ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > حلقة البلاغة والنقد
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

 
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 07-03-2023, 06:57 PM
مهاجر مهاجر غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2008
التخصص : ميكروبيولوجي
النوع : ذكر
المشاركات: 39
افتراضي خواطر حول الكلام

الكتاب الخاتم : معيار الحكمة التي بها الوحي قد تَنَزَّلَ ، فكان من كتابه حق هو المطلق وَمِيزَانٌ في الدلالة هو المحكم ، فَثَمَّ من كتاب الوحي ما تَنَزَّلَ ، وهو بالحق والميزان قد نَزَلَ ، فكان من ذلك نُزُولُ الجملةِ إلى سماء الدنيا فـ : (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) ، فَثَمَّ القصر إذ عُرِّفَ الجزءان ، الاسم الأعظم ، اسم الله الأعز الأكرم ، وما أسند إليه من الموصول الاسمي "الذي" ، وله من دلالة الأصول عموم يستغرق ، فذلك حد الموصول وهو نص في العموم ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، وإن أُفْرِدَ لَفْظُهُ ، فإنه يصدق في الآحاد في الخارج كافة على حد الشمول المستغرِق ، كما في الموصول الاسمي المشترك "مَنْ" و "مَا" ، فهما المفردان في المبنى ، العامَّانِ في المعنى ، ودلالتهما على العموم أظهر لما كان من معنى اشتراك أَعَمَّ ، لا كالموصول الاسمي المختص ، لا سيما المفرد كما "الَّذِي" محل الشاهد ، وهو مع ذلك ، نص في العموم يستغرق إذ يكون النظر في المعنى الذي اشتقت منه الصلة فهو مما يبين عن إجماله ، من وجه ، وبه عَلَّلَ أهل الشأن بناءَه إذ يُشْبِهُ الحرفَ ، وهو الأصل في المبنِيَّاتِ ، فَغَيْرُهَا عليه يُقَاسُ ، فَقِيسَ الموصول على الحرف في حكم البناء لجامع من العلة وهي المعنى الذي يُعْقَلُ ، فذلك الافتقار إلى ما تَلَا أن يبين عن معناه الذي يُرِيدُ المتكلم ، فالمعنى الذي اشتقت منه الصلة يبين عما أُجْمِلَ من الموصول ، من وجه ، وهو ، من آخر ، مِمَّا يَرْفِدُ معناه إن كان مما يستغرق آحاده في الخارج ، كما يقال مثالا في قوله : (الَّذِينَ آمَنُوا) ، فهو يستغرق كل من يصدق فيه اسم الإيمان الذي اشتقت منه الصلة "آمَنُوا" ، وهي ، وإن ماضويةً في الحد ، إلا أن معناها مما يجاوز فيستغرق أجزاء الزمان كافة ، فتكليف الإيمان مما يطرد في الاستقبال بالنظر في محال لَمَّا تُوجَدْ بَعْدُ ، وإن كان لها وجود أول في العدم بما كان من علم إحاطة يُقَدِّرُ المحال قبل وجودها في الخارج تاليا يصدق ما كان من وجود أول ، فالإيجاد بعدا يصدق ما كان من التقدير قبلا ، مع عموم آخر يَتَنَاوَلُ كل أحد ، إن الذكر أو الأنثى ، وإن كان من وَاوِ الجمع نص في الجمع المذكر فَثَمَّ من تَغْلِيبٍ ما يجاوز فيستغرق الجنس المؤنث ، وهو مما يرفد دلالة العموم المستغرق لا سيما ومعنى الإيمان مما خُوطِبَ به العقلاء كافة ، إِنْسًا أو جِنًّا ، بل ويجاوز بما تقدم في مواضع من قَرِينَةِ العموم في خطاب التكليف ، يجاوز فيستغرق كل محلٍّ يُنَاطُ به التكليف فهو المؤمن بالقوة وإن لم يكن ثم إيمان بالفعل وإلا ما صح التكليف مبدأ الأمر ، والموصول ، أيضا ، مما به التعليل يَنْصَحُ فِي حكوماتٍ مَعْنَاهَا يُعْقَلُ إذ يدور الحكم وجودا وعدما مع المعنى الذي اشتقت منه الصلة ، فهو مُبَيِّنٌ ، من وجه ، مُعَلِّلٌ من آخر ، فذلك عموم في الموصول يجاوز فَيَسْتَغْرِقُ إلا أن تكون ثم قرينة عهد أخص فهي تَقْصر الدليل على واحد في الخارج إذ ليس ثم عموم يجاوز ، فالمعنى لا يقوم إلا بذات واحدة ، كما الْإِنْزَالُ في الآية ، إِنْزَالُ الكتاب بالحق ، فلا يكون ، بداهة ، إلا من واحد ، هو الرب الخالق والإله الشارع ، فكان إِنْزَالُهُ بالحقِّ وذلك ما تَنَاوَلَ الخبرَ ، وبالميزانِ وهو ما تَنَاوَلَ المعنى بما يكون من معيارِ قِيَاسٍ يَنْصَحُ ، فكان منه خبر يَصْدُقُ ، وميزان في العقل يَصْرُحُ إذ يُسَوِّي بين المتماثلات وَيُفَرِّقُ بين المختلفات ، فَثَمَّ من قياس الطرد والعكس ضَرُورِيٌّ أول في الوجدان ، وهو ، كما يقول بعض من حقق ، مما استغرق الأخبار كما الأحكام ، فلا يخلو الخبر من دلالة في القياس تَنْصَحُ وآثارها في العمل تظهر ، ولو الباعثَ الأول ، كما خبر الوعد فهو دليل على طَرْدٍ يُبَشِّرُ المؤمن بما يضاهي وعدا أول لمن آمن قَبْلًا إِذْ ثَمَّ من جامعِ المعنى ، معنى الإيمان فهو مناط الوعد الذي يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ ، فمن آمن فَقَدْ حَصَلَ له الوعد ، وذلك الفضل ، إذ كان من الهداية فَضْلٌ زائد ، فتلك هداية التوفيق والإلهام ، فالوعد قد بُذِلَ أَوَّلًا لِكُلٍّ ، مَنْ آمن وَمَنْ كفر ، فَتِلْكَ أولى من بَيَانٍ وَإِرْشَادٍ يَنْصَحُ ، فحصل من ذلك المناط العام ، وهو معيار حاكم يصدق في كلِّ أحدٍ ، بما رُكِزَ فِيهِ من قوة الإيمان والتصديق ، وإلا مَا صَحَّ في المبدإ التكليفُ ، فلا يكون إلا والمحل له قد تَهَيَّأَ ، فكان منه ما يَقْبَلُ آثارَ الخبرِ والحكمِ ، إِنْ بالقبولِ أو بِالرَّدِّ ، فَثَمَّ تال في الباب أخص وهو ما تَقَدَّمَ مِنْ إلهامٍ وتوفيقٍ ، فذلك مرجِّح من خارج قد اخْتُصَّ به المؤمن فَضْلًا وَحُرِمَ منه الكافر عَدْلًا ، فلا ظلم إذ هو فضل الخالق ، جل وعلا ، يُؤْتِيهِ من شَاءَ ، ويمنعه من شاء ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، خبط عشواء ، بل المبدأُ حكمة بالغة في التقدير ، وقدرة نافذة في التكوين ، وقد استجمعها آي من التنزيل قد أُحْكِمَ أَنْ : (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) ، فلا يُسْأَلُ عن فعله لكمال القدرة جلالا وكمال الحكمة جمالا ، وذلك الكمال المطلق ، في التقدير والتكوين كَافَّةً ، فَقَدْ يَسَّرَ المحل المؤمن أَنْ يَقْبَلَ أسباب هدى تنصح ، ولم يُيَسِّرْ آخر إذ كَفَرَ فَلَمْ يَقْبَلْ حُجَّةَ الوحيِ ، ولم يَتَأَوَّلْ قوة الإيمان المركوزة في وجدانه بِفِعْلٍ في الخارج يُصَدِّقُ ، فكان مِنْ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِن مجموعٍ فاعل في الخارج لا ينفك يطلب من المؤثِّر واحدا هو الأول ، فَانْفَرَدَ في الوجود أزلا ، فهو ، وحده ، واجب الوجود الأول ، وهو ، كما تقدم في مواضع عدة ، لازم في القياس العقلي لَدَى كل أَحَدٍ آمنَ أو كَفَرَ ، فهو من مقدمات الضرورة العلمية التي دَلَّ عليها العقل والحس بما يكون من حدوث الأشياء في الخارج ، فلها من الأسباب ما يَتَقَدَّمُ ، فَلَوْ قِيلَ إِنَّهَا قد حدثت بلا محدِث أول ، وهو ما يتسلسل ، إذ كلُّ محدِث فِي الخارج لا يَكْمُلُ من فعله أَثَرَ في الشيء إلا أن يستجمع شروطا تستوفى وموانع تُنْفَى ومحلا لآثاره يقبل ، ومسبِّبا أول عنه يصدر ، فلا يكون ، بداهة ، حدَث بلا محدِث ، وهو ما يتسلسل حتى يطلب أولا لا أول قبله ، وله من الإيجاب والفعل ما كَمُلَ فلا يفتقر إلى غَيْرٍ ، بل كل غيرٍ له يفتقر ، فلو جُحِدَ كل أولئك ، وهو من العلم الضروري الملجِئ ، لو كان ذلك الجحود لبطل قانون السَّبَبِيَّةِ الذي جَرَتْ عليه الأعيان والأحوال كافة ، إِنِ المعقولةَ في الباطن أو المحسوسة في الظاهر ، من أسباب الغذاء والدواء والاستيلاد بما يكون من مباضعة ....... إلخ ، ، فكان من أول لا أول قبله ، وهو الرب الخالق ، جل وعلا ، إذ انفرد بوحدانية في الذت وأحدية في الصفات وبها الفعل والتأثير ، فهو المؤثر بالفعل لا مؤثر قبله ، كما هو الأول بالذات والوصف فلا أول قبله ، فالتأثير ، من هذا الوجه ، مثال لعام إذ هو من وصف الفعل ، فكان منه مثال يبين عن عام يَسْتَغْرِقُ أجناسَ الأولية كافة ، فلا يخصص ذكره العموم الذي وَرَدَ مثالا يُبِينُ عن حده ، فيكون من ذلك ما يحسم مادة التسلسل في الأزل ، فَثَمَّ كلمة تكوين أولى قد نَصَّ عليها الوحي حكاية العموم المستغرق ، فـ : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، وذلك أصل في الباب : باب الخلق ، كما أخرى بها حَدُّ الشرع ، فذلك الكلام وهو الجنس العام الذي يستغرق ، ولا ينفك يُجَرَّدُ في الذهن ، فلا يكون في الخارج إلا المقيد ، فَثَمَّ من أَنْوَاعِهِ : كَلِمُ تَكْوِينٍ يَنْفُذُ ، وآخر من التشريع يحكم ، وهما ، لو تدبر الناظر ، تأويل لتوحيد قد جاءت بها النبوات وهو أول في أي اسم ديني يجزئ ، فَثَمَّ توحيد الخلق ، توحيد الرب الفاعل بالإرادة والاختيار ، ولا يكون ذلك إلا وثم علم أول يحيط قد استغرق المقدورات كافة ، وتأويلها ما يكون بعدا من المخلوقات فلا تكون إلا بقدرة تَنْفُذُ فَهِيَ تال بعد علم أول يُقَدِّرُ ، فالتقدير أول بالعلم ، وبه المقدور يصير الموجود