن كان صاحب الشرك الأصغر يموت مسلما لكن شركه لا يغفر له بل يعاقب عليه وإن دخل بعد ذلك الجنة اه‍ .

ويؤكد ذلك الإمام ابن مفلح حيث قال في الفروع : ﻭﻗﺎﻝ ( أي ابن تيمية ) : ﻭاﻟﺸﺮﻙ ﻻ ﻳﻐﻔﺮﻩ اﻟﻠﻪ ﻭﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﺃﺻﻐﺮ اه‍ .

فإذا كان الأمر بهذه الخطورة ؛ فيجب على المسلم معاهدة قلبه ما استطاع ، وتصحيح نيته ، وعدم التفاته إلى المخلوقين ، وغيرها مما يكون نقيضه مضادا أو خادشا للتوحيد ؛ لأنه قد يترتب عليه فضلٌ مشروطٌ بذلك كحديث ابن عباس ما قال : ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ يقول : ﻣﺎ ﻣﻦ ﺭﺟﻞ ﻣﺴﻠﻢ ﻳﻤﻮﺕ، ﻓﻳﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺟﻨﺎﺯﺗﻪ ﺃﺭﺑﻌﻮﻥ ﺭﺟﻼ، ﻻ ﻳﺸﺮﻛﻮﻥ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﺷﻴﺌﺎ، ﺇﻻ ﺷﻔﻌﻬﻢ اﻟﻠﻪ ﻓﻴﻪ رواه مسلم ؛ فكثير من الناس حين يرى الجموع الكبيرة في جنازة أحد من المسلمين يحسن الظن إحسانا لعله مبالغ فيه ؛ فهل تُرى يصفو له منهم الأربعون المنطبقُ عليهم الشرط المذكور بالسلامة من الشرك كله ، صغيره وكبيره ، دقيقه وجليله ، خفيّه وجليّه كما دلت عليه النكرة في سياق النفي ، مما قد لا يسلم منه امرؤ إلا أن يشاء الله خاصة دقائقَ الشوائب ، نسأل الله العافية .

ولأن الغالب أن دقائقه تخفى على الكثير ، ولا يلتفت إليها إلا من وفقه الله ؛ فإننا نذكر منها ما نبه عليه بعض العارفين من السالكين العالِمين بهذه الخفايا والخبايا ، وأخص بالنقل شيخَ الإسلام ابن تيمية لعجيب وعظيم ونفيس ما يذكره ؛ فنقول مستعينين بالله :

✍️ التوجه والميل القلبي إلى المخلوق خوفا أو رجاءً مذموما :
وأصل ذلك قد دل عليه حديثُ ابن عباس ما المشهورُ ، وفيه ﻭاﻋﻠﻢ ﺃﻥ اﻷﻣﺔ ﻟﻮ اﺟﺘﻤﻌﺖ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻳﻨﻔﻌﻮﻙ ﺑﺸﻲء ﻟﻢ ﻳﻨﻔﻌﻮﻙ ﺇﻻ ﺑﺸﻲء ﻗﺪ ﻛﺘﺒﻪ اﻟﻠﻪ ﻟﻚ، ﻭﻟﻮ اﺟﺘﻤﻌﻮا ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻳﻀﺮﻭﻙ ﺑﺸﻲء ﻟﻢ ﻳﻀﺮﻭﻙ ﺇﻻ ﺑﺸﻲء ﻗﺪ ﻛﺘﺒﻪ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻚ أخرجه الترمذي ؛ فانظر كيف أن رسول الله قد أرشدنا إلى حسم مادة الخوف أو الرجاء من المخلوقين ؛ فالجُزئية الأولى من النص تتعلق بحسم مادة الرجاء ، والثانية بحسم مادة الخوف ، والسالم من ذلك هو الموحد حقا وصدقا ، ولذلك كان الأنبياء والمرسلون هم أكملَ الخلق وأصحَّهُم توحيدا ؛ فالناظر إلى أحوالهم وأقوالهم مع أقوامهم يرى ذلك جليا حيث يقولون فيما يتعلق بعدم رجائهم وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ، ﻓﺈﻥ ﺗﻮﻟﻴﺘﻢ ﻓﻤﺎ ﺳﺄﻟﺘﻜﻢ ﻣﻦ ﺃﺟﺮ ﺇﻥ ﺃﺟﺮي ﺇﻻ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪ ، ﻗﻞ ﻣﺎ ﺃﺳﺌﻠﻜﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺃﺟﺮ ، وغيرها من الآيات .