بالقوة فلا زال في الغيب مَعْلُومًا : العلم الأول المستغرِق ، وبه أول يَنْفِي مَقَالَ التَّطَوُّرِ إذ ثم تَقْدِيرٌ أول قد أحكم فاستغرق الكليات والجزئيات كافة ، دقائق الشرع بما كان من ألفاظ الوحي ذات الدلالات المجاوزة ، فَلَهَا من دوائر الاستدلال ما يَسْتَغْرِقُ إِنْ بِاللَّفْظِ أو بالمعنى ، فيكون من قياسها ما أُحْكِمَ منطوقا يُوَافِقُ أو مفهوما يخالف ، وكذا دقائق التكوين بما كان من إحكام الْخَلْقِ ، وتهيئة المحال أَنْ تَقْبَلَ آثار الأسباب من خارج بما رُكِزَ فيها من قُوَّةِ التَّأْثِيرِ ، فَثَمَّ تقدير محكم قد استغرق المحال والأحوال كافة ، الأسباب إذ تَفْعَلُ والمحال إذ تَنْفَعِلُ ، فَلَيْسَ الأمر خبط عشواء تجهل ، فذلك مما يخالف عن بدائه النقل والعقل والفطرة والحس ، إذ لا يكون هذا الإتقان في الخلقة والإحكام في السنة ، لا يكون عن أول هو العدم فهو يخلق هذا الخلق المحكم ، وهو في نفسه يَفْتَقِرُ إلى أول يخرجه من العدم إلى الوجود ، ولو الوجودَ المطلَقَ ، فكيف بما يَلْزَمُ بَعْدًا من علم وحكمة وقدرة .... إلخ ، فهي لوازم ضرورة لدى كلِّ ذي عَقْلٍ يَنْصَحُ إذا طالع آي الكون المحكم ، فلا يكون بداهة إلا عن علم وقدرة ، ولا يكون عن علم مجمل لا يَتَنَاوَلُ الجزئيات ، بل ثَمَّ من العلم ما أحاط بكل شيء ، فاستغرق الكليات من الأصول : أصول السنن المحكم إن في التكوين النافذ أو في آخر من التشريع الحاكم ، واستغرق الجزئيات في الكون وفي الشرع ، فكان من ذلك ما استغرق دقائق الخلقة وما كان من قوى فيها تُرْكَزُ ، وما تَهَيَّأَ لَهَا من أسبابٍ تَنْصَحُ ، وما كان من دقائق في التدبير إذ لكلِّ محلٍّ من السبب ما يُوَاطِئُ ، وهو له يباشر فيكون من ذلك قانون محكَم يتناول آحاد المقادير كافة ، وَمَرَدُّهَا ، كما تقدم في موضع ، إلى كلم تكوين ينفذ ، فهو الأول في الباب ، باب الخلق والرزق والتدبير ، توحيد الرب الخالق ، جل وعلا ، بأفعاله في الكون ، فَثَمَّ من الكلمة أول لا أول قَبْلَهُ ، فتلك العلة التامة إذ لا تفتقر إلى سبب من خارج ، بل هي سبب أول لما تلا من الأسباب والمحال المحدَثة ، وما كان بعدا من التدبير إذ تباشر الأسبابُ المحالَّ ، بما رُكِزَ فِي كُلٍّ : قوة السبب أن يؤثر ، وقوة المحل أن يقبل ، وكان من تأويل تال لهذه القوى المركوزة أن يكون من آثارها في الخارج كوائن مخلوقة ، إن الأعيان أو الأوصاف والأفعال التي تقوم بها ، وتلك الربوبية التي استغرقت المحال والأحوال كافة ، واستغرقت الخلق الأول تقديرا وما صَدَّقَ بَعْدُ في الخارج من الإيجادِ المحقَّق ، وما تلا من التدبير المحكم ، تدبير المحال بما يتناولها من الأسباب التي تواطئ ، وذلك معيار القدرة في التكوين والحكمة في التدبير ، فتكوينٌ يَتَنَاوَلُ الأعيان ، وتدبيرٌ يَتَنَاوَلُ ما قام بها من الأوصاف والأحوال ، وهو ما تَنَاوَلَ المقدورات كافة ، ولا يكون ذلك إلا بعلم محيط جامع ، فهو يجاوز الكليات المجملة ، وَإِنِ الأصولَ المحكمة ، فَثَمَّ من كلماتِ تكوينٍ تَنْفُذُ ما يَتَأَوَّلُ هذه الأصول في فروع من الخلق تُصَدِّقُ مَا كَانَ من العلم المفصَّل ، العلم بالجزئيات فهو يُصَدِّقُ آخر بالكليات ، وهما جميعا ، أول في الربوبية خَلْقًا قَدْ تَنَاوَلَ التقدير للأعيان والأوصاف والأفعال كافة ، فكان من ذلك تقدير أول في التكوين ، مع تال من القدرة والمشيئة وبه التأويل ، تأويل المقدور الأول قُوَّةً بما يكون من تال هو الفعل المصدِّق في الخارج ، إذ يخرج المعلوم من الغيب إلى الشهادة ، من القوة العدمية إلى الفعل الوجودي ، فيكون من ذلك تصديق لما كان أولا من تقدير محكم قد استغرق الأشياء كافة ، فذلك شطر من التوحيد أول ، وله من الكلام شطر ، إذ الكلام ، كما تقدم ، الجنس العام المستغرق ، فَلَهُ في الخارج أنواع وآحاد تُصَدِّقُ ، فالمبدأ علم يحيط بكل شيء : كُلًّا مجملا وجزءا مفصَّلا ، والثاني للأوَّلِ يُصَدِّقُ ، إذ يكون من آحاد في الخارج ما يواطئ سنن التكوين النافذ ، فكان من العلم جنس أول يستغرق ، وهو العام فلا أعم منه في المبدإ ، وتحته من الأنواع ما احتمل من المدلول جنسا في التعريف ثم كان من الفصل بَعْدًا ما يميز ، فَثَمَّ فصل التكوين النافذ ، وثم آخر من التشريع الحاكم ، ولكلٍّ من الكلام ما يُصَدِّقُ ، فهو له تال يُؤَوِّلُ ، وبه الملك يَتَنَزَّلُ ، إِنْ كَلِمَ تكوينٍ يُوجِدُ وَيُدَبِّرُ ، أو كلمَ تشريعٍ يخبر ويحكم ، فيكون من ذلك صدق يرفد الجنان بمادة الاعتقاد الناصح توحيدَ الرب الخالق ، وهو ما يواطئ قياسَ الضرورة لدى كلِّ ذي عقل إذ يطالع آي الكون ، وما كان من صلاح الماهيات وإحكام السنن الذي به تدبير الأعيان والأحكام كافة ، فذلك لا يكون ، بداهة ، إلا أن يَنْزِلَ من واحد ، وهو الرب الخالق ، جل وعلا ، إذ تكلم بما قَدَّرَ من تكوين في الخارج يَنْفُذُ ، وهو لعلم أول محيط يُصَدِّقُ ، وكان من ذلك ما تحمله الملك المنزل بالتدبير ، وكان من آخر قد تَنَزَّلَ من رب العالمين ، جل وعلا ، فَتَحَمَّلَهُ الملَك المنزَّل بالتشريع ، فـ : (إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فذلك ابتداء غاية أولى ، وهي الأعم ، ثم أخرى بما تحمل الملَك وألقى إلى الرسول المبلِّغ من جنس البشر المكلَّف ، فذلك ابتداء غاية أخرى أخص ، فالقول ينسب إلى الله ، جل وعلا ، إذ هو العليم الذي أحاط ، فكان من ذلك المسطور في الكتاب ، كتاب التقدير الجامع ، وهو من يتكلم بآحاد منه تصدق ، فنسبة القول ، إن في الكون أو في الشرع ، نسبته إليه نسبة الإنشاء الأول بما يصدق العلم المحيط المستغرق ، وثم أخرى أخص من قَوْلِ الملَك فهو رسول يُبَلِّغُ ، فيسمع من الله ، جل وعلا ، وذلك ابتداء الغاية الأولى في التحمل ، وثم أخرى بما يُلْقِي الملَك الوحيَ إلى الرسول من البشر ، فيكون من ابتداء الغاية قول عنه يصدر والرسول البشري له يسمع ويحفظ ، ويكون من قول يسند إليه : إسناد بلاغ تال بعد بلاغ أول من الملَك النازل ، فلا تعارض في الباب ولا اضطراب ، ولو اختلفت النسبة ، فالوحي : قول الله ، جل وعلا ، وقول الملَك الذي به قد تَنَزَّلَ ، وقول الرسول الذي أُمِرَ أَنْ يُبَلِّغَ وَيُبَيِّنَ ، فلا تعارض إذ الجهة قد انفكت ، على التفصيل آنف الذكر ، فَصَحَّ أن الكتاب قد تَنَزَّلَ من عند الله ، جل وعلا ، بالحق والميزان ، فَنَزَلَ نزولَ الجملة إلى سماء الدنيا ، وَتَنَزَّلَ تَنَزُّلَ التفصيل على قلب البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك الكتاب الخاتم ، وهو ما يكسب "أل" في "الكتاب" في قوله : (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) ، ما يُكْسِبُهَا عَهْدًا أخص إذ يصرف مدخولها إِلَى الكتاب الخاتم ، وهو المهيمِن الحاكم ، وهو لمعادن العلوم والأعمال جامع ، فكان من ذلك عموم آخر ، فإن الكتاب ، من هذا الوجه ، فصل تال في الحد ، حد الكلام إذ له من فصل أول ما يميز التشريع من التكوين ، فكان من التكوين وهو نوع باعتبار ما عَلَا من الجنس العام المستغرق ، جنس الكلام المطلق في الذهن ، كان منه ، وجه آخر ، إذ هو جنس لما دونه من آحاد كلمات في التكوين والتدبير تَسْتَغْرِقُ الأعيان خَلْقًا والأحوال الاخْتِيَارِيَّةَ التي تَقُومُ بها حُكْمًا يَتَنَاوَلُ الجزئيات فَيَزِيدُ عما اقترحت الحكمة الأولى من علم لا يجاوز الكليات المجملة ، وذلك ، كما تقدم في موضع ، رَافِدٌ لحداثة قد تَلَطَّفَتْ في إبطال الشرع أَنْ صَيَّرَتْهُ كليات جامعة قد ركزت في العقل ، وذلك حق مجمل يُرَادُ به باطل يَقْبُحُ ، أن يصرف الوحي عن منصب التشريع ويعزل ، فلا يُقْبَلُ منه إلا ما واطأ الكليات العقلية ، وما كان من تفصيل وترجيح فهو لِعَقْلٍ قد استغنى بما حصل له من سبب فلا يفتقر إلى مرجح يجاوز من خارج ، فلا يطلب في الجزئيات رَائِدًا يَنْصَحُ ، بل مرد ذلك إلى معياره المحدَث مع ما يَتَنَاوَلُهُ من الأهواء والأذواق وما يعتريه من آفة واضطراب ، فلا تؤمن حكومته إلا أن تُرَدَّ إلى أول هو المحكم فهو له يأطر على جادة صدق وعدل تَنْصَحُ ، إذ ترفده بما لا يطيق من أخبار غيب وحكومات توقيف ، بل وأصولٍ من معقول المعنى فَلَهَا يتأول فيما حَدَثَ من الفروع بَعْدًا ، إِنْ رَدًّا إلى منصوص معين أو اجتهادا في مقصد أعم ، وهو ما افتقر إلى قيد به الاحتراز أن يَتَوَسَّعَ الناظر في المصالح والمنافع ، وإن كانت أصلا من الأصول المعتبرة في الاستنباط ، فلا يجاوز بها الحد ، كما لا يجفو ، في المقابل ، إذ يُهْدِرُهَا وَيُهْدِرُ كُلَّ خَاصَّةٍ للعقل أَنْ يَنْظُرَ ويستنبط فإن النصوص مما تَنَاهَى