وأما ما يتعلق بعدم خوفهم فظاهرٌ جدا في صدعهم بالحق حيث يأتي الرسول وحده في أول أمره داعيا إلى توحيد الله مجابها إياهم وحده لا يخاف إلا الله ، وهذا هو السر في كون الأنبياء هم أشجع الناس على الإطلاق ، وكذا الأمر فيما يتعلق بصاحب التوحيد الصحيح الخالص ؛ فالموحدون الخُلَّص هم أشجع الناس بعد الأنبياء والمرسلين .

وانظر إلى عظيم ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه عن هذا الأمر ﻭﻛﺬا اﻟﺨﻮﻑ ﻭاﻟﺮﺟﺎء ﻭﻣﺎ ﺃﺷﺒﻪ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﻛﻤﻞ ﺧﻮﻑ اﻟﻌﺒﺪ ﻣﻦ ﺭﺑﻪ ﻟﻢ ﻳﺨﻒ ﺷﻴﺌﺎ ﺳﻮاﻩ ﻗﺎﻝ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺒﻠﻐﻮﻥ ﺭﺳﺎﻻﺕ اﻟﻠﻪ ﻭﻳﺨﺸﻮﻧﻪ ﻭﻻ ﻳﺨﺸﻮﻥ ﺃﺣﺪا ﺇﻻ اﻟﻠﻪ ﻭﺇﺫا ﻧﻘﺺ ﺧﻮﻓﻪ ﺧﺎﻑ ﻣﻦ اﻟﻤﺨﻠﻮﻕ ﻭﻋﻠﻰ ﻗﺪﺭ ﻧﻘﺺ اﻟﺨﻮﻑ ﻭﺯﻳﺎﺩﺗﻪ ﻳﻜﻮﻥ اﻟﺨﻮﻑ ﻛﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﻛﺬا اﻟﺮﺟﺎء ﻭﻏﻴﺮﻩ ؛ ﻓﻬﺬا ﻫﻮ اﻟﺸﺮﻙ اﻟﺨﻔﻲ اﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻜﺎﺩ ﺃﺣﺪ ﺃﻥ ﻳﺴﻠﻢ ﻣﻨﻪ ﺇﻻ ﻣﻦ ﻋﺼﻤﻪ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ، ﻭﻗﺪ ﺭﻭﻱ ﺃﻥ اﻟﺸﺮﻙ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻷﻣﺔ ﺃﺧﻔﻰ ﻣﻦ ﺩﺑﻴﺐ اﻟﻨﻤﻞ ، ﻭﻃﺮﻳﻖ اﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ اﻵﻓﺎﺕ ﻛﻠﻬﺎ اﻹﺧﻼﺹ ﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ﻗﺎﻝ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻤﻦ ﻛﺎﻥ ﻳﺮﺟﻮا ﻟﻘﺎء ﺭﺑﻪ ﻓﻠﻴﻌﻤﻞ ﻋﻤﻼ ﺻﺎﻟﺤﺎ ﻭﻻ ﻳﺸﺮﻙ ﺑﻌﺒﺎﺩﺓ ﺭﺑﻪ ﺃﺣﺪا اه‍ .

وقال أيضا : ﻭاﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻳﺄﻣﺮ ﺑﺎﻟﺸﺮﻙ ﻭاﻟﻨﻔﺲ ﺗﻄﻴﻌﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻓﻼ ﺗﺰاﻝ اﻟﻨﻔﺲ ﺗﻠﺘﻔﺖ ﺇﻟﻰ ﻏﻴﺮ اﻟﻠﻪ ، ﺇﻣﺎ ﺧﻮﻓﺎ ﻣﻨﻪ ﻭﺇﻣﺎ ﺭﺟﺎء ﻟﻪ ﻓﻼ ﻳﺰاﻝ اﻟﻌﺒﺪ ﻣﻔﺘﻘﺮا ﺇﻟﻰ ﺗﺨﻠﻴﺺ ﺗﻮﺣﻴﺪﻩ ﻣﻦ ﺷﻮاﺋﺐ اﻟﺸﺮﻙ اه‍ .

قلتُ : وتأمل كذلك كثيرا من نصوص الشريعة تجدها راجعةً إلى هذا الأصل العظيم ( عدم الخوف من المخلوق أو الرجاء فيه ) كالنصوص الآمرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فكلما قوي عدم خوف العبد من المخلوقين كان أقوَمَ بهذا الأمر وأكمل به من غيره ، وكلما ضَعُفَ ذلك ضَعُفَ قيامه به حتى قد يصل إلى نفي الإيمان عنه كما قال فيمن ترك أضعف مراتب الإنكار في حديث آخر : وليس ﻭﺭاء ﺫﻟﻚ ﻣﻦ اﻹﻳﻤﺎﻥ ﺣﺒﺔ ﺧﺮﺩﻝ نسأل الله العافية .