بالنظر في ألفاظها ، والوقائع في المقابل مما لا يَتَنَاهَى ، فكان من النصوص ، كما يقول بعض من حقق ، كان منها ما استغرق من الحكومات جَمْهَرَةً تَعْظُمُ ، ولكنها لا تستغرق الوقائع كافة بالنص ، فكان من المعنى ما تَنَاوَلَ الكوائن بَعْدًا ، وذلك ما لا يقدح في كفاية الوحي ، كما قال أهل الظاهر إذ جحدوا القياس في الشرع وإن كان منهم قياس آخر في اللسان ، فكان من رفدهم أجناس الكلام بمعان بها يصير اللفظ جامعا يستغرق آحاده في الخارج دون قياس على أصل أول يثبت ، كما المثال المشتهر من "أُفٍّ" في قوله : (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) ، فَثَمَّ من قاس قياس الأولى ، فاقتصر من "أُفٍّ" على دلالتها الوضعية الأولى في المعجم ، فهي اسم الفعل المضارع على تقدير : أتضجر ، فَقِيسَ عَلَيْهَا قِيَاسَ الأولى من السَّبِّ وما جاوز ، وهو ما قد نَصَّ عليه الوحي بَعْدًا إذ عَطَفَ ما زاد من نَهْرٍ هو الأعلى على "أُفٍّ" ، وهو الأدنى ، فـ : (لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) ، فكان من الترتيب ما تصاعد من أدنى إلى أعلى ، من صوت يكون في النَّفْسِ تَذَمُّرًا إلى آخر يَعْلُو تَفَحُّشًا ، وثم من عموم النهي ما اسْتَغْرَقَ ، إِذْ تَسَلَّطَ على المصدر الكامن في الْعَامِلَيْنِ : "تَقُلْ" و "تَنْهَرْهُمَا" ، وهو ما به سَلْبٌ لِمَا يَقْبُحُ من التأفف أو الانتهار خاصة ، أو ما قد جَاوَزَ مِنْ تَعَدٍّ بالقول أو بالفعل ، وبعده شغل المحل بما يَجْمُلُ تَحْلِيَةً بعد سلب ما يَقْبُحُ تَخْلِيَةً ، فكان من الأمر ما تلا ، أن : (قُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) ، وهو ما يجري السياق مجرى المقابلة بين شطرين وطباق سلب بين نهي أول "لَا تَقُلْ" ثم أمر تال بضد "قُلْ"، فَنَصَّ على اللازم إذ لازم النهي عن قول ما يَقْبُحُ الأمر بقول ما يحسن ، وهو ما رُفِدَ بالمصدر الموطئ "قَوْلًا" ، فهو يُوَطِّئُ لِمَا تلا من الوصف ، وهو الكريم ، وذلك مناط الفائدة إذ قَصَرَ الجنس ، جنس القول على واحد من أنواعه وهو الكريم ، فليس الإطناب بالمصدر في هذا الموضع مما يفيد معنى تاما يحسن السكوت عليه إلا أن يكون من الوصف بَعْدًا ما يُقَيِّدُ إطلاقه إذ يقصره على بعض دون آخر ، فهو ، كما تقدم ، جنس في التعريف يحصل في الآحاد كافة ، فَكُلُّ ما يصدر من نُطْقٍ يُفْهِمُ فَهُوَ قول أو كلام ، فامتاز في الخارج بما كان من فَصْلٍ في الحد ، فمنه ما يحسن ومنه ما يقبح ، ومنه ما يجب ومنه ما يحرم ، وثم من الأمر أن "قُلْ" ما تَوَجَّهَ إلى المخاطب المفرد من الجنس المذكر ، فاستتر الضمير إيجابا ، فهو الفاعل الذي تَوَجَّهَ إليه الأمر ، فهو فاعل ، من وجه ، إذ هو من يتأول الأمر ، وهو مفعول ، من آخر ، إذ هو المأمور ، فتوجه الأمر إلى المخاطب المفرد من الجنس المذكر ، وهو مما يجري مجرى الخطاب المجرد إذ تَوَجَّهَ إلى غير معين ، فكان من ذلك عموم يستغرق ، فهو يتناول كل أحد يصدق فيه الخطاب ، وذلك ما يجاوز المفرد المذكر إلى آخر مؤنث ، وإلى المثنى ، وإلى الجمع إِنِ المذكَّرَ أو المؤنَّثَ ، فالخطاب قد استغرق كل محلٍّ صح فيه التكليف ، وهو ما تَنَاوَلَهُ بَعْضٌ بما تقدم من خطابٍ لغير المعين ، فهو يستغرق الآحاد كافة بِوَضْعٍ أول ، وإن الإطلاقَ ، إذ المحل يستغرق كل أحد ، وَإِنْ تَنَاوُبًا لا تناولا هو الأول كما حَدُّ العام في اصطلاح الأصول ، وثم من يجريه مجرى القياس ، فيكون من المذكر المفرد أصل وما جاوز فهو يقاس عليه لقرينة العموم في خطاب التكليف ، وذلك ما جاوز ، أيضا ، المخاطب الموجود زَمَنَ التَّنَزُّلِ إلى كل محلٍّ ، وَإِنِ المعدومَ فَلَمَّا يوجدْ بَعْدُ فهو المكلف بالقوة ، وتأويله آخر بالفعل بما يكون بعد الوجود والعقل ، وكذا خطاب من غاب فلم يشهد خطاب المواجهة ، وما يكون من استغراق يجمع المؤمن والكافر لما تقدم من قرينة العموم في خطاب التكليف ، فكان من ذلك عموم قد استغرق الوجوه كافة ، عموما لا أعم منه في باب التكليف فتوجه الأمر أَنْ : (قُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) ، واللام لام تبليغ قد اطرد ذكرها بعد عامل القول أن يَبْلُغَ الأبوين من المخاطب كل كريم يجمل ، وهو ما اسْتَلْزَمَ نهيا عن ضد ألا يكون منه ما يقبح من قول أو عمل ، فثم عموم آخر يستغرق الأفعال كما الأقوال ، فذكر القول ، من هذا الوجه ، خاص يُرَادُ به عام قد جاوز فاستغرق حركات الاختيار كافة .

وثم من رَفَدَ "أُفٍّ" ، بادي الرأي ، بالنظر في المعنى الأعم ، فَهِيَ ، ابتداء ، عنوان لكلِّ مَا اسْتُكْرِهَ من السب والضرب ..... إلخ ، فَدَلَّتْ ، بادي الرأي ، دون افتقار إلى قياس في الشرع أخص ، إذ قياس اللسان قد جَاوَزَ بها المنصوص ، فكان منه آخر أعم لم يخرج عن معيار اللسان فِي حكايةِ المعاني والدلالات ، وكذا قِيلَ في اسم الخمر ، فَثَمَّ من يَتَنَاوَلُهَا تَنَاوُلَ الأجناس المنصوصة في الآثار ، فيجرد منها عِلَّةً هي الإسكار ، وَيُلْحِقُ لأجلها ما حدث من الفروع المسكرة في الأجيال المتأخرة ، يلحقها بالأصول الأولى المنصوص عليها في الخبر ، وثم من يقيس القياس الأعم : قياس اللسان إذ اسم الخمر ذو دلالة في الاشتقاق ، فهو يَتَنَاوَلُ كلَّ ما خامر العقل وستر ، فمادة "خَمَرَ" إذ يجردها الذهن فهي تَحْكِي جنس التغطية والستر ، فَيُقَالُ : خِمَارٌ لِمَا يُغَطِّي الرأس ، ويقال آنية مخمرة إذا غُطِّيَتْ ، ويقال خمر إذ تخامر العقل وَتُغَيِّبُهُ ، وذلك يجزئ في المبدإ إذ يدخل فيه كلُّ ما يصدق فيه اسم الخمر ، مائعا أو جامدا ، فقد تَنَاوَلَهُ التحريم أولا دون حاجة تلجئ إلى القياس على المنصوص الأول من العنب ..... إلخ ، فذلك عنده مما يَجْرِي ، من وجه ، مجرى الْمُثُلِ الْمُبَيِّنَةِ فلا تخصص العام ، وذلك ما يُسَلِّمُ به المخالف مِمَّنْ جَاوَزَ بالقياس فَهُوَ قِيَاسُ الشَّرْعِ الأخص ، فَلَمْ يقصر الخمرَ ، أيضا ، على المذكورات ، وإنما اجتهد أن يحرر منها مَنَاطًا بِهِ يُلْحِقُ الفروع بها لِعِلَّةٍ تَجْمَعُ وهي مما يحصل بالسبر والتقسيم ، وإن كان من النص عَلَيْهَا إسكارًا أَخَصَّ ، وإن كان من ذلك في الخبر ما أجزأ ، فـ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" .
والشاهد أن من العلم المستغرق للجزئيات ، وإن في التكوين وهو المبدأ ، أن من ذلك العلمِ العامِّ المستغرقِ للكلياتِ والجزئيات كافة ، أن من ذلك العلم ما أبطل دعوى الحداثة إذ تَلَطَّفَتْ بما استعارت ، ولو لازمَ القول ، بما استعارت من مقال الحكمة الأولى فقد قصرت العلم الإلهي على العلم الكلي المجمل دون آخر جُزْئِيٍّ يُفَصَّلُ ، فكان من ذلك تعطيل في الإلهيات يَقْبُحُ إذ قد خالف عن وحي النبوات ، وهو المرجع في بابِ غيبٍ لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاةِ صدقٍ تجاوز ، وإن دَلَّ عليه العقل والفطرة ، فذلك دليل مجمل لا ينفك يطلب آخر يُفَصِّلُ ، فكان من الوحي ما أبان ونصح في الباب ، فالعلم الإلهي محيط قد استغرق الكليات والجزئيات كافة ، وهو ما قد عَمَّ ، من وجه آخر ، فكان منه تأويل أول من كلامٍ يُسْمَعُ وَيُكْتَبُ ، فكان من ذلك ما سُطِرَ فِي لَوْحِ تَقْدِيرٍ أول ، وهو المكتوب ، وكان من تأويل آخر له وهو المسموع الذي تحمله الملك وبه نَزَلَ ، فمنه كلام تكوين ينفذ ، ومنه آخر هو تشريع يُخْبِرُ وَيَحْكُمُ ، ومن الأول ، وهو التكوين ، منه نَوْعٌ لِمَا عَلَا من جنسِ الكلام المطلق ، ومنه ، من وجه آخر ، جِنْسٌ يَتَنَاوَلُ ما دونه من الأعيان والأحوال ، فَثَمَّ من كلم التكوين النافذ : أول به الإيجاد المصدق لما كان أولا من علم محيط يقدر ، وتال به التدبير المحكم بما يكون من إجراءِ أسبابٍ تَنْصَحُ المحالَّ كافة ، وثم من كلم التشريع آخر في قسمة الأنواع في الخارج ، فكان من لَقَبِ التَّشْرِيعِ فَصْلٌ يَمِيزُ في الحد والتعريف ، وتحته آحاد فهو جنس لها من هذا الوجه ، فَثَمَّ آحادُ أخبارٍ تُصَدَّقُ ، وثم آحادُ إِنْشَاءٍ تُمْتَثَلُ ، وبهما جميعا اسم ديني يجزئ في حصولِ توحيدٍ يَنْفَعُ ، توحيدِ الخالق ، جل وعلا ، بما تَنَزَّلَ به الملَك من كلمات الإيجاد والرزق والتدبير ، وتوحيد الشارع ، جل وعلا ، بما تَنَزَّلَ به الملَك من كلمات الأخبار التي ترفد المحل بِعِلْمٍ يَصْدُقُ ، وكلمات الأحكام التي ترفد المحل بعمل يَنْصَحُ , فيكون من ذلك مجموع قِدِ ائْتَلَفَ من الصدق والعدل ، وتلك مادة الكتب ، فذلك الكتاب الذي أنزله الله ، جل وعلا ، بالحق في أخبارِ صدقٍ في نفس الأمر فهي ترفد الجنان بما نصح من العلم ، والميزان ، ميزان العدل في الأحكام ، وهو ، كما تقدم في موضع ، مما جاوز في الحد حكوماتِ الأمرِ والنهيِ ، ومنها المعقول الذي يطرد وينعكس فيكون من ميزان العقل ما يَضْبِطُ ، إذ المعنى يُعْقَلُ ، وهو مناطُ حكمٍ يَنْصَحُ ، إذ يدور معه وجودا وعدما ، وذلك مما جاوز الأحكام إلى الأخبار فلا تخلو من ميزانٍ ، وإن لَطُفَ في الاستدلال ، فذلك قياس الطرد والعكس إذ يَتَنَاوَلُ الخبر كما الحكم ، فَثَمَّ من الأخبار وعد من آمن ووعيد ممن كفر في المقابل ، فكان منهما أصل يطرد وينعكس ، إذ يناط المعنى بِوَصْفٍ يُعْقَلُ ، فهو يدور معه وجودا وعدما ، فذلك الميزان العام المستغرق الذي تناول الأخبار كما الأحكام ، وبكلٍّ : الحق والميزان ، بكلٍّ قد نَزَلَ الكتاب إن في الأخبار أو في الأحكام ، وذلك مما يزيد في دلالة "أل" في "الكتاب" فهو يجاوز ما تَبَادَرَ من عهد أخص ، آي التنزيل المتواتر ، فَثَمَّ من دلالة "أل" ما جاوز فاستغرق الخبر كما الآي ، إذ تَقَاسَمَا جنس الوحي الأعلى ، فمنه كتبُ آيٍ تَوَاتَرَتْ ، ومنه كتبُ أخبارٍ جُلُّهَا آحادٌ تَنْصَحُ في الاستدلال ، وإن لم تُفِدِ القطع ، فَثَمَّ من الشرط مَا أُحْكِمَ ، وهو ما تَنَاوَلَهُ أهلُ الشأنِ في حد الصحيح المجزئ في الاستدلال العلمي والعملي كافة ، ومن الْكَتْبِ : كَتْبُ أخبارٍ تَنْصَحُ الجنانَ بمادة صدقٍ ، وَكَتْبُ أحكامٍ تَنْصَحُ الجنان واللسان والأركان كافة بمادة عدلٍ ، فيكون من ذلك صلاح عام قد استغرق بما نَزَلَ من الكتاب المحكم من عند الرب المهيمن ، جل وعلا ، وذلك ما حَسُنَ معه القصر بتعريف الجزأين في قوله : (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) ، فدلالة "الَّذِي" : دلالة عهد خاص ، وإن حُدَّ فِي الأصولِ أَنَّهُ مِنْ صِيَغِ العموم فلا يُتَصَوَّرُ ذلك في هذا السياق إذ الصلة تحكي الانفراد والاختصاص من إنزال الكتاب وهو مَا أُطْلِقَ ثُمَّ كان تَالٍ من قَيْدِ حَالٍ تُسْتَصْحَبُ "بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ" ، ولا يخلو الآي من توكيد آخر هو في الباب قِياَسٌ يُسْتَصْحَبُ إذ يَطَّرِدُ في المعانِي ، فتلك اسمية الجملة إذ تَحْكِي الثبوت والاستمرار ، ولا ينفك الخبر أَنْ يَحْكِيَ آخرَ من الدلالة : إنشاءً يَأْمُرُ بِاتِّبَاعِ الكتابِ ، إن الحقَّ الصادق في خَبَرِهِ أو الميزانَ العادلَ في حكمه ، ومنه ما تقدم من قِيَاسِ الطرد والعكس في أخبار النبوات وما كان من المآل ، مآل النبوات وخصومها ، وما كان من إنجاء وإهلاك ، فَثَمَّ من العلة وهي الإيمان أو الكفر ، ثم منها ما يَدُورُ مَعَهُ الحكم إنجاء وإهلاكا ، وهو المعيار الذي اطرد في كُلِّ جيلٍ ، فجاوز المثال المضروب من نُبُوَّةٍ مخصوصةٍ ، فإن المعنى مما يجرده العقل إذ يُحَرِّرُ منه ما يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ وهو المناسب أو الملائم الذي يواطئ الحكم فَثَمَّ من التعليل ما يدركه الناظر في معقولات المعنى ، وَهِيَ مِمَّا يُسْتَنْبَطُ منه المعنى المؤثر في حصول الحكمِ بِمَا اطَّرَدَ مِنَ العلائق والقرائن إن نَصًّا وهو أَيْسَرُ فَقَدْ كَفَى الناظر مؤنة الاستنباط ، كما تقدم من خبر المسكر ، فإن من وصف الإسكار الذي اشتق منه اسم الفاعل "مُسْكِر" وهو مما يَتَعَدَّى بالهمز إِذِ اشْتُقَّ من الرباعي "أَسْكَرَ" ، فكان من ذلك معنى تصح إناطة الحكم به ، حكم التحريم ، وهو ما رفد "أل" في اسم "المسكِر" ، فهي مَئِنَّةُ الوصلِ على تقدير : الذي أَسْكَرَ ، أو الذي يُسْكِرُ ، وهو ما رَجَّحَ مَعْنَى التَّعْلِيلِ إذ إناطة الحكم باسم مشتق ، كما المسكر آنف الذكر ، تلك الإناطة تؤذن بِعِلِّيَّةِ ما منه الاشتقاق ، وهو معنى الإسكار ، فكان من ذلك نص على العلة الجالبة للحكم ، حكم التحريم ، فهو يدور معها وجودا وعدما ، فَإِذَا زَالَ الوصفُ زَالَ الحكمُ ، فالخمر إذا صارت خَلًّا فقد تبدلت الماهية ، ماهية المسكر أو الخمر ، وهي العين التي أنيط بها الحكم ، لَا لِذَاتِهَا وإنما لوصف يقوم بها هو المؤثر ، فهو العلة الجالبة لحكم التحريم ، وهي مما اشتق منه الاسم ، وذلك ، كما تقدم في موضع ، مما تَوَسَّعَ فِيهِ بَعْضٌ ولم يجاوز أمرُه أَنْ يَقِيسَ ، ولكنه قِيَاسٌ في اللسان أعم من آخر في الشرع قَدِ اتَّخَذَ المنصوصاتِ في الخبر أَصْلًا ، فَثَمَّ من اسم المسكِر ما يُغْلِقُ ، فالإسكار إغلاقٌ لِمَنَافِذِ الفهم في الدماغ بما يكون من تأثير المسكر ، وإن لم يَنَلْ من العقل بِمَعْنَاهُ الألطف ، وإنما أَثَّرَ المسكر في الآلة التي تترجم عن العقل ما يكون من المشاعر والإرادات ، فإذا فسد المترجِم لم يحسن أن يحكي المترجَم ، فقد نالت الخمر من معادنه ، ففسدت ماهية الدماغ إذ نال المسكِر من مراكز الحس ، فذلك مناط التحريم ، وهو ما يكون من الإسكار ، وهو ، كما تقدم في موضع ، المعنى المؤثِّر في حصول الحكم إذ يَدُورُ معه وجودا وعدما ، فالإسكار معنى يدركه العقل ، ويدرك تأثيره في الدماغ بما يكون من غيبوبة وزوال ، وهو معنى يدرك الناظر قُبْحَهُ فقد أجمع العقلاء على ذلك ، وهو معنى يَنْضَبِطُ بِمَا خَامَرَ العقل وَخَالَطَهُ ، فَسَتَرَ مِنْهُ مَرَاكِزَ الحس التي تَتَأَوَّلُ المعقول الأول وذلك المعنى الذي يَلْطُفُ ، فَهُوَ بَاعِثُ الإرادةِ بما يكون من تَصَوُّرٍ هو الأول ، وكل أولئك مما يجاوز الدماغ المحسوس فَلَيْسَ يُفَسِّرُ ما يكون من هذا المعقول الأول ، وهو التصور الذي يحصل أولا ، وهو ، كما تقدم في حد الإيمان المجزئ ، هو أول ما يحصل في الوجدان من الْعِرْفَانِ المجرَّد ، وما يَتْبَعُ من تصديق يُرَجِّحُ ، فذلك معنى يجاوز الْعِرْفَانَ الذي يحصل لكلِّ مخاطَب ، فهو أول في قيام الحجة ، ولا يلزم منه القبول والرضى ، بل ثَمَّ مَنْ عَلِمَ ولم يَقْبَلْ ، كما كان من فرعون وقومه ، فلم يكن من هذا العلم إيمان يجزئ ، ولو أَدْنَى ما يصدق فيه اسم ديني يجزئ في حصول عقدِ إيمانٍ يَنْفَعُ ، فلا يكون ذلك إلا أَنْ يُشْفَعَ هذا العرفان المجرد بِتَصْدِيقٍ هو من الخارج : المرجِّحُ ، فيكون من ذلك القبول والرضى ، وهو حركة في الجنان تَزِيدُ ، وفيها يصدق اسم العمل ، مع آثار له تَلْزَمُ ، فذلك من قياسِ عَقْلٍ يَصْرُحُ إذ يوجب الاقتران بين الملزوم واللازم ، فكان من التصديق والإقرار ، كان منه الملزوم الأول ، وهو باعث من التصور ، ولازمه حكم في الخارج يصدق ، ومنه ما يكون أولا في الجنان ، فَثَمَّ تصور هو أول في قيام الحجة الرسالية أَنْ يَحْصُلَ المعلوم الديني الملزِم فَلَهُ من لَازِمِ التَّصْدِيقِ مَا يجاوز الوجدان الساذج فهو المجرَّد الخالي من زيادةِ قبولٍ أو رَدٍّ ، فَثَمَّ أول يدرك ، وثم تال من التصديق يرجِّح ، فيكون من حركة الجنان ما تقدم في مواضع أَنْ رَجَّحَ معنى دون آخر ، كما الموجِب من خارج يُرَجِّحُ في الجائز المحتمل ، فإن المحل ، بادي الرأي ، مؤمن بالقوة إذ رُكِزَ فِيهِ من ذلك مَا يُنَاطُ بِهِ التَّكْلِيفُ ، فَإِذَا تَأَوَّلَ السبب من خارج ، فَصَدَّقَ بما كان من وارد ، واردِ العلم الذي يحكي المعنى ، معنى التوحيد المجزئ في حصولِ عَقْدِ دينٍ يَنْفَعُ ، فذلك قدر يزيد ، وبه المحل يصير المؤمن بالفعل إذ كان من المرجح قبولٌ ورضى بما حَصَلَ من صورة العلمِ المبيِّنِ حجةَ الوحيِ المنزل ، فكان من ذلك تَرْجِيحٌ في جائز ، فمن إيمان بالقوة وهو ما يَصْدُقُ فِيهِ حَدُّ الجائزِ المحتمل ، إذ يحتمل ضدين من إيمان وكفر ، من تصديق وتكذيب ...... إلخ ، فإذا كان المرجِّح من خارج ، فالمحل قد شُغِلَ بواحد ، إيمانٍ أو كفرٍ ، فلا يجتمع منهما الأصلان ، وإن كان ثَمَّ من أصل إيمان أول ما قد تخالطه شُعَبٌ من الكفر تَقْدَحُ ، فَهِيَ لَا تَتَنَاوَلُ الأصلَ الجامعَ ، وإن قدحت في الكمال الواجب ، فلا يكون من الاجتماع : اجتماع الأصلين ، فهما النقيضان في باب الأسماء والأحكام ، فلا يجتمعان ولا يَرْتَفِعَانِ من هذا الوجه ، فإما إيمان وإما كفر ، فإما أصل الإيمان الأول وإن كان مِنْ شُعَبِ الكفرِ الصغرى مَا يَنَالُ مِنَ الكمالِ الواجب دون الأصل الجامع ، فلا يكون منها أخرى هي الكبرى التي تَنَالُ من الأصل الجامع ، فلا يشترط لزوال الإيمان أن يستبدل بأصلٍ آخر من الكفران ، بل قد يزول بشعب من الكفر ، وهي الكبرى التي جاء النص أنها تقدح في أصل الإيمان الأول ، وذلك ، بداهة ، باب تَوْقِيفٍ لَا يُنَالُ إلا من مشكاة السمعِ الْمُصَدَّقِ ، وكذا الكفران ، فإن أصله قد يثبت ويكون معه من خصال إيمان ما لا يَنْفَعُ باعتبار المآل الآخر ، فَثَمَّ من الأخلاق والأعمال ما يُحْمَدُ من الكافرِ ، وهو ، مع ذلك ، في دارِ الحساب والجزاء خاسر إذ قد فَاتَهُ من الأصل ما يصحح الأعمال ، فالتوحيد أول واجب على العبد وهو شرط صحة لما تلا من قول أو فعل ، وإن كان من العدل أَنْ يُوَفَّى عمله فيكون من ذلك جزاءٌ يُعَجَّلُ وذكرٌ حَسَنٌ يُحْمَدُ ، فالمحل ، كما تقدم ، مؤمن بالقوة بما رُكِزَ في الوجدان من فطرةِ إيمانٍ مجمل ، كما أنه عاقل بالقوة بما رُكِزَ فيه من فطرة التَّعَقُّلِ ، وكما أنه ناطق بالقوة بما ركز فيه من فطرة النطق ، وتلك قوى ، لو تدبر الناظر ، تَلْتَئِمُ ، فهي مناط التكريم أولا بما كان من عَقْلٍ يَنْصَحُ وَلِسَانٍ يَنْطِقُ ، لا جرم كان منها مناط التكليف الملزم ، فكان من ذلك قوة في الوجدان قد رُكِزَتْ ، وإن لم يكن ثم تأويل لها يُصَدِّقُ ، من وجه ، وَيُبَيِّنُ ، من آخر ، فَلَمَّا يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ إِذْ لم يبلغ المحل حَدَّ التكليفِ أَنْ يَكُونَ العاقِلَ بالفعل والناطق بالفعل ، فيكون من ذلك خطابُ إيمانٍ بالفعلِ ، فَثَمَّ من المحل ما يُنَاطُ بِهِ التكليفُ الملزِم إذ قد اسْتَوْفَى شرطه الأول ، العقل والبلوغ ، وهو أَمَارَةٌ قَدْ وَضَعَهَا الشارع ، جل وعلا ، إذ يحصل منها غلبة ظن أَنَّ المحل قد استوى وَبَلَغَ حَدَّ الرُّشْدِ ، وذلك حكم غالب فلا عبرة بِنَادِرٍ ، إذ لا يضر العلة أَنْ تَتَخَلَّفَ الحكمة في آحاد وجزئيات ، فالنظر في مجموع يغلب لا في جميع يستغرق ، وإن كان ثم من آحاد قد فاتها الشرط ، بجنون أو سفه .... إلخ من عوارض الأهلية ، فَتِلْكَ من الضرورة التي تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، ولكلٍّ من الاسْتِثْنَاءِ مَا يَنْصَحُ ، وليس في أصل الباب يَقْدَحُ ، فاستوفى المحل شَرْطَ التكليف من عَقْلٍ وَبُلُوغٍ ، وَسَلِمَ من العوارض والآفات ، فذلك ما قد أوجبَ زيادةً بها تَأَوُّلُ مَا رُكِزَ في الجنان من قوة الإيمان ، أَنْ يَكُونَ ثَمَّ تَالٍ من إيمان بالفعل يُصَدِّقُ ، وذلك ما استوجب المرجِّح من خارج ، إذ المحل ، كما تقدم ، له حكم الجائز المحتملِ أَضْدَادًا ، كما الإرادة قَبْلَ الشروعِ في الفعل ، فهي مما يحتمل الأضداد ، فإذا كان ثم اشتغال بِوَاحِدٍ لم تُطِقِ الآخر ، لا أنها لا تطيقه ، بادي الرأي ، وإنما المحل ، كَمَا تَقَدَّمَ ، يَقْبَلُ الأضدادَ ، بما ركز فيه من قوة ، فإذا باشر أحدها بالفعل ، فقد اشْتَغَلَ به المحل ، فلا يقبل آخر ، إذ لا يصير فاعلا لاثنين في آن واحد من وجه واحد ، فالجهة إذا اتحدت فلا تَقْبَلُ إلا واحدا من الفعل ، فإما إيمان وإما كفر ، على التفصيل آنف الذكر ، وإن قَبِلَتْ اثنين من القوة قبل الشروع في الفعل المصدِّق ، فلا يقال إن الكافر لا يطيق الإيمان إذ قد اشتغل المحل بِضِدٍّ من الكفران ، فَلَوْ سُلِّمَ بذلك لانتفى الذم ولبطل خطاب التكليف فشرطه الاستطاعة ، فوجب تَقْيِيدُهَا أنها الاستطاعة قبل الشروع في الفعل ، فإذا كان ثم من المحل ما يطيق ضدين ، أحدهما يحسن والآخر يقبح ، فإن التكليف ، بادي الرأي ، يتوجه ، أن يباشر الحسن ويفارق القبيح ، فالمحل أولا يقبلهما ، فإذا كان تكليف بأمر ونهي ، فذلك مما افتقر إلى مرجع في التصور فهو يحسن ويقبح ، ومنه أول قد ركز في العقل ، ولا ينفك يوصف بالإجمال في الماهية والحد ، فَلَئِنْ رُكِزَ في العقل من ذلك ما يجزئ في دَرَكِ المعنى فَلَا يَنْفَكُّ يَفْتَقِرُ إلى مرجعٍ من أعلى فهو يجاوزه في تَالٍ يُحِلُّ وَيُحَرِّمُ ، فتلك حكومات لَا تَثْبُتُ إِلَّا بالتوقيف ، وهي ، مع ذلك ، لا تخالف عن العقل الصريح ، بل هي له تُصَدِّقُ ، من وجه ، وَلَهُ ، من آخر ، تَتَأَوَّلُ الْقُوَّةَ بِالْفِعْلِ ، فَثَمَّ من الحكم المفصَّل في النقل ما يواطئ المعيار المجمل في العقل ، فإذا كان ثم تكليف بأمر ونهي ، وَكَانَ ثَمَّ مِنَ المرجِعِ تَصَوُّرٌ أَوَّلُ فِي بَابِ الحسن والقبح ، فلا يخالف عنه مرجع الوحي إذ يأمر بالحسن وَيَنْهَى عن القبيح ، والمحل ، مع ذلك ، لا يستقل بالتشريع ، فلا يصدر إلا عن توقيف ، توقيف النقل الصحيح الذي يصدق ما ركز في الوجدان من العقل الصريح ، وَبِهِمَا الْتِئَامُ أول ، فيكون من ذلك محل يقبل ويصدق ، وهو ، كما تقدم ، ما جاوز في الحد ، العرفان المجرد الذي يحصل لكلِّ أحدٍ ، آمن أو كفر ، قَبِلَ أو رَدَّ ، فَثَمَّ من المرجِّح في المحل الجائز ، المحل القابل للأضداد ، فهو يفتقر إلى مرجح من خارج ، فيكون من ذلك تصور أول ، ومادته هداية بيان وإرشاد تَنْصَحُ ، ويكون من تال هُوَ الْحُكْمُ إذ يحصل في الجنان تَصْدِيقٌ أخص فهو يُرَجِّحُ القبول على الرَّدِّ ، وتلك مادة ترفد ما تلا من قوى الحب والبغض ، وما يصدر عنها من فعل وَتَرْكٍ ، وثم عنها أخرى هي من عمل الجنان ، وهي أول في بَابِ الفعل ، إن فعل الجنان الباطن ، أو آخر من الظاهر ، إن قول لسان فهو في المبدإ يشهد بالحق ، وهو تال يُتَأَوَّلُ بالذكر ، فيكون من تلاوته ما يجاوز الْأَمَانِيَّ الَّتِي ذُمَّ صاحبها إذ لا يَفْقَهُ ، فليس إلا الظن والتخرص فـ : (مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) ، وذلك مِمَّا جاوز المنصوص لقرينة العموم المطرد المنعكس ، وذلك محل اعتبار آخر في باب الاسم والحكم ، وما يستلزمه من آخر من وَعْدٍ وَوَعِيدٍ ، فجاوز المعنى ، معنى الذم ، وإن حكايةَ حال هي النَّقْصُ ، فَجَاوَزَ ذلك المنصوصَ مِنْ ذكر أولئك الأميين من الكتابيين إلى كُلِّ أحد شاركهم الوصف والفعل الأدنى
فَيَكُونُ من التلاوة المعتبرة ما به الاعتبار يَنْصَحُ أَنْ كان له من لسان الوحي ما يفقه ، فَثَمَّ تلاوة مَبْدَؤُهَا نُطْقٌ ، ولا تُجْزِئُ إن لم تُشْفَعْ بالفقه الذي يجاوز الأصوات المنطوقة فَيُسْتَدَلُّ بها على أخرى تُرَادُ لذاتها ، فهي مناط التكليف تصديقا وامتثالا ، فلا يكون من الأصوات المنطوقة ما يَنْفَعُ إِلَّا أَنْ تُشْفَعَ بمدلولاتِها من المعاني المعقولة ، ومنها الخبري الذي يُصَدَّقُ ، ومنها الإنشائي الذي يُمْتَثَلُ ، فتلك تلاوة في الباب ثالثة ، إذ المبدأُ ، كما تقدم ، تلاوة الألفاظ ، وهي مناط الاحتجاج ، ولا يحصل بها أمانيَّ ما يَنْفَعُ حَتَّى تكون ثانية من تلاوةٍ تُفْقَهُ ، تلاوةِ المعاني المعتبرة بما دَلَّ عليه لسان الوحي ، فَفِقْهُهُ ، من هذا الوجه ، فرض عين ، إذ لا يكون تكليف إلا بمعلوم ، وهو ما يجاوز المنطوق فَكَمْ تَالٍ لَا يَفْقَهُ ما يتلو إلا أماني فهو لها يُرَدِّدُ ، فَوَجَبَ تَالٍ من الفقه لا يُنَالُ إلا بفقه اللسان الذي به نَزَلَ الكتاب ، لا جرم كان من جِنَايَةِ الحداثة أَنِ احْتَالَتْ لِتَبُتَّ الصلة بما كان من إِرْثِ اللِّسَانِ نَظْمًا وَنَثْرًا مع دعاوى ظاهرها الرحمة وباطنها العذابُ والهلكةُ أَنْ يكون ثم تَيْسِيرٌ في النطق بما يواطئ عرف الجيل والعصر ، وإن خالف عن قانون اللسان المحكم فاستبدل به لهجات تخرق قانونه الأول من نحوِ كلامٍ يَنْظِمُ الكلماتِ في سِلْكٍ مُحْكَمٍ ، فكان من ذلك فساد اللسان بما دخله من العجمة واللحن ، وإن زَعَمَ صاحبه أنه يُجَدِّدُ في النطق ، فَهُوَ يأتي على أصله بالإبطال أَنْ يُجَرِّدَهُ من أدلته المحكمة بما أُثِرَ من منظوم ومنثور ، فيكون القدح في صحة النقل أنه مما انْتُحِلَ بَعْدًا فلا أصل له في المبدإ ، فإذا بطل الاحتجاج به في تفسير الوحي ، فقد صار اللفظ بلا معنى فلا يصدق فيه أنه كلام يُفْهِمُ ، وصار كتاب تأويل مفتوح ، فكلٌّ يَتَأَوَّلُ منه ما يواطئ الهوى والذوق ، إذ لم يكتمل بَعْدُ فِي الحدِّ ، حدِّ الكلام المجزئ لدى النحاة ، فقد صار لدى أولئك ألفاظا تُتْلَى أماني بلا معان تأطرها على جادة إِفْهَامٍ فلا بد لها من مرجع من الآثار ، فَهُوَ يحكي مراد القائل الأول الذي بِلِسَانِهِ قَدْ نَزَلَ الكتاب المحكم ، فإذا لم يكن ثم آثار من لسان الجيل الأول وما تَقَدَّمَهُ قَبْلَ تَنَزُّلِ الوحي ، إذ لم يكن من ذلك شيء في الاستدلال ، فَقَدْ بُتَّتِ الصلة بها بل وحجدت أصولها فهي المنحولة المخترعة لا الأصيلة المحققة ، فلم يعد ثم مرجع من أعلى يجاوز في تلاوة المعاني ، وإن سُلِّمَ أَنَّ ثَمَّ مرجعا من أعلى يجاوز في تلاوة الألفاظ ، فما يجدي ذلك في العلم والعمل ؟! ، وما زاد من تصديقِ خَبَرٍ وامتثالِ حكمٍ ، فذلك مما افْتَقَرَ إلى قسيمٍ ثان في الحد ، حَدِّ الكلام المجزئ ، فهو ، كما تقدم ، لفظ ومعنى ، فما يجدي لفظ قد جُرِّدَ من المعنى ؟! ، فصار وعاء يشغر ، فتلك ذريعة أن يُشْغَلَ بما يواطئ لَدَى كُلٍّ : هوى أو ذوقًا هو المحدَثُ فلا أصل ، المتشابهُ الذي يُرَدُّ بِهِ المحكم من عُرْفِ لِسَانٍ أول ، إِنْ فِي دلالاتِه