وليس المقصود بذلك الانفلات من بعض المتهورين دون النظر إلى ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المعروفة عند أهل العلم ، وطالب العلم يعلم المقصود بذلك .

وكالنصوص الذامة للمسألة أو الاستشراف كقوله لعمر في الصحيحين ﺇﺫا ﺟﺎءﻙ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻤﺎﻝ ﺷﻲء ﻭﺃﻧﺖ ﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻑ ﻭﻻ ﺳﺎﺋﻞ، ﻓﺨﺬﻩ ﻭﻣﺎ ﻻ ﻓﻻ ﺗﺘﺒﻌﻪ ﻧﻔﺴﻚ والمسألة معروفة ، وأما الاستشراف فهو التطلع القلبي لما في أيدي الناس ؛ فنهى عن ذلك حسما لمادة التعلق القلبي والرجاء المذموم ، وصيانة لتوحيد وإخلاص العبد ؛ فتأمل .

وقد جُمِعَ ذم هاتين الصفتين ( الرجاء والخوف المذموم ) في حديث أبي هريرة قال : ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻳﻘﻮﻝ: ﺷﺮ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺭﺟﻞ ﺷﺢ ﻫﺎﻟﻊ ﻭﺟﺒﻦ ﺧﺎﻟﻊ أخرجه أحمد وغيره .

والشح الهالع : هو البخل الشديد الحامل له على عدم القيام بالحق الشرعي المتعلق بالأموال من زكوات وصدقات ونحوها والإنفاق في وجوه الخير خشية الفقر ، وما ذلك إلا لشدة جزعه وتعلقه ورجائه المذموم في المال .
والجبن الخالع : هو الخوف الشديد الزائد عن الحد ﻛﺄﻧﻪ ﻳﺨﻠﻊ ﻓﺆاﺩﻩ ﻣﻦ ﺷﺪﺓ ﺧﻮﻓﻪ ،عافانا الله وإياكم .

✍️ مقارفة المعاصي والذنوب :
وهي من الأمور الخادشة في إخلاص العبد وتوحيده ، وكلما كان العبد أبعد عنها كان إخلاصه أسلم من غيره ، وتأمل هذا الكلام العجيب النفيس من شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال : ﻭﻛﻠﻤﺎ ﺣﻘﻖ اﻟﻌﺒﺪ اﻹﺧﻼﺹ ﻓﻲ ﻗﻮﻝ: ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ ﺧﺮﺝ ﻣﻦ ﻗﻠﺒﻪ ﺗﺄﻟﻪ ﻣﺎ ﻳﻬﻮاﻩ ﻭﺗﺼﺮﻑ ﻋﻨﻪ اﻟﻤﻌﺎﺻﻲ ﻭاﻟﺬﻧﻮﺏ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﻛﺬﻟﻚ ﻟﻨﺼﺮﻑ ﻋﻨﻪ اﻟﺴﻮء ﻭاﻟﻔﺤﺸﺎء ﺇﻧﻪ ﻣﻦ ﻋﺒﺎﺩﻧﺎ اﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ﻓﻌﻠﻞ ﺻﺮﻑ اﻟﺴﻮء ﻭاﻟﻔﺤﺸﺎء ﻋﻨﻪ ﺑﺄﻧﻪ ﻣﻦ ﻋﺒﺎﺩ اﻟﻠﻪ اﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ﻭﻫﺆﻻء ﻫﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻗﺎﻝ ﻓﻴﻬﻢ: ﺇﻥ ﻋﺒﺎﺩﻱ ﻟﻴﺲ ﻟﻚ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺳﻠﻄﺎﻥ ، ﻭﻗﺎﻝ اﻟﺸﻴﻄﺎﻥ: ﻗﺎﻝ ﻓﺒﻌﺰﺗﻚ ﻷﻏﻮﻳﻨﻬﻢ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ ﺇﻻ ﻋﺒﺎﺩﻙ ﻣﻨﻬﻢ اﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ، ﻭﻗﺪ ﺛﺒﺖ ﻓﻲ اﻟﺼﺤﻴﺢ ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺃﻧﻪ ﻗﺎﻝ: ﻣﻦ ﻗﺎﻝ ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ ﻣﺨﻠﺼﺎ ﻣﻦ ﻗﻠﺒﻪ ﺣﺮﻣﻪ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺎﺭ ؛ ﻓﺈﻥ اﻹﺧﻼﺹ ﻳﻨﻔﻲ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺩﺧﻮﻝ اﻟﻨﺎﺭ؛ ﻓﻤﻦ ﺩﺧﻞ اﻟﻨﺎﺭ ﻣﻦ اﻟﻘﺎﺋﻠﻴﻦ ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ ﻟﻢ ﻳﺤﻘﻖ ﺇﺧﻼﺻﻬﺎ اﻟﻤﺤﺮﻡ ﻟﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺎﺭ؛ ﺑﻞ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ اﻟﺸﺮﻙ اﻟﺬﻱ ﺃﻭﻗﻌﻪ ﻓﻴﻤﺎ ﺃﺩﺧﻠﻪ اﻟﻨﺎﺭ ﻭاﻟﺸﺮﻙ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻷﻣﺔ ﺃﺧﻔﻰ ﻣﻦ ﺩﺑﻴﺐ اﻟﻨﻤﻞ اه‍ .

✍️انتظار الشكر والجزاء من الناس عند فعل الخير ، والانزعاج من عدم حصول ذلك :
وهذا البلاء حاصل ، وواقع ماله من دافع ؛ فقل أن تجد من يسلم منه ، ومن أظهر صوره شهود استحقاق النفس لذلك عند فعل الخير ، وهو نوعٌ من المَنِّ الخفي ، وقد امتدح الله طائفة من العابدين السالمين من هذه الصفة فقال عنهم : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند هذه الآية : ﻭﻣﻦ ﻃﻠﺐ ﻣﻦ اﻟﻔﻘﺮاء اﻟﺪﻋﺎء ﺃﻭ اﻟﺜﻨﺎء ﺧﺮﺝ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ اﻵﻳﺔ اه‍ .

وقال مادحا أبا بكر الصِّدِّيقَ لخلوه من ذلك : ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﻛﻤﺎﻟﻪ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻌﻤﻞ ﻣﺎ ﻳﻌﻤﻠﻪ ﺇﻻ اﺑﺘﻐﺎء ﻭﺟﻪ ﺭﺑﻪ اﻷﻋﻠﻰ ﻻ ﻳﻄﻠﺐ ﺟﺰاء ﻣﻦ ﺃﺣﺪ ﻣﻦ اﻟﺨﻠﻖ ﻻ اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﻭﻻ اﻷﻧﺒﻴﺎء ﻭﻻ ﻏﻴﺮﻫﻢ ، ﻭﻣﻦ اﻟﺠﺰاء ﺃﻥ ﻳﻄﻠﺐ اﻟﺪﻋﺎء ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻤﻦ ﺃﺛﻨﻰ ﻋﻠﻴﻬﻢ: ﺇﻧﻤﺎ ﻧﻄﻌﻤﻜﻢ ﻟﻮﺟﻪ اﻟﻠﻪ ﻻ ﻧﺮﻳﺪ ﻣﻨﻜﻢ ﺟﺰاء ﻭﻻ ﺷﻜﻮﺭا ، ﻭاﻟﺪﻋﺎء ﺟﺰاء ﻛﻤﺎ ﻓﻲ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻣﻦ ﺃﺳﺪﻯ ﺇﻟﻴﻜﻢ ﻣﻌﺮﻭﻓﺎ ﻓﻜﺎﻓﺌﻮﻩ ﻓﺈﻥ ﻟﻢ ﺗﺠﺪﻭا ﻣﺎ ﺗﻜﺎﻓﺌﻮﻧﻪ ﺑﻪ ﻓﺎﺩﻋﻮا ﻟﻪ ﺣﺘﻰ ﺗﻌﻠﻤﻮا ﺃﻥ ﻗﺪ ﻛﺎﻓﺄﺗﻤﻮﻩ اه‍ .

قلتُ : جماهير الناس اليوم لا يسلمون من هذا الأمر ؛ فتجد الذي يعطي الفقير أو المسكين يبادر إلى قول : ( ادع لي ، أو الدعوة يا فلان ) والله المستعان .