المفردة في المعجَمِ ، أو ما كان بعدا من اشتقاقٍ يَتَنَاوَلُ بِنْيَةَ الكلمات فيكون منه زيادةٌ في الدلالات ، وإن لم تجاوز حد المفرد من الألفاظ ، أو ما زَادَ من أخرى في التَّرْكِيبِ المفهِم ، وله من ذلك نحو هو الأول بما استقر من قانون النظم المحكم ، إن المنطوق وهو الأصل أو المكتوب وهو الفرع فهو لِأَصْلِهِ يُصَدِّقُ بما كان من قانون آخر في الْكَتْبِ وَالتَّشْكِيلِ ، فَثَمَّ من ذلك إعراب يُرْسَمُ ، وَحَدُّهُ ، كما تقدم ، ما يضبط أواخر الكلمات وبه تستبين الدلالات ، ولو أولى بها يدرك المخاطَب المعنى المباشر ، مع ما يَلِي من بَيَانٍ يُفْصِحُ عن معان من الاستدلال تَدقُّ ، فلا تُدْرَكُ إِلَّا بِنَظَرٍ أَخَصَّ لا يحصل لكلِّ أحدٍ ، خلافَ ما يكون من نحوٍ أول فمعناه لدى كل يظهر بما استقر من قانون اللسان المفهم ، فيجري مجرى الضروري الذي يستوي في دركه العقلاء كافة ، لا جرم كان العلم بِاللِّسَانِ شَرْطًا في التكليف ، فلا يكون بألفاظ لا يحسن المكلَّف تلاوتها ، وإن أحسن تلاوة المبنى فما يجزئ إن جهل المعنى فيكون من ذلك أماني لا تَنْصَحُ ، وَإِنْ عَلِمَ ، فذلك بيان وإرشاد تَالٍ ، فما يجزئ ، أيضا ، إن لم يشفع بما يصدق من إرادةِ فِعْلٍ أو تَرْكٍ تواطئ ما قد نَزَلَ به الوحي ، فيكون من الحكم ما يصدق التصور ، ويكون من تلاوة العمل امْتِثَالًا ما يواطئ أخرى من العلم الذي به قيام الحجة الناصحة ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مناط التكليف ، فهو العلم الذي به قيام الحجة هدى وإرشادا ، وإن لم يلزم تال من التوفيق والسداد ، فذلك معنى أخص لا يحصل إلا لمحل قد رَجَحَ فيه الإيمانُ الكفرَ بما يكون من مرجِّح من خارج ، وهو ما يَرُدُّ عَجُزَ كَلَامٍ إلى صدرٍ ، فَثَمَّ من الاستطاعة أول ، وهو ما يناط به التكليف الملزِم إذ يحتمل الأضداد قبل الشروع في الفعل ، فذلك الجائز المحتمل ، فلا ينفك يطلب المرجح من خارجه ، فيكون من ذلك إرادة المكلف ، وهي مما يصدر عن أولٍّ من الحب والبغض ، فهما ، كما تقدم مرارا ، أصل كل حركة في هذا الوجود ، وأشرفها حركات التكليف من التوحيد والإيمان ، وما يكون من صالح الأقوال والأعمال ، وما يصدر عنهما من قوى في النفس تَغَارُ أَنْ تُنْتَهَكَ المحارم فهي تُبْغِضُ المخالِف لا عدوانا بلا حق ، وإنما غيرة أن تنتهك حكومات الوحي ، فيكون من قوى في النفس تحب وترضى وتلك مادة ولاءٍ لمن نصح الوحيَ بالتصديق والامْتِثَالِ ، ويكون منها ، أيضا ، ما يباشر الحلال الطيب فهي تواطئ ما رُكِزَ أولا في الجبلة إذا سلمت من العوارض المفسدة ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، مما عم الشرع والخلق كافة ، ففطرة توحيد في الأديان تَنْصَحُ ، وأخرى في الأبدان فلا تُرَجِّحُ إلا الحلال الطيب ، فيكون من ذلك تأويل القوة الشهوانية ، والمحبةُ فِيهَا أَصْلٌ ، يكون من ذلك ألا تخالف عن الفطرة والوحي ، فَتَسْلَمَ من التَّنَاقُضِ إِذِ الوحي الصحيح ، كما تقدم ، لا يخالف عن العقل الصريح وكذا آخر من وجدان الفطرة الناصح فلا يخالف عن الوحي النازل ، فَتَلْتَئِمُ قوى النفس بما ينصح لها في القول والفعل ، في التصور والحكم ، وكذا قوة الغضب وباعثها الكره ، ولها من تأويل يَنْصَحُ مدافعةَ مَنْ يخالف عن الوحي المنزل بما كان من غيرة هي علامة حياة في الجنان تحمد دون زيادة من عدوان يَقْبُحُ ، فلا يلجم الاثنين ، الشهوة والغضب ، إلا حكومة العدل ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، وهو ما افْتَقَرَ إلى أول من معيارِ حُسْنٍ وَقُبْحٍ ، وَلَهُ من ذلك ما رُكِزَ فِي الوجدان وله تَالٍ من الوحي يُفَصِّلُ في الأقوال والأعمال وما يَتَقَدَّمُ من الإرادات ، وهي تأويل قوى المحبة والبغض ، وتلك قوى لا تصدر إلا عن تصورِ حُسْنٍ وَقُبْحٍ ، فَافْتَقَرَتْ إلى معيار علم يَنْصَحُ ، فهو في الباب أول ، إذ التصور للحكم يسبق ، فالحكم تأويل له يرجح في باب المحبة والبغض وما تلا من إرادةِ فِعْلٍ وَتَرْكٍ إِنْ باطنا من أعمال الجنان ، أو ظاهرا من لسان يشهد ويتلو التلاوة المجزئة في حصول اسم من الدين يُحْمَدُ ، فَهِيَ حق التلاوة ، كما تقدم ، تلاوة اللفظ والمعنى وما تلا من تصديق وامتثال ، وكذا ظاهر العمل ، عمل الجوارح إن بالفعل أو بالترك ، فذلك ، أيضا ، مما يُصَدِّقُ ما يحصل في الجنان أولا من التصور والإرادة ، فيكون من ذلك المجموع المركب الذي استغرق المحال والأحوال كافة ، وبه أسماء الإيمان والتقوى والشكر تنصح فذلك تأويل لها يصدق ، وهو ، كما تقدم ، مما افتقر إلى معيار من النطق أول يجاوز ما يكون من تلاوة الأماني ، فلا يجرد الألفاظ من المدلول المعنوي ، إن المفرد أو المركب ، فتلك جناية الحداثة إذ بَتَّتِ الصلة بأصول من اللسان تَنْصَحُ الناطق إذ تُبِينُ له عن مراد القائل ، فإذا بطلت وصار من دعوى التجديد ما يَكْذِبُ ، فإن تجديدَ الأصلِ إذا انْدَثَرَ أن يجتهد المجدِّد في إظهار ما منه قد خفي ، لا أن يقدح فيه ، فيستبدل به آخر لا أصل له فهو المحدَث الذي اضطرب في المعنى إذ لا معيار له يحكم ، فهو هوى وذوق يتبجح أنه ذاتي لا يجاوز المحل فلا مرجع له من خارج ، وهو مما يتوسع في التأويل إذ يُجَرِّدُ الألفاظ من المدلول الأول ، فصارت أوعية تشغر ، وكل متأولٍّ لها يشغل بما يواطئ هواه وذوقه ، فيضطرب الاستدلال وتبطل حجة اللسان ! ، ويصير الكلام أصواتا قد أفرغت من المدلول فكل متأوِّل يشغلها بما يقترح إذ صارت الكتاب المفتوح ، لا اجتهادا في لطائف من المعنى لا تأتي بالإبطال على الأصول المحكمة ، فالاجتهاد في تلك اللَّطَائِفِ مما يحسن والأنظار فيه تَتَفَاوَتُ والاجتهاد فيه يَتَمَايَزُ فَثَمَّ من إشارة النص وإيمائه وَتَنْبِيهِهِ ..... إلخ ، ثم من ذلك ما به اكتمال النظر إذ يَتَنَاوَلُ أولا ما ظَهَرَ ثُمَّ يُفَتِّشُ تَالِيًا فيما خَفِيَ وَلَطُفَ ، فيكون من ذلك ثان يحمد بعد أول يطلب ، فالناظر يَتَنَاوَلُ الأصول والمسائل الكبار قَبْلَ آخر في فُرُوعٍ ومسائل صغار ، وذلك وصف الربانية ، كما أُثِرَ عن بعض السلف ، فهي تربية الخلق بكبار المسائل من الأصول التي لا يصح إيمان إلا بها فهي أصول الاعتقاد ، وذلك ما يجاوز في حكاية إيمان يجزئ ، ولو أدنى ما يَصْدُقُ فِيهِ الاسم الديني ، فهو الاعتقاد والقول وما يصدق فيه أنه جنس العمل فلا يَتْرُكُهُ المكلَّف التَّرْكَ المطلق فهو مما لا يُتَصَوَّرُ ، أن يكون ثم إيمان بلا حركة في الخارج تصدق ، ولو بَعْضًا لا يخرجه من جنس الوعيد الأعم ، وإن سَلِمَ به من وعيد أخص ، وعيد العذاب المؤبد ، فلا يكون ذلك إلا بأدنى ما يصدق فيه اسم الإيمان ، على التفصيل آنف الذكر ، فَاشْتُرِطَ لَهُ عامة : الاعتقاد والقول وجنس العمل ، واشترط له خاصة الإتيان بأعمال مخصوصة قد نص عليها الخبر أنها شروط صحة فَتَرْكُهَا يَنَالُ من الأصل ، وإن أَتَى المكلَّف بأعمال أخرى يصدق فيها اسم الجنس ، جنس العمل ، كما الخلاف المشتهر في ترك الصلاة ، فقد جعله بَعْضٌ قادحا في أصل الدين ، وإن أتى بأجناس أخرى من العمل ، وذلك محل خلاف قد بسط فيه أهلُ الشأنِ القولَ ، فكان من كبار المسائل قَبْلًا ما به الأصول تثبت ، ثم صِغَارٍ بَعْدًا بما دق من مواضع الخلاف في الفروع ، وهو ، في الجملة ، يسوغ ، فتلك فروع تدق وبها يكمل الاستدلال إذ تأتي تَبَعًا ، وإنما الناظر بها يَنْتَفِعُ إذا كان من الأصول أولا ما ثَبَتَ ، إن أصول الاعتقاد التي تنصح أو أخرى في الاستدلال وهي مما به الصغار تُسْتَنْبَطُ ، فيكون من درس أول يتناول طرائق الاستنباط فإذا أتقنها الناظر فقد صَارَ له من الْمَلَكَةِ ما به يَرُدُّ الفروع إلى أصول ، وهو ، مع ذلك ، يعتبر المصالح والذرائع وما عقل من مقاصد الوحي فلا يُتَّخَذُ ذلك ذريعة إلى نَقْضِ ما استقر من كتاب وخبر وإجماع وقياسٍ هو الجلي فأولئك ما لا يسوغ فيه الخلاف إذ يجري مجرى النص وإن كان ثم من اجتهاد في تحرير وجوه الاستدلال في الأدلة الخبرية ، وتحرير محال الإجماع فلا يَتَوَسَّعُ الناظرُ في حكايته ، ولا يُضَيِّقُ منه وَيُحَجِّرُ ما اتَّسَعَ في مواضع تثبت على تفصيل في أنواعه وحجية كُلٍّ ، فهو ثالث في الباب ، وهو مما يُنْقَلُ كما الأخبار ، وهو آي بها امتازت الأمة الخاتمة إذ شهادتها في غيرِها العادلة ولا يكون ذلك إلا عن عصمة ، هِيَ وصف المجموع لا الجميع فلا يخرج الحق عن مقالها ولا تجمع على خلافه ، فتلك عصمة إن في إثبات الإجماع فلا يكون إلا على حق ، أو في نَفْيِهِ فَلَا تُجْمِعُ عَلَى مَا خَالَفَ الحق في نفس الأمر بل وَلَا تُجْمِعُ على خلاف الْأَوْلَى .