ولأجل ذلك نهى الله عن المَنِّ لما فيه من شهود استحقاق النفس مع الأذية الحاصلة للمُعطَى له ؛ فقال : ﻳﺎ ﺃﻳﻬﺎ اﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮا ﻻ ﺗﺒﻄﻠﻮا ﺻﺪﻗﺎﺗﻜﻢ ﺑﺎﻟﻤﻦ ﻭاﻷﺫﻯ ﻛﺎﻟﺬﻱ ﻳﻨﻔﻖ ﻣﺎﻟﻪ ﺭﺋﺎء اﻟﻨﺎﺱ ﻭﻻ ﻳﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭاﻟﻴﻮﻡ اﻵﺧﺮ… ؛ فانظر كيف شَبَّهَ حال المانِّ بالصدقة بالمنفق رياء ممن لا يريد إلا المدح والثناء والحظ الدنيوي عموما ، نسأل الله السلامة .


فائدة جليلة نختم بها المقال :
إن من أبين وأظهر الأدلة على صفاء القلب وخلوه من الشوائب ، عدم غلبة الوساوس والتسلطات الشيطانية عليه ؛ فلا سبيل للشيطان إلى قلوب المخلصين كما قال عنه ﻓﺒﻌﺰﺗﻚ ﻷﻏﻮﻳﻨﻬﻢ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ ﺇﻻ ﻋﺒﺎﺩﻙ ﻣﻨﻬﻢ اﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ، وقال أيضا سبحانه ﺇﻥ ﻋﺒﺎﺩﻱ ﻟﻴﺲ ﻟﻚ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺳﻠﻄﺎﻥ ﺇﻻ ﻣﻦ اﺗﺒﻌﻚ ﻣﻦ اﻟﻐﺎﻭﻳﻦ ، وقال : ﺇﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﺳﻠﻄﺎﻥ ﻋﻠﻰ اﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮا ﻭﻋﻠﻰ ﺭﺑﻬﻢ ﻳﺘﻮﻛﻠﻮﻥ ﺇﻧﻤﺎ ﺳﻠﻄﺎﻧﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﻮﻟﻮﻧﻪ ﻭاﻟﺬﻳﻦ ﻫﻢ ﺑﻪ ﻣﺸﺮﻛﻮﻥ .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ﻓﺒﻴﻦ ﺃﻥ ﺳﻠﻄﺎﻥ اﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻭﺇﻏﻮاءﻩ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻟﻐﻴﺮ اﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ؛ ﻭﻟﻬﺬا ﻗﺎﻝ ﻓﻲ ﻗﺼﺔ ﻳﻮﺳﻒ: ﻛﺬﻟﻚ ﻟﻨﺼﺮﻑ ﻋﻨﻪ اﻟﺴﻮء ﻭاﻟﻔﺤﺸﺎء ﺇﻧﻪ ﻣﻦ ﻋﺒﺎﺩﻧﺎ اﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ﻭﺃﺗﺒﺎﻉ اﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻫﻢ ﺃﺻﺤﺎﺏ اﻟﻨﺎﺭ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﻷﻣﻸﻥ ﺟﻬﻨﻢ ﻣﻨﻚ ﻭﻣﻤﻦ ﺗﺒﻌﻚ ﻣﻨﻬﻢ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ ، وقال أيضا : ﻭاﻟﻤﺨﻠﺼﻮﻥ ﻫﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﺒﺪﻭﻧﻪ ﻭﺣﺪﻩ ﻻ ﻳﺸﺮﻛﻮﻥ ﺑﻪ ﺷﻴﺌﺎ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳﻌﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻤﺎ ﺃﻣﺮ ﺑﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻟﺴﻨﺔ ﺭﺳﻠﻪ ﻓﻤﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻛﺬﻟﻚ ﺗﻮﻟﺘﻪ اﻟﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ، وقال : ﻓﺈﺑﻠﻴﺲ ﻻ ﻳﻐﻮﻱ اﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ، ﻭﻻ ﺳﻠﻄﺎﻥ ﻟﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺇﻧﻤﺎ ﺳﻠﻄﺎﻧﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﻐﺎﻭﻳﻦ ، ﻭﻫﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﻮﻟﻮﻧﻪ ، ﻭﻫﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﺑﻪ ﻣﺸﺮﻛﻮﻥ اه‍ .

فمن غلبت عليه الوساوس والتسلطات الشيطانية فليراجع إخلاصه فإنه مشوب مدخول .

نسأل الله أن يعافينا وإياكم من الشرك كله ، وأن يجعلنا من المخلِصين المخلَصين .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
مقامة الإخلاص محمد البلالي حلقة الأدب والأخبار 0 23-07-2016 12:02 AM
قصة رائعة عن أهمية الإخلاص للشيخ عبد الكريم الخضير ـ حفظه الله ـ أحمد نصيب علي حلقة العلوم الشرعية 0 30-09-2012 08:10 AM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 05:09 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