فَلَيْسَتْ تلك الدقائقُ من الفروعِ ما يُذَمُّ طلبُه بعد تحرير الأصول المحكمة ، فمن ملك آلة الاجتهاد والترجيح فهو يتناولها بالنظر والتحقيق ، وَإِنَّمَا ذُمَّ من النظر آخر في مواضع تدق فهي تَقْدَحُ في الشريعة الظاهرة بِمَا يكون من تأويلات باطنة إذ تُبْطِلُ مِنَ الأخبار والأحكام ما قد عُلِمَ ضرورةً ، فلا يكون منها حُجَّة في بَيَانٍ ، إذ قد صَارَ ذَاتِيًّا يَتَفَاوَتُ ، فيكون من الاضطراب والتعارض ما لا تسلم منه العقول المحدَثة إن لم يكن لها رائد من نُبُوَّةٍ مُنَزَّلَةٍ ، فما يحسم هذا التناقض وليس ثم مرجع من خارج يجاوز فكلٌّ قَدْ أُعْجِبَ بِمَا يهوى ويجد ، فـ : (تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ، وإذا تَقَطَّعَ الأمر زُبُرًا ضاع الحق وبطلت حجة الوحي ، بل قد اقْتَرَحَ بَعْضٌ في جيل قد تأخر أن الحق كثير لا واحد ، ولو في الأصول التي لا يتصور فيها الخلاف ، فكان من دعاوى الجمع بين الأديان والنحل ما أَحْدَثَ من الدِّينِ ما لم يُشْرَعْ ، فالدين المحكم واحد لا يَتَعَدَّدُ ، دين التوحيد الذي بَشَّرَتْ به النبوات كافة ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الشرائع التي جُمِعَتْ زُبْدَتُهَا في الخاتمة المهيمنة فهي لِمَا تَقَدَّمَ ناسخة ، نسخ الحجية والإجزاء الأعم ، وآخر قد تَنَاوَلَ مواضع من الأحكام فهي أخص ، وهي ، أي الشريعة الخاتمة ، هي قَبْلًا المصدِّقة ، فكان منها كفاية تجزئ في الخبر والحكم ، فالحق في الاعتقاد وفي القول وفي العمل ، في الأخبار وفي الأحكام ، وإن الفروعَ التي يسوغ الخلاف فِيهَا ، الحق في كلٍّ واحد لَا يَتَعَدَّدُ ، إِلَّا مَا كان من خلافِ التَّنَوُّعِ ، بَلْ فِيهِ ، لو تدبر الناظر ، تَفَاضُلٌ فهو بين مفضول وفاضل فلا يخلو من وجه يُقَدَّمُ ، وَلَوْ سُلِّمَ جدلا أن الحق لم يَتَعَيَّنْ بَعْدُ فلم تقم بالنبوة حجة ، فَإِنَّهُ ، في كلِّ حَالٍ ، لا يكون إلا واحدا ، ولو من باب : (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، فلا يكون الاثنان على جادة حق ، بل هو واحد وما سواه باطل ، فلئن أعطى أتباع النبوات الدنية فلا يعطيها الخصم ، ولو كان من دينه بَاطِلٌ يخالف النقل والعقل والفطرة والحس .
فَثَمَّ من العلم أول ، كما تقدم ، وثم تال من التصور ، وله من معيار الحسن والقبح ما رُكِزَ في الوجدان ، وهو المجمل الذي يَفْتَقِرُ إلى بيان من خارج ، وثم تصديق أخص فهو حركة في الجنان تُرَجِّحُ ، فيكون منها قبول أخص ، وبها تأويل الإيمان قوة بآخر من الفعل ، فالمبدأ : تصديق يُرَجِّحُ في الجائزِ المحتمل ، ثم يكون تال من محبة وَبُغْضٍ ، وما يصدر عنهما من إرادة الفعل والتَّرْكِ ، وما يكون بَعْدًا من تصديق الأعمال ، ما بطن من حركات الجنان ، وما ظهر من أخرى يعمر بها اللسان والأركان كافة ، وكل أولئك مجموعٌ في بَابِ الإرادات هو المركب ، فَلَا يَنْفَكُّ يطلب المحل القابل والسبب الفاعل والشرط الذي يُسْتَوْفَى والمانع الذي يُنْفَى ، وهو ، كما تقدم في مواضع عدة ، مما افْتَقَرَ إلى سببٍ يَتَقَدَّمُ ، فيكون من التسلسل في المؤثرين أَزَلًا مَا استوجب الحسم ، فلا بد من أول لا أَوَّلَ قَبْلَهُ ، وعنه العلة التامة تصدر فلا تَفْتَقِرُ إلى مُتَمِّمٍ من خارج كما سَائِرُ الْعِلَلِ ، فَكُلُّهَا حادث ، فالعلة الأولى التامة لَا تَفْتَقِرُ إلى غَيْرٍ ، بل كلُّ سَبَبٍ إليها يَفْتَقِرُ أَنْ تُودِعَ فيه قوة التأثير وَأَنْ تُهَيِّئَ له من المحل ما يقبل آثاره ، فتلك كلمة التكوين النافذة التي استغرقت المحال بما رُكِزَ فِيهَا من قوى تَقْبَلُ ، والأسباب بما ركز فيها من قوى تُؤَثِّرُ ، ولها في القسمة شطر يكمل ، فجنس الكلمات مما تتقاسمه في الخارج : الكونيات التي تُوجِدُ وَتُدَبِّرُ ، وأخرى من الشرعيات فهي تحكم ، فيكون منها ما به الخبرُ يَصْدُقُ ، وما به الحكم يَعْدِلُ ، فيكون من ذلك تكليف التصديق الأول وما تلا من أعمال الإيمان المجزئ ، إن باطنا والمبدأ فيه الحب والبغض ، وهما ملزومان لما تلا من لَازِمٍ هو إرادة الفعل ، وهي المرجِّح إِنْ في أعمال الباطن أو أخرى من الظاهر تصدق ، والمبدأ ، أبدا ، الجنان ، فهو المحل الأشرف ، وله من الماهية ما يلطف ، فالخمر ، كما تقدم في مواضع ، لا تَنَالُهُ ، وإنما تَنَالُ مَرَاكِزَ الحسِّ من الدماغ ، وذلك ما يواطئ قانون الحكمة في التأثير والقبول ، فالمؤثر المحسوس يَنَالُ من المحل المحسوس ، كما أن الكفر ، وهو مما يُعْقَلُ ، يَنَالُ من الجنان وهو محل التَّعَقُّلِ ، فالدماغ محل الإحساس لا العقل ، وإن كان له من ذلك رُتْبَةٌ أَعْلَى ، فهو في الأعضاء سيد فكل يصدر عن أمره بما يكون من نَبْضٍ وإفراز ، وهو ما يواطئ المحال القابلة في الأعضاء ، فإنها تَتَأَثَّرُ بما يكون من سبب يؤثر ، وذلك قياس الحكمة في الباب ، إذ لكلِّ مُؤَثِّرٍ من المحل ما يَقْبَلُ ، وله من الأثر ما يحكي الحكمة في التأثير ، إذ يَتَأَوَّلُ من كلٍّ القوَى المركوزة ، فَيَتَأَوَّلُ من المحل قوى بها يباشر السبب ويعالجه فيكون من الآثار ما ينصح أو آخر يغش ، فإن في الدماغ قوى يُنْعِشُهَا وَارِدُ الصحة بما يكون من مطعومٍ طَيِّبٍ يزيد في الدماغ بما يكون من مادة تنفع ، فَقِيلَ في اللحم أَنَّهُ مما يزيد في العقل ، وَقِيلَ في الزبيب أنه يزيد في الذَّاكِرَةِ ، فَثَمَّ من المحسوس ما يرصد بما يكون من بحث وتجريب معتبر ، فَثَمَّ مِنَ اللحم والزبيب مادَّةٌ تَسْتَخْلِصُهَا آلة الهضم ، فهي تَسْرِي في دماءٍ تَبْلُغُ الدماغَ الذي يُعَالِجُهَا بما ركز فيه من قوى تدرك بالحس ، فيكون من الأثر النافع بما ركز في الطيبات من قوى تنفع وتزيد في المحال ، وكذا يقال في رضاع الصغير إذ يكون من لبن أمه ما يَنْصَحُ الدماغ خاصة ، والبدن عامة ، وذلك ، أيضا ، مما يقاس ويدرك بالحس ، فكان له من مِعْيَارِ التَّجْرِيبِ ما أُحْكِمَ ، فَثَمَّ محل قد رُكِزَتْ فِيهِ قُوَّةٌ بِهَا يَقْبَلُ السبب ويعالجه ويكون من حياة الحس ما يَزِيدُ وَيَنْمُو ، فَثَمَّ قوة نماءٍ تطلب سبب الإنماء ، فيكون من آخر في الخارج ما رُكِزَتْ فِيهِ قوى تَرْفِدُ المحل ، فالسبب يرفد المحل فيكون من المسبَّب ما يحدث ، إذ واطأ السبب محلا يقبل بما ركز فيه من قوى تَقْبَلُ وهي تعالج السبب كما السبب يُؤَثِّرُ فيها ، فيكون من ذلك ما يواطئ العلة والحكم ، فالعلة تؤثر والحكم أَثَرٌ لها يثبت ، فإذا وُجِدَتْ وُجِدَ الحكم ، وإذا ارْتَفَعَتِ ارْتَفَعَ الحكم ، كما تقدم من مثال الخمر فإنها إذا انقلبت خَلًّا فقد زال السبب الجالب للتحريم ، عَلَى تَفْصِيلٍ في الحكم إذ اشترط لها ألا يعالجها أحد قصدا وإنما يكون من ذلك ما اصطلح في الكيمياء أنه التَّأَكْسُدُ إِذَا عُرِّضَتْ للهواء ، فَإِذَا بَاشَرَهَا الهواء أضاف إليها من العنصر ما به تَتَأَكْسَدُ فَتَصِيرُ خَلًّا يباح إذ زال سبب التحريم وهو ما تقدم من الإسكار على قول من يجري القياس في الشرع ، أو هو التخمير ، ودلالته في المعجم المفرد : تَغْطِيَةٌ ، فالخمر تخامر الدماغ فَتُغَطِّيهِ وتحجب منه معادن الصحة ، فَيَصِيرُ إلى غيبوبة تُفْسِدُ الدين والمروءة وتمرض البدنَ ، فذلك السبب الجالب للتحريم وهو ما واطأ مَقْصدا رَئِيسًا من مقاصد الوحي ، وهو حفظ العقل ، إذ لا يحفظ إلا أن تحفظ أداته التي عنه تُتَرْجِمُ المشاعر والإرادات ، فكان من تحريم الخمر ما يحفظ العقل ، إذ يحفظ التحريم الدماغ مما يخامرها من مادة تُسْكِرُ وَتُغْلِقُ ، فلا يحسن صاحبها يميز الأعيان والأحوال في الخارج ، فالسنة قد اطردت ، إِنْ فِي أسبابٍ تَنْفَعُ ، وكذا في أخرى تضر ، ففيها من القوى ما يفسد المحل ، كالخمر إذا خامرت قوى الحس في الدماغ فأفسدتها ، فيكون من الخلل والاضطراب ما تظهر آثاره في حركات الأعضاء ، كما الإيمان فهو سبب به الجنان يصلح فيكون من آثاره في القول والعمل ما يَحْسُنُ ، وكما الكفران فهو سبب به الجنان يفسد فيكون من آثاره في القول والعمل ما يقبح ، فالحكم مما اطرد وَانْعَكَسَ إِنْ في الجنان المعقول أو في آخر من الدماغ هو المحسوس .

وكل أولئك مما أحكم ميزانه ، فكان من آي الوحي محل اعتبار إن في الخبر أو في الحكم ، فذلك قياس طرد وعكس كما أخبار النبوات وما جرى عليها وعلى أَقْوَامِهَا من السَّنَنِ المحكَمِ ، إنجاء لمن آمن وإهلاكا لمن كفر ، فَدَارَ الحكم مع العلة ، إِنْ في الوجود أو فِي العدم ، فتلك سنة محكمة لا تَتَبَدَّلُ ، وآيها في الكتاب والخبر قد تَعَدَّدَ ، فبلغ حد التواتر الذي يفيد علما في الباب يجزم ، وذلك حق الكتاب الأول في أخباره ، وَمِيزَانٌ منه قد عَدَلَ فِي أحكامِه ، كما في آي من التَّنْزِيلِ المصدَّق ، فـ : (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) ، وذلك مما تَعَدَّى بلا تَضْعِيفٍ فَتِلْكَ مادة "أَنْزَلَ" التي تعدت بالهمز فأفادت النُّزُولَ جُمْلَةً ، فلم يكن ثم دلالة التَّكْرِيرِ ، فَتِلْكَ دلالةُ أخرى هي مادة التنزيل التي اشتقت من العامل المضعف "نَزَّلَ" ، كما في آي من الذكر المحكم ، فـ : (قُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) ، وَالْفَرْقُ مَئِنَّةُ التِّكْرَارِ نجومًا قد امْتَازَتْ ، فحصل من ذلك آحاد تُنَاطُ بالمشيئة ، وهو ما يرفد القول إِنَّ الكلام وصف الذات بالنظر في نوعه القديم ، وإن كان من آحاده في الخارج ما يَحْدُثُ ، فَهُوَ تأويل له يَنْصَحُ إذ يناط بمشيئة في الفعل تَنْفُذُ ، فالكلام وصف فعل من هذا الوجه ، وهو ، من آخر ، وصف الذات الأول إذ يَقُومُ بِهَا معنى تَتَمَايَزُ آحاده ، فليس بداهة المعنى الواحد ، وإلا اسْتَوَى الخبرُ والإنشاءُ ، الأمرُ والنهيُ ، وهو ما يُبْطِلُ دلالة الألفاظ وهي الحدود المنطوقة والمكتوبة ، فَيَصِيرُ الأمر أَنِ : اقْعُدْ يماثل في الدلالة : لا تقم ، وهو ، لو تدبر الناظر ، لازِمُه لا عينه ، إذ لكلٍّ من الحد في النطق والنحو ، لكلٍّ من الحد ما يميز وإن كان ثم التلازم ، فهو باب ، والتماثل آخر ، فلا يستويان ، إذ الأمر بالشيء ، كما يقول أهل الشأن ، يَسْتَلْزِمُ النهي عن ضده ، فليس عينه ، وإلا بطل قانون النطق ، فاختلاف المباني لا يحكي آخر من اختلاف المعاني ، فلا يكون ثم مدلول يزيد في ألفاظ تختلف في الحدود الصوتية والصرفية والمعجمية ، مع آخر يزيد في الجناية إذ يُفْضِي إلى تعطيل الدلالات اللسانية كافة ، فيصير الخبر كالإنشاء ، والأمر كالنهي .... إلخ ، بل وتصير النصوص الدينية كُلُّهَا ذات معنى واحد ، التوراة والإنجيل والقرآن ، تَصِيرُ معنى واحدا يقوم بالذات ، وإنما ظهر من الحرف المحدَث ما يدل على هذا المعنى الأول ، وهو واحد لا يتعدد ! ، فَالْتَزَمَ بَعْضٌ أَنَّ الحرف الحاكي لِهَذَا المعنى ، أن هذا الحرف مخلوق ، وَفَرَّ ، من وجه آخر ، من جناية القول بخلق القرآن أَنِ اسْتَثْنَى المعنى الذي يقوم بالنفس ، فليس بالمخلوق ، وهو ما أُلْزِمَ به صاحب هذا القول أَنْ يُوَاطِئَ المثلِّثَة في مقال الأقنوم إذ هو المخلوق المحدَث الذي تَجَسَّدَ فيه الوصف الأول ، فهو غير محدَث ، إذ الحياة أو الكلمة ، وهي أوصاف قديمة غير محدَثة ، قد تجسدت في أَقَانِيمَ مخلوقة محدَثة ، فكذا القول إن الألفاظ مخلوقة والمعاني قديمة ، فذلك مما يُصَيِّرُ الحرف المنطوق أو المكتوب حكاية الكلام أو عبارة الكلام ، فَلَيْسَ عَيْنَ الكلام ، وهو ، لو تدبر الناظر ، شطر منطوق أو آخر مكتوب ، وكلاهما دليل المعنى الذي يقوم بالنفس وَإِنْ قَاسَمَهُ في الحد ، حَدِّ الكلام إذ هو اللفظ والمعنى ، سواء أكان اللفظ منطوقا أم مكتوبا ، فاللفظ شطر من الحقيقة ، حقيقة الكلام المفهِم ، وإن كان الدليل على المعنى ، وهو المراد الأول ، فالكلام لا يُرَادُ صوتا مجردا لا مدلول له قد استقر في المعجم ، فذلك عهد خاص قد أَكْسَبَ تَرَاكِيبَ تَأْتَلِفُ مِنْ نَظْمِ الحروف في سلك الكلمات المنطوقة والمكتوبة ، قَدْ أَكْسَبَهَا العهد الأخص ، وهو ما تَنَاوَلَ جنسَ المعنى الذي يجرده الذهن ، كما يَتَنَاوَلُ درس المعجم مادة الباء والحاء والراء : "بحر" ، فهي تحكي ما وسع ، فكان من ذلك ما يواطئ "رحب" ، و "حبر" ، فهو ذو العلم الواسع ، فَدَارَتِ المادة فِي صورها كَافَّةً ، على معنى "وسع" ، وثم قيد الاستعمال ، وهو آخر يستصحب ، إذ مناط الأمر ، كما تقدم ، توقيف ينال من أصول أولى تُؤْثَرُ ، إن نَظْمًا أو نَثْرًا ، فهي الأصل الحاكم في الأصوات المركبة ، فَمَا حُكِمَ بِاسْتِعْمَالِهِ أَنْ كَانَ ذَلِكَ من المأثور فِي الكلام الأول ، مناطِ الاحتجاجِ المحكم ، فما حكم باستعماله فهو المعتبر ، وما حكم بإهماله فهو المهمل ، فليست صور الألفاظ جميعا تستعمل ، فَثَمَّ ، من هذا الوجه ، صور تَتَعَدَّدُ بما يكون من تَغْيِيرٍ فِي بِنْيَةِ الكلمة تقديمًا وتأخيرًا في الحروف ، فتلك صور تَحْتَمِلُ : الاستعمال أو الإهمال ، فَتَجْرِي ، من هذا الوجه ، مَجْرَى الجائِزِ المحتمل ، فلا ينفك يطلب المرجح من خارج ، وإلا كان التحكم تَرْجِيحًا بِلَا مرجِّح ، فكان من الأصول الأولى ، المنظومة والمنثورة ، كان منها أصل أول ، وهو في الحكم بالاستعمال أو الإهمال يُرَجِّحُ ، فيرجح استعمال بعض ، وإهمال آخر ، وإن كانت الحروف واحدة وإنما اختلف نظمها ، وتلك آية في الباب تشهد إذ حصل من اختلاف المبنى وهو العلة ، حصل منه اختلاف في المعنى ، وهو الحكم ، إذ الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما ، فثم أول إذ حصل من هذا الاختلاف في النظم ، نظم الحروف في الكلمة الواحدة ، حصل منه استعمال بعض وإهمال آخر ، ثم كان مناط أخص إذ حصل من اختلاف المستعمل في الحد بما يكون من تغاير في النظم بالتقديم والتأخير ، حصل من ذلك حكم وهو اختلاف المعنى ، وإن كان ثم معنى أعم يدور عليه الباب كما مادة الخاء والراء مثالا آخر ، فَثَمَّ مادة "رَخَّ" وهي تحكي الكثرة ، كثرة الماء كما في قول القائل : رَخَّ العجين إذا كَثُرَ ماؤه ، وقد تحكي آخر يَقْرِنُ الكثرة بِمَا يكون من التَّنَزُّلِ الشَّدِيدِ ، كما يقال : رَخَّ المطر ، فحصل بالإسناد ، ولو في المادة الواحدة ، حصل اختلاف في المعنى ، ولو الفرع ، فَثَمَّ المشترك الدلالي الذي يجرده الذهن ، وهو جنس المعنى ، معنى الكثرة ، وَثَمَّ امْتِيَازٌ قَدِ اخْتُصَّ بِهِ المطرُ إذ كان من المعنى الزائد : التَّنَزُّلُ مِنْ أَعْلَى ، وهو ما لا يكون ، بداهة ، في ماء العجين إذ يُعْجَنُ ، فإذا اختلف الترتيب في "خَرَّ" لم يخرج عن المعنى الكلي الجامع فَخَرَّ الماء إذا تَنَزَّلَ من عال إلى سافل ، وكان من ذلك شديد ينهمر ، فالأصول الأولى من النظم والنثر تميز المستعمل من المهمل ، من وجه ، وتميز في المستعمل وُجُوهًا من المعنى ، فَلِكُلِّ مادة استعمال أخص ، وإن كان ثم أول أعم ، وهو ما يَرُدُّ عَجُزَ كلامٍ إلى صدر ، فَثَمَّ من اختلاف المبنى ما يدل على آخر من المعنى ، فهو قسيمه في الحد ، حَدِّ الكلام لدى أرباب النحو ، فلئن كان المظهِر لما بطن من المعنى وهو الأول الذي يُرَادُ لِذَاتِهِ ، فلئن كان اللفظ مظهِرا له ، إلا أَنَّهُ ، من وجه آخر ، قَسِيمُهُ في الحد ، فالكلام هو المعنى الذي يقوم بالنفس ، والمعنى الذي يظهره النطق والكتب ، المعنى إذ يختلف فليس واحدا يقوم بذات المتكلم ، فمنه الخبر والإنشاء ، وَمِنْ آحادِ كُلٍّ ما لَا يُحْصَى ، فَكَذَا اللَّفْظُ الَّذِي يحكيه في الخارجِ ، إِنْ بِالنُّطْقِ أَوْ بِالْكَتْبِ ، فاختلافه في الخارج حكاية آخر في الباطن ، فذلك اختلاف المعنى ، وَإِنْ دَقَّ ، فيكون من الاشتراك في المعنَى الكليِّ الجامعِ ، يكون من ذلك جنس عام يجرده الذهن ، وله في الخارج آحاد أخص بما يكون من قيد يزيد ، إن باختلاف المادة تقديما وتأخيرا ، كما في "خَرَّ" و "رَخَّ" ، أو بالإسناد ، كما في : رَخَّ العجين ، وَرَخَّ الماء ، فتعددت المعاني التي تقوم بالنفس ، ولو في مادة معجمية واحدة ، على التفصيل آنف الذكر .

والله أعلى وأعلم .
منازعة مع اقتباس
 


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
من خواطر معلم لغة عربية فريد البيدق مُضطجَع أهل اللغة 8 05-07-2019 10:30 AM
خواطر كريم امصنصف مُضطجَع أهل اللغة 9 13-10-2017 03:16 AM
خواطر مرسلة بين ماض وحاضر خالد العاشري حلقة الأدب والأخبار 0 13-05-2015 08:05 PM
خواطر من فيض الذاكرة شجرة الزيتون مُضطجَع أهل اللغة 0 18-09-2013 12:02 AM
خواطر سهل بن المبارك مُضطجَع أهل اللغة 0 27-12-2008 07:24 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 04:09 